النص المفهرس
صفحات 641-660
إقرار الإنسان حجة قاصرة على نفسه، لا على غيره؛ لأنه على غيره شهادة أو دعوى، وشهادة الفرد فيما يطلع عليه الرجال غير مقبولة، والدعوى المفردة ليست بحجة. وهذه الشروط تشترط أيضاً في الإقرار بنسب على الغير ما عدا الشرط الأخير بالطبع، فإنه لا يشترط عند الحنفية. وقال الشافعية والحنابلة: يثبت النسب بالإقرار على الغير بالشروط السابقة، وبشرط كون المقر جميع الورثة، وبشرط كون الملحق به النسب ميتاً، فلا يلحق بالحي ولو مجنوناً لاستحالة ثبوت نسب الشخص -مع وجوده حیاً-بقول غيره. وعلى هذا يقول الحنفية في الإقرار بالنسب وفي حمل النسب على الغير ما يأتي: ١ - الإقرار بالنسب: يجوز إقرار الرجل بالوالدين، والولد، والزوجة، سواء في حالة الصحة أو المرض، كهذا ابني أو أنا أبوه؛ لأنه إقرار على نفسه، وليس فيه حمل النسب على الغير، وذلك بالشروط المتقدمة، وبشرط أن تكون الزوجة خالية عن زوج وعن عدته، وأن يخلو المقر عن أخت الزوجة أو عمتها أو خالتها، وألا يكون في عصته أربع سواها . ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج لما بينا، ولا يقبل إقرارها بالولد؛ لأن فيه حمل النسب على الغير، وهو نسب الولد على الزوج، قال تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ فلا يقبل إقرارها إلا إذا صدقها الزوج، أو تشهد امرأة قابلة أو غيرها على الولادة، بخلاف الرجل ؛ فإنه يصح إقراره بالولد؛ لأن فيه حمل نسب الولد على نفسه. ويلاحظ أن إقرار المرأة بالولد إنما لا يصح إذا كانت ذات زوج، أو معتدة منه، فإن لم تكن متزوجة ولا معتدة، فيصح إقرارها بالولد مطلقاً؛ لأن فيه إلزاماً على نفسها دون غيرها. وكذلك يقبل إقرارها بالولد إذا كانت متزوجة أو معتدة وادعت أن الولد من غير هذا الزوج. - ٦٤١ - الفقه الإسلامي جـ٦ (٤١) وإذا صح الإقرار بالنسب الإنسان، شارك الورثة في الميراث؛ لأنه لما ثبت نسبه من المقرصار كالوارث المعروف، فيشارك ورثة المقر. ولا يجوز الإقرار بالنسب بغير هؤلاء المذكورين من الوالدين والولد والزوج والزوجة، مثل الأخ والعم والجد وابن الابن، وإن صدَّقه المقرله؛ لأن فيه حمل النسب على الغير، إلا إذا ثبت النسب ببرهان، كما سيأتي. ٢- الإقرار بحمل النسب على الغير: الإقرار من الرجل بالنسب على الغير، كهذا أخي أو عمي : قد يثبت به النسب بإثباته بالبينة عند أبي حنيفة ومحمد، بواسطة إقرار رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأن في الإقرار حمل النسب على غيره، فاعتبر بمثابة الشهادة، فلزم فیه العدد المذكور. وقال مالك: لا يثبت النسب إلا بإقراراثنين؛ لأنه يحمل النسب على غيره، فاعتبر فيه العدد كالشهادة . وقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف: إن أقر جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الإرث، ثبت نسبه، وإن كان الوارث واحداً ذكراً أو أنثى؛ لأن النسب حق يثبت بالإقرار، فلم يطلب فيه العدد كالدين، ولأن الإقرار قول لا تشترط فيه عدالة، فلم يصح قياسه على الشهادة(١). وقد يقتصر الإقرار بالنسب على الغير ممن لا يصح إقراره، كالأخ والعم والجد وابن الابن على إثبات حق المشاركة في الإرث(٢)، إذا لم يكن للمقر وارث معروف. المغني: ١٨٣/٥، الشرح الكبير: ٤١٧/٣، مغني المحتاج: ٢٦١/٢ وما بعدها، البدائع : ٢٢٩/٧ وما بعدها . (١) ويلزم المقر في حق نفسه أيضاً بالنفقة والحضانة ، كما يلزم بالإرث إذا تصادق المقر له والمقر على الإقرار ؛ لأن إقرارهما حجة عليهما . (٢) - ٦٤٢ - وعلى هذا: إن كان للمقر وارث معروف نسبه: قريب كأصحاب الفروض والعصبات، أو بعيد كذوي الأرحام، فالوارث المعروف أولى بالميراث من المقرله؛ لأنه لما لم يثبت نسبه منه، لم يزاحم الوارث المعروف النسب، فلو أقر شخص بأخ وله عمة أو خالة، فالإرث للعمة أو الخالة، ولا شيء للمقرله؛ لأنها وارثان بيقين، فكان حقهما ثابتاً بيقين، فلا يجوز إبطاله بصرف الإرث إلى غيرهما. وإن لم يكن للمقر وارث معروف: استحق المقرله ميراثه؛ لأن له ولاية التصرف في مال نفسه عند عدم الوارث، فيستحق جميع المال، وإن لم يثبت نسبه منه، لما فيه من حمل النسب على الغير، ولا تعتبر هذه وصية في الحقيقة، حتى إنه یترتب ما يأتي: من أقر بأخ، ثم أوصى لآخر بجميع ماله: كان للموصى له ثلث جميع ماله خاصة. فالوصية تنفذ من الثلث؛ لأن المقرله بالأخوة وارث في ظنه وزعمه، ولو كان موصى له لاشترك الاثنان في قسمة التركة نصفين، لكن يعتبر الإقرار المذكور بمنزلة الوصية، بدليل أنه يجوز للمقرأن يرجع عن الإقرار؛ لأن نسبه لم يثبت، فلا يلزمه الإقرار؛ لأنه وصية من وجه، فلو أقر شخص في مرضه بأخ، وصدقه المقرله، ثم أنكر المقر وراثته، ثم أوصى بماله كله لإنسان ومات ولا وارث له، كان ماله جميعاً للموصى له. فإن لم يوص لأحد كان ماله لبيت المال؛ لأن رجوعه عن الإقرار صحيح؛ لأن النسب لم يثبت، فبطل إقراره. وإذا مات إنسان وخلف ابناً واحداً، فأقر بأخ آخر: لم يثبت نسب أخيه؛ لأن فيه حمل النسب على الغير، والإقرار مقبول في حق نفسه غير مقبول في حق غيره، ويشارك المقرله بالأخوة المقر في الإرث من أبيه؛ لأن إقراره تضمن شيئين: حمل النسب على الغير، ولا ولاية له عليه فلا يثبت النسب، والاشتراك في المال، وله فيه ولاية، فيثبت. - ٦٤٣ - ومن مات وترك ابنين، فأقر أحدهما بأخ ثالث: فإن صدقه أخوه المعروف النسب في أخوته، اشترك المقرله مع الابنين في الميراث. وإن كذبه فيه، فإنه يقسم المال بين الأخوين المعروفين النسب نصفين، ثم يقسم النصف بين الأخ المقرله، والأخ المقر مناصفة أيضاً(١). المبحث الرابع - القضاء بالقرائن: أهمية القرائن : القضاء بالقرائن أصل من أصول الشرع، وذلك سواء في حال وجود البينة أو الإقرار، أم في حال فقد أي دليل من دلائل الإثبات. فقد تمنع القرينة سماع الدعوى كادعاء فقير معسر إقراض غني موسر، وقد ترد البينة أو الإقرار حال وجود التهمة، مثل قرابة الشاهد للمشهود له، أو كون الإقرار في مرض الموت، وقد تستخدم القرينة دليلاً مرجحاً أثناء تعارض البينات مثل وضع اليد ونحوه كما عرفنا، وقد تعتبر القرينة دليلاً وحيداً مستقلاً إذا لم يوجد دليل سواها، مثل رد دعوى الزوجة القاطنة مع زوجها بعدم الإنفاق عليها، في رأي المالكية والحنابلة. قال ابن القيم: ومن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية، فقد عطل كثيراً من الأحكام، ووضع كثيراً من الحقوق(٢). تعريف القرينة: القرينة لغة: هي العلامة الدالة على شيء مطلوب(٣). واصطلاحاً: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً فتدل عليه. يفهم من هذا التعريف أنه لابد في القرينة من أمرين: ١ - أن يوجد أمر ظاهر معروفٍ يصلح أساساً للاعتماد عليه. (١) راجع البدائع: ٢٣٠/٧، تكملة فتح القدير: ١٩/٧، تبيين الحقائق: ٢٨/٥، الدر المختار: ٤٨٧/٤، اللباب شرح الكتاب: ٨٧/٢، مغني المحتاج: ٢٦١/٢، المغني: ١٨٦/٥، الشرح الكبير للدردير: ٤١٥/٣، ٤١٧ . (٢) الطرق الحكمية : ص ١٠٠ . التعريفات للجرجاني : ص ١٥٢ . (٣) - ٦٤٤ - ٢- أن توجد صلة مؤشرة بين الأمر الظاهر والأمر الخفي. وبمقدار قوة هذه الصلة تنقسم القرائن قسمين : قرائن قوية، وقرائن ضعيفة. وللفقهاء والقضاة دور ملحوظ في استنباط نتائج معينة من القرائن. ومن القرائن الفقهية : اعتبارما يصلح للرجال من متاع البيت عند اختلاف الزوجين في ملكيته هو للرجل، كالعمامة والسيف، وما يصلح للنساء فقط كالحلي هو للمرأة بشهادة الظاهر، وملاحظة العرف والعادة(١). ومن القرائن القضائية: الحكم بالشيء لمن كان في يده، باعتبار أن وضع اليد قرينة على الملك بحسب الظاهر. وإذا كانت القرينة قطعية تبلغ درجة اليقين، مثل الحكم على الشخص بأنه قاتل إذا رئي مدهوشاً ملطخاً بالدم، ومعه سکین بجوار مضرج بدمائه في مكان، فإنها تعد وحدها بينة نهائية كافية للقضاء. أما إذا كانت القرينة غير قطعية، ولكنها ظنية أغلبية، كالقرائن العرفية، أو المستنبطة من وقائع الدعوى وتصرفات الأطراف المتخاصمين، فإنها تعد دليلاً مرجحاً لجانب أحد الخصوم، متى اقتنع بها القاضي، ولم يوجد دليل سواها، أو لم یثبت خلافها بطريق أقوى . ولا يحكم عند جمهور الفقهاء بالقرائن في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات ولا في القصاص إلا في القسامة، للاحتياط في موضوع الدماء وإزهاق النفوس. ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها . إلا أن المالكية أثبتوا شرب الخمر بالرائحة، والزنا بالحمل، ووافقهم ابن القيم في (١) الكتاب مع اللباب : ٥٠/٤ . - ٦٤٥ - إثبات الزنا بالحمل، وفصل الحنابلة(١) فقالوا: تحد الحامل بالزنا، وزوجها بعيد عنها إذا لم تدع شبهة ، ولا يثبت الزنا بحمل المرأة وهي خلية لازوج لها. قال ابن القيم(٢): نظر جمهور الفقهاء كمالك وأحمد وأبي حنيفة إلى القرائن الظاهرة والظن الغالب الملتحق بالقطع في اختصاص كل واحد منها بما يصلح له، ورأوا أن الدعوى تترجح بما هو دون ذلك بكثير، كاليد والبراءة والنكول، واليمين المردودة، والشاهد واليمين، والرجل والمرأتين، فيثير ذلك ظناً تترجح به الدعوى. ومعلوم أن الظن الحاصل ههنا أقوى بمراتب كثيرة من الظن الحاصل بتلك الأشياء، وهذا مما لا یمکن جحده ودفعه. وقد نصب الله سبحانه على الحق الموجود والمشروع علامات وأمارات تدل عليه وتبينه. ونصب على الإيمان والنفاق علامات وأدلة. واعتبر النبي ماتّ وأصحابه من بعده العلامات في الأحكام، وجعلوها مبينة لها، كما اعتبر العلامات في اللقطة، وجعل صفة الواصف لها آية وعلامة على صدقه، وأنها له . وجعل الصحابة الحبل علامة وآية على الزنا، فحدوا به المرأة، وإن لم تقر، ولم يشهد عليها أربعة، بل جعلوا الحبل أصدق من الشهادة، وجعلوا رائحة الخمر وقيئة لها آية وعلامة على شربها، بمنزلة الإقرار والشاهدين. وجعل النبي مافعل نحر كفار قريش يوم بدر عشر جزائر أو تسعاً، آية وعلامة على كونهم ما بين الألف والتسعمائة، واعتبر العلامة في السيف وظهور أثر الدم به في الحكم بالسلّب لأحد المتداعيين. ونوّل الأثر منزلة بينة. واعتبر إنبات الشعر حول مطالب أولي النهى : ١٩٣/٦ . (١) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية : ص٩٧ وما بعدها ، ٢١٤ وما بعدها . (٢) - ٦٤٦ - القُبُل في البلوغ، وجعله آية وعلامة له. فكان يقتل من الأسرى يوم قريظة من وجدت فيه تلك العلامة، ويستبقي من لم تكن فيه، وجعل الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل. واعتبر العلامة في الدم الذي تراه المرأة ويشتبه عليها: هل هو حيض أو استحاضة؟ واعتبر العلامة فيه بوقته ولونه، وحكم بكونه حیضاً بناء على ذلك. وفرق الحنابلة بين الركاز واللقطة بالعلامات: فقالوا: الركاز: مادفنته الجاهلية، ويعرف برؤية علاماتهم عليه، كأسماء ملوكهم وصورهم وصلُبهم. وأما ما عليه علامات المسلمين كأسمائهم، أو كقرآن ونحوه فهو لقطة؛ لأنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه. وإن كان على بعضه علامة الإسلام، وعلى بعضه علامة الكفار هو لقطة؛ لأن الظاهر أنه صار لمسلم دفنه في الأرض. وما ليس عليه علامة فهو لقطة، تغليباً لحكم الإسلام. الله تعالى - ٦٤٧ - الله تعالى ٠ ٠١ الباب السادس نظام الحكم في الإسلام فیه الكلام عن فصول ثلاثة الفصل الأول: السيادة - سلطة التشريع العليا في الحكم الإسلامي. الفصل الثاني : سلطة التنفيذ العليا - الإمامة. الفصل الثالث: السلطة القضائية في الإسلام. ٠ لله تعالى - ٦٤٩ - الله تعالى الفصل الأول السيادة - سلطة التشريع العليا في الحكم الإسلامي يشمل الفصل الأول أربعة مباحث وهي ما يأتي : المبحث الأول - السيادة أو الحاكمية لله: لا خلاف بين المسلمين في أن مصدر جميع الأحكام التشريعية من أوامر ونواهي هو الله تعالى، لا يشاركه فيه أحد من الناس فيما وضع من مبادئ وأصول وتشريعات مفصلة محددة. وطريق التعرف عليها ما أنزل الله في قرآنه أو أوحى به إلى نبيه محمد وفي ذلك ضمان وثيق لحرية الإنسان والحفاظ على كرامته ومصالحه، وعدم استبداد أحد به. أما إعطاء سلطة التشريع والأمر لأحد من الناس فهو إشراك في ربوبية الله، وطريق يؤدي إلى الاستبداد والطغيان والظلم والتعسف وإهدار حرية الإنسان والإضرار بمصالحه الخاصة التي لا تصطدم مع المصالح العامة. وقد تضافرت النصوص القرآنية الدالة على استقلال الله بهذه السلطة فيما شرع من أحكام، مثل قوله تعالى: ﴿إن الحكم إلا الله ﴾ ﴿إِنَّ الأمر كله لله﴾ ﴿فالحكم لله العلي الكبير﴾ ﴿وهو خير الحاكمين﴾ ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك - ٦٥١ - من الحق﴾ ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ أو ﴿الكافرون ﴾ أو ﴿ الفاسقون﴾. المبحث الثاني - استخلاف الأمة في تنفيذ الشريعة الناس وكلاء عن الله في تبليغ وتقرير وتنفيذ أحكامه، ورعاية تطبيقها، وفهم مدلولاتها، عن طريق سلطة الاجتهاد فیما تدل عليه، أو تهدف إليه من غايات، أو تحد من حدود يلزم السير في نطاقها، وتنظم الحياة في محورها: ﴿وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة﴾. وإذا ورد النص القرآني دالاً على استخلاف بعض الرسل والأنبياء كأحسن مثال، فإن البشر أيضاً من بعدهم هم خلفاء الأرض: ﴿إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾ ﴿ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ... ﴾. وما على الخليفة أو الوكيل إلا أن ينفذ أوامر المستخلف له: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. ٠ وقد حددت هذه الآية الأخيرة مصادر التشريع في الإسلام التي تستقي في النهاية من مصدر واحد: وهو الوحي الإلهي، وهذه المصادر هي: أولاً - القرآن الكريم. وتطبيق ما جاء فيه محقق لطاعة الله. ثانياً -السنة النبوية الصحيحة المبينة لما جاء من عند الله، والعمل بها محقق طاعة الرسول پاتے . ثالثاً - الاجتهاد الجماعي أو إجماع ذوي الفكر المختصين في النظر في شؤون الناس ومصالحهم العامة، وإدراك قضاياهم الدينية أو الدنيوية، من الحكام والأمراء والعلماء ورؤساء الجند وخبراء السياسة والاجتماع والاقتصاد (التجارة والصناعة والزراعة - ٦٥٢ - والحرف الفنية والمهنية) والإجماع الذي لابد له من مستند شرعي نصي أو مصلحي، يمثل إرادة الأمة العامة، لاسيما إذا أخذنا بقول الغزالي الذي لا يقصر الإجماع على العلماء، وإنما يدخل العوام معهم لينعقد الاجماع. رابعاً - الاجتهاد الفردي من قبل العلماء المجتهدين : وهم المؤمنون بالله ورسوله، العارفون بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالتها على مدلولاتها. وتشمل طرق استنباط القواعد والأحكام والأنظمة لديهم عدة أصول، كالقياس والاستحسان والاستصلاح، والعرف والعادة، وسد الذرائع، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، والاستصحاب . فإن برز اختلاف بين الناس أو بين المجتهدين أو العلماء المتخصصين، عرض الأمر على القواعد العامة والمبادئ التشريعية والأهداف الأساسية المعلومة من القرآن والسنة على ألا يتعارض الرأي المقول به مع النصوص المحكمة أو الأدلة القطعية، وأن يتفق الحكم المقرر مع روح الإسلام ومقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا تطبيق لقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾. ويتحدد الذين يفصلون في النزاع في صورة هيئة تحكيم أو محكمة دستورية عليا (١)، يختارهم أولو الأمر بالنيابة عن الأمة من العلماء المختصين في موضوع النزاع، ممن اشتهروا بالعلم والمعرفة ورجاحة العقل والعدالة والتقوى والمروءة، كما حصل في تحكيم بعض أهل الشورى الذين اختارهم بعض الخلفاء الراشدين وهو عمر رضي الله عنه للترشيح لمنصب الخلافة، وإتمام البيعة للمرشح من سائر الناس. ويؤخذ في التصويت برأي الأكثرية أو الأغلبية، عملاً برأي جماعة من الفقهاء (١) منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد : ص١٢٥ وما بعدها . - ٦٥٣ - القائلين بأن اتفاق أكثر المجتهدين حجة، وإن لم يكن إجماعاً ؛ لأن الخلافة لا يشترط فيها الإجماع، ولقول النبي ◌َّ ل: ((يد الله مع الجماعة)) ((عليكم بالجماعة والعامة)) ((اتبعوا السواد الأعظم)) (١) هذا مالم يتبين للإمام الأعظم رجحان رأي الأقلين بدليل أوضح، أو لمصلحة أنسب، والا اتبع رأي أهل الشورى وهو معنى ((العزم)) في آية: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ أي («مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم)) كما قال النبي يمثلٍ، وقال لأبي بكر وعمر مستشاريه: ((لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما))(٢)، وكما أبان عمر للرهط الستة في كيفية اختيار الخليفة من بعده، من الفريق الذي في صفّه عبد الله بن عمر في حالة تساوي الأصوات، وهي قصة الشورى أو بيعة عثمان(٣). المبحث الثالث - سيادة التشريع وتعاون السلطات إن السلطات الثلاث: التشريعية(٤) ممثلة بأولي الحل والعقد للاجتهاد في استنباط الأحكام من نصوص الشريعة، والتنفيذية ممثلة بالحاكم الأعلى ووزرائه، والقضائية ممثلة بالقضاة، ليس بينها مبدأ الفصل التام، ولا مبدأ الاندماج الوظيفي، فبالرغم من أن كل سلطة مستقلة في عملها عن الأخرى، إلا أنها تساند وتعاون السلطات الأخرى، وهذه هي أحدث النظريات الديمقراطية التي سبق الإسلام إليها، باعتبار أن هذه السلطات تخضع كلها في دولة واحدة لأصول شريعة سماوية تحترم مبدأ العدل والحرية والكرامة الإنسانية، وتحارب الظلم واستبداد الحكام (١) حديث ((يد الله مع الجماعة)) رواه الترمذي عن ابن عمر، ورواه النسائي والطبراني عن عرفجة، وحديث ((فعليكم بالجماعة)) رواه أحمد، ورفعه الطبراني في الكبير عن ابن عمر، وحديث ((عليكم بالسواد الأعظم)) رواه عبد بن حميد وابن ماجه عن أنس . (٢) تفسير ابن كثير: ٤٢٠/١ ، ط الحلبي . تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن ابراهيم: ٢٥٤/١ . (٣) التشريع الحقيقي كما عرفنا هو الله عز وجل ، وأما إطلاق صفة التشريع على المجتهدين فهو من قبيل المجاز (٤) بمعنى الكشف عن أحكام الله وإبانتها للناس، وتعريفهم بضوابطها وقيودها، وتوضيح غاياتها، وإفتائهم بما يستجد من القضايا . - ٦٥٤ _ وتدخلهم الذي يؤثر في سير مجرى العدالة وأعمال القضاء والتنفيذ. وإذا كان الإمام رئيساً للسلطتين التشريعية والتنفيذية فإنه مقيد بتعاليم الإسلام. وهو لا يملك التشريع وإنما له کغيره حق الاجتهاد إذا توافرت فيه شروط الاجتهاد. فاحترام أحكام الشريعة هو أساس عمل كل سلطة من هذه السلطات؛ لأن التشريع لله تعالى، وبذلك تتحقق سيادة التشريع الإسلامي فوق كل وضع شخصي أو مصلحي. وصلاحية التشريع مختصة بالكتاب والسنة أو إجماع الأمة، أو الاجتهاد، وهذه المصادر مستقلة عن الإمام، وهو ملزم بها ومنفذ لأحكامها، كما أن القضاء المستقل أو الكائن بيد الإمام ينفذ أحكام الشريعة أي أوامر الله (١)، ومن أهم مبادئ الإسلام في هذه المصادر هو الشورى التي لا تهادن الاستبداد في مختلف صوره وأشكاله ،قال النبي ◌َ ◌ّ: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بها: كتاب الله وسنتي))(٣) وهذا أوضح نص يبين سيادة التشريع الإسلامي، ومطالبة كل مسلم بالعمل بما جاء فيها، وإن خالف إرادة الحاكم، إذ لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما الطاعة في معروف .. ويمكن توضيح ما سبق في تحديد العلاقة بين السلطات بما يأتي(٣) : إن فصل السلطات الثلاث في الإسلام (التشريع بمعنى الاجتهاد والتنفيذ والقضاء) يقوم على أساس فصل الوظيفة التشريعية أي الاجتهاد عن سائر الوظائف الأخرى، لا على أساس الفصل العضوي، أي الشخص القائم بكل سلطة. فالإمام أو القاضي حينما يجتهد إنما يفعل ذلك لا بوصفه خليفة أوقاضياً، وإنما بسبب كونه النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس: ص ٢٣٥ ، ط الثالثة ، منهاج الإسلام في الحكم (١) لمحمد أسد: ص ١٠١ وما بعدها ، ط الأولى . (٢) رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه . راجع السلطات الثلاث لأستاذنا الدكتور سليمان الطماوي : ص ٤٧٢ - ٤٧٧ ، منهاج الحكم في الإسلام لمحمد (٣) أسد : ص ١٠١ - ١٢٧ . - ٦٥٥ - مجتهداً يستنبط الأحكام الشرعية من نصوص وأصول ومبادئ الشريعة. وكذلك فإن إدماج السلطتين القضائية والتنفيذية في شخص الإمام، أي من الناحية العضوية لم يكن يؤثر في استقلال القضاة في مباشرة وظائفهم، لالتزام الكل بالتشريع الإسلامي. وحينئذ فلا خطر من عدم وجود الفصل العضوي أو الشخصي بين السلطات، كما عليه الدول الحديثة؛ لأن الوازع الديني هو أساس عمل المسلم، حاكماً كان أوقاضياً أو فرداً عادياً. أما أساس الفصل الذي يرجع في الدول الحديثة لأهداف ثلاثة: وهي ضمان الحرية الفردية، وضمان شرعية الدولة، وتقسيم العمل، فلا مانع من الأخذ به وبمبدأ فصل السلطات فعلاً بين أشخاص القائمين بها بناء عليه، في المفهوم الإسلامي، لاسيما في وقتنا الحاضر حيث قل الوازع الديني وضعفت خشية الله تعالى، فوقع الظلم والتعسف والانحراف، كما وقع من بعض أمراء وحكام المسلمين في عهد بني أمية وبني العباس، مما استدعى وجود قضاء المظالم الذي يشبه مجلس الدولة الآن . يتبين لنا أن فصل السلطة التشريعية أي الاجتهاد، لا بمعنى الاستقلال في إنشاء وتشريع الأحكام عن سائر الوظائف الأخرى، كان هو المعروف في صدر الإسلام. وأما القضاء وإن لم يستقل عن التنفيذ في شخص الخليفة أو الوالي أحياناً، فهو بسبب كون القاضي مجتهداً. كذلك القاضي غير الخليفة أو الإمام مستقل في عمله عن السلطة التنفيذية، نظراً لأنه يستقي الأحكام المطبقة من المصدر الإلهي لا من السلطة التنفيذية . لكن بين هذه السلطات تعاون وتضامن في التنفيذ دون تدخل شخصي، فعلى السلطة التنفيذية أن تنفذ قرارات مجلس الشورى في الأمور الأساسية والقضايا المبدئية أو المهمة، ولكن لها الحرية في اختيار الوسائل الإدارية لتنفيذ القوانين. قال الماوردي مبيناً هذه المعاني بالنسبة لأحد موظفي التنفيذ وهو الوالي أو ٤ - ٦٥٦ - الأمير صاحب الإمارة الخاصة: ((وأما نظره في المظالم، فإن كان مما نفذت فيه الأحكام وأمضاه القضاة والحكام، جازله النظر في استيفائه معونة للمحق على المبطل، وانتزاعاً للمحق من المعترف الماطل؛ لأنه موكول إلى المنع من التظالم والتغالب، ومندوب إلى الأخذ بالتعاطف والتناصف. فإن كانت المظالم مما تستأنف فيها الأحكام، ويبتدأ فيها القضاء، منع منه هذا الأمير؛ لأنه من الأحكام التي لم يتضمنها عقد إمارته، وردهم إلى حاكم بلده ... ))(١). المبحث الرابع - صاحب الحق في التشريع بناء على ما سبق يتبين أن لا حق لأحد سوى الله في التشريع بالمعنى الحقيقي، سواء أكان حاكمً أم طائفة معينة، أم الأمة نفسها؛ لأن إعطاء أحدهم صلاحية التشريع يجعله متأثراً بالمصالح والأهواء الخاصة، وترك مصلحة الأمة العليا. ويبدو لنا ذلك واضحاً بعد انفصال السياسة عن الدين، وجعل التشريع بيد المجالس النيابية، حتى لم نعد نشاهد نصراً حاسماً محرزاً، أو تقدماً إيجابياً صالحاً، أونهضة حقيقية، بسبب إغفال أوامر الله تعالى، وعدم اجتناب نواهيه. ويؤكد القرآن الكريم على ترك الاختصاص التشريعي لله ولرسوله، قال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيرَة من أمرهم ﴾ ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً﴾ ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. والتزم الصحابة المهديون هذا الهدي بعد وفاة الرسول الأعظم مُ الر ، فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا ورد عليه الخصوم أو عرض له قضاء عام أو خاص، (١) الأحكام السلطانية: ص ٣٠ . - ٦٥٧ - الفقه الإسلامي جـ٦ (٤٢) نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من سنة رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله، جمع رؤوس الناس وخیارهم فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر قضى به. وكذلك كان يفعل عمر رضي الله عنه، وبقية الصحابة، وأقرهم على هذه الخطة المسلمون(١). وقد بعث رسول الله مَ اقّ معاذ بن جبل رضي الله عنه قاضياً بالإسلام إلى اليمن، فقال له الرسول: كيف تقضي يا معاذ إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأيي ولا آلو (أي لا أقصر في الاجتهاد)، فضرب رسول الله مَ الثّ على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله(٢). وروى مالك عن علي قال: قلت: يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه القرآن ولم تمض فيه منك سنة؟ فقال: اجمعوا العالمين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد (٣) 8 لكن الأمة بما لديها من خبرة واحتكاك بالمجتهدين فيها هي التي تختار أولي الحل والعقد حسبما تقتضي تطورات الظروف الاجتماعية والاقتصادية(٤)، فتكون إرادتها ممثلة بواسطة هؤلاء العلماء المتخصصين الذين اختارتهم، وقيدتهم بمبادئ الإسلام وأحكامه، وبالمصالح العامة فيما لانص ولا إجماع فيه من الأمور الدنيوية والقضايا الاجتماعية المتجددة أو المتطورة. الوسيط في أصول الفقه الإسلامي للمؤلف: ص ٢٠٨ ، ط الثانية . (١) قال الشوكاني في إرشاد الفحول: ص ٢٢٧: « وهو حديث مشهور له طرق متعددة ينتهض مجموعها للحجة ، (٢) كما أوضحنا ذلك في مجموع مستقل)» وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن عدي والطبراني والبيهقي ، وهو حديث مرسل في الأصح . (٣) أعلام الموقعين : ٧٣/١ . مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها للأستاذ علال الفاسي : ص ٢١٥ . (٤) - ٦٥٨ - وهذا يعني أن السيادة الأصلية لله تعالى، فيجب الرجوع إلى تشريعه أمراً ونهياً، وأما السيادة العملية فهي للأمة باعتبارها التي تعين أهل الحل والعقد. وحينئذ يجتمع هؤلاء في مكان مخصص لهم، بدلاً من الاجتماع في المسجد، كما يجتمع أعضاء مجلس الشعب أو مجلس الأمة لمناقشة شؤون المسلمين، بشرط مراعاة أحكام وأسس التشريع الإسلامي فيما يصدرون من قوانين. وإذا أصبح المجتهد الذي هو أحد هيئة أهل الحل والعقد خليفة أو وزيراً أو قاضياً، فله الأخذ باجتهاده فيما لم يصادم إجماع المجتهدين، ويكون رأيه حينئذ ملزماً بصفته صاحب سلطة. ويمكن لكل إنسان بلوغ درجة الاجتهاد باستجماع شروطه المقررة أصولياً وأهمها معرفة اللغة العربية - لغة القرآن والسنة، وكيفية استنباط الحكم من مصادره التشريعية وفهم مقاصد الشريعة. ويتوصل إلى ذلك بالبحث والنظر والتحصيل والممارسة الفعلية للاجتهاد حتى تعرفه الأمة وترشحه لتمثيلها . ومجال الاجتهاد محصور فيما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة أو الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة كوجوب الصلوات الخمس، والصيام والزكاة والحج، وتحريم جرائم الزنى والسرقة والمحاربة وشرب المسكرات والقتل وتوقيع العقوبات المقررة لها من جلد وقصاص، وزواج المحارم ونحوها . وأما ما يصح الاجتهاد فيه: فهو الأحكام التي ورد فيها نص ظني الثبوت والدلالة أو ظني أحدهما، والأحكام التي لم يرد فيها نص ولا إجماع(١). وعلى هذا فإن التشريعات الصادرة حديثاً التي لا تخالف الإسلام من قبل اللجان المشرعة، لا تخالف قواعد الاجتهاد في الفقه الإسلامي (٢). راجع الوسيط في أصول الفقه الإسلامي للمؤلف : ص ٦٠٥ ، ط ثانية . (١) (٢) السلطات الثلاث ، المرجع السابق : ص ٢٤١ . - ٦٥٩ - والخلاصة: أن الاجتهاد في الشريعة مقصور على استمداد الأحكام الشرعية من مصدرها الإلهي، والحاكم هو الذي يجعل اجتهاد الفرد ملزماً، لا الأغلبية ، أما السلطة التشريعية في الدول الحاضرة فإن لها إصدار ما تشاء من التشريعات من دون أي قيد، وتأخذ في ذلك بمبدأ الأغلبية . لله تعالى - ٦٦٠ -