النص المفهرس
صفحات 701-720
ثالثاً - الإشراف على الأمور العامة بنفسه. قال الماوردي: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش الناصح. رابعاً - إقامة العدل بين الناس، وذلك على النحو التالي: أ- تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين وقطع الخصام بين المتنازعين حتى تعم التصفية، فلا يتعدى ظالم ولا يضعف مظلوم. ب- إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاء، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك . خامساً - إدارة المال: بتقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير. سادساً - تعيين الموظفين: وعبر الماوردي عن الواجب بقوله: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيا يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالأكفاء مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة . فإن طرأ طارئ اتخذ الخليفة من التدابير ما يحقق سعادة الأمة بشرطين: الأول - ألا يخالف نصاً صريحاً ورد في القرآن أو السنة أو الإجماع. الثاني - أن تتفق التدابير مع روح الشريعة ومقاصدها العامة، وفقاً لما بينه علماء أصول الفقه، بالحفاظ على الأصول الكلية الخمسة وتوابعها وهي : الدين والنفس والعقل والنسل والمال(١). (١) راجع الموافقات للشاطبي: ١٠/٢، ط التجارية، الإحكام للآمدي: ٤٨/٣ ، ط صبيح، المستصفى للغزالي: ١٤٠/١، ط التجارية . - ٧٠١ - المبحث السادس - انتهاء ولاية الحاكم: تنتهي ولاية الحاكم أو الخليفة بأحد أمور ثلاث وهي(١): أولاً - الموت: وهذا أمر طبيعي لزوال الولاية؛ لأن مدة استخلافه مؤقتة بمدة حياته. ولا يحق له توريث ولايته لأحد، وإنما الحق في التولية لأهل الاختيار، ويرى الدكتور السنهوري أن روح النظام الإسلامي لاتتنافى إطلاقاً مع توقيت الخلافة بمدة زمنية محدودة، إذا ما تضمن عقد الخلافة ذلك(٢). ثانياً -خلع الخليفة نفسه: وهذا حق شخصي للخليفة ، حتى لا يكون مكرهاً على البقاء في منصبه رغم إرادته، قال الماوردي: وإذا خلع الخليفة نفسه انتقلت إلى ولي عهده، وقام خعله مقام موته، أي أن الأمر يصبح منوطاً باختيار أهل الحل والعقد؛ لأن ولا يته مستمدة من الأمة، وليست حقاً أصيلاً له. ثالثاً - العزل لتغير حاله. والذي يتغير به حاله، فيخرج به عن الإمامة شيئان : جرح في عدالته، ونقص في بدنه. أما جرح العدالة فهو الفسق: وهو ارتكابه المحظورات، وإقدامه على المنكرات، وانقياده للأهواء والشهوات. وأما نقص البدن فهو كما ذكرنا سابقاً ثلاثة أقسام : أ- نقص الحواس، كزوال العقل وذهاب البصر والصم والخرس. ب- نقص الأعضاء كذهاب اليدين، أو ذهاب الرجلين . الأحكام السلطانية للماوردي : ص ٩ وما بعدها، ١٥ - ١٩، السلطات الثلاث: ٢٧٠ وما بعدها. (١) (٢) الخلافة السنهوري : ص ١٩٠ وما بعدها . - ٧٠٢ - جـ- نقص التصرف وهو يشتمل على نوعين: أولاً - الحجر بأن يستولي أحد أعوانه على السلطة ويجاهر بالمعصية أو يخالف أحكام الشرع. فإن لم يخالف حكماً شرعياً استنصرت الأمة أو الخليفة بمن يعمل على تنحيته. وثانياً - الأسر: بأن يقع الخليفة في أسر الأعداء وييأس المسلمون من فكاكه واستخلاصه من الأسر. وتقرير مبدأ العزل من الأمة دليل واضح على أن الخليفة يستمد سلطانه من الأمة، وليس له ادعاء أحقيته السلطة بتفويض من الإله كما كان يزعم ملوك أوربا في القرون الوسطى. كما أنه ليس معصوماً من الخطأ، ولا حق له في التشريع وإنما ينفذ أحكام الشريعة ويجتهد في نطاقها، وليس له سلطة روحية كما هو الحال بالنسبة للبابا رئيس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، فلا يحل ولا يحرم ولا يغفر الذنوب ولا يطرد مذنباً. المبحث السابع - حقوق الإمام الحاكم: حدد الماوردي واجبات المسلمين نحو الحاكم بأمرين وهما: ١ - الطاعة في غير معصية . ٢ - النصرة ما لم يتغير حاله. فقال: ((إذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله))(١). أ- حق الطاعة : إذا بايع أكثرية المسلمين إماماً وجبت طاعته من الكل، لقول الرسول عد له: ((يد الله على الجماعة)) ((ومن شذ شذ في النار)) ((من فارق الجماعة شبراً، فقد خلع ربقة (١) الأحكام السلطانية : ص ١٥ . - ٧٠٣ - الإسلام من عنقه»(١). وبذل الطاعة مشروط بقيام الحاكم بواجباته التي ذكرناها، ومضمونها التزام أوامر الشريعة . وحينئذ تصبح القوانين والتكاليف التي تصدر عن الحاكم واجبة التنفيذ، كالإلزام بالتجنيد الإجباري وفرض الضرائب على الأغنياء بالإضافة إلى الزكاة كلما دعت حاجة البلاد إلى ذلك. ومصدر الالتزام بالطاعة آيات وأحاديث، منها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ وأولو الأمر: الحكام والعلماء كما بين المفسرون والصحابة. ومنها قوله قائلة: ((عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك))(٢) ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة))(٣). ولا يجوز الخروج عن الطاعة بسبب أخطاء غير أساسية لا تصادم نصاً قطعياً، سواء أكانت باجتهاد، أم بغير اجتهاد، حفاظاً على وحدة الأمة وعدم تمزيق كيانها أو تفريق كلمتها، قال عليه الصلاة والسلام: ((ستكون هُنّات وهنات)) - أي غرائب وفتن وأمور محدثات ـ فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف (١) حديث ((يد الله مع الجماعة)) أخرجه الترمذي عن ابن عمر، ورواه النسائي والطبراني عن عرفجة، وحديث ((من شذ)) رواه الترمذي عن ابن عمر: بلفظ ((يد الله على الجماعة، ومن شذ شد في النار)) وحديث ((من فارق)) رواه أحمد ورجاله ثقات بلفظ ((من خرج من الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من رأسه )). رواه البزار عن سعد بن عبادة ، وفيه حصين بن عمر، وهو ضعيف جداً ( مجمع الزوائد : ٢٢٧/٥) وللبخاري (٢) ومسلم والموطأ والنسائي عن عبادة بن الصامت: ((بايعنا رسول الله عَ لّ على السمع والطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وعلى أثرة علينا .. )). رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن عمر ، ويلاحظ أن أحاديث الطاعة في غير معصية رويت بألفاظ : (٣) منها ما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن علي: ((لاطاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)) ومنها ما رواه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري: ((لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق)). - ٧٠٤ _ ٠ كائناً من كان)) وقال عليه السلام أيضاً: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) ((أيما رجل خرج يفرق بين أمتي فاضربوا عنقه))(١) رواهما مسلم عن عرفجة. وبدهي أن الطاعة بقدر الاستطاعة: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ وقال ابن عمر رضي الله عنه: « كنا إذا بايعنا رسول الله واقعٍ على السمع والطاعة يقول لنا: فيما استطعتم))(٣). وإذا أخطأ الحاكم خطأ غير أساسي لا يمس أصول الشريعة وجب على الرعية تقديم النصح له باللين والحكمة والموعظة الحسنة، قال عليه الصلاة والسلام: ((الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم))(٢) وقد حض رسول الله طائر على إسداء النصح والمجاهرة بقول الحق، فقال: «أفضل الجهاد: كلمة حق عند سلطان جائر)(٤) ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))(٥). فإن لم ينتصح وجب الصبر لقوله عليه السلام: ((من رأى من أميره شيئاً، فكره فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً، فيموت إلا مات ميتة جاهلية))(٦). ولكن لا تجب الطاعة عند ظهور معصية تتنافى مع تعاليم الإسلام القطعية وانظر أحاديث لزوم الجماعة والنهي عن الخروج عن الأمة وقتالهم في مجمع الزوائد : ٢٢٢/٥ وما بعدها . (١) وحديث ((من أتاكم .. )) رواه مسلم عن عرفجة بن شريح ( شرح مسلم: ٢٤٢/٢). (٢) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر (جامع الأصول: ١٦٨/١ ). رواه مسلم عن أبي رقية تميم بن أوس الداري . (٣) رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري ، ورواه أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة ، ورواه أحمد (٤) والنسائي والبيهقي عن طارق بن شهاب . (٥) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري . رواه الطبراني بلفظ آخر ، وفيه متروك ( مجمع الزوائد : ٢١٩/٥ ). (٦) الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤٥) - ٧٠٥ - الثابتة، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لاطاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)) ((لاطاعة لمن لم يطع الله))(١). وهل تعالج الأخطاء الجوهرية المصادمة لأصول الإسلام بالثورة المسلحة من قبل الشعب ؟ أذكر في الموضوع حديثين ونتبعهما بآراء الفقهاء وما يستنبط منهما. الحديث الأول الذي أخرجه مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي عن رسول الله ◌ُ فٍ قال: ((خيار أمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم. وشرار أثمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ، ما أقاموا فيكم الصلاة)». والحديث الثاني الذي يرويه البخاري وغيره والذي ورد في بعض رواياته عن عبادة بن الصامت قال: ((دعانا النبي ◌ُ الإِ، فبا يعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً(٣) عندكم من الله فيه برهان». والمبدأ هو وحدة الإمامة أو الخلافة، لحديث: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما))(٢). (١) سبق تخريجه قريباً . أي ظاهراً . والمراد به كما استظهر ابن حجر في شرح البخاري هو الكفر الظاهر على حقيقته الذي لا يحتمل (٢) التأويل . فإن رأى المسلمون منكراً محققاً أنكروه عليهم وقالوا الحق ، ولكن الخروج عليهم وقتالهم حينئذ حرام ، وإن كانوا فسقة ظالمين منعاً من الفتن وإراقة الدماء . وقد سبق تخريج الحديث ( جامع الأصول : ١٦٦/١٠ ) . (٣) رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ( مجمع الزوائد: ١٩٨٥) ورواه أيضاً مسلم عن أبي سعيد الخدري ( شرح مسلم للنووي : ٢٤٢/١٢) . - ٧٠٦ - وبناء عليه تجوز الثورة في حالة واحدة هي إعلان الكفر الصراح. قال الدهلوي: ((وبالجملة فإذا كفر الخليفة بإنكار ضروري من ضروريات الدين، حل قتله، بل وجب، وإلا لا؛ وذلك لأنه حينئذ فاتت مصلحة نصبه (إقامته حاکاً)، بل يخاف مفسدته على القوم، فصار قتاله من الجهاد في سبيل الله. قال مَ اق : السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة(١). واستنبط بعض الكتاب المحدثين(٢) من الحديثين السابقين مبادئ أربعة بين فيها حدود الطاعة وحالة جواز الثورة على الحكم. وهي: أولاً - إن للأمير الذي يمثل الحكومة الشرعية في الدولة حق الطاعة من المواطنين جميعاً، بغض النظر عن أن فريقاً أو فرداً منهم قد لا يحبه، أو لا يرضى أحياناً عن سياسته في إدارة شؤون الدولة. ثانياً - إذا ما أقدمت الحكومة على إصدار قوانين أو أوامر تتضمن معصية صريحة بالمعنى الشرعي، فإنه لا سمع ولا طاعة على المواطنين بالنسبة لهذه القوانين والأوامر. ثالثاً - إذا ما وقفت الحكومة موقفاً تتحدى به تحدياً صريحاً متعمداً نصوص القرآن، فإن هذا الموقف يعتبر ((كفراً بواحاً)) الأمر الذي يستوجب نزع السلطة من يدها وإسقاطها . رابعاً - إن نزع السلطة هذا من يد الحكومة في غير حالة إعلان الكفر صراحة يجب ألا يتم عن طريق ثورة مسلحة من جانب أقلية من المجتمع؛ لأن رسول الله متع قد حذرنا من اللجوء لهذه الوسيلة، فقال: ((من حمل علينا السلاح فليس منا))(٢) حجة الله البالغة للدهلوي: ١١٢/٢، والحديث رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر . (١) (٢) منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد : ص ١٤٤ . رواه مالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر . (٣) - ٧٠٧ - وقال: ((من سل علينا السيف فليس منا))(١) والمراد بذلك البغاة: وهم فئة من الناس خارجة عن طاعة الإمام. ومن المقرر فقهاً أن السلطة التي تملك التعيين تملك حق العزل. وهذا يعني أن أهل الشورى يقترحون العزل ببراهين واضحة، ثم تقوم أكثرية الأمة بواسطة استفتاء مثلاً بالتصويت على عزل الإمام من منصبه . ويرى بعض الكاتبين حديثاً ضرورة عرض النزاع القائم بين أهل الشورى والإمام، على هيئة تحكيم عليا محايدة مختصة بشؤون الدستور، مكونة من نوابغ القضاة، وأقطاب القانون الإسلامي في الدولة، منعاً من تفاقم الأزمة التي لا تحل إلا بذلك. وتأمر هذه المحكمة بإجراء استفتاء عام على خلع الإمام لمخالفته قصداً نصوص الشريعة. فإن منع الإمام من اللجوء إلى الاستفتاء، كان لها الحق بإعلان عزله، وأن الأمة في حل من بيعته (٢)، عملاً بمبدأ ((لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق))(٣). آراء الفقهاء القدامى في مبدأ الخروج على الحاكم: قال أهل الحديث والسنة بوجوب الصبر وعدم جواز الخروج على الحاكم مطلقاً، عملاً بالأحاديث الواردة عن النبي ◌ُ فع الآمرة بالصبر مثل ((كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)»(٤). ورعاية لوحدة الأمة وعدم الفرقة واجتماع الكلمة واحتمال أخف الضررين، ولأن كثيراً من الصحابة والتابعين امتنعوا عن الخروج، بل اعتزلوا الفتنة ولم يساعدوا الخارجين، وبناء عليه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا بإعلان الكفر رواه أحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع . (١) (٢) محمد أسد، المرجع السابق: ص ١٢٣، ١٢٧ ، ١٤٥ وما بعدها . (٣) رواه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري . أخرجه ابن أبي خيثمة والدارقطني عن عبد الله بن خباب بن الأرت . (٤) - ٧٠٨ - ۔۔ ۔۔ صراحة، فإذا كفر یانكار أمر من ضروريات أو بدهیات الدین، حل قتاله، بل وجب، منعاً من فساده وفوات مصلحة تعيينه، وإلا فلا، حفاظاً على وحدة الأمة، وعدم الفوضى. قال ◌َ ◌ّم: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)» وسئل رسول الله مالم عن خلع الحكام، فقيل: أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. وقال: ((إلا أن تروا كفراً بواحاً - أي ظاهراً - عندكم من الله فيه برهان)»(١). وقال المعتزلة والخوارج والزيدية وكثير من المرجئة: الخروج واجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق، عملاً بقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ وقوله: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ﴾ وقوله: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾. وقال أبو بكر الأصم من المعتزلة : السيف واجب إذا اتفق على إمام عادل يخرجون معه لإزالة أهل البغي (٣). US وقال ابن حزم بجواز الخروج؛ لأن الأحاديث المجيزة للخروج على الفاسق الظالم ناسخة في رأيه للأحاديث الآمرة بالصبر؛ لأن هذه الأحاديث وردت في مبدأ الإسلام، ولأن الدليل المحرم يقدم على المبيح عند تعارضهما، ولقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ ولأنه يجب على المسلم إزالة المنكر، ولا طاعة في معصيته، ومن قتل دون ماله أو دينه أو مظلمته فهو شهيد (٣). (١) حجة الله البالغة للدهلوي: ١١٢/٢ والحديث باللفظ الأول رواه أحمد ومسلم، والثاني رواه البخاري ( نيل الأوطار : ١٧٢/٦ ) . مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري : ٤٤٥/٢ وما بعدها . (٢) (٣) الفصل في الملل والنحل لابن حزم: ١٧١/٤ وما بعدها ، والحديث رواه أحمد وابن حبان وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعيد بن زيد بلفظ: « من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن = - ٧٠٩ - ورجح الدكتور محمد يوسف موسى رأي ابن حزم؛ لأن الأمة الإسلامية موصوفة بأنها آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، ترفض الظلم، وتقيم شعائر الله. ولكن بشرط واحد وهو أن يقدر تمام التقدير من يرى وجوب الخروج بالقوة على خليفة يستحق العزل شرعاً ضرورة صيانة وحدة الأمة التي ينبغي أن تحرص عليها الحرص كله، وضرورة تجنيبها الفتنة وإراقة الدماء بلا ضرورة (١). وهذا الرأي قريب من رأي المعتزلة الذين يوجبون الخروج على السلطان عند القدرة والإمكان(٣). ٢ - مناصرة الإمام ومؤازرته: على المسلمين أن يتعاونوا مع الحاكم في كل ما يحقق التقدم والخير والازدهار في جميع المجالات الخارجية بالجهاد في المال والنفس، والداخلية، بزيادة العمران وتحقيق النهضة الصناعية والزراعية والأخلاقية والاجتماعية، وإقامة المجتمع الخيّر، وتنفيذ القوانين والأحكام الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء فيما يمس المصلحة العامة أم المصلحة الخاصة(٣)، وتقديم النصيحة، وبذل الجهد بتقديم الآراء والأفكار الجديدة التي تؤدي إلى النهضة والتقدم، وتوعية الناس والدعوة لها في السلم والحرب. ومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الإسلام الأساسية المقررة بالتضامن بين الحكومة والأفراد؛ لأن في ذلك إقامة أمر الله وهدم كل ما يخالف الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)) وروى النسائي والضياء عن سويد بن مقرن : ۔ « من قتل دون مظلمته فهو شهيد )) . نظام الحكم في الإسلام ليوسف موسى : ص ١٥٨ وما بعدها . (١) (٢) مقالات الإسلاميين : ٤٦٦/٢ . انظر الأحكام السلطانية للماوردي : ص ٢٣٦ - ٢٤٩ لتفصيل كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في (٣) حقوق الله ( المجتمع ) وحقوق الأشخاص . - ٧١٠ - بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون﴾ ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله﴾ وقال تعالى في شأن اليهود بسبب عدم النهي عن المنكر: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون ﴾. وجعلت سمة المؤمنين الاجتماعية هي القيام بهذا الواجب في قوله سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر﴾. وورد في السنة النبوية أحاديث كثيرة بهذا المعنى، من أهمها المبدأ العام وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ... ))(١) الحديث. وقوله ◌َ ل: ((والذي نفسي بيده لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)) (٢) وقال الله: ((يا أيها الناس مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعو الله فلا يستجيب لكم، وقبل أن تستغفروه فلا يغفرلكم .. ))(٣). 5 ١ المبحث الثامن - حدود سلطات الإمام وقواعد نظام الحكم في الإسلام: تتحدد سلطات الخليفة ضمن الإطار العام لدولة الإسلام، وهو أنها دولة ذات فكرة ومبادئ لإصلاح الحياة البشرية(٤)، وأساس فكرتها مبادئ وغايات واضحة رواه أحمد والشيخان ( البخاري ومسلم ) وأبو داود والترمذي عن ابن عمر . (١) (٢) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن . رواه الأصبهاني عن ابن عمر ( الترغيب والترهيب : ٢٣٠/٣). (٣) المرجع السابق . (٤) - ٧١١ - محددة(١)، تقوم على أساس الإيمان بالله تعالى، وتنظر إلى الكون والحياة والإنسان على هدي هذا الإيمان، وتستهدف إصلاح الحياة البشرية قاطبة وفق منهج العقيدة الإسلامية ومستلزماتها ونظمها التشريعية التي لا تتأثر بأهواء الواضعين، ولا بحدود إقليمية ضمن نطاق أرضي معين، إلا عند الضرورة، وسيراً وفق منهاج مرحلي تدريجي يوصل إلى الغاية الكبرى، وهو وحدة المسلمين . وما على الإنسان أو الخليفة إلا أن يعمل في ضوء كونه مستخلفاً في هذه الدنيا عن الله: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾. وبما أن نظر الإنسان محدود، لا يمكنه الإحاطة بطبائع الأشياء ومقتضيات التشريع العامة، كان عليه التزام التشريع الإلهي الشامل الكامل. وتشريع الإله لا يميز بين صاحب السلطة وأفراد الرعية، فكل منهم له الحق في الاستمتاع بحريته واحترام كرامته الإنسانية، وإنصافه من غيره، ومطالبته بإقامة العدل ومراعاة مبدأ المساواة . ومن هنا تتحدد سلطات الخليفة أو الحاكم في الإسلام بالأسس الآتية(٢): أولاً - يخضع الخليفة للتشريع الإسلامي، ويطالب بتنفيذ أحكامه، وإصدار القوانين التنظيمية وفقاً لمبادئه وقواعده، وليس له أية حصانة في هذا الشأن من دون بقية المسلمين. قال أبو بكر وتبعه من بعده من الراشدين في أول خطبة سياسية له بعد تولي الخلافة: ((أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ... )). (١) نظرية الإسلام السياسية للمودودي : ص ٤٧ وما بعدها . (٢) راجع السلطات الثلاث للطاوي : ص ٢٨١ وما بعدها ، النظريات السياسية للريس : ص ٢٨٠ وما بعدها ، بحث الدولة الإسلامية للموسوعة الفقهية للمؤلف . - ٧١٢ - ثانياً - ليس للحاكم سلطة التشريع؛ لأن التشريع في الإسلام كما بينا سابقاً لله ورسوله. ودور الخليفة مع أولي الحل والعقد هو مجرد الاجتهاد في نطاق القرآن والسنة. فلا يستمد المجتهدون سلطتهم من الخليفة، وإنما من مؤهلاتهم الذاتية. وفي هذا أكبر ضمان لشرعية الدولة؛ إذ المسلّم به أن النظم الاستبدادية تقوم على أساس أن إرادة الدولة هي القانون. ثالثاً- يلتزم الحاكم وأعوانه بقواعد نظام الحكم الإسلامي ومبادئه العامة التي حددها القرآن والسنة، ولم يفصل في شأنها مراعاة لظروف ومقتضيات التطور، وضماناً لقدسية المبدأ بحيث لا يقبل التغير وهذه القواعد هي : ١ - الشورى : إن نظام الحكم الإسلامي نظام شوري، لقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾ وورد في السنة النبوية القولية والعملية ما يوجب المشاورة، مثل: ((استعينوا على أموركم بالمشاورة)) (١) ((ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم))(٢) ((المستشار مؤتمن))(٣) وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ((لم يكن أحد أكثر مشورة من رسول الله مائة))(٤) وقد استشار النبي ◌َ ◌ّ أصحابه في وقائع كثيرة، تطبيباً لنفوس أصحابه ولرفع أقدارهم، قائلاً: أشيروا علي أيها الناس. مثل استشارته قبيل معركة بدر لمعرفة مدى استعداد أصحابه للقتال، ونزوله على رأي الحُبَاب بن المنذر في اختيار المكان الملائم لنزول الجيش وهو أدنى مقام من ماء بدر. وكذلك بعد المعركة استشار أصحابه في شأن قبول الفداء من أسرى بدر المشركين . ذكره الماوردي في أدب الدنيا والدين : ص ٤٩٤ . (١) عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ أنه قال: ((استرشدوا العاقل ترشدُوا، ولا تعصوه فتندموا)» ( أدب الدنيا (٢) والدين: ص ٤٩١) وقال بعض الأدباء: (( ماخاب من استخار ولا ندم من استشار)). (٣) رواه أبو داود والترمذي وحسنه النسائي ، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة . (٤) رواه الترمذي . - ٧١٣ - وقبل موقعة أحد استشار الأصحاب في شأن الخروج من المدينة، وقبل رأي الكثرة الشباب التي أشارت بالخروج، وكانت العاقبة الهزيمة المعروفة. وقال ◌َ له في قصة الإفك: ((أشيروا علي معشر المسلمين في قوم ... )). واستشار أيضاً أصحابه في رد سبي هوازن، وفي استطابة أنفسهم بذلك، دون تعويض عن حقهم. وشاور النبي ◌ُ الم أصحابه يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه السعدان: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، فترك ذلك(١). وفي يوم الأحزاب تمت المشاورة عملاً برأي سعد بن معاذ وسعد بن عبادة على عدم مصالحة رؤساء غطفان لأخذ شطر ثمار المدينة. ونحو ذلك كثير(٣). وسار الخلفاء الراشدون على هذه السنة الحميدة، فكانوا يجمعون رؤساء الناس، فيستشيرونهم فيما لم يجدوا فيه نصاً في القرآن والسنة . منها مشاورة أبي بكر في حروب الردة، وفي جمع القرآن. ومشاورة عمر في قضية قسمة سواد العراق بين الغانمين، وفرض الخراج، ونحوها. وأهل الشورى: هم أهل الآراء من الناس والمتدربون فيهم، إذ لا يعقل، ولا يمكن مشاورة كل واحد من الناس(٣)، ففي أمور الدين يجب أن يكون المستشار عالماً دينياً وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل. وفي أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير(٤). انظر تفسير ابن كثير: ٢٨٧/١ وما بعدها، ٤٢٠ في الوقائع المذكورة ، وانظر أدب الدنيا والدين للماوردي : (١) ص ٤٩٦ . راجع سيرة ابن هشام: ٢٥٣/٢ وما بعدها، أحكام القرآن للجصاص: ٤٠/٢، تفسير ابن كثير: ٤٢٠/١، (٢) ط الحلبي . تفسير الألوسي : ١٠٧/٤. (٣) تفسير القرطبي : ٢٥٠/٤ . (٤) - ٧١٤ _ نطاقها: إن الأمر المطلق بالمشاورة الموجه للحكام يشمل كل القضايا الدينية والدنيوية: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التنظيمية، أي فيما لم يرد به نص تشريعي واضح الدلالة(١)؛ لأن الأمر القرآني بالمشاورة غير مخصوص بأمر الدين. ولا يصح أن تكون نتيجة الشورى في الأمور الاجتهادية الدينية والدنيوية مخالفة نصوص الشريعة أو مقاصدها العامة ومبادئها التشريعية. وهي مطلوبة سواء أكانت القضايا محل المشاورة عامة كاختيار الحاكم وإدارة الحكم، وسياسة البلاد، وتنظيم الإدارات ومحاسبة الولاة، وإعلان الحرب، أم خاصة كالنظر في أحكام المعاملات والجنايات وأحوال الأسرة ونحوها . هيئة الشورى: كان السائد لدى الخلفاء الراشدين أن الخليفة هو الذي يعين أهل المشورة، حسبما يرى المصلحة ويعرف الكفاءات العلمية المطلوبة للأمر. وفي عصرنا الحاضر يمكن الاتفاق بين الحاكم ورؤساء الأمة على وضع مبادئ الاختيار، كالتعيين بحسب الوظائف ذات الصفة التشريعية، أو الانتخاب وفق ضوابط محددة تنطبق على ذوي الاختصاص والخبرة والمعرفة اللائقة. حكم الشورى: اختلف الفقهاء في حكم الشورى: هل هي ملزمة للحاكم، أم اختيارية، وهل نتيجتها ملزمة أم اختيارية أيضاً. فقال جماعة: إن الشورى فيما لم ينزل فيه وحي في مكايد الحروب وعند لقاء العدو اختيارية، تطييباً للنفوس ورفعاً للأقدار، وتألفاً على الدين؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ والعزم من الحاكم قد يكون على رأيه أو رأي المستشارين، ولأن أبا بكر حينما استشار الناس بمحاربة المرتدين، لم يرغالبية المسلمين ومنهم عمر قتالهم، وأخذ أبو بكر برأيه الذي لم يفرق بين الصلاة والزكاة (١) أحكام القرآن للجصاص : ٤١/٢ . - ٧١٥ _ قائلاً: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لحاربتهم عليه. وقال آخرون: إن الحاكم ملزم برأي أغلبية المستشارين من أهل الحل والعقد عملاً بالأوامر القرآنية، ويصبح الأمر عديم الأثر إذا لم يلزم الحاكم بنتيجتها. وقد عمل بها الرسول ماتآله وصحابته الراشدون من بعده(١). ورأينا هو القول بوجوب الشورى على كل حاكم وضرورتها له وإلزامه بنتيجتها كما قرر المفسرون(٣) لتسير الأمور وفق الحكمة والمصلحة ومنعاً من الاستبداد بالرأي؛ لأن حكم الإسلام يقوم على أصل الشورى، وبه تميز، وعلى نهجه سار السلف الصالح، وذلك ما لم يستطع الحاكم إقناع أهل الشورى بأفضلية رأيه، كما فعل أبو بكر الذي مافتئ يوضح رأيه للمسلمين في شأن حرب المرتدين وجمع القرآن، حتى شرح الله صدورهم له، كما قال عمر رضي الله عنه. وكما فعل عمر أيضاً بإقناع مخالفيه في قسمة سواد العراق، حتى شرح الله صدورهم لرأيه ووافقوه على فعله، فكان الرأي مجمعاً عليه، كما ذكر أبو يوسف في كتاب الخراج وغيره من الفقهاء. أما رسول الله ◌ُ تع فهو بحق لم يكن بحاجة للشورى لاعتماده على الوحي، ومع ذلك فإنه كان يشاور أصحابه تطبيباً لقلوبهم وتعليماً لمن بعده(٣). قال الحسن رضي الله عنه: علم الله أنه ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وهذا هو معنى قوله تعالى ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ أي فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى، فتوكل على الله في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح، فإن ما هو أصلح لك لا يعلمه إلا الله، لاأنت ولا من تشاور، والله هو الذي يرشدك للأفضل بالوحي. (١) راجع تفسير الطبري: ٣٤٣/٧ - ٣٤٦، والقرطبي: ٢٤٩/٤ - ٢٥٣، وابن كثير: ٤٢٠/١، ١١٨/٤ عند تفسير آية ﴿وشاورهم في الأمر﴾ آل عمران: ١٥٩، تفسير الزمخشري: ٣٥٧/١ وما بعدها، تفسير الألوسي: ١٠٦/٤ وما بعدها، ٤٦/٢٥، الجصاص، المرجع السابق، البيضاوي: ٥٠/٢، ١٤٥/٤، ط التجارية. (٢) راجع تفسير الطبري : ٣٤٥/٧ ، ط دار المعارف . (٣) راجع الآراء الأربعة في تحديد المقصود من أمر النبي بالمشاورة في الأحكام السلطانية للماوردي : ص ٤١ . - ٧١٦ - روى البيهقي عن ابن عباس قال: ((أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً)) قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿ وأمرهم شورى بينهم﴾. وقال ابن أبي خُوَيزمَنْداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها(١). ٢ - العدل : العدل عموماً: هو تنفيذ حكم الله، أي أن يحكم وفقاً لما جاءت به الشرائع السماوية الحقة، كما أوحى بها الله إلى أنبيائه ورسله، وهو واجب على كل حاكم حتى على الأنبياء بإجماع العلماء، وهو أساس نظام الحكم الإسلامي وغايته المقصودة، سواء بين المسلمين، أم بينهم وبين الأعداء؛ لأن العدل قوام العالمين في الدنيا والآخرة، وبه قامت السموات والأرضون، وهو أساس الملك. وأما الظلم، فهو طريق خراب 5 المدنيات وزوال السلطان(٢). وقد ورد في القرآن عدة آيات تحث عليه، وأكدت عليه أحاديث النبي معَ ◌ّةٍ، وطبقه الصحابة فعلاً بين الناس. فمن الآيات قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾. وجاء نص خاص راجع تفسير القرطبي : ٢٤٩/٤ وما بعدها . (١) (٢) انظر النظريات السياسية الإسلامية للريس : ص ٢٨٠ وما بعدها ، نظام الحكم في الإسلام ليوسف موسى : ص ١٩١ ، بحث الدولة الإسلامية للمؤلف ، مقدمة ابن خلدون: ص ٣١٩ ، الفصل ٤٤ . ٠٠ - ٧١٧ - يوجب العدل مع الأعداء وهو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن(١) قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾. ولم يقتصر القرآن على المطالبة بالعدل، وإنما حرم ما يقابله وهو الظلم تحريماً قطعياً صريحاً، قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم لیوم تشخص فيه الأبصار﴾. وكذلك الأحاديث النبوية الثابتة أوجبت العدل وحرمت الظلم، قال مر فوع : ((لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استُرحمت رحمت)) (٣) ((أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغضهم إليه إمام جائر))(٣) ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) (٤) ((اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)) (9). ومزية الإسلام في المطالبة به أنه عدل مطلق يشمل الحاكم والمحكومين والإنسانية جمعاء. فهو واجب في الحكم والإدارة وفرض الضرائب وجباية المال وصرفه في مصالح الناس، وفي توزيع الحقوق والواجبات وإقامة العدالة الاجتماعية، وفي الشهادة والقضاء والتنفيذ وإقامة الحدود والقصاص، وفي القول والكتابة، وفي نطاق الأسرة مع الزوجة والأولاد، وفي التعليم والتملك، والرأي والفكر والتصرف. (١) المعنى لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل ، فتعتدوا عليهم، بأن تنتصروا منهم، وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب مالا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء ، أو نقض عهد ، أو ما أشبه ذلك ( الكشاف : ٤٤٩/١ ) . رواه أحمد والبزار والطبراني عن أبي موسى بلفظ: ((إن هذا الأمر في قريش، ما إذا استُرحموا رحموا، وإذا (٢) حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا .. )) ( الترغيب والترهيب: ١٧١/٣ ) (٣) رواه الترمذي والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري . (٤) رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري . رواه مسلم وأحمد البخاري في الأدب المفرد . (٥) - ٧١٨ - العدل مع الأقليات الدينية والسياسية: نخصص هذا المطلب للرد على دعاوى القائلين بعدم إمكان الحكم بتشريع الإسلام حماية للأقليات، مع أن الإسلام في ضمانه حقوق هؤلاء واضح صريح متسامح أحياناً أكثر مما يجب واقعياً، فهم مع المسلمين سواء في الحقوق، ولا يلتزمون بكل الواجبات، ويتركون وما يدينون، ولهم حرية في ممارسة شعائر دينهم، ويمتنع إكراه أحد منهم على الإسلام ، ولا يجوز الاعتداء على أشخاصهم وأموالهم وأعراضهم ومعابدهم. قال مُ فل: ((ألا من ظلم معاهداً، أو نقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة))(١) ((من آذى ذمياً فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصته يوم القيامة))(٢). ٣ - المساواة أمام القانون: العدل بمعناه الشامل يشمل هذا المبدأ الشائع الآن؛ لأن العدل كما بينا يتطلب التسوية في المعاملة وفي القضاء وفي الحقوق وملكيات الأموال. وقد عبر أبو بكر رضي الله عنه عن ذلك بقوله: ((الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله)) وفي رسالة عمر المشهورة لأبي موسى الأشعري: ((آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك». ولقد حمل الرسول التّ على محاولات التمييز بين الناس أمام القضاء والشريعة، فقال فيما يرويه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: ((إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها)). (١) رواد أبو داود والبيهقي . (٢) رواه الخطيب في تاريخه عن أنس ، وهو حديث حسن . - ٧١٩ - ٤ - حماية الكرامة الإنسانية: الكرامة حق طبيعي لكل إنسان، رعاها الإسلام، واعتبرها مبدأ الحكم وأساس المعاملة، فلا يجوز إهدار كرامة أحد، أو إباحة دمه وشرفه، سواء أكان محسناً أم مسيئاً، مسلماً أم غير مسلم؛ لأن العقاب إصلاح وزجر، لا تنكيل وإهانة، ولا يحل شرعاً السب والاستهزاء والشتم وقذف الأعراض، كما لا يجوز التمثيل بأحد حال الحياة أو بعد الموت، ولو من الأعداء أثناء الحرب أو بعد انتهائها. ويحرم التجويع والإظماء والنهب والسلب. وما أروع إعلان القرآن لمبدأ الكرامة الإنسانية في قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ وقال رسول الإسلام مَ ل: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم))(١). ه ـ الحرية : الحرية ملازمة للكرامة الإنسانية، فهي حق طبيعي لكل إنسان، وهي أغلى وأثمن شيء يقدسه ويحرص عليه، قال عمر بن الخطاب لواليه عمرو بن العاص: ((متى تعبَّدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)) وعلى الحاكم توفير الحريات بمختلف مظاهرها الدينية والفكرية والسياسية والمدنية في حدود النظام والشريعة. وقد أعلن القرآن حرية العقيدة وحرية الفكر وحرية القول. حرية العقيدة: فمن أجل الاعتقاد أو الحرية الدينية منع القرآن الإكراه على الدين فقال عز وجل: ﴿ لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي ﴾ ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)؛ لأن اعتناق الإسلام ينبغي أن يكون عن اقتناع قلبي واختيار حر، لا سلطان فيه للسيف أو الإ كراه من أحد. وذلك حتى تظل العقيدة قائمة في القلب على الدوام، فإن فرضت بالإرغام والسطوة، سهل زوالها (١) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي بكرة (سبل السلام: ٧٣/٣) - ٧٢٠ -