النص المفهرس
صفحات 61-80
فقه البيوع بلغه) أي: المشتريَ (الخبرُ) قَبلَ البيعَ (صح) العقدُ." (١) هذه النّصوص صريحةٌ فى أنّ العقد يتمّ بمجرّد قبول المكتوب إليه، ولا يشترط له علم الموجب بالقبول، غير أنّ الشافعية والحنابلة يقولون بخيار المجلس كما سيأتى، وعلى أساس هذا الخيار، يحقّ لكل واحدٍ من الفريقين أن يفسُخ العقد قبل انتهاء مجلس القبول، وهذا أمرٌ لا يؤثّر على كون القبول تامّاً بمجرّد الإعلان، وعلى أنّه لا يشترط له علمُ الموجب به. أمّا المالكيّة، فقد ذكرنا من مذهبهم أنّ الإيجابَ مُلزِمٌ للموجب، بشروطه، وأنّ الموجب لا يملك الرّجوعَ عن إيجابه إلى أن يقبله الطّرف الآخر أويردّه. وعلى هذا الأساس، يتمّ العقد عندهم بمجرّد قبول الطرف الآخر، سواء أعَلِم بذلك الموجب أم لم يعلم. ولذلك يظهر من نصوصهم أنّهم أخذوا بنظريّة إعلان القبول (٢). وبالرّغم من هذه النّصوص الفقهيّة، زعم بعض المعاصرين أنّ فقهاء الشّريعة الإسلاميّة يعتمدون مبدأ العلم بالقبول، دون الإعلان فقط. واستند هؤلاء بما جاء فى الفتاوى الهندية: "ومنها (أى من شرائط صحّة البيع) سماعُ المتعاقدين كلامهما، وهو شرط انعقاد البيع بالإجماع. فإذا قال المشترى: "اشتريت"، ولم يسمع البائعُ كلامَ المشترى، لم ينعقد البيع.(٣)" (١) كشاف القناع عن متن الإقناع ١٣٧:٣ (٢) راجع الدسوقى ٣:٣ والخرشى ٥:٥ (٣) الفتاوى الهندية ٣:٣ المبحث الأول وكذلك مرّ عن شرح المجلّة أنّه يجب لصحّة الرجوع عن الإيجاب أن يسمع الآخر الرجوع.(١) قال الدكتور عبدالرزاق السّنهوريّ رحمه الله تعالى على أساس ذلك: "إنّ منطق القاعدة التى تقول بوجوب سماع الموجب القبولَ فى التّعاقد بين الحاضرين تقتضى القولَ بوجوب علم الموجب بالقبول فى التّعاقد بين غائبين، والسّماعُ فى حالة حضور الموجب يقابله العلمُ حالة غيابه. "(٢) والواقع أنّ وقت تمام القبول لم يصرّح به القرآن الكريم أو السنّة النّبويّة، على صاحبها السّلام، وإنّما المبدأُ الّذى ذكره القرآن الكريم هو التّراضى، حيث قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ [النّساء: ٢٩] وكلّ ما ذكره الفقهاء فى الإيجاب والقبول ينطلق من هذا المبدأ. فوقتُ تمام العقد هو وقتُ حصول التّراضى بتوافق الإرادتين، قبل أن يتخلّلهما ما يُبطل الإرادةَ الأولى (وهى الإيحاب) أويرفضها، وذلك إنّما يحصل عندما يتلفّظ الطرف الآخر بالقبول إن كان الإيجابُ قائماً إلى ذلك الوقت، فالإيجاب إعلانُ إرادة إلانشاء من قِبل الطّرف الأوّل، فإذا اقترن به إعلانُ إرادة إلانشاء من قبل الطّرف الآخر، توافق الإرادتان وحصل التّراضي، وبه يتمّ العقد. هذا ما يقتضيه منطقُ التّراضى وتوافق الإرادتين. ومن هنا ذكر الفقهاء أنّ العقد يتمّ بقبول الطّرف الآخر فى مجلس وصول الرّسالة. ولكنّ الذى يظهر لى - والله أعلم - (١) شرح المجلة للأناسي، مادة ١٨٤ عن الخلاصة والتتارخانية (٢) مصادر الحق، للدكتور عبدالرزاق السنهورى ٥٦:٢ ٦٢٩ فقه البيوع أنّ هذا حكمُ الدّيانة. فمَن تلفّظ بالقبول، أو كتب به فى رسالة بنيّة إنشاء العقد، فإنّ العقدَ صار لازماً فى حقّه ديانةً منذ ذلك الوقت. أمّا بالنسبة للموجب، فلا يُعتبر العقدُ تامًّا فى القضاء إلّ بتسلّم الموجب رسالةً القبول. وذلك لأنّ إثباتَ وقت القَبول الشّفهى أو كتابة الرّسالة عسيرٌ جدًا، ولأنّ القابلَ يمكن أن يتأخر بعد القبول الشّفهىّ فى إشعار الموجب بقبوله، أو أن تضيع الرّسالةُ فى الطّريق بعد أن أرسلها القابل، وأنّ الموجب الَّذى ليس على علمٍ بذلك قد يعتبر إيجابَه ساقطاً، وقد يتعاقد مع شخص آخر ظناً منه بأنّ إيجابَه لم يقبله المرسل إليه. ولابدّلإزالة هذه الصّعوبات من أن يُناط حكمُ اللّزوم فى حق الموجب بعلم الموجب للقبول، ولأنّ الموجبَ لا يرضى بلزوم العقد فى حقّه بإعلان القبول الَّذى لم يطّلع عليه، فيفوتُ التّراضى. وعليه يُحمل قول الفقهاء الّذين اشترطوا لصحّة العقد أن يسمع الموجبُ القبول. وبهذا يمكن التّطبيق بين نصوص الفقهاء الحنفيّة. فحيث ذكروا لزومَ العقد فى الكتابة بإعلان القبول، فالمراد منه اللّزومُ فى حقّ القابل، وحيثُ اشترطوا سماعَ الموجب كلامَ القابل فى العقد بين حاضرين، فالمراد منه أنّ العقد لا يلزم فى حقّ الموجب إلاّ بسماعه. ثمّ إنّ عِلْمَ الموجب شيئ مخفّى، فيستدلّ عليه فى القضاء بالأسباب الّتى تؤدّى فى العادة إلى علمه، ولذلك قال الفقهاء: "فإن سمع أهلُ المجلس كلامَ المشترى، والبائع يقول: "لم أسمع، ولا وقر فى أذنى"، لم يصدق قضاءً(١)" (١) الفتاوى الهندية ٣:٣ عن البحر الرائق المبحث الأوّل وهذا ظاهرٌ فى أنّ سماعَ الموجب القبولَ أمرٌ يُستدلّ عليه بسببه، وذلك أن يتكلّم الموجب بصوتٍ عادىّ يسمعه أهلُ المجلس. فكذلك فى المكاتبة، يُستدلّ على علم الموجب بتسلّمه للرّسالة بحيث يمكّنه فى العادة من قراءتها والاطلاع على ما فيها. وحاصل هذه الدّراسة أنّ العقد يلزم فى حقّ القابل بإعلان القبول، وفى حقّ الموجب بتسلّمه. هذا ما أدّى إليه نظرى بعد مراجعة كلام الفقهاء، ولكنّ المسئلة اجتهاديةٌ مبنيّة على تفسير "التّراضى" الذى اشترطه القرآن الكريم لصحّة العقد، والنّظريّات الأربعة التى ذكرناها كلّها محتملة، وإنّ الأخذ بأىِّ منها حسب الأعراف السّائدة لا يؤدّى إلى مصادمة نصّ من نصوص القرآن والسنّة، والله سبحانه أعلم. ٢٦ - خيار المجلس ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ العقد يلزم الطّرفين بمجرّد تمام الإيجاب والقبول، ولا يكون لأحدهما الخيارُ فى فسخه إلّ بخيار الشّرط، أو خيار الرّؤية، أو خيار العيب أو خيار النّقد وغيره. أمّا الشّافعيّة والحنابلة، فإنّ العقد عندهم لا يلزم الطرفين ما داما فى مجلس العقد. وإنّما يلزم بأحد الطّريقين، إما أن ينقطع مجلس العقد، وإمّا أن يقول أحدهما لصاحبه "اختر"، ويقول الآخر "اخترت". وما لم يتحقّق أحد هذين الأمرين، فإنّ كلّ واحدٍ منهما له الخيارُ فى فسخ العقد بدون رضا الآخر. وهذا الخيار يسمّى عندهم "خيار المجلس" (١) ومستدلّهم فى ذلك الحديثُ المعروف: "البيّعان بالخيار ما لم يفترقا." وهو مرويّ عن عدّة من الصّحابة رضى الله تعالى عنهم، وهذا لفظ حديث حكيم بن حزام (١) راجع لتفاصيله المغنى لابن قدامة ٦:٤ ٦٤ فقه البيوع أخرجه البخاري.(١) وحملوا الافتراق على الافتراق بالأبدان. وأمّا الحنفيّة والمالكيّة، فمنهم من حمله على افتراق الأقوال بالإيجاب والقبول، ومنهم من حمله على الافتراق بالأبدان، ولكن فسّر الخيارَ بخيار القبول، دون خيار المجلس، كما هو مرويٍّ عن الإمام أبى يوسف، والقاضى عيسى بن أبان رحمهما الله تعالى. وقد طال كلامُ الفريقين فى الاستدلال على ثبوت الخيار وعدمه، ولسنا الآن بصدد ترجيح أحد المذهبين على الآخر(٢)، ولكنّ الّذى يظهر أنّ خيار المجلس يمكن تصوّرُه فى البيع بين حاضرين فى مجلس واحد. أماً فى التجارة فيما بين البلدان والأقاليم، الّتى ربّما تقع بواسطة الأجهزة الكهربائيّة أو اللاّسلكيّة، فإنّ إثباتَ خيار المجلس فيها يؤدّى إلى مشاكل كثيرة، ويعرّض العقدَ للنزاعات الّتى عُهد من الشّريعة البُعدُ عنها. فالأحسنُ والأسلم اليوم أن تُعقد البيوع خاليةً عن خيار المجلس، وإنّ ذلك ممكن، حتّى فى نطاق ظاهر الحديث الذى يُستدلّ به على ثبوت خيار المجلس، وفى نطاق مذهب الشافعية والحنابلة أيضاً، لأنّه قد ورد فى صحيح البخارىّ عن ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "إذا تبايع الرّجلان فكلّ واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يُخيِّر أحدهما الآخر، فتبایعا علی ذلك فقد وجب البیع(٣)." (١) صحيح البخاري، كتاب البيوع، حدیث ٢١٠٧ (٢) وقد بسطت الكلام على هذا الموضوع فى تكملة فتح الملهم ٣٦٨:١، وراجع أيضا الذخيرة للقرافي ٢٠- ٢٣:٥ (٣) صحيح البخارى، كتاب البيوع، باب إذا خیر أحدهما صاحبه، حديث ٢١١٢ المبحث الأول وهو مفسِّر للحديث الذى ورد فيه: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرّقا، إلاّ بيعَ الخيار"(١). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فى شرحه: "وقد اختلف العلماء فى المراد بقوله فى حديث مالك: "إلاّ بيعَ الخيار"، فقال الجمهور، وبه جزم الشافعىّ: هواستثناءً من امتداد الخيار إلى التّفرق، والمراد أنّهما إن اختارا إمضاءَ البيع قبل التّفرق، لزم البيع حينئذٍ، وبطل اعتبار التفرّق، فالتقدير: إلاّ البيع الّذى جرى فيه التّخاير. قال النّووىّ رحمه الله تعالى: اتّفق أصحابنا على ترجيح هذا التّأويل. وأبطل كثيرٌ منهم ما سواه وغلّطوا قائله(٢). "وقد ذهب الشافعية والحنابلة على أساس هذا الحديث إلى أنّ العاقدين لهما أن يعقدا البيعَ بشرط أن لا يكون لهما خيار المجلس، فيلزم العقدُ بمجرّد الإيجاب والقبول، ويسقط الخيار. قال ابن قدامة فى المغنى، وهو يشرح كلمة "إلاّ بيع الخيار" فى الحديث المذكور: "ويحتمل أنّه أراد البيعَ الّذى شرطا فيه أن لا يكون بينهما فيه خيار، فيلزم بمجرّد العقد من غير تفرّق"(٣) وقال بعد أسطر: "والتّخاير فى ابتداء العقد وبعده فى المجلس واحد، فالتّخاير فى ابتداءه أن يقول: (١) صحيح البخارى، باب البيعان بالخيار، حدیث ٣٢٨ (٢) فتح البارى ٣٣٣:٤ (٣) المغنى ٤: ٩ فقه البيوع بعتك ولاخیار بیننا، ویقبل الآخر على ذلك،فلا یکون لهما خيار." وتبيّن بهذا أنّ العاقدين يملكان إسقاطَ خيار المجلس باشتراط نفي الخيار فى صُلب العقد. وما يملك العاقدان اشتراطَه فى العقد قد يتعيّن بالعُرف، لأنّ المعروفَ كالمشروط. وعلى هذا الأساس لو صدر هناك تقنينٌ من قِبل الحكومة لإسقاط خيار المجلس أو نفيه، فإنّه لا يقِلّ من أن يأخذ حكم العرف، فينبغى أن يسقُط به خيارٌ المجلس على قول الشافعيّة والحنابلة أيضاً، ولا سيّما على كون حكم الحاكم رافعاً للخلاف. والتّقنينُ على هذا الأساس أوفقُ بظروف التّجارة المعاصرة، والله سبحانه أعلم. ولذلك نرى أنّ معظم المعايير والمشروعات لقانون البيع التى أعدّت من قبل العلماء المعاصرين، لم يأخذوا بخيار المجلس، بل حكموا بانتقال الملكيّة إلى المشترى بمجرّد الإيجاب والقبول.(١) ٢٧ - البيع بالتّعاطى بما أنّ الإيجاب والقبول صيغتان للتّعبير عن تراضى الفريقين، وقد يُعبّر عن التّراضى بالفعل، كما يُعبَّر بالقول، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز البيع بالتّعاطى، وهو أن يُعطِىَ البائعُ المبيعَ، ويدفعَ المشترى الثّمن، بدون أن يتلفّظا بالإيجاب أو القبول. وهذا البيعُ يسمّى "البيع بالتّعاطى"، أو "البيع بالمعاطاة"، أو "بيع المراوضة". فإذا لم يقع التّلفّظ بإنشاء البيع من الجانبين، لا من البائع ولا من المشترى، فهو "التّعاطى" فى اصطلاح جميع الفقهاء. أمّا إذا تلفّظ أحدُهما بالإيجاب، وعبّر الآخرُ عن رضاه بفعل (١) راجع مثلاً المذكّرات الإيضاحيّة للقانون الأردنيّ مادة ٤٨٥ ص ٥٠٠ والمعايير الشّرعيّة المتعلقة بالمرابحة وتجارة السلع، حيث لا يوجد فيها ذکر خيار المجلس. المبحث الأول الإعطاء والقبض، فقد سمّاه بعض الفقهاء "تعاطياً"(١) وقال آخرون: ليس ذلك من التّعاطى، وإنما هو إيجابٌ باللّفظ وقبولٌ بالفعل (٢)، والبيعُ صحيحٌ عند الجمهور بكلا الطریقین. ولكنّ المشهور من مذهب الإمام الشافعىّ رحمه الله تعالى أنّه يشترط الإيجاب والقبول باللّفظ، فلا يصحّ البيعُ عنده بالتّعاطى. قال جلال الدّين المحلّىّ رحمه الله تعالى: "فلابيعَ بالمعاطاة، ويردّ كلّ ما أخذه بها أو بدلَه إن تلف."(٣) وقد أجازه بعض الشّافعيّة فى الأشياء المحقّرة، كرطل خبز، وخُزمة بَقْل، ومنعوه فى الأشياء النّفيسة (٤). وهو قول الكرخىّ من الحنفية(٥). والجمهور من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة متّفقون على جواز البيع بالتّعاطى فى سائر الأشياء، النّفيسة منها والخسيسة(٦)، وهو الذى رجّحه النّووىّ من الشّافعيّة(٧) وقال الكاسانيّ رحمه الله تعالى: "وذكر القدورىّ أنّ التّعاطى يجوز فى الأشياء الخسيسة، ولا يجوز فى الأشياء النّفيسة. وروايةُ الجواز فى الأصل مطلقٌ من هذا التّفصيل، وهى الصّحيحة، لأنّ البيع فى اللّغة والشّرع اسمٌ للمبادلة، وهى مبادلةُ شيئ مرغوب (١) المغنى لابن قدامة ٤:٤ (٢) ردالمحتار ١٤: ٤٨ فقره ٢٢٢٤٩ (٣) شرح المحلّى على منهاج الطلبين مع حاشيتى قليوبى وعميرة ١٥٣:٢ (٤) المرجع السابق (٥) فتح القدير ٤٥٩:٥ (٦) الهداية مع فتح القدير ٤٥٩:٥ والد سوقى على الشرح الكبير ٣:٣ والمغنى لابن قدامة ٤:٤ (٧) روضة الطالبين ٣٧:٣ فقه البيوع بشيئ مرغوب، وحقيقةُ المبادلة بالتّعاطى، وهو الأخذ والإعطاء، وإنّما قولُ البيع والشراء دليلٌ عليهما. والدليل عليه قوله عزّ وجلّ: "إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩] والتّجارة عبارةٌ عن جعل الشيئ للغير ببدل، وهو تفسير التّعاطى. وقال سبحانه وتعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى فَمَا رَبَحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: ١٦] أطلق سبحانه وتعالى اسمَ التّجارة على تبادل ليس فيه قول البيع. وقال الله عزّ وجلّ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١] سمّى سبحانه وتعالى مبادلةَ الجنّة بالقتال فى سبيل الله تعالى اشتراءً وبيعاً، لقوله تعالى فى آخر الآية: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِه [التوبة: ١١١] وإن لم يوجد لفظ البيع. وإذا ثبت أنّ حقيقة المبادلة بالتّعاطى، وهو الأخذ والإعطاء، فهذا يوجد فى الأشياء الخسيسة والنّفيسة جميعاً، فكان التّعاطى فى كلّ ذلك بيعاً، فكان جائزاً.(١)" وقال ابن الهمام رحمه الله: "وعامتهم على أنّه ينعقد فى جميع الأشياء، الخسيسةُ والنفيسةُ فى ذلك سواء، لأَنّه وُجد التراضى، وهو المعتبر فى الباب، إلاّ أنّه لماً كان باطناً، أقيم الإيجاب والقبول مقامَه لدلالتهما على التّراضى، والتّعاطى أدلُّ على الرّضا منهما (٢)" وقال ابنُ قدامة رحمه الله: "ولنا أنّ الله أحلّ البيع ولم يبيّن كيفيته، فوجب الرّجوعُ فيه على العُرف، كما رجع إليه فى القبض والإحراز والتّصرف، والمسلمون فى (١) بدائع الصنائع ١٣٤:٥ (٢) فتح القدير ٤٦٠:٥ المبحث الأول أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولأنّ البيع كان موجوداً بينهم معلوماً عنهم، وإنّما علّق الشّرعُ عليه أحكاماً وأبقاه على ماكان، فلا يجوز تغييره بالرّآى والتّحكْم، ولم يُنقل عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا عن أصحابه، مع كثرة وقوع البيع بينهم، استعمالُ الإيجاب والقبول. ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم، لنقل نقلاً شائعاً. ولوكان ذلك شرطاً لوجب نقلُه، ولم يُتصوّر منهم إهمالُه والغفلةُ عن نقله. ولأنّ البيع ممّا تعمّ به البلوى، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبيّنه صلى الله عليه وسلّم بيانًا عامًا، ولم يُخْفِ حُكمه، لأنّه يُفضى إلى وقوع العقود الفاسدة كثيراً، وأكلهم المال بالباطل، ولم يُنقل ذلك عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من أصحابه فيما علمناه. ولأنّ النّاس يتبايعون فى أسواقهم بالمعاطاة فى كلّ عصر، ولم يُنقل إنكاره قبل مخالفينا، فكان ذلك إجماعاً. "(١) ٢٨ - الإعطاء من جانب واحد اشترط بعض الفقهاء لصحّة التّعاطى أن يقع الأخذ والعطاءُ من الجانبين، ولا يكفى الإعطاء من جانب واحد فقط، وهو قول الطّرسوسيّ والحلوانيّ من الحنفيّة. ولكن أفتى المحقّقون من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة أنّ ذلك ليس بشرط، بل يمكن أن ينعقد البيع بالإعطاء من جانب واحد. قال التّردير رحمه الله تعالى: "وإن كان الدالّ على الرّضا إعطاءً، ولو من أحد الجانبين."(٢) وقال البهوتيّ رحمه الله تعالى: " ومنها، أى المعاطاة لو سلّمه سلعةٌ بثمن، فيقول البائع: "خُذْها"، فأخذه المشترى وهو (١) المغنی لابن قدامة ٤: ٤ و٥ (٢) الشرح الكبير للدّردير مع حاشية الدسوقيّ ٣:٣ فقه البيوع ساكت، أو يقول البائع: "هى لك"، أو يقول: "أعطيتكها"، فيأخذها."(١) وقال ابن عابدين: "صورته (يعنى التّعاطى من جانب واحد) أن يتّفقا على الثّمن، ثم يأخذ المشترى المتاع، ويذهب برضا صاحبه من غير دفع الثّمن، أو يدفع المشترى الثّمنَ للبائع، ثم يذهب من غير تسليم المبيع، فإنّ البيع لازمٌ على الصّحيح، حتّى لو امتنع أحدهما بعده، أجبره القاضى (٢)" وقال ابن نُجيم: "وفى القاموس: التّعاطى: التناول، وهكذا فى الصّحاح والمصباح، وهو إنّما يقتضى الإعطاء من جانب، والأخذ من جانب، لا الإعطاء من الجانبين، كما فهم الطّرسوسى" وقال قبل ذلك: "وصحّح فى فتح القدير أنّ إعطاء أحدهما كاف. ونصّ محمّد على أنّ يبعَ التّعاطى يثبت بقبض أحد البدلين، وهذا ينتظم المبيع والثمن. "ثم نقل عن الفنية: " دفع إلى بائع حنطة خمسة دنانير ليأخذ منه حنطة، وقال له: بكم تبيعها؟ فقال " مائةً بدينار،" فسكت المشترى، ثمّ طلب منه الحنطةَ ليأخذها، فقال البائع: غداً أدفع إليك. ولم يجْرِ بينهما بيع (٣)، وذهب المشترى فجاء غداً ليأخذ الحنطةَ وقد تغيّر السعر، فليس للبائع أن يمنعها منه، بل عليه أن (١) كشاف القناع للبهوتيّ ٣: ١٣٨ (٢) ردالمحتار ٤٩:١٤ فقرة ٢٢٢٥٢ (٣) أى لم يجر بينهما صيغة الإيجاب والقبول، وإلاّ فالمسئلة مفروضة على أن البيع قد انعقد بأخذ البائع الثمن. 0 المبحث الأول يدفعها بالسّعر الأول(١)" وظاهرٌ أنّ الإعطاء من جانب واحد إنّما يقع بيعاً إذا دلّ السّياق والقرائن أنّ الفريقين أرادا بذلك إنشاءَ العقد. أمّا إذا وقع الأخذ والإعطاء ليبقى الشّيئُ عند المشترى على سَوْم الشّراء، فلا ينعقد البيع بذلك. ٢٩-التّعاطى بعد عقد فاسد ثمّ إنّ التّعاطيَ ينعقد به البيع إذا لم يستند ذلك إلى عقد فاسد. فلو عقدا البيع فاسداً، ثمّ تعاطيا على ذلك الأساس، لا ينعقد به البيعُ صحيحاً، وإنما يجب أن تقع بينهما متاركةُ العقد الفاسد، ثمّ يُمكن عقدُه من جديد، إمّا بتلفّظ الإيجاب والقبول، وإمّا بالتّعاطى. قال ابن نجيم: "وقدّمنا فى الإيجاب والقبول أنّهما بعد عقدٍ فاسدٍ لا ينعقد بهما البيعُ قبل متاركة الفاسد، ففى بيع التّعاطى بالأولى، وهو صريحُ الخلاصة والبزّزيّة أنّ التّعاطيَ بعد عقد فاسدٍ أو باطلٍ لا ينعقد به البيع، لأَنّه بناءٌ على السّابق. (٢) " وذكر ابن عابدين رحمه الله تعالى أنّ فى المسئلة روايتين للحنفيّة، فينعقد العقدُ على (١) البحر الرائق ٢٨١: ٥ ويُمكن أن تُخرّج هذه المسئلة بطريقين: الأول: أنّ البيع انعقد بالعطاء من جانب واحد وهو دفع خمسة دراهم، ورضا المشترى بالثمن الذی ذکره البائع، فانعقد البيع حالا، ولكن استمهل البائع من المشترى أن يأخذ المبيع غدا، فوجب عليه أن يدفع الحنطة غداً بالثمن الذى انعقد عليه البيع. والطّريق الثّانى: أنّ البيع لم ينعقد فى اليوم الأوّل، وإنّما وعده البائع أنّه سيبيع الحنطة غداً بالسّعر المذكور. ووجب عليه ديانةً أن يفى بوعده، وعلى هذا، فوجوب دفع الحنطة بذلك السّعر حكم الديانة، وليس حكم القضاء، والله سبحانه أعلم. (٢) البحر الرائق ٢٨١:٥ فقه البيوع إحداهما بدون المتاركة، ولا ينعقد على الأخرى إلاّ بالمتاركة (١). والذى يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه - أنّه يمكن التّطبيق بين الرّوايتين بأنّه متى وقع التّعاطى مستنداً إلى العقد الفاسد، لم ينعقد به البيع. أمّا إذا دلّت القرائن على أنّ التّعاطيَ لم يقَعْ على أساس العقد الفاسد، وإنّما وقع لإنشاء عقد جديد، فإنّه يصحّ به البيع. فكأنّ متاركة العقد الفاسد وقعت اقتضاء. والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٠- بيع الاستجرار وممّا يلحق بالتّعاطى بيعُ الاستجرار، وهو فى اصطلاح الفقهاء المتأخّرين: أن يأخذ الرّجلُ من البيّاعِ الحاجاتِ المتعدّدةَ شيئاً فشيئاً، دون أن يجريَ بينهما مساومةٌ، أو إيجابٌ وقبولٌ فى كلّ مرّة. والمعروف فى مثل هذا البيع أنّ المشتريَ يُحاسبه بعد فترة، كالشّهر مثلاً، وهذا البيعُ ممّا تعارفه النّاس فى حاجاتهم اليوميّة، وهو غيرُ جائز عند أكثر الشّافعيّة القائلين بعدم مشروعيّة التّعاطى. وقدّمنا أنّ النّوويّ رحمه الله تعالى ممّن رجّح جواز التّعاطى، ولكنّه شدّد فى بيع الاستجرار لأسباب أخرى، فقال: " ولا تغترَّ بكثرة مَن يفعله، فإنّ كثيراً من النّاس يأخذ الحوائج من البيّاعِ مرّةً بعد مرّة من غير مبايعة ولا معاطاة، ثم بعد مدّة يُحاسبه ويُعطيه العوض، وهذا باطل بلاخلاف(٢)" ولكنّ جماعةً من الشّافعيّة ذهبوا إلى جواز هذا البيع، ومنهم الإمام الغزالىّ (١) ردالمحتار ١٤: ٥١ فقره ٢٢٢٥٥ (٢) المجموع شرح المذهب للنووى ١٧٣:٩ المبحث الأول رحمه الله تعالى(١). وقد أجازه الإمام مالك رحمه الله بشرط أن يكون السَّعر معلوماً. فإن لم يكن السّعر معلوماً عند الأخذ، فلا يجوز عنده، كما صرّح به فى الموطّأ (٢). وأمّا الحنابلة، فالظّاهر عندهم جواز الاستجرار على أساس سعر السّوق(٣)، وأمّا الحنفيّة، فقد أجاز المتأخّرن منهم هذا البيع استحسانا(٤). واختلفت تعبيراتهم فى تكييف وجه الاستحسان، وقد بسطتُ الكلام عليه فى بحثى الخاصّ بموضوع "البيع بالتّعاطى والاستجرار "(٥) وخلاصةُ ما توصّلتُ إليه أنّ الاستجرار على نوعين: الأوّل: الاستجرار بثمن مؤخّر، وهو أن لا يدفعَ المشترى الثّمن إلى البائع إلاّ عند تصفية الحساب فى آخر الشهر مثلاً. والثّانى: الاستجرار بمبلغٍ مقدّم، وهو أن يدفعَ المشترى إلى البائع مبلغاً مقدّماً، ثمّ يستجرّ منه الأشياء، وتقع المحاسبةُ بعد أخذ مجموعة من الأشياء فى نهاية الشّهر مثلاً. أمّا الاستجرار بثمن مؤخّر، فحكمه ما يأتى: إن كان البائع يبيّن ثمن البضاعة المأخوذة كلّما يأخذ منه المشترى شيئاً، فالبيع صحيحٌ عند كل أخذ. وهذا بإجماع من يقول بجواز التعاطى. وقدّمنا أنّ البيع بالتّعاطى لا يُشترط له الإعطاء من الجانبين، بل يجوز بالإعطاء من جانب (١) نهاية المحتاج، للرملى ٣٦٤:٣ (٢) الموطأ، للإمام مالك، جامع بيع الطعام، وراجع المنتقى للباجى ١٥:٥ (٣) موسوعة الفقه الإسلامى (المصريّة) ٣٠٥:٥ عزوا إلى النكت والفوائد السنية لابن مفلح (٤) الدر المختار مع رد المحتار ١٤: ٥٥ إلى ٥٧ فقره ٢٢٢٦١ والبحر الرائق ٢٥٩:٥ شرح تعريف البيع (٥) بحوث فى قضايا فقهية معاصرة، للمؤلف، ١: ٤٩ وما بعده ٧٤ فقه البيوع واحد أيضاً. ١. إن كان البائعُ لا يبيّن ثمنَ البضاعة عند كل أخذ، ولكن تفاهم المتبايعان على أنّ المشتريَ يأخذه على سعر السوق، وسعرُ السّوق منضبطٌ بمعيار معلوم لايقع الاختلاف فى تحديده، فالصّحيح أنّ البيع ينعقد صحيحاً عند كل أخذ. ٢. إن كان الثّمنُ مجهولاً وقتَ الأخذ، أو اتّفق الفريقان على أنّه يقع على أساس سعر السّوق، ولكنّ سعر السوق متفاوتٌ تفاوتاً فاحشاً، بحيثُ يقع الاختلاف فى تحديده، فإنّ البيع لا ينعقد عند الأخذ، وإنّما يقع عند تصفية الحساب، ولكنّه يستند حينئذٍ إلى وقت الأخذ، فيثبت الملك للآخذ من وقت الأخذ، وتحِلّ تصرفاته من ذلك الحين.(١) أمّا الاستجرار بمبلغ مقدّم، فالكلام فى تعيين الثّمن فيه مثلُ الكلام فى النّوع الأول. ثمّ هذا المبلغُ المدفوع مقدّماً يُمكن أن يكون وديعةً بيد البائع، فيجب عليه أن لا يخلِطه بماله، ولا أن يُنفقه فى مصاريفه، إلاّ بقدر ما وجب له من الثّمن عند كلّ تسليم. فإن خَلَطَه بماله(٢)، فهو قرضٌ مضمونٌ عليه شرعاً، وتقع مقاصَتُه بالثّمن الواجب فى ذمّة (١) اختلفت تكييفات الفقهاء للاستجرار فى هذه الحالة. فمنهم من جوّزه على أساس ضمان المتلفات، لاعلى أساس انعقاد البيع. ومنهم من جعله بيعاً منعقداً عند تصفية الحساب. ورجحت هذا التكييف الثانى وبيّنت أدلّته فى بحثى الخاص بموضوع الاستجرار. راجع "بحوث فى قضايا فقهيّة معاصرة"٦٣:١ و٦٤ طبع مكتبة دار العلوم كراتشى. (٢) يعنى بدون إذن من المالك، وحينئذ لا يطيب له ربحه عند أبى حنيفة ومحمد ويطيب عند أبى يوسف بعد المقاصة الآتى ذكرها (الهداية مع فتح القدير والعناية ٦: ٣١٩ إلى ٣٢١) أمّا إذا خلطه ٥ المبحث الأوّل المشترى عند كل أخذ. ويتفرّع عليه حكم الاشتراك فى الصّحف والمجلات الدوریّة، فإنّ العادة فى عصرنا أنّ النّاس يدفعون بدل الاشتراك السّنوىّ فى بداية كلّ سنة إلى ناشر المجلّة، وإنّهم يبعثون إليهم نشرةً من المجلّة فى كلّ شهر، أو فى كل اسبوع. وهذا استجرارٌ بثمن مقدّم، ويقع بيعُ كلّ عددٍ من المجلّة عندما تصِل المجلّة إلى المشترى. فلو انقطعت المجلّةُ فى أثناء السّنة، لزم على ناشرها أن يُرُدّ ما بقيَ من بدل الاشتراك. وجرت العادةُ بأنّ الثّمن المدفوعَ مقدّماً قد يكون أقلَّ من قيمته السّوقيّة. وفى هذه الحالة، لو أمكن جعلُه سَلماً بشروطه صار سلماً، وإن لم يتوافر فيه شروط السّلم، فربّما يَرد عليه أنّ ثمن المبيع إنّما انتقص من أجل تعجيله، كما فى اشتراك المجلاّت الدَّوريّة، حيثُ يكونُ مبلغُ الاشتراك السّنويّ أقلّ عادةً من قيمتها السّوقيّة لكلّ عددٍ. ويُمكن تخريجُ النّقص فى الثّمن على أساس أنّ ثمن الجُملة يكون أقلَّ غُرفاً من ثمن القطاعيّ. فكذلك فى الاستجرار، إنّما يُقدّم المشترى المبلغ لأنّه يُريد شراءَ مجموعة من الأشياء، فصار كأنّه اشترى جُملةً، فانتقص الثّمنُ من أجل ذلك، لا لأنّه قدَم قرضاً، على أنّ هذا المبلغَ دُفعةٌ تحت الحساب، وإنّه ،ولو كان قرضاً فى الاصطلاح الفقهيّ، فإنّ المقصود فى الاستجرار ليس إقراضاً، وإنّما مقصود المشترى تفريغُ ذمَّته، لئلا يحتاج إلى نقد الثّمن كلّ مرّة. بإذن صريح من المشترى، صار المشترى شريكاً له شركة ملك، كما فى ردالمحتار، كناب الإيداع ٥: ٦٦٩. ثمّ تقع المقاصّة عند تصفية الحساب. فقه البيوع ٣١- البيع عن طريق الأجهزة التلقائية وقد شاع فى عصرنا البيعُ والشّراء عن طريق الأجهزة التّلقائية الّتى تسمّى الأجهزة الأوتوماتيكيّة. وإنّ هذه الأجهزة تُنصَب من قِبل البائع فى أماكن عامّة، ويوضع فيها المبيعاتُ مقفولة، وتُنصب قائمةُ الأسعار على الجهاز. فمن أراد أن يشتريَ شيئاً من هذه المبيعات ألقى نقوداً فى مكان مخصوص، فيُخرج الجهازُ الشّيئَ المطلوب بصفة تلقائيّة، ويأخذه المشترى، دون أن يكون هناك شخصٌ حاضرٌ يتولّى أخذ الثمن أو تسليم المبيع. وقد اختلفت أقوال الفقهاء المعاصرين(١) فى تكييف هذا العقد بعد اتّفاقهم على جوازه. فذهب بعضُ المعاصرين إلى أنّ العقدَ ينعقد فيها بطريقة إقامة الجهاز مقامَ الطّرف الموجب، دون أن يحضُر بنفسه، أو أن يظهر نائبُه عند التعاقد. فَنَصْبُ الجهاز وإعلانُ الأسعار إيجابٌ موجّة إلى الجمهور على رأى المالكيّة، والجهاز قائمٌ مقامَ البائع. ولسنا نأخذ بهذا الرأى، والتّكييفُ الصحيح لهذا العقد عندنا أنّه صورةٌ من صُور التّعاطى. والجهازُ إنّما يقوم مقامَ البائع فى أخذ الثّمن وتسليم المبيع. فإلقاءُ النّقود فى الجهاز إعطاءٌ من جانب، وإخراجُ الجهازِ المبيعَ إعطاءٌ من جانب آخر، فينعقد البيعُ بالتّعاطى. أمّا تعليقُ الأسعار على الجهاز، فليس إيجاباً، وإنّما هو دعوةٌ إلى الإيجاب، (١) راجع مجلة مجمع الفقه الإسلامى، العدد السادس، الجزء الثانى، ص ٩٨١ بحث الدكتور إبراهيم كافى دونمز المبحث الأوّل كما بسطنا ذلك فى مبحث ركن البيع. ولو اعتبرنا نَصْب الجهاز ووضعَ قائمة الأسعار إيجاباً، لكان إلقاءُ الفُلوس قبولاً، وبه يتمّ البيع، مع أنّ الجهاز ربّما لا يكون شغّالاً، أو ربّما تكون المبيعاتُ قد نفِدت، واعتبارُ البيع تامّاً فى هذه الحالة يسبّب مشاكل كثيرة. ولذلك نرى الفقهاءَ جعلوا الحالات المماثلة من قبيل التّعاطى، دون الإيجاب الحُكمّى والقبول. قال البهوتي رحمه الله، وهو يبيّن صُور التّعاطى: "أو وضع مشترٍ ثمنَه المعلومَ لمثله عادةً، وأخذه، أى الموضوعَ ثمنُه عقِبَه، أى عقِب وضع ثمنِه من غير لفظٍ لواحدٍ منهما. ظاهرُه: ولو لم يكن المالكُ حاضراً للعُرف(١)" ٣٢- حكم الوعد أو المواعدة فى البيع سبق منّا أنّ البيع إنما ينعقد بصيغة تدلّ على إنشاء العقد فى الحال. ولذلك لا ينعقد البيع بصيغة تتمحّض للاستقبال، مثل قولنا "سوف أبيعك كذا" أو "سوف أشترى منك كذا" وإنّما تُنبئ هذه الصّغةُ عن الوعد بإنجاز البيع فى المستقبل، وليس بيعاً. فمَن وعَد آخر بإنشاء بيع فى المستقبل: هل يجب عليه الوفاء بهذا الوعد؟ إنّ هذا السؤال يأخذنا إلى دراسة مسئلة الوعد والمواعدة، ومدى لزومهما على الطّرفين، وقد اختلف الفقهاء فى حكم الوفاء بالوعد على أقوال: المشهور ممّا نُقل عن جمهور الفقهاء أنّ الوفاء بالوعد مستحبٌ مندوب. وهو من (١) شرح منتهى الإرادات للبهوتى ١٤١:٢ قبيل شروط البيع Os VA فقه البيوع مكارم الأخلاق، ولكنّه ليس بواجب ديانةً ولاقضاءً، والواعدُ إذا ترك الوفاء، فقد فاتّه الفضل وارتكب المكروه كراهةً تنزيهيّةً شديدة، ولكنّه لا يأثم. وهذا القولُ منسوب إلى أبى حنيفة والشّافعى وأحمد وبعض المالكيّة (١). المذهب الثانى: أنّ الوفاء بالوعد واجبٌ مطلقاً. وهو واجبٌ فى الديانة والقضاء جميعاً، فيقضى به القاضى على الواعد إلاّ من عذر يمنع الوفاء. وهو قول سمرة بن جندب رضى الله عنه، وعمر بن عبد العزيز، والحسن البصرىّ، والقاضى سعيد بن الأشوع، وإسحق بن راهويه، والإمام البخارىّ(٢)، وهو مذهب بعض المالكيّة، ورجّحه القاضى أبو بكر ابن العربىّ وابن الشّاط(٣). وهو الذى اختاره الغزالىّ من الشافعيّة إذا كان الوعد يُفهم منه الجزم(٤). وهو مذهب ابن شبرمة كما نقله ابن حزم(٥). المذهب الثالث: مذهب جمهور المالكيّة، وهو التّفصيل فى وجوب الوفاء بالوعد. وافترق علماؤهم فى بيان هذا التفصيل إلى فريقين: الفريق الأول: ذهب إلى أنّ الوعد إذا تمّ على سبب، ودخل الموعودُ له بسبب الوعد فى شيئ، فإنّ الوعد لازمٌ يجب الوفاء به، ويقضى به القاضى على الواعد. وبعبارة أوضح: فإنّ الوعدَ لو تمّ وكان له سبب، ثم باشرَ الموعود له ذلك السّببَ اعتماداً على (١) انظر عمدة القارى ١٢١:١٢ ومرقاة المفاتيح ١١٤:٩ والأذكار للنووى ص ٣١٧ وفتح العلى المالك ٢٥٤:١ ولى فى نسبة هذا القول إلى جميع الحنفية نظر سأبينه إن شاء الله تعالى. (٢) هذه المذاهب نقلها الإمام البخارى فى صحيحه، كتاب الشهادات، باب الإنجاز بالوعد (٣) الجامع لأحكام القرآن القرطبى المجلد ٩، ١٨: ٧٢ وحاشية ابن الشاط على الفروق للقرافى ٢٤:٤ (٤) إحياء علوم الدين للغزالى ١٣٣:٣ (٥) المحلّی ٢٨٠٨ M المبحث الأول وعد الواعد، فإنّ على الواعد وجوبَ الوفاء، ويُقضى به عليه. مثال ذلك: أن يقول الرّجل لرجل: "إهدم دارك وأنا أقرضك"، فهدم الموعودُ له دارَه اعتماداً على وعده، فيلزم الواعدَ قضاءً أن يُقرضه المبلغ الموعود. وكذلك لوقال له: "أخرج إلى الحجّ، وأنا أقرضك"، فخرج للحجّ، وجب على الواعد الوفاء، وكذلك لو قال له: "تزوّجْ امرأةً وأنا أسلفك"، فتزوّجها اعتماداً على الوعد، وجب الوفاءُ بالوعد قضاءً وديانةً. وهذا القول مشهور مذهب مالك، وابن القاسم، وسحنون، وهو الذی اعتمد علیه فى المدونة.(١) والفريق الثّانى: ذهب إلى أنّ الوعد يكون لازماً يجب الوفاء به ويُقضى به علیه، إذا تمّ الوعد على سبب، وإن لم يدخل الموعودُ له فى مباشرة شيئ. مثال ذلك: قولك: "أريد أن أتزوّج"، أو "أريد أن أشتريَ كذا"، أو "أن أقْضِيَ غرمائى، فأَسْلِفنى كذا"، أو "أريد أن أسافرغداً إلى مكان كذا، فأعِرْنى دابّتك"، أو "أن أحرُث أرضى فأعِرْنى بقرتك"، فقال: "نعم". ثم بدا للواعد الرّجوعُ قبل أن يتزوّج أو أن يشتريَ أو أن يُسافر، فإنّ ذلك يلزمه ويُقضى به عليه. وهذه الصّورة تمثّل طلباً واستجابةً، ويشاركُها فى الحكم أن يكون الالتزام من جانب واحد فقط بدون طلب الآخر، فلو لم تسأله، بل هو قال لك بنفسه: "أُسلفك كذا، أو أهب لك كذا لتقضيَ دَينك، أو لتتزوّج "أو نحو ذلك، فإنّه يلزمك ويجب عليك أن تَفِيَ بوعدِك، ويُقضى به عليك. وهذا مذهب أصبغ من المالكيّة.(٢) (١) الفروق للقرا فى ٤: ٢٥ وفتح العلى المالك ٢٥٤:١ (٢) نفس المرجعين