النص المفهرس

صفحات 681-700

فاسقاً وقت العهد لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته.
ويتضح ذلك من حادثتي تولية أبي بكر لعمر، وتولية عمر لأهل الشورى، فقد
كان معيار الاختيار هو الحرص على رعاية مصالح الأمة، وانتقاء المستوفي لشروط
الإمامة .
وأما رضا الأمة بالمولَّى فهو أمر أساسي أيضاً كما سنعرف، وهو الرأي الذي قرره
بعض علماء البصرة إذ قالوا: إن رضا أهل الاختيار لبيعته شرط في لزومها للأمة؛
لأنها حق يتعلق بهم، فلم تلزمهم إلا برضا أهل الاختيار منهم.
ولسنا مع الماوردي الذي صحح أن بيعته منعقدة وأن الرضا بها غير معتبر؛ لأن
بيعة عمر رضي الله عنه لم تتوقف على رضا الصحابة(١)، وذلك لأن الإمام أو أهل
الشورى كانوا يمثلون في اختيارهم الأمة، وقد تمت فعلاً بيعة عمر وعثمان رضي الله
عنهما برضا الأمة وموافقتها .
وبهذا يتضح أن الإمامة لا ثورث، فإن جميع الفقهاء أجمعوا على أن الإمامة
لا يصح أن تورث. قال ابن خلدون: «وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث
على الأبناء، فليس من المقاصد الدينية، إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من
عباده ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن، خوفاً من العبث بالمناصب الدينية))(٢)
وقال ابن حزم: ((ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث
(٣)
فیها))(٣).
المرجع السابق : ص ٨ .
(١)
المقدمة ، الفصل ٣٠ .
(٢)
الفصل في الملل والنحل : ١٦٧/٤ .
(٣)
- ٦٨١ -

انعقاد الإمامة بالقهر والغلبة :
رأى فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم أن الإمامة تنعقد بالتغلب والقهر، إذ يصير
المتغلب إماماً دون مبايعة أو استخلاف من الإمام السابق وإنما بالاستيلاء، وقد
يكون مع التغلب المبايعة أيضاً فيما بعد(١).
قال ابن المنذر(٢): والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عن دينه ودمه
وماله وعرضه ومظلمته، إذا أريد ظلماً، بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من
علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر بالصبر على
جوره، وترك القیام علیه.
وعبارة الحنفية في هذا الشأن هي كما قال الدهلوي: تنعقد الخلافة باستيلاء
رجل جامع للشروط على الناس، وتسلطه عليهم كسائر الخلفاء بعد النبوة. ثم إن
استولى من لم يجمع الشروط (أي المطلوبة لتولي الإمامة) لا ينبغي أن يبادر إلى
المخالفة؛ لأن خلعه لا يتصور غالباً إلا بحروب ومضايقات، وفيها من المفسدة أشد مما
يرجى من المصلحة. وسئل رسول الله مَ اتّ عنهم، فقيل: أفلا ننابذه؟ قال: لا،
ما أقاموا فيكم الصلاة، وقال: إلا أن تروا كفراً بَوَاحاً، عندكم من الله فيه برهان(٣).
يظهر من هذا الكلام أن القهر حالة استثنائية غير متفقة مع الأصل الموجب
لكون السلطة قائمة بالاختيار، وإقرارها فيه مراعاة لحال واقعة للضرورة ومنعاً من
سفك الدماء .
حجة الله البالغة للدهلوي: ١١١/٢، حاشية ابن عابدين: ٣١٩/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٣٠/٤ - ١٣٢،
(١)
الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص ٦ وما بعدها ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ٢٩٨/٤ ، غاية المنتهى :
١
٣٤٨/٣ ٠
(٢)
تلخيص الحبير : ١٥/٤، المغني : ٦٣٨/٧ وما بعدها .
ورد ذلك في رواية للبخاري من حديث رواه البخاري ومسلم والموطأ والنسائي عن عبادة بن الصامت (جامع
(٣)
الأصول: ١٦٥/١ - ١٦٦ ) .
- ٦٨٢ -
.

وعبارة المالكية كما قال الدسوقي: اعلم أن الإمامة العظمى تثبت بأحد أمور
ثلاثة :
إما بإيصاء الخليفة الأول المتأهل لها؛ وإما بالتغلب على الناس؛ لأن من
اشتدت وطأته بالتغلب، وجبت طاعته، ولا يراعى في هذا شروط الإمامة؛ إذ المدار
على درء المفاسد، وارتكاب أخف الضررين؛ وإما ببيعة أهل الحل والعقد: وهم من
اجتمع فيهم ثلاثة أمور: العلم بشروط الإمام، والعدالة، والرأي.
وشروط الإمام: الحرية والعدالة والفطانة وكونه قرشياً، وكونه ذا نجدة
وكفاية في المعضلات. وبيعة أهل الحل تكون بالحضور والمباشرة بصفقة اليد،
وإشهاد الغائب منهم. ويكفي العامي اعتقاد أنه تحت أمره، فإن أضمر خلاف ذلك
فسق، ودخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: ((من مات وليس في عنقه بيعة، مات
ميتة جاهلية)»(١).
وقال ابن حجر(٢): أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد
معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين
الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز
طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليه، لحديث البخاري عن عبادة: ((إلا
أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)».
بيعة الخليفة :
أولاً - طريقة بيعة الخليفة:
لقد أجمع المسلمون ما عدا الشيعة الإمامية على أن تعيين الخليفة يتم بالبيعة، أي
رواه مسلم في باب الإمارة .
(١)
(٢)
فتح الباري : ١١٢/١٦.
- ٦٨٣ -

الاختيار والاتفاق بين الأمة وشخص الخليفة، فهي عقد حقيقي من العقود التي تتم
بإرادتين على أساس الرضا.
وهذه النظرية سبقت نظرية الفقيه الفرنسي جان جاك روسو الذي افترض
أن أساس السلطة السياسية أو السيادة هو عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم.
وسميت عملية التعاقد هذه ((بيعة)» تشبيهاً بفعل البائع والمشتري لأنهم كانوا إذا
بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيداً للعهد(١).
قال الماوردي: فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار، تصفحوا أحوال أهل
الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً،
ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته(٢).
وأهل الحل والعقد يمثلون الأمة في اختيارهم الخليفة(٣)، باعتبار أن نصب الإمام
من الفروض الكفائية على الأمة بمجموعها، وأن لها الحق في عزله حال فسقه. قال
الرازي والإيجي وغيرهما : إن الأمة هي صاحبة الرئاسة العامة (٤). وقال البغدادي:
قال الجمهور الأعظم من أصحابنا (أي أهل السنة) ومن المعتزلة والخوارج والنجارية:
إن طريق ثبوتها (أي الإمامة) الاختيار من الأمة(٥).
وهذا يدلنا على أن الأمة هي مصدر السلطة التنفيذية؛ لأن حق التعيين
والعزل ثابت لها .
مقدمة ابن خلدون : ص ١٧٤ ، الفصل ٢٩ .
(١)
الأحكام السلطانية : ص ٥ ، حجة الله البالغة للدهلوي : ١١١/٢ .
(٢)
(٣)
راجع النظريات السياسية للريس : ص ١٧٠ .
(٤)
المواقف : ٣٤٥/٨ .
أصول الدين للبغدادي : ص ٢٧٩ .
(٥)
- ٦٨٤ -

ثانياً - من هم أهل الحل والعقد ؟
أ- أهل الحل والعقد:
هم العلماء المختصون (أي المجتهدون) والرؤساء ووجوه الناس الذين يقومون
باختيار الإمام نيابة عن الأمة. قال الماوردي: وإن لم يقم بها (أي الإمامة) أحد،
خرج من الناس فريقان: أحدهما - أهل الاختيار، حتى يختاروا إماماً للأمة.
والثاني - أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين
الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم(١).
ب۔ شروطهم:
يتحدد أولو الحل والعقد بالصفات أو الشروط المطلوبة فيهم، وهي كما ذكر
الماوردي ثلاثة هي(٣) :
أولاً - العدالة الجامعة لشروطها. والعدالة هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة
التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى امتثال المأمورات الشرعية، واجتناب
المنهيات الشرعية .
ثانياً - العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة
فيها .
ثالثاً - الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير
المصالح أقوم وأعرف.
وهذه الشروط يقرها المنطق وتمليها المصلحة، وتوجبها المدنية الحقة، ويفهم
الأحكام السلطانية : ص ٣ وما بعدها .
(١)
(٢)
المرجع السابق : ص ٤ .
- ٦٨٥ -

منها أن هذه الهيئة بمثابة مجلس الشيوخ في عرفنا الحاضر، على أن يكون أعضاؤه من
ذوي الكفاءات العلمية، لا المالية المادية، أو الطبقية، أو كونهم من أهل المدينة
لا الريف. لذا قال الماوردي: وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد
فضل مزية تقدم بها على غيره(١). ويلاحظ أن أهل الحل والعقد في السياسة لا يقتصر
على ((المجتهدين)) الذين يتولون مهمة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وإنما
يشمل فئات أخرى لها ميزاتها في المجتمع.
جـ- عددهم:
لا نرى مجالاً صحيحاً للكلام في تحديد عدد أهل الحل والعقد؛ لأن المعول عليه
هو ثقة الأمة بهم، وكونهم يمثلون الأمة فيما ترغب وتريد وتتوافر فيهم شروط
معينة، فلا يمكن تحديدهم. لكن لمجرد العلم والاطلاع نذكر ما قاله الفقهاء في هذا
الشأن، وقد استعرض الماوردي آراءهم، فقال(٢): اختلف العلماء في عدد من تنعقد به
الإمامة منهم، علی مذاهب شتى:
١- فقالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء
به عاماً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله
عنه على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها .
٢- وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على
عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالاً بأمرين:
أحدهما - أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثم
تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن
حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم.
المرجع السابق : ص ٤ .
(١)
(٢)
الأحكام السلطانية : ص ٤ وما بعدها .
- ٦٨٦ -
--- ------ ---------

والثاني - أن عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا
الخمسة.
وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة .
٣- وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين
لیکونوا حاکً وشاهدین، کما یصح عقد النكاح بولي وشاهدین.
٤- وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد؛ لأن العباس قال لعلي رضوان الله عليهما:
امدد یدك أبایعك، فیقول الناس: عم رسول الله ماے بایع ابن عمه، فلا
يختلف عليك اثنان؛ ولأنه (أي إيجاب العقد) حكم، وحكم واحد نافذ.
د - موافقة الأمة :
والحقيقة أنه لا دليل من نص أو إجماع على ما قال هؤلاء جميعاً، والقضية مجرد
اجتهاد، فيعتبر مذهب أهل السنة هو أولى الآراء بالاتباع، وهو أن تحديد العدد فيه
تعسف. وينبغي مراعاة مبدأ الاختيار والشورى من الأمة، ومثل هذه الأمور
العامة لا تقاس على أحكام القضاة الخاصة في قضية معينة. فإذا عقد البيعة شخص
واحد لا تنعقد حتى تتم موافقة الأمة ورضاها. قال الغزالي في بيعة أبي بكر رضي الله
عنه: ولو لم يبايعه غير عمر، وبقي كافة الخلق مخالفين أو انقسموا انقساماً متكافئاً
لا يتميز فيه غالب عن مغلوب، لما انعقدت الإمامة(١).
وقال الإمام أحمد في تفسير: ((من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية)):
أتدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول: هذا إمام، فهذا
معناه(٢). وقال ابن تيمية في مبايعة أبي بكر: ((لو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه،
الرد على الباطنية : ص ٦٤ وما بعدها .
(١)
منهاج السنة النبوية لابن تيمية : ١٤٢/١ ، ط بولاق .
(٢)
- ٦٨٧ -

وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إماماً بذلك، وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور
الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة))(١).
هــ وظيفة أهل الحل والعقد:
يتبين مما ذكرنا أن مهمة هؤلاء مقصورة على الترشيح والترجيح وفق المصلحة
والعدل. وقد حدد الماوردي ضوابط الاختيار، فقال (٢): فإذا اجتمع أهل العقد والحل
للاختيار، تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدموا للبيعة منهم
أكثرهم فضلاً، وأكملهم شروطاً، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن
بيعته، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره، عرضوها عليه،
فإن أجاب إليها بايعوه عليها وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمة الدخول
في بيعته والانقياد لطاعته. وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها؛ لأنها
عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، وعدل عنه إلى سواه من
مستحقيها .
ثم بين الماوردي صعوبة مهمة أهل الاختيار عند تكافؤ المرشحين فوضع لهم
الضوابط التي يتمكنون بها من إنجاح مهمتهم، فقال: فلو تكافأ في شروط الإمامة
اثنان قدم لها اختياراً أسنها، وإن لم تكن زيادة السن مع كال البلوغ شرطاً، فإن
بويع أصغرهما سناً جاز. ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار
ما يوجبه حكم الوقت. فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور
وظهور البغاة، كان الأشجع أحق. وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون
الدهماء، وظهور أهل البدع، كان الأعلم أحق .
(١)
(٢)
المرجع السابق : ١٤١/١ .
الأحكام السلطانية : ص ٥ .
- ٦٨٨ -

ثالثاً - طريقة اختيار الخلفاء الراشدين:
نذكر بإيجاز طريقة اختيار الخلفاء الأربعة الراشدين لنؤكد أن البيعة من
الأمة هي أساس التعيين، لا النص، ولا العهد، ولا الغلبة، ولا الوراثة ونحوها . علماً
بأن النبي ◌ُّ اتّ لم يبين للناس كيفية اختيار الخليفة ولم ينص على خليفة معين، وفي
ذلك حكمة بالغة، هي ترك المجال مفتوحاً لإرادة الأمة تفعل ما يحقق المصلحة دون
تحديد لشكل الحكم وأساليب التعيين، وإنما تتصرف بكامل حريتها وفقاً لما يتناسب
مع كل زمان ومكان؛ لأن المهم هو قيام الحاكم بواجباته أو وظائفه الدينية والدنيوية
معاً في ظل من رقابة الأمة، حتى لا يعتقد أحد من الحكام باستمداد سلطانه من الله،
أو أنه في مرتبة النبي الذي لا يعارض قوله أو فعله أو حكمه.
١ - أبو بكر الصديق :
لقد تم انتخاب أبي بكر الخليفة الأول بعد رسول الله مع التر في أحدث صورة لمؤتمر
سياسي جرى فيه نقاش حاد بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة عقب وفاة
الرسول ◌َّ له وقبل دفنه، وكان قصدهم من النقاش هو تحقيق مصلحة الإسلام وخير
المسلمين. وكان عمر هو أول من رشح أبا بكر رضي الله عنه، ووافقه أهل العقد
والحل، وبايعه المسلمون جميعاً، من وافق منهم أو خالف في أثناء النقاش(١). حتى إن
علیاً كرم الله وجهه الذي انتابه مرض بسبب وفاة النبي ێ بایع أبا بكر بعد برئه.
٢ - عمر بن الخطاب:
كان اختيار عمر رضي الله عنه بترشيح من أبي بكر في صورة عهد إلى المسلمين،
بعد استشارة أهل الحل والعقد، ثم بايعه المسلمون ورضوا به. فعندما أحس أبو بكر
بدنو أجله، طلب من الناس أن يؤمروا عليهم واحداً في حال حياته، حتى لا يختلفوا
(١) انظر سجل الجلسة في تاريخ الطبري: ١٩٩/٣، وفي طبقات ابن سعد: ١٧٩/٣، وصحيح البخاري: ٧/٥.
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤٤)
- ٦٨٩ -

بعده، خشية على المسلمين من التفرق بعد أن بدؤوا الحرب مع فارس والروم، فردوا
الأمر إليه في أن يختار لهم من يرى فيه الخير لهم وللدين. فاستهل ثم بدأ مشاوراته
مع كبار الصحابة وأهل الرأي، سائلاً الواحد تلو الآخر، وكان من أشهر من استدعاهم
عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهم من
المهاجرين والأنصار، فأثنوا عليه خيراً، وتخوف بعضهم وهو ابن عوف من شدته
(غلظته)، فأجابه أبو بكر بقوله: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك
كثيراً مما هو عليه. وبعد أن أتم أبو بكر مشاوراته، أملى على عثمان عهده إلى المسلمين،
ثم أشرف على الناس وزوجته أسماء بنت عميس تمسكه، فقال: أترضون بمن استخلفت
عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة؟! وإني قد استخلفت
عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا : سمعنا وأطعنا.
ثم أمر أبو بكر عثمان بتبليغ الناس وأخذ البيعة، فذهب ومعه عمر وأسيد بن
سعيد القرظي، فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب (أي لعمر)؟
فقالوا: نعم. وبعد تمام البيعة بايعه أبو بكر معلناً أنه لم يرد إلا صلاح المسلمين
وإبعادهم عن الفتنة، وأوصاه بما هو خير(١).
٣- عثمان بن عفان :
يبدولنا في صورة اختيار عثمان مظهر الشوری بشكل أوضح، إذ أن عمر رضي
الله عنه وهو صحيح حدد لجنة الشورى في ستة وهم(٢): علي والزبير بن العوام،
وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي
وقاص. وعين لهم مدة ثلاثة أيام للاختيار، ورسم لهم خطة المشاورة، بالأخذ برأي
الأكثرية، فإن تساووا يرجح الجانب الذي فيه عبد الله بن عمر في حالة تساوي
راجع طبقات ابن سعد: ١٢٢/٣، ٢٠٠ ، تاريخ الطبري : ٥١/٤ - ٥٤ .
(١)
(٢)
تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم : ٢٥٤/١ وما بعدها .
- ٦٩٠ -
.......
..........
...
.. .........
......
٫٠٠٠
.. . . .
.. .....

الأصوات، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فليكونوا مع الذين فيهم
عبد الرحمن بن عوف. وأمر بضرب عنق من خالف بعدئذ. وخلف على أصحاب
الشورى أبا طلحة في خمسين من قومه من الأنصار، في ألا يتركهم يمضي اليوم الثالث
حتى يؤمروا أحدهم، وقال له عمر قبل موته بساعة : اللهم أنت خليفتي عليهم.
وقام أهل الشورى هؤلاء بإجراء مشاورات طوال الأيام الثلاثة ليلاً نهاراً،
وكان عبد الرحمن - الذي خلع نفسه من الخلافة - يلقى أصحاب رسول الله، ومن
وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس، يشاورهم فوجد الناس يجمعون على
أحد اثنين: عثمان أو علي. إلا أن أكثرية أهل الشورى والمسلمين رغبوا بعثمان لما عرفوا
فيه من لين ورحمة وأفضال على الناس بتجهيز جيش العسرة من ماله وشراء بئر رومة
وجعله سبيلاً للمسلمين يسقون منه. ثم جمع عبد الرحمن المسلمين في المسجد، واستوثق
من عثمان وعلي بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين الراشدين من قبله
بالعدل والإنصاف، ثم بايع (أي عبد الرحمن) عثمان رضي الله عنه وتابعه المسلمون
بالمبايعة، وفيهم علي بن أبي طالب بعد أن تأخر عن المبايعة بسبب مرضه.
ولم تكن مبايعة عبد الرحمن محاباة ولا ظلماً كما قد ظن بعض الناس، وإنما كانت
تعبيراً أميناً صادقاً عن آراء الأمة ومشاوراته الليالي والأيام مع أكابرها ومتقدميها.
مع ما عرف من فضله ونبله وسابقته في الإسلام وعلمه وزهده في الخلافة وشدة خوفه
وحذره وعظيم مناصحته للأمة، كما أبان الباقلاني(١).
٤ - علي بن أبي طالب :
لقد ترتب على الفتنة الكبرى بمقتل عثمان رضي الله عنه ووقوع الفوضى بالمدينة
أحداث خطيرة في تاريخ الإسلام أثرت في خلافة علي رضي الله عنه تأثيراً بالغاً منذ
(١) راجع التمهيد للباقلاني: ص ٢٠٨ وما بعدها، صحيح البخاري: ٧٨/٩، تاريخ الطبري: ١٣/٥، ٣٤ - ٤١ ،
طبقات ابن سعد : ٦١/٣ .
- ٦٩١ -

بداية عهده بها. فلم يتوافر له الاتفاق أو الإجماع الشامل الذي حظي به الخلفاء
السابقون. فبايعه كبار المهاجرين والأنصار في المدينة أهل الأمصار والمصريون، ولم
يبايعه أهل الشام وبنو أمية بزعامة معاوية بن أبي سفيان، ونقل عن طلحة والزبير
أنها بايعاه مكرهين، ثم خرجا من المدينة إلى مكة ثم إلى البصرة مع عائشة مطالبين
بدم عثمان رحمه الله، فقاتلهما علي كرم الله وجهه يوم الجمل، وقتلا في هذه المعركة.
ولكن مع أن سيدنا علي كرم الله وجهه قد استنكر قتل عثمان، ولزم بيته، أصر
المهاجرون والأنصار على بيعته حسماً للفتنة وصيانة لدار الهجرة، فطلب حينئذ منهم
عقدها في المسجد علانية وعن رضا المسلمين، ورضي في ذلك بعد شدة، وبعد أن رآه
مصلحة(١).
والخلاصة: أن اختيار الخليفة يتم أساساً ببيعة أكثر المسلمين العامة، بعد ترشيح
أولي النظر والرأي أو أهل الحل والعقد، عملاً بمبدأ الشورى قاعدة الحكم في الإسلام:
﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وأما العهد السابق من الخليفة فلا يعدو أن يكون مجرد
ترشيح لاأثر له إذا لم تنضم إليه البيعة العامة(٣)، وهذا ما كان يفعله الناس في عهد
الراشدين ومن بعدهم من خلفاء الأمويين. لكن باستثناء خلافة عمر بن
عبد العزيز(٣) رحمه الله، برزت صفة وراثة الحكم التي ابتكرها معاوية، واستمرت سنة
متبعة دون مراعاة الشروط المطلوبة شرعاً في الخليفة أحياناً، وحرصاً على الحفاظ
على وحدة المسلمين، واستمرار الفتوح، وبقاء الدولة قوية في وجه أعداء الإسلام.
(١) انظر التمهيد: ص ٢٢٧ وما بعدها، ابن سعد: ٣١/٣ وما بعدها، الطبري : ١٥٢/٥ وما بعدها.
راجع نظام الحكم في الإسلام لأستاذنا الدكتور محمد يوسف موسى : ص ١١٨ وما بعدها ، النظريات السياسية
(٢)
الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس : ص ١٩٤ .
(٣)
خلع عمر نفسه بعد أن قرئ كتاب العهد له من سليمان بن عبد الملك على الناس، فصعد المنبر وقال: ((إني
والله ما استؤمرت في هذا الأمر، وأنتم بالخيار)) وفي رواية أخرى: (( أيها الناس ، إني قد ابتليت بهذا الأمر من
غير رأي مني ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين ، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي ، فاختاروا
لأنفسكم )) وبهذا وبسبب عدالته في الحكم كان خامس الخلفاء الراشدين .
- ٦٩٢ -

المبحث الرابع - شروط الإمام:
اشترط العلماء في المرشح للخلافة أو الوزارة وفي أثناء عمله شروطاً سبعة هي(١):
أولاً - أن يكون ذا ولاية تامة بأن يكون مسلماً، حراً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً.
أما اشتراط الإسلام فلأنه يقوم بحراسة الدين والدنيا، وإذا كان الإسلام شرطاً
في جواز الشهادة، فهو شرط في كل ولاية عامة، لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله
للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾.
وأما اشتراط الحرية فلأنه وصف كال، فلا يعقل أن يكون صاحب الولاية أدنى
رتبة من المولى عليهم. قال الماوردي : تشترط الحرية؛ لأن نقص العبد عن ولاية
نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره، ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة، كان أولى
أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية(٢).
وأما الذكورة فلأن عبء المنصب يتطلب قدرة كبيرة لا تتحملها المرأة عادة،
ولا تتحمل المسؤولية المترتبة على هذه الوظيفة في السلم والحرب والظروف الخطيرة،
قال ◌َ ◌ّله ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))(٣) لذا أجمع الفقهاء على كون الإمام ذكراً.
وأما البلوغ فأمر بدهي؛ لأن الصبي ليس كفؤاً لمثل هذه المهام الكبرى، فهو غير
مسؤول عن أفعاله، ولا يتعلق بفعله حكم معين (٤) .
وأما العقل فمطلوب لصحة كل تصرف خاص أو عام. ولا يكفي فيه الحد الأدنى
للمطالبة بالتكاليف الشرعية من صلاة وصيام ونحوهما، بل لابد فيه من رجحان
حجة الله البالغة للدهلوي : ١١١/٢ ، الأحكام السلطانية للماوردي : ص ٤ .
(١)
(٢)
الأحكام السلطانية : ص ٦١ .
رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وصححه عن أبي بكرة ، وقد سبق تخريجه في بحث القضاء .
(٣)
(٤)
المرجع السابق : الفصل في الملل والنحل لابن حزم : ١١٠/٤ .
- ٦٩٣ -

الرأي، بأن يكون صاحبه صحيح التمييز، جيد الفطنة بعيداً عن السهو والغفلة،
يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل، كما قال الماوردي(١).
ثانياً - العدالة: أي الديانة والأخلاق الفاضلة، وهي معتبرة في كل ولاية،
وهي أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً المآثم، بعيداً
من الريب، مأموناً في الرضا والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه، كماقال
الماوردي(٢). وفي الجملة: هي التزام الواجبات الشرعية، والامتناع عن المنكرات
والمعاصي المحرمة في الدين .
ثالثاً - الكفاية العلمية بأن يكون لديه من العلم ما يؤدي به إلى الاجتهاد فيا
يطرأ من نوازل وأحداث، أو يستنبط من أحكام شرعية وغيرها من أحوال السياسة
الشرعية. وهذا الشرط متفق عليه بين العلماء(٣). ولا يكون العالم مجتهداً إلا إذا علم
الأحكام الشرعية وكيفية استنباطها من مصادرها الشرعية الأربعة: وهي القرآن
والسنة والإجماع والقياس. وأن يعرف أحوال العصر وما طرأ عليه من تغيرات
وتطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية .
رابعاً - حصافة الرأي في القضايا السياسية والحربية والإدارية، قال الماوردي:
الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح (٤)، وقد تابعه في هذا العلماء معبرين
عن هذا الشرط بما يفيد الخبرة الكافية بشؤون الناس وأمور البلاد وحاجات الحكم
والسياسة(٥).
(١)
المرجع السابق .
(٢)
المرجع السابق : ص ٦٢ .
المرجع السابق: ص ٤، ٦٢ ، الإرشاد إلى /قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين: ص ٤٢٦ ، الرد على
(٣)
الباطنية للغزالي : ص ٧٥ .
الأحكام السلطانية : ص ٤ .
(٤)
أصول الدين للبغدادي: ص ٢٧٧ ، المواقف للإيجي: ٣٤٩/٨ ، مقدمة ابن خلدون: ص ١٦١، الفصل ٢٦ ،
(٥)
ط المهدي .
- ٦٩٤ -

خامساً - صلابة الصفات الشخصية: بأن يتميز بالجرأة والشجاعة والنجدة
المؤدية إلى حماية البيضة (الوطن) وجهاد العدو، وإقامة الحدود، وإنصاف المظلوم
من الظالم، وتنفيذ الأحكام الإسلامية(١).
سادساً - الكفاية الجسدية: وهي سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان
ليصح معها مباشرة ما يدرك بها. وسلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة
وسرعة النهوض(٢).
فإن طرأ نقص على بدن الإمام مما يخل بهذا الشرط، فقد بحث الماوردي-
مؤسس القانون الدستوري والإداري في الإسلام أثر ذلك على استدامة الإمامة مما
لا نجد له مثيلاً عند غيره، فقال: ينقسم النقص ثلاثة أقسام(٣):
أحدها - نقص الحواس. والثاني - نقص الأعضاء. والثالث - نقص التصرف.
أ- فأما نقص الحواس فينقسم ثلاثة أقسام : قسم يمنع من الإمامة، وقسم لا يمنع،
وقسم مختلف فيه: فأما القسم المانع منها فشيئان: أحدهما - زوال العقل، والثاني -
ذهاب البصر. وأما القسم الثاني من الحواس التي لا يؤثر فقدها في الإمامة فشيئان
أحدهما - الخشم في الأنف الذي لا يدرك به شم الروائح. والثاني - فقد الذوق الذي
يفرق به بين الطعوم، فلا يؤثر هذا في عقد الإمامة؛ لأنها يؤثران في اللذة، ولا
يؤثران في الرأي والعمل .
وأما القسم الثالث من الحواس المختلف فيها فشيئان: الصم والخرس، فينعان
من ابتداء عقد الإمامة؛ لأن كمال الأوصاف بوجودهما مفقود. واختلف في الخروج بها
المراجع السابقة ، العقائد النسفية : ص ١٤٥ .
(١)
(٢)
المراجع السابقة .
انظر التفصيل في الأحكام السلطانية: ص ١٦ - ١٩، مقدمة ابن خلدون: الفصل ٢٦، ص ١٦١.
(٣)
- ٦٩٥ -

من الإمامة، فقالت طائفة: يخرج بها منها، كما يخرج بذهاب البصر لتأثيرهما في
التدبير والعمل، وهو أصح المذاهب.
وقالت طائفة: لا يخرج بها من الإمامة لقيام الإشارة مقامهما .
وقال آخرون: إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بها من الإمامة، وإن كان
لا يحسنها خرج من الإمامة بها؛ لأن الكتابة مفهومة، والإشارة موهومة.
ب- وأما فقد الأعضاء فينقسم أربعة أقسام:
أحدها - مالا يؤثر على الترشيح للإمامة ولا على استدامتها: وهو ما لا يؤثر
فقده في رأي ولا عمل ولا نهوض ولا يشين في المنظر، مثل قطع
الذكر والأنثيين وقطع الأذنين .
الثاني - ما يمنع من عقد الإمامة ومن استدامتها: وهو ما يمنع من العمل
کذهاب الیدین، أو من النهوض كذهاب الرجلين.
الثالث - ما يمنع من عقد الإمامة واختلف في أثره على استدامتها : وهو ماذهب
به بعض العمل أو فقد به بعض النهوض کذهاب إحدى اليدين أو
إحدى الرجلين، فذلك يمنع الترشيح للإمامة. وأما استدامتها ففي
إنهاء ولا يته مذهبان: أحدهما: تنتهي إمامته، والثاني لا تنتهي.
الرابع - ما لا يمنع من استدامة الإمامة واختلف في أثره على صلاحية الترشيح
وهو ما يؤدي إلى تشويه الجسد، ولكن لا يؤثر في عمل ولا في نهضته
كجدع الأنف وسمل إحدى العينين. فذلك لا يؤثر على بقائه في
الإمامة. واختلف في منعه من الترشيح لها على مذهبين : أحدهما
يمنع، والآخر لا يمنع.
جــ وأما نقص التصرف فنوعان: حجر وقهر.
- ٦٩٦ -

فأما الحجر: فهو أن يستولي عليه من أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير
تظاهر بمعصية ولا مجاهرة بمشاقة، فلا يمنع صحة ولايته، ولكن ينظر في أفعال
المتسلط على أموره، فإن وافقت أحكام الشرع والعدل أقر عليها، وإن خالفت أحكام
الدين ومقتضى العدل، لم يقر عليها ووجب تنحية المتسلط.
وأما القهر: فهو أن يصير مأسوراً في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه، فيمنع
ذلك من ترشيحه للخلافة. فإن أسر بعد انعقاد الإمامة له، وجب على كافة الأمة
استنقاذه من الأسر، ولا يخلع من الإمامة إلا إذا يئس المسلمون من استخلاصه من الأسر.
سابعاً - النسب وهو أن يكون المرشح للخلافة من قريش، وهذا الشرط مختلف
فيه(١)، أما الشروط السابقة فمتفق عليها في الجملة .
فقال أهل السنة: يجب كونه من قريش لقول النبي عالٍ: ((الأئمة من قريش))
((قدموا قريشاً ولا تقدموها)) ((لا يزال هذا الأمر في هذا الحي من قريش ما استقاموا))
أو ((ما أقاموا الدين))(٢).
وقال الخوارج، والمعتزلة بعدهم: إن الإمامة حق لكل مسلم متى استكمل الشروط
الأخرى.
ولكن يلاحظ أن الفقهاء الشرعيين الذين نظروا إلى شرط النسب في الإمامة،
وفي بعض الأحكام الخاصة كالكفاءة بين الزوجين في الزواج، لا يتنافى رأيهم مع مبدأ
الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٤، مقدمة ابن خلدون: ص ١٦٢، الفصل ٢٦، الملل والنحل
(١)
الشهرستاني: ١٩٩/١، أصول الدين للبغدادي: ص ٢٧٥، المواقف: ٣٩٢/٨ .
(٢)
حديث ((الأئمة من قريش)) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني عن بكير بن وهب، وأخرج مسلم عن جابر :
((الناس تبع لقريش في الخير والشر)) وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «الناس تبع لقريش في هذا
الشأن، مسلمهم لمسلمهم ، وكافرهم لكافرهم)) وروى الطبراني عن علي: ((قدموا قريشاً ولا تقدموها)) وروى
الطبراني عن ثوبان ((استقيموا لقريش ما استقاموا لكم ... )) (مجمع الزوائد : ٢٢٨/٥، الترغيب والترهيب:
١٧٠/٣ )
- ٦٩٧ -

المساواة المقرر في الإسلام بين الناس؛ لأن المساواة مطلوبة فيما ثبت للأفراد من
الحقوق أو كلفوا به من الواجبات. وقضية الإمامة والكفاءة روعي فيها عرف الناس
وعاداتهم وتوفير المصلحة التي لا يعقبها نزاع، وكون الحق فيها مقصوراً على من
حددهم الشرع لحكمة معينة(١).
وبما أن قريشاً كانت لها الصدارة بين العرب، وتألف شؤون المدنية والاجتماع
ويتبعها أكثر الناس، وكلمتها نافذة بين القبائل منذ الجاهلية، فمن المصلحة إناطة
الأمر العام والسياسة بها، فإذا تغير الأمر وأصبحت الغلبة لمن ترضى عنه أكثرية
الناس بالانتخاب ونحوه، فلا مانع في تقديرنا من عقد الإمامة له.
ومن هنا رأى ابن خلدون أن الحكمة في اختصاص قريش بهذه الميزة هي كونها
صاحبة العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة، ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها
لصاحب المنصب، فتسكن إليه الملة وأهلها، وينتظم حبل الألفة فيها .
وعقب الدكتور ضياء الدين الريس وغيره على ذلك بأن الإسلام لما لم يقر
فكرة العصبية كغاية في التشريع أو كأساس في تكون المجتمعات، فإن المعول عليه
توفير القوة والطاعة، وبما أن ذلك لم يعد يعتمد على العصبية كما كان في الماضي، بل
أصبح مستمداً من نظام الدولة وما تملك من جيوش، فإن هذا الشرط لم يعد
ضرورياً، ويكفي أن يختار الخليفة بالطريقة المشروعة، وأن يحوز رضا المسلمين.
وإذاً يلزم أن يكون الشرط الآن هو أن القائم بأمور المسلمين يجب أن يكون
متبوعاً من الكثرة الغالبة، ليكون مطاعاً مرضياً عنه، ذا قوة مستمدة من الإرادة
العامة، فيترتب على وجوده حصول الوحدة، وتنتفى دواعي الخلاف(٣).
(١) قارن النظريات السياسية الإسلامية للدكتور الريس: ص ٢٥٤ ، حيث اعتبر شرط النسب منافياً لمبدأ
المساواة المقرر في الآيات والأحاديث النبوية .
(٢)
النظريات السياسية، المرجع السابق: ص ٢٥٧ ، السلطات الثلاث للدكتور سليمان الطماوي: ص ٢٥٩ وما
بعدها .
- ٦٩٨ -

المبحث الخامس - وظائف الإمام (أو واجباته واختصاصاته)
حدد الفقهاء واجبات الإمام أو وظائفه بعشرة أمور أساسية، يمكن أن يتفرع
عنها عدة اختصاصات أخرى حسب تغير الظروف والأوضاع والتطورات
الحادثة(١)، ويمكن تصنيفها أو قسمتها إلى وظائف دينية ووظائف سياسية.
الوظائف الدينية: وهي أربعة.
أولاً - حفظ الدين أي المحافظة على أحكامه وحماية حدوده وعقاب مخالفیه. قال
الماوردي: ((حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة. فإن نجم
مبتدع، أو زاغ ذوشبهة عنه، أوضح له الحجة، وبین له الصواب، وأخذهبما يلزمه من
الحقوق والحدود، ليكون الدين محروساً من خلل، والأمة ممنوعة من زلل)».
ثانياً - جهاد الأعداء: أي قتال من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو
يدخل في الذمة، ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله. وهذا مشروط
بوجود قوة للمسلمين ووجود عدوان على دعاة الإسلام أو بلاده، كما سنبين في بحث
الإسلام والحرب ..
ثالثاً - جباية الفيء والصدقات(٢). والمقصود بالفيء والغنائم: الأموال التي
الأحكام السلطانية للماوردي : ص ١٤، ولأبي يعلى: ص ١١، حجة الله البالغة للدهلوي : ١٣٢/٢، غاية
(١)
المنتهى : ٣٤٩/٣ .
ذكر الماوردي : ص ١٢١ في المرجع السابق فروقاً أربعة بين أموال الفيء والغنائم وبين الصدقات : أحدها - أن
(٢)
الصدقات مأخوذة من المسلمين تطهيراً لهم، والفيء والغنية مأخوذان من الكفار انتقاماً منهم . والثاني - أن
مصرف الصدقات منصوص عليه في القرآن ليس فيه اجتهاد . والفيء والغنيمة يصرف حسب اجتهاد الأئمة .
والثالث - أن أموال الصدقات يجوز أن ينفرد أصحابها بقسمتها في أهلها ، ولا يجوز ذلك لأهل الفيء والغنية .
والرابع - اختلاف المصرف: فالصدقات تصرف للأصناف الثانية في القرآن . والأموال الأخرى تصرف في سبيل
المصالح العامة . ويلاحظ أن الفيء: هو كل مال وصل من المشركين عفواً من غير قتال . والغنيمة: ما وصل
إلينا من أموال المشركين عنوة وبقتال .
- ٦٩٩ -

تصل إلى المسلمين من المشركين أو كانوا سبب وصولها. وأما الصدقات فهي الأموال
الواجبة على المسلمين نصاً كالزكاة، واجتهاداً كالأموال المفروضة على الأغنياء إذا خلا
بيت المال، واحتاجت الدولة لتجهيز الجيش ونحوه من المصالح العامة.
رابعاً - القيام على شعائر الدين من أذان وإقامة صلاة الجمعة والجماعة والأعياد،
وصيام، وحج، فبالنسبة للصلاة يعين الخليفة الإمام والمؤذن، ويصون المساجد
ويرعاها، ويؤم الناس في الصلاة الجامعة إذا حضر، ويشرف على توقيت الصيام بدءاً
ونهاية، ويعاقب من يعلن الإفطار دون عذر مقبول، وييسر أداء فريضة الحج
بتعيين ولاة للسهر على أداء هذا الواجب، والولاية على الحج لتسيير الحجيج
(١)
وإقامتهم(١).
الوظائف السياسية: بما أن الخليفة كان يجمع أحياناً بين السلطتين
التنفيذية والقضائية، فإن وظائفه السياسية كانت تشمل التنفيذ والقضاء. وقد أورد
الماوردي ستة منها تعد في الحقيقة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، وهي(٢):
أولاً - المحافظة على الأمن والنظام العام في الدولة. وقد عبر الماوردي عن ذلك
بقوله: حماية البيضة (الوطن) والذب عن الحريم (الحرمات) ليتصرف الناس في
المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين عن تغرير بنفس أو مال، وهذا ما يقوم به
الشرطة الآن .
ثانياً - الدفاع عن الدولة في مواجهة الأعداء: وعبر عنه الماوردي بقوله:
تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظهر الأعداء بغرة ينتهكون فيها
محرماً، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دماً.
الأحكام السلطانية : ص ٩٦ ، ١٠٣.
(١)
الأحكام السلطانية للماوردي : ص ١٤ ، والسلطات الثلاث للطماوي: ص ٢٧٨ وما بعدها .
(٢)
- ٧٠٠ -