النص المفهرس

صفحات 761-780

خامساً - رد الغصوب، أي الأموال المغتصبة بدون حق. وهي نوعان:
أ- غصوب سلطانية: وهي التي يأخذها الحكام أو ولاة الجور من أصحابها بدون
حق، إما بأخذها للدولة أو لأنفسهم ظلماً. وحكمها أن والي المظالم يأمر بردها إلى
أصحابها إن علم بها عند ممارسة إشرافه على الولاة، ولو قبل التظلم إليه، فإذا لم يعلم بها
توقف نظره فيها على تظلم أربابها. ويمكنه الاعتماد على ديوان السلطنة في إثبات
حق صاحبها، دون حاجة لتقديم الأدلة من مستحقها .
ب- غصوب الأقوياء: وهي التي يتغلب عليها ذوو الأيدي القوية من الأفراد
المتنفذين ذوي الوجاهة في الدولة، فيتصرفون فيها تصرف الملاك بالقهر والغلبة.
وهذا النوع يتوقف النظر فيه على تظلم أربابه .
ولا ينتزع من يد غاصبة إلا بأحد أمور أربعة هي: اعتراف الغاصب وإقراره أو
علم والي المظالم بها، أو بينة تشهد بالغصب، أو تظاهر الأخبار أي التسامع الذي
ينفي عنها التواطؤ ولا يختلج فيها الشك.
سادساً - الإشراف على شؤون الأوقاف وهي نوعان:
أ- أوقاف عامة على مصالح عامة كالمساجد والمدارس ونحوها . وهذه ينظر في شأنها،
وإن لم يكن فيها متظلم، ليصرف ريعها في سبلها، وينفذ شروط واقفها إذا عرفها من أحد
ثلاثة أوجه: إما من دواوين المندوبين لحراسة الأحكام، وإما من دواوين السلطنة، وإما
من كتب فيها قديمة يترجح ظن صحتها، وإن لم يشهد الشهودبها.
ب- أوقاف خاصة: وهي الموقوفة على أشخاص معينين. فلا ينظر في منازعاتها
إلا بتظلم مستحقيها، ولا يحكم بها إلا بطرق الإثبات العادية المقررة شرعاً.
سابعاً - تنفيذ أحكام القضاة التي عجزوا عن تنفيذها، لتعزز المحكوم عليه وقوة
يده، أو لعلو قدره وعظيم خطره .
- ٧٦١ -

ثامناً - النظر فيما عجز عنه ناظر و الحسبة في المصالح العامة كالمجاهرة بمنكر
ضعف عن دفعه، والتعدي في طريق عجز عن منعه، والتحيف في حق لم يقدر على
رده .
تاسعاً - مراعاة العبادات الظاهرة كالجُمَع والأعياد والحج والجهاد، من تقصير
فيها، وإخلال بشروطها ، فإن حقوق الله أولى أن تستوفى، وفروضه أحق أن تؤدى .
عاشراً - النظر بين المتشاجرين، والحكم بين المتنازعين، فلا يخرج في النظر
بينهم عن موجب الحق ومقتضاه، ولا يسوغ أن يحكم بينهم إلا بما يحكم به الحكام
والقضاة .
وهذا يعني أن قاضي المظالم له ولاية على القضاة إذا لجأ إليه المتخاصمون.
رابعاً - الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة:
قد يثور التساؤل في تحديد جهة المحكمة المختصة بنظر النزاع، هل ديوان المظالم
أو القضاء العادي، مما يدعو إلى توضيح الفروق بينهما وهي عشرة كما أبان
"الماوردي(١):
١ - لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ماليس للقضاة في ردع الخصوم ومنع
الظلمة من التسلط.
٢ - ناظر المظالم أفسح مجالاً وأوسع مقالاً.
٣ - سلطات ناظر المظالم أوسع في التحقيق والاستدلال وطرق الإثبات المعتمدة
على القرائن والأمارات وشواهد الأحوال.
(١) الأحكام : ص ٧٩ وما بعدها .
- ٧٦٢ -

٤ - لناظر المظالم أن يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب، ويأخذ من بان عدوانه
بالتقويم والتهذيب.
٥ - له الحق في التأني والتأجيل عند الاشتباه والإبهام ماليس للحكام إذا طلب
منهم أحد الخصين فصل الحكم وإصدار القرار.
٦ - له رد الخصوم لفصل التنازع صلحاً عن تراض، وليس للقاضي الرد إلا إذا
رضي الخصمان.
٧ - له أن يفسح في ملازمة الخصين إذا وضحت أمارات التجاحد، ويأذن
بالكفالة فيا يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد
والتكاذب .
٨- له أن يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة في شهادة
المعدلين .
UmP's
٩ - له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم، ويستكثر من عددهم ليزول عنه الشك،
وينفي عنه الارتياب، وليس ذلك للحاكم العادي.
١٠ - له أن يبدأ باستدعاء الشهود، ويسألهم عما عندهم من تنازع الخصوم. وأما
عادة القضاة فهي تكليف المدعي إحضار بينة، ولا يسمعونها إلا بعد مسألته وطلبه.
وفيما عدا هذه الأمور العشرة هما متساويان.
المبحث الخامس - ولاية الحسبة
حقيقتها وشروطها، اختصاصاتها، مقارنة بينها وبين القضاء والمظالم.
أولاً - حقيقة الحسبة وشروطها: الحسبة: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه،
- ٧٦٣ -

ونهي عن منكر إذا ظهر فعله(١) أو هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، كما قال ابن خلدون(٣).
فهي تتعلق بالنظام العام والآداب وفي الجنايات أحياناً مما يحتاج إلى سرعة في
الفصل فيه. وذلك من أجل حماية وتكوين المجتمع الفاضل.
وأساسها قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف،
وينهون عن المنكر﴾ وقول النبي عليه السلام: ((من غشنا فليس منا))(٣).
وأول من وضع نظام الحسبة هو عمر بن الخطاب، ولكن عرفت التسمية في عهد
الخليفة العباس المهدي(٤).
وهي وإن كانت واجباً عاماً على كل مسلم، غير أن هناك فروقاً بين المحتسب
والمتطوع ذكرها الماوردي وهي :
١ - الحسبة فرض عين على المحتسب بحكم ولا يته أو وظيفته المأجورة، فلا يجوز
أن يتشاغل عنه، وفرض كفاية على غيره من المسلمين، فهي من نوافل عمله الذي
يجوز أن يتشاغل عنه.
٢ - المحتسب مخصص للادعاء له فيما يجب إنكاره، وعليه إجابة المدعي
المستعدي. وأما غيره فليس مخصصاً لهذا، ولا يلزمه إجابة المستعدي.
٣ - على المحتسب أن يبحث عن المنكرات الظاهرة لينكرها على فاعلها
ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على المتطوع بحث ولا
فحص .
(١)
الأحكام : ص ٢٣١ .
(٢)
المقدمة : ص ٥٧٦ .
حديث صحيح رواه الترمذي عن أبي هريرة
(٣)
(٤)
تاريخ القضاء ، عرنوس : ص ١٠٧ .
- ٧٦٤ -

٤ - للمحتسب أن يتخذ أعواناً على إنكاره، وله أن يعزر في المنكرات الظاهرة،
وليس للمتطوع ذلك.
٥ - للمحتسب الاجتهاد في العرف دون الشرع، كالعقود في الأسواق، وإخراج
الأجنحة (القواعد البارزة) فيه، وليس هذا للمتطوع.
شروطها: يشترط في والي الحسبة أن يكون حراً، عدلاً، ذا رأي وصرامة
وخشونة في الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة. واختلف الفقهاء في اشتراط كونه من
أهل الاجتهاد على قولين، قال بعضهم: يشترط، وله بالتالي إلزام الناس برأيه
واجتهاده، وقال الأكثرية: لا يشترط، فليس له إلزام الناس برأيه ومذهبه.
ثانياً - اختصاصات المحتسب:
يتولى المحتسب وظائف لها صلة بالقضاء والمظالم والشرطة، فهو ينظر في
المنازعات الظاهرة التي تحتاج إلى أدلة إثباتية، كدعاوى الغش والتدليس
والتطفيف، فهو بهذا كالقاضي ، ويؤدب مرتكبي المعاصي التي ترتكب جهراً، أو
تخل بآداب الإسلام، فهو بهذا كناظر المظالم. ويرعى النظام العام والآداب والأمن
في الشوارع والأسواق مما لاتجوز مخالفته، فيكون بذلك كالشرطة أو النيابة العامة(١).
وقد حدد ابن خلدون اختصاصات المحتسب بقوله: إنه يبحث عن المنكرات
ويعزر ويؤدب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل المنع
من المضايقات في الطرقات، ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم
على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة
(المارة). والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ (الشدة) في ضربهم
(١) السلطات الثلاث: ص ٣٢٣، مدخل الفقه الإسلامي للاستاذ محمد سلام مدكور: ص ٤٠٧ .
- ٧٦٥ _

للصبيان المتعلمين. ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداء، بل له النظر والحكم فيما
يصل إلى علمه من ذلك و یرفع إليه(١).
وحصر الماوردي اختصاصات المحتسب في أمرين(٢):
أحدهما - الأمر بالمعروف
وثانيهما - النهي عن المنكر.
وقسم ما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاثة أقسام:
أحدها - حقوق الله: وحق الله ما تعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص
بأحد. ويقابل حق المجتمع حديثاً. ويدخل فيه العبادات وحقوق الجماعة.
ثانيها - حقوق العباد أو الآدميين: وحق العبد : هو ما يتعلق به مصلحة خاصة
كحق الملكية وحرمة مال الغير.
وثالثها - حقوق مشتركة بين الله والعباد: وهو ما اجتمع فيه حق الله وحق
العبد، لكن يكون المراعى إما مصالح العباد، أو مصلحة المجتمع.
١ - الأمر بالمعروف:
أ - ما يتعلق بحقوق الله الخالصة: وهو إما أن يخص الجماعة، أو يخص الأفراد،
فأما ما يخص الجماعة فيراقب ترك الواجبات الدينية العامة، سواء أكانت من الشعائر
كإقامة الأذان للصلوات وأداء صلاة الجمعة في المساجد، أم من غير الشعائر كترك
فريضة الصيام والصلاة، فيأمر المقصرين بها. وأما ما يخص الأفراد فهو زجر من
- يؤخر الصلاة عن وقتها بلا عذر شرعي.
(١)
المقدمة ، المكان السابق .
(٢)
الأحكام:١ص ٢٣٣ - ٢٤٩ .
- ٧٦٦ -
... . .. .
. ... . . ...

ب- ما يتعلق بحقوق العباد: وهو أيضاً نوعان: عام وخاص. فأما الحقوق
العامة: فمثل تعطل مرافق البلد العامة من شِرْب وتهدم أسوار ومساجد، ومراعاة بني
السبيل. فيأمر بتأمين هذه المرافق وإشباعها إما من بيت المال، أو من أغنياء المسلمين
عند عجز بيت المال.
وأما الحقوق الخاصة: فمثل الماطلة في أداء الحقوق والديون وكفالة من تجب
كفالته من الصغار. فيأمر بأداء الحقوق عند القدرة واليسار، بشرط ادعاء المستحق
لها عنده وإثبات حقه. وكذلك يأمر بالكفالة عند استيفاء شروطها .
جــ ما يتعلق بالحقوق المشتركة: کمطالبة الأولياء یانکاح الأیامی من أکفائهن
إذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن، وله تأديب من خالف في العدة من
النساء، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء. وتكليف أرباب البهائم بإطعامها
وألا يستعملوها فيا لا تطيق. وإلزام من التقط لقيطاً بحقوقه أو تسليمه لمن يقوم بها
ويلتزمها، وتضمينه الضالة بالتقصير في رعايتها أو تسليمها إلى غيره، وعدم ضمان
اللقيط إذا هلك أو سلمه لغيره.
٢ - النهي عن المنكر:
أ- ما يتعلق بحقوق الله تعالى: وتقسم ثلاثة أقسام:
١- العبادات: ينكر المحتسب الإخلال بشروط الصلاة وآدابها وطهاراتها
الشرعية، ويؤدب المعاند فيها. ويردع المفطرين في رمضان بغير عذر شرعي من
سفر أو مرض، وينكر المجاهرة بالإفطار لئلا يعرض المفطر نفسه للتهمة ولئلا
يقتدي به من ذوي الجهالة ممن لا يقدر العذر. ويجبي الزكاة جبراً من الممتنع عن
أدائها من الأموال الظاهرة، ويعزره على الخيانة بغير عذر. وينكر على المقصر بأداء
الزكاة عن الأموال الباطنة ويؤدبه إن ثبت تقصيره.
كذلك ينكر التسول من غير حاجة ويؤدب الغني بمال أو عمل، وينكر أيضاً
- ٧٦٧ -

تصدي الجهلة لإفتاء الناس بعلم الشرع، ويمنعهم من ذلك منعاً من التغرير والفتنة
والإيقاع في الضلالة.
٢ - المحظورات: هو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان التهمة، لقوله
عَ لٍّ: ((دع ما يريبك إلى مالا يريبك))(١). فيقدم الإنكار ولا يعجل بالتأديب. مثل
اختلاط النساء بالرجال في المساجد والطرقات والأماكن العامة. والمجاهرة بإظهار
الخمر والمسكرات أو الملاهي المحرمة، فيريقها على المسلم، ويؤدب الذمي على
إظهارها، ويفك أدوات الملاهي حتى تصير خشباً ويؤدب المجاهر بها، ولا يكسرها
إن صلح خشبها للانتفاع به لغير الملاهي.
وأما مالم يظهر من المحظورات فليس للمحتسب أن يتجسس عنها، ولا أن
يهتك الأستار حذراً من الاستثمار بها، قال النبي عَ لّ: ((من أتى من هذه القاذورات
شيئاً فليستتر بستر الله، فإن من يبد لنا صفحته، نقم حد الله تعالى عليه))(٢).
٣ - المعاملات المنكرة: كالربا والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه، كالغش
والتدليس وبخس الكيل والميزان. وعلى المحتسب إنكاره والمنع منه والزجر عليه
والتأديب عليه حسب الأحوال إذا كان متفقاً على حظره. وأما المختلف فيه بين
الفقهاء بالحظر والإباحة، فلا دخل له في إنكاره.
وتعد عقود النكاح المحرمة في معنى المعاملات الممنوعة.
وأما حقوق الآدميين المحضة كتعديات الجيران فيما بينهم بتجاوز حد الجار أو
حريم داره، أو تركيب الجذوع على جداره، أو تدلي أغصان الشجرة على دار الجار،
رواه الترمذي والنسائي عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وقال الترمذي : حديث حسن
(١)
صحيح .
(٢)
روى الترمذي وابن ماجه والحاكم عن علي: (( من أصاب حداً فعجل عقوبته في الدنيا ، فالله أعدل من أن يثني
على عبده العقوبة في الآخرة . ومن أصاب حداً فستره الله عليه ، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا
عنه)»
- ٧٦٨ -

ونحو ذلك مما يسمى التعسف في استعمال الحق، فليس للمحتسب النظر فيها إلا
بادعاء شخصي من الجار.
وأما أهل الصنائع فيقر المحتسب المتقن لها كالطبيب والمعلم أو الأمين كالصانع
والحائك والقصار والصباغ، أو المجيد كالنجار والحذاء، وينكر على المقصر، أو الخائن
أو الرديء.
جــ ما يتعلق بالحقوق المشتركة: كالمنع من الإشراف على منازل الناس، ومنع
أئمة المساجد من إطالة الصلاة حتى يعجز عنها الضعفاء، وينقطع عنها دوو الحاجات
وتنبيه القضاة الذين يحجبون المتخاصمين من التحاكم بلا عذر مشروع، ومنع أرباب
المواشي من استعمالها فيما لاتطيق الدوام عليه، ومنع أصحاب السفن من حمل مالا
تسعه ويخاف من غرقها، ومن السير عند اشتداد الريح، ومن اختلاط الرجال
بالنساء فیھا، ووضع حائل بینھم.
ويراقب المحتسب الأسواق والطرقات العامة، فيمنع إقامة المباني فيها، ويأمر
بهدم مابني، ولو كان المبني مسجداً؛ لأن مرافق الطرق للسير لا للأبنية. ويمنع أيضاً
وضع الأمتعة وآلات البناء فيها، كما يمنع إخراج الأجنحة والأسبطة ومجاري المياه
والآبار المالحة ونحوها إذا أضرت بالناس.
وله منع نقل الموتى من قبورهم حتى لا تنتهك حرماتهم، ويمنع من خصاء البهائم
والآدميين ويؤدب عليه، ومن التكسب بالكهانة واللهو ويؤدب عليه الآخذ
والمعطي ونحوها من المنكرات.
ثالثاً - مقارنة بين الحسبة والقضاء ونظر المظالم
تشترك هذه الوظائف الثلاث في مهمة القضاء بالمعنى العام، لكن وظيفة المظالم
أعلاها، ثم رتبة القضاء العادي، ثم ولاية الحسبة، وقد أوضح الماوردي أوجه الشبه
- ٧٦٩ _
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤٩)

والاختلاف بين هذه الوظائف(١).
١ - المقارنة بين الحسبة والقضاء العادي:
هناك أوجه شبه واختلاف بينهما .
أ- فأما أوجه الشبه فمحصورة في أمرين :
أحدهما - جواز الاستعداء (الادعاء) إلى المحتسب والقاضي، وسماع كل منهما
دعوى المستعدي (المدعي) في حقوق الآدميين ضمن أنواع ثلاثة من الدعاوى فيها
وهي المتعلقة بالبخس والتطفيف في الكيل والوزن، وبالغش أو التدليس في المبيع أو
الثمن، وبالمطل والتأخير في الحقوق والديون مع القدرة. والسبب في انحصار
اختصاصه بهذه الدعاوى الثلاث دون ما عداها هو تعلقها بمنكر ظاهر يختص
بإزالته؛ لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها، وليس للناظر فيها
أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات.
ثانیھما ۔ للمحتسب كما للقاضي إلزام المدعى عليه بوفاء الحقوق التي يجوز له سماع
الدعوى فيها ، متى ثبت ذلك باعتراف وإقرار، وكان في وسعه الوفاء بها لتمكنه
وإيساره؛ لأن في تأخير أدائها منكراً هو منصوب لإزالته.
ب - وأما أوجه الخلاف فهي أربعة :
١ - ليس للمحتسب سماع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات في العقود
والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فهي من اختصاص القضاء.
٢ - تقتصر الدعاوى التي يسمعها المحتسب على الحقوق المعترف بها ، فأما ما
یتداخله التجاحد والتناکر فلا يجوز له النظر فيه.
الأحكام : ص ٢٣٢ وما بعدها .
(١)
- ٧٧٠ -

وهذان الوجهان يدلان على أن الحسبة أدنى رتبة من القضاء.
٣- للمحتسب أن ينظر فيما يختص به دون حاجة إلى مدعي متظلم. أما القاضي
فلا يحق له النظر في نزاع من دون ادعاء أو شكوى.
٤ - عمل المحتسب يتسم بالشدة والسلاطة والقسوة؛ لأن الحسبة موضوعة
للرهبة. وأما عمل القاضي فيتسم بالحلم والأناة والوقار؛ لأن القضاء موضوع
للمناصفة. وهذان الوجهان يدلان على أن الحسبة تزيد رتبة عن القضاء.
٢ - المقارنة بين الحسبة ونظر المظالم:
هناك أيضاً نواحي شبه واختلاف بينهما:
أوجه الشبه :
١ - موضوعهما يعتمد على الرهبة وقوة الصرامة المختصة بالسلطنة
٢ - للقائم بينهما النظر في حدود اختصاصه بدون حاجة إلى متظلم.
أوجه الاختلاف:
١ - النظر في المظالم موضوع عجز عنه القضاة. والنظر في الحسبة موضوع لما لا
حاجة لعرضه على القضاء.
٢ - يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز لوالي الحسبة أن يحكم. وهكذا يظهر
أن المظالم والقضاء والحسبة يكمل بعضها بعضاً، وتؤدي غاية موحدة هي تحقيق
العدل والإنصاف وحفظ الحقوق والأموال والدماء، وتطبيق أحكام الشرع المحققة
لسعادة الناس في الدنيا والآخرة، وإقامة المجتمع الإنساني الفاضل.
- ٧٧١ -

المبحث السادس - أصول التقاضي
تتجلى الصورة العملية للتقاضي في مراحل ثلاث: وهي الدعوى، وطرق
الإثبات، والحكم النهائي. فبها يمكن التوصل للحقوق وحسم النزاع واستقرار
الأوضاع الحقوقية وإنهاء العدوان .
المرحلة الأولى - الدعوى: تعريفها، مشروعيتها، شرائطها، نوعاها،
نطاقها حكمها .
الدعوى: هي إخبار بحق لإنسان على غيره عند الحاكم(١). أوهي قول مقبول
عند القاضي يقصد به صاحبه طلب حق له عند غيره، أو حمايته وإلزامه به . بأن
يقول مثلاً: لي على فلان كذا، أو قضيت حق فلان، أو أبرأني عن حقه، ونحوها.
وهي الوسيلة القضائية المشروعة لطلب الحق، إذ لا يجوز شرعاً للمحق ممارسة أي
فعل يؤدي إلى الاعتداء على شخص المدعى عليه، منعاً للفوضى واستئصالاً
للمنازعات، واستمرار التعديات، وإماتة الحقوق، ففي امتداد وجود الخصومة
والمنازعة فساد كبير، والله تعالى لا يحب الفساد(٢). والأصل في مشروعيتها قول النبي
مدافعٍ: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم، ودماءهم، لكن البينة على
المدعي، واليمين على من أنكر))(٣).
وقد اشترط فقهاء الحنفية لقبول الدعوى الشرائط الآتية(٤):
أولاً - أهلية العقل أو التمييز: يشترط أن يكون المدعي والمدعى عليه عاقلين،
الدر المختار: ٤٣٧/٤، تكملة فتح القدير: ١٣٧/٦، مغني المحتاج : ٤٦١/٤، المغني: ٢٧١/٩.
(١)
(٢)
المبسوط: ٢٨/١٧ ، المغني: ٢٧٢/٩ ، مغني المحتاج ، المرجع السابق .
(٣)
رواه البيهقي وغيره هكذا ، وبعضه في الصحيحين عن ابن عباس
المبسوط: ٣٩/١٧، تكملة فتح القدير، المكان السابق، و١٤١ وما بعدها، البدائع: ٢٢٢/٦، ٢٢٤ ، الدر
(٤)
المختار : ٤٣٨/٤
- ٧٧٢ -

فلا تصح دعوى المجنون والصبي غير المميز، كما لا تصح الدعوى عليهما، فلا يلزمان
بالإجابة على دعوى الغير عليهما، ولا تسمع البينة عليهما. ويشترط توافر صفة البلوغ
لممارسة أي حق عند غير الحنفية، أما القاصر فیمارس الدعوى عنه وليه.
ثانياً - أن تكون الدعوى في مجلس القضاء: لأن الدعوى لا تصح في غير هذا
المجلس، أي المحكمة.
ثالثاً - أن تكون دعوى المدعي على خصم حاضر لدى القاضي عند سماع
الدعوى والبينة والقضاء، فلا تقبل الدعوى على غائب، كما لا يقضى على غائب عند
الحنفية، سواء أكان غائباً وقت الشهادة أم بعدها، وسواء أكان غائباً عن مجلس
القضاء، أم عن البلد التي فيها القاضي، لقول النبي ◌ُ ◌ّ: ((فإنما أقضي له بحسب
ما أسمع))(١) وقوله لعلي حين أرسله إلى اليمن: ((لا تقض لأحد الخصين حتى تسمع من
الآخر»(٢).
وقال غير الحنفية: يجوز القضاء على الغائب إذا أقام المدعي البينة على صحة
دعواه، وذلك في الحقوق المدنية، لا في الحدود الخالصة لله تعالى(٣) لأنها مبنية على
المسامحة والدرء والإسقاط، لاستغنائه تعالى، بخلاف حق الإنسان الخاص.
رابعاً : أن يكون المدعى به شيئاً معلوماً: وذلك إما بالإشارة إليه عند
القاضي إذا كان الشيء من المنقولات ، أو ببيان حدوده إذا كان قابلاً للتحديد
كالأراضي والدور وسائر العقارات ، أو بذكر رقم محضر السجل العقاري في التنظيم
الحديث الذي يستغنى به عن الحدود والأوصاف في الماضي ، أو بكشف يجريه القاضي
أو من ينوب عنه إذا لم یکن المدعى به قابلاً للتحديد كحجر الرحى (الطاحونة)، أو
من حديث أم سلمة الذي رواه الجماعة ( نيل الأوطار : ٢٧٨/٨ ).
(١)
(٢)
رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن علي ( نيل الأوطار: ٢٧٤/٨ وما بعدها )
البدائع: ٢٢٢/٦، ٨/٧، تكملة فتح القدير، المكان السابق ، المبسوط ، المكان السابق ، بداية المجتهد :
(٣)
٤٦٠/٢، المهذب: ٣/٢، المغني : ١١٠/٩
- ٧٧٣ _

ببيان جنسه ونوعه وقدره وصفته إذا كان المدعى به ديناً كالنقود والحبوب؛ لأن
الدين لا يصير معلوماً إلا ببيان هذه الأمور.
والسبب في اشتراط هذا الشرط، أي العلم بالمدعى به: هو أن المدعى عليه
لا يلزم ياجابة دعوى المدعي إلا بعد معرفة المدعى به، و کذلك الشهود لا يمكنهم
الشهادة على مجهول، ثم إن القاضي لا يتمكن من إصدار الحكم أو القضاء بالدعوى إلا إذا
كان المدعى به شيئاً معلوماً .
خامساً: أن يكون موضوع الدعوى أمراً يمكن إلزام المدعى عليه به، أي أن
يكون الطلب مشروعاً ملزماً في مفهومنا الحاضر. فإذا لم يكن بالإمكان إلزام المدعى
عليه بشيء، فلا تقبل الدعوى، كأن يدعي إنسان أنه وكيل هذا الخصم الحاضر عند
القاضي في أمر من أموره، أو يدعي على شخص بطلب صدقة، أو بتنفيذ مقتضى
عقد باطل، فإن القاضي لا يسمع دعواه هذه إذا أنكر الخصم ذلك؛ لأن الوكالة عقد
غير لازم للموكل، فيمكنه عزل مدعي الوكالة في الحال. ولأن التبرع لا يلزم عليه
الإنسان، وبطلان العقد لا يوجب على العاقد تنفيذ أي التزام ينشئه العقد الصحيح.
سادساً : أن يكون المدعى به مما يحتمل الثبوت : لأن دعوى ما يستحيل وجوده
حقيقة أو عادة، تكون دعوى كاذبة ، فلو قال شخص لمن هو أكبر منه سناً : هذا ابني،
لا تسمع دعواه؛ لاستحالة أن يكون الأكبر سناً ابناً لمن هو أصغر منه سناً. وكذا إذا
قال لمعروف النسب من الغير: هذا ابني، لا تسمع دعواه.
وبناء عليه تكون الدعوى نوعين : دعوى صحيحة مقبولة، ودعوى فاسدة
مرفوضة .
فالدعوى المقبولة: هي التي استكملت شرائط الصحة المتقدمة، ويتعلق بها
أحكامها المقصودة منها: وهي إلزام الخصم الحضور إلى ساحة المحكمة بواسطة أعوان
القاضي، وإجابته دعوى المدعي، واليمين إذا أنكر المدعى به. ويثبت فيها حق
- ٧٧٤ _

المدعي بطرق الإثبات المشروعة، كالبينة (وهي الشهادة أي الإخبار في مجلس
القضاء بحق شخصي على غيره)، ونحوها من اليمين والقرينة.
والدعوى المرفوضة أو الفاسدة الباطلة: هي التي لم يتوافر فيها شرط من شروط
القبول المذكورة آنفاً، ولا تترتب عليها الأحكام السابقة المقصودة من الادعاء، كأن
يكون المدعى به مجهولاً؛ لأن المجهول يتعذر إثباته بالشهادة، فلا يمكن للشهود أن
يشهدوا به، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول.
واستحسن بعض شراح مجلة الأحكام العدلية قسمة الدعوى ثلاثة أقسام:
صحيحة وفاسدة وباطلة(١). فالصحيحة: هي المستوفية جميع شرائطها وتتضمن طلباً
مشروعاً، كطلب ثمن مبيع أو استرداد مغصوب. والفاسدة: هي المستوفية شرائطها
الأساسية ولكن ينقصها بعض النواحي الفرعية كجهالة المدعى به، فلا يردها
القاضي فوراً، وإنما يكلف المدعي أولاً تصحيحها بتحديد مدعاه. والدعوى الباطلة:
هي غير المشروعة في أصلها كادعاء طلب صدقة من أحد، أو طلب تنفيذ عقد باطل،
أو إيفاء دين؛ لأنه من جيران المدين. وهذه لا يترتب عليها حكم، بل يردها القاضي
فوراً لعدم إمكان إصلاحها .
وتحديد المدعي والمدعى عليه أمر ضروري في الإسلام، لمعرفة المكلف بالبينة أو
اليمين ونحوهما. وقد عرف كل منهما بتعريفات شتى، منها أن المدعي : هو من لا يجبر
على الخصومة إذا تركها؛ لأنه طالب. والمدعى عليه: من يجبر على الخصومة؛ لأنه
مطلوب. أو المدعي: من يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره، أو إثبات حق في
ذمته. والمدعى عليه: من ينكر ذلك(٣).
المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقا : ف/٣٦٩ .
(١)
(٢)
البدائع : ٢٢٤/٦، المغني لابن قدامة الحنبلي : ٢٧١/٩ .
- ٧٧٥ -

وللدعوى أهمية كبرى بدليل اتفاق الفقهاء على أن استيفاء الحقوق وتوقيع
العقوبات من قصاص وحدّ وتعزیر لا يكون كقاعدة عامة إلا بواسطة الدعوى،
ولا يستوفى الحق بغيرها وبغير القضاء إلا في أحوال استثنائية اضطرارية كالظفر بحق
الدائن عند المدين الماطل.
ويتحدد نطاق الدعوی فیما اتفق عليه الفقهاء كما يأتي :
أولاً - الحسبة والمظالم: لا يشترط فيهما الادعاء، وإنما للمحتسب ووالي المظالم
التصدي للنظر في النزاع بمجرد اطلاعه عليه.
ثانياً - حقوق الله تعالى: وهي المتعلقة بمصلحة المجتمع كانتهاك الحرمات الدينية
بالإفطار في نهار رمضان عمداً بغير عذر، والمجاهرة بالإلحاد، والإخلال بنظام الزواج
شرعاً كزواج المسلمة بغير مسلم، والعقد على المحارم من النساء، والعشرة الزوجية بعد
الطلاق البائن ثلاثاً، والعقد على المعتدة من طلاق أو وفاة. وارتكاب الجرائم الموجبة
لحد يتعلق بحق الله المحض كالزنا وشرب الخمر ونحوهما. فهذه الأمور يجوز للقاضي
النظر في شأنها من تلقاء نفسه إذا علم بها، أو ادعى بها أي مسلم ولو لم يمسه الأمر
شخصياً وإنما حسبة، كما بينا في نظام الحسبة.
ثالثاً - حقوق العباد (أي الأفراد) الشخصية: وهي التي تمس مصلحة شخصية
للإنسان. وهذه لا يختص القاضي بالنظر فيها بدون ادعاء صاحب الحق؛ لأن القضاء
وسيلة إلى الحق، وحق الإنسان لا يستوفى إلا بطلبه. وتشمل هذه الحقوق ما يأتي :
أ - المعاملات والتصرفات المدنية من بيع وإيجار وشركة ونحوها.
ب- أحكام الأسرة المالية كالنفقة والمهر والسكنى.
وأما أحكام الأسرة غير المالية كادعاء النسب والبينونة والمحرمات والعشرة
المحرمة ، فلا يشترط فيها الدعوى.
- ٧٧٦ -

جــ الجرائم والعقوبات التي فيها حق للعبد: كالقصاص والجروح وجرائم
التعزير والقذف والسرقة والحرابة.
وحكم الدعوى المقبولة: وجوب الجواب على المدعى عليه بقوله: لا، أو نعم.
فلوسكت، كان ذلك منه إنكاراً، فتقبل بينة المدعي، ويحكم بها على المدعى عليه.
فإن أقر المدعى عليه بموضوع الدعوى، حكم القاضي عليه؛ لأنه غير متهم في إقراره
على نفسه، ويؤمر بأداء الحق لصاحبه. وإن أنكر، طلب القاضي من المدعي إثبات
حقه بالبينة، فإن أقام البينة قضى بها، لترجح جانب الصدق على الكذب بالبينة.
وإن عجز المدعي عن تقديم البينة، وطلب يمين خصمه المدعى عليه، استحلفه
القاضي(١)، لقول النبي ◌ُؤاله في قصة خصمين: «ألك بينة؟ قال: لا ، فقال النبي : فلك
يمينه)) أي يمين المدعى عليه(٢).
المرحلة الثانية - طرق إثبات الحق:
إثبات الحق: هو إقامة الحجة أمام القضاء على الحق أو حدوث الواقعة.
ولا يمكن للقاضي الفصل في أي خصومة أو قضية بمجرد الادعاء بدون إثبات بإحدى
5
الوسائل الشرعية المتعددة وأهمها ما يأتي :
٦ - الشهادة: وهي شرعاً إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس
القضاء. وهي حجة المدعي لقوله ماقال: ((البينة على المدعي))(٣) وقوله أيضاً لمدع:
((شاهداك أو يمينه))(٤). ونظام الشهادة محدد صراحة في القرآن الكريم:
راجع الدر المختار: ٤٣٨/٤، اللباب شرح الكتاب : ٢٩/٤، تكملة فتح القدير: ١٥١/٦ وما بعدها .
(١)
رواه مسلم والترمذي وصححه عن وائل بن حُجْر ، في قصة الخصومة بين رجل من حضرموت ورجل من كندة
(٢)
( نيل الأوطار: ٣٠٣/٨) .
(٣)
رواه البيهقي عن ابن عباس .
متفق عليه بين أحمد والشيخين عن الأشعث بن قيس ( نيل الأوطار : ٣٠٢/٨).
(٤)
- ٧٧٧ _

﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون
من الشهداء﴾ ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ ﴿ولا يأب
الشهداء إذا مادعوا﴾ ﴿ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتها فإنه آثم قلبه ﴾ ﴿وأقيموا
الشهادة لله﴾. والبحث في الشهادة يطول، نكتفي بتعداد أهم شروطها. فقد اشترط
الفقهاء شروطاً لتحمل الشهادة وأدائها .
أما شروط تحمل الشهادة فهي ثلاثة عند الحنفية(١).
أولها - أن يكون الشاهد عاقلاً، أي مميزاً، فلا تصح شهادة المجنون والصبي غير
المميز.
ثانيها - أن يكون بصيراً وقت التحمل، فلا يصح التحمل من الأعمى بسبب
اختلاط الأصوات عليه وجواز اشتباهها عليه. وأجاز الحنابلة(٢) شهادة الأعمى فيما
يسمع كالبيع والإجارة وغيرهما إذا عرف المتعاقدين وتيقن أنه كلامهما.
ثالثها - معاينة المشهود به بنفسه، لا بغيره، إلا فيما تصح فيه الشهادة بالتسامع
من الناس والاستفاضة، لقوله ◌ُ التّ للشاهد: ((إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا
5
فدع)) (٣) ولا يتم العلم مثل الشمس إلا بالمعاينة.
وتصح الشهادة بالتسامع في النكاح، والنسب، والموت، ودخول الرجل على
امرأته، وولاية القاضي، فللشاهد أن يشهد بهذه الأمور إذا أخبره بها من يثق به
استحساناً؛ لأن هذه الأمور يختص بمعاينة أسبابها خواص الناس، ولولم يقبل فيها
الشهادة بالتسامع، لأدى الأمر إلى الحرج وتعطيل الأحكام. والتسامع: هو بأن
(١)
البدائع: ٢٦٦/٦، الدر المختار: ٣٨٥/٤.
(٢)
المغني : ٥٨/٩ وما بعدها .
(٣)
رواه الخلال في الجامع بإسناده عن ابن عباس .
- ٧٧٨ _

يشتهر ذلك ويستفيض بين الناس، وتتواتر به الأخبار، بأن يخبر الشاهد رجلان
عدلان أو رجل وامرأتان، ليحصل له نوع من العلم واليقين.
وقال المالكية (١): تجوز شهادة التسامع في عشرين حالة: منها عزل قاض أو
وال أو وکیل، وكفر، وسفه، ونكاح، ونسب، ورضاع، وبيع، وهبة، ووصية.
وأما شروط أداء الشهادة: فكثيرة، منها في نفس الشهادة(٣): وهي أن تكون
بلفظ الشهادة، وأن تكون موافقة للدعوى، ومنها في مكان الشهادة(٣): وهي أن
تكون في مجلس القضاء، ومنها فيما يخص بعض الشهادات(٤): وهي التعدد، أي شهادة
رجلين أو رجل وامرأتين في الحقوق المدنية والأموال كالبيع والإجارة ونحوهما.
والاتفاق في الشهادة عند التعدد، فإن حدث اختلاف في جنس الشهادة كأن يشهد
أحدهما بالبيع والآخر بالميراث أو في القدر كأن يشهد أحدهما بألفين، والآخر بألف،
أو في الفعل كالقتل والغصب، رفضت الشهادة.
ومنها وأهمها ما يشترط في الشاهد وهو سبعة شروط(٥):
أولها - أهلية العقل والبلوغ: فلا تقبل شهادة المجنون والسكران والطفل.
5
ثانيها - الحرية: فلا تصح شهادة الرقيق على الحر.
ثالثها - الإسلام: فلا تقبل شهادة الكافر على مسلم؛ لأنه متهم في حقه، وأجاز
الحنفية والحنبلية شهادة الكافر في الوصية في السفر، لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين
(٢)
الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه : ١٩٨/٤ وما بعدها .
(١)
البدائع : ٢٧٣/٦ ، فتح القدير : ١٠/٦.
(٣)
المراجع السابقة : البدائع : ص٢٧٩ .
المراجع السابقة: البدائع: ٢٧٧/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٥٢/٦ وما بعدها، الدر المختار: ٤٠٥/٤ وما بعدها .
(٤)
البدائع: ٢٦٧/٦ وما بعدها ، بداية المجتهد : ٤٥١/٢ وما بعدها، الدردير والدسوقي: ١٦٥/٤، مغني المحتاج :
(٥)
٤٢٧/٤، المغني : ١٦٤/٩.
- ٧٧٩ -

(منوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية: اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران
من غیرکم﴾.
رابعها - البصر: فلا تقبل شهادة الأعمى عند أبي حنيفة ومحمد والشافعية، لأنه
لابد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة، ولا يميز الأعمى ذلك إلا بنغمة
الصوت، وفيها شبهة؛ لأن الأصوات تتشابه. وأجاز المالكية والحنابلة وأبو يوسف
شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، لعموم الآيات الواردة في الشهادة، ولأن السمع أحد
وسائط العلم .
خامسها - النطق: فلا تقبل شهادة الأخرس عند الجمهور، وإن فهمت
إشارته؛ لأن الشهادة تتطلب اليقين. وأجاز المالكية قبول شهادة الأخرس إذا فهمت
إشارته؛ لأنها تقوم مقام نطقه في طلاقه ونکاحه.
سادسها - العدالة: فلا تصح شهادة الفاسق باتفاق العلماء لقوله تعالى:
﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾.
سابعها - عدم التهمة : فترد شهادة المتهم بإجماع الفقهاء. والتهمة : أن يجلب
الشاهد إلى المشهود له نفعاً أو ضرراً بسبب القرابة أو الخصومة أو العداوة، فلا تقبل
شهادة الأب لابنه، أو الأم لابنها، ولا الخصم لخصمه كالوكيل والموصى عليه وهو
اليتيم، ولا العدو على عدوه، لقوله ◌ُ لّ: ((لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين))(١)
((لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غِمْر - حقد - على أخيه، ولا تجوز شهادة
القانع لأهل البيت))(٣) والقانع: الذي ينفق على أهل البيت.
٢ - الإقرار: وهو إخبار الشخص عن ثبوت حق للغير على نفسه. وهو إما أن
يكون بلفظ صريح، مثل ((لفلان علي ألف درهم)) أو بلفظ ضمني، مثل: ((لي عليك
أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً على عمر، وهو منقطع، ورواه آخرون مرسلاً ( نيل الأوطار: ٢٩١/٨).
(١)
(٢)
رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر ( سبل السلام : ١٢٨/٤).
- ٧٨٠ -