النص المفهرس

صفحات 561-580

وقال الحنابلة: تصح الشهادة بالاستفاضة في النسب والولادة، والنكاح
والموت، والملك، والوقف، والولاية، والعزل(١).
وشرط التسامع عند الشافعية والحنابلة في الأصح مثلما قال أبو حنيفة : سماع
المشهود به من جمع كثير يؤمن تواطؤهم (أي توافقهم) على الكذب بحيث يحصل العلم
(أي اليقين) أو الظن القوي بخبرهم. ولا بد من أن يقول الشاهد: أشهد بكذا.
الشهادة على الكتابة: وبما أن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه الشاهد، فلا يحل
للشاهد عند أكثر العلماء أن يشهد بما رآه من خط نفسه، إلا أن يتذكر الشهادة؛ لأن
الخط يشبه الخط، والمطلوب في الشهادة العلم بالحادثة، والشيء المشتبه فيه لا يفيد
العلم، فإن تذكر القضية أو الشهادة، يشهد حينئذ على ما علم لا على أنه خطه.
وقال أبو يوسف ومحمد وفي رواية عند الحنابلة: يجوز للشاهد أن يشهد بما يجده
من خط نفسه(٢).
تقسيم ما يتحمله الشاهد :
ما يتحمله الشاهد نوعان: أحدهما: ما يثبت حكمه بنفسه. وهو ما يعرف
بالسماع المباشر كالبيع والإقرار، أو رؤية الفعل بالذات كالغصب والقتل.
فللشاهد إذا سمع أو رأى أن يشهد به، ويقول: أشهد أنه باع، ولا يقول:
أشهدني؛ لأنه كذب. ولو سمع من وراء الحجاب لا يجوزله أن يشهد؛ لأن النغمة
تشبه النغمة .
والثاني : ما لا يثبت حكمه بنفسه: وهو ما لا يوجب الشهادة بنفسه، وإنما
بالنقل إلى مجلس القضاء والإنابة في الأداء. فإذا سمع شاهداً يشهد بشيء لم يجز أن
(١)
المغني : ١٦١/٩ .
فتح القدير: ١٩/٦، اللباب: ٥٩/٤، الشرح الكبير للدردير: ١٩٣/٤، المغني: ١٦٠/٩.
(٢)
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣٦)
- ٥٦١ -

يشهد بنفسه على شهادته إلا أن يشهده على شهادته، ويأمره بأدائها ليكون نائباً
عنه. وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته ويأمره بأدائها لم يسع السامع له أن
يشهد؛ لأنه لم يحمله الشهادة، وإنما حمل غيره(١).
فالنوع الثاني إذاً يكون بتكليف الشاهد لغيره نقل شهادته أمام القضاء.
المطلب الثالث - شروط أداء الشهادة:
يشترط في مذهب الحنفية لجواز أداء الشهادة عند القاضي شروط في الشاهد وفي .
نفس الشهادة، وفي مكان الشهادة. وفي إيضاح هذه الشروط نتبين من تقبل
شهادته، ومن لا تقبل، وحالة اختلاف الشهود في الشهادة، وصفة العدالة في
الشهود.
شروط الشاهد:
يشترط في الشاهد شرائط عامة في كل الشهادات، وشرائط خاصة ببعض أنواع
الشهادات.
أما الشرائط العامة فهي ما يأتي(٢):
١- أهلية العقل والبلوغ: يشترط أن يكون الشاهد عاقلاً بالغاً باتفاق
الفقهاء، فلا تقبل شهادة من ليس بعاقل إجماعاً، مثل المجنون والسكران والطفل؛
لأنه لا تحصل الثقة بقوله، ولا تقبل شهادة صبي غير بالغ؛ لأنه لا يتمكن من أداء
الشهادة على الوجه المطلوب، لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾
وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ والصبي
ممن لا يرضي؛ ولأن الصبي لا يأثم بكتمان الشهادة، فدل على أنه ليس بشاهد.
الكتاب مع اللباب : ٥٨/٤ وما بعدها .
(١)
(٢)
البدائع : ٢٦٧/٦ وما بعدها .
- ٥٦٢ -

وأما شهادة الصبيان بعضهم على بعض، فتجوز عند الإمام مالك في الجراح وفي
القتل، خلافاً لجمهور الفقهاء(١).
٢- الحرية: اتفق الحنفية والمالكية والشافعية على أن الشاهد يشترط فيه أن
يكون حراً، فلا تقبل شهادة رقيق، لقوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً
لا يقدر على شيء﴾ ولأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو لا ولاية له.
وقال الحنابلة والظاهرية: تقبل شهادة العبد، لعموم آيات الشهادة، ولأن
العبودية ليس لها تأثير في الرد، وقيدها الحنابلة فيما عدا الحدود والقصاص(٢).
٣- الإسلام: اتفق الفقهاء على اشتراط كون الشاهد مسلماً، فلا تقبل شهادة
الكافر على مسلم؛ لأنه متهم في حقه، وأجاز الحنفية والحنبلية شهادة الكافر في الوصية
في السفر، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين
الوصية: اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم﴾ وأجاز الحنفية خلافاً للجمهور
شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض إذا كانوا عدولاً في دينهم، وإن اختلفت مللهم
كاليهود والنصارى(٣)، لما روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله: ((أن النبي ◌َ ◌ّ أجاز
شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض))(٤) وفي بعض رجاله مقال.
ولا تقبل شهادة الحربي المستأمن على الذمي؛ لأنه لا ولاية له عليه؛ لأن
بداية المجتهد: ٤٥١/٢، ٤٥٢، البدائع: ١٦٤/٦، المرجع السابق، الشرح الكبير الدردير: ١٦٥/٤، المغني :
(١)
١٦٤/٩، مغني المحتاج : ٤٢٧/٤ .
(٢)
المراجع السابقة، البدائع: ص ٢٦٧ وما بعدها ، بداية المجتهد: ص ٤٥٢، الشرح الكبير: ١٦٥/٤، مغني
المحتاج : ص ٤٢٧ ، المغني : ص ١٩٤.
المراجع السابقة ، فتح القدير : ٤١/٦، الكتاب مع اللباب: ٦٢/٤، نصب الراية : ٨٥/٤ ، بداية المجتهد :
(٣)
ص ٤٥٢ ، مغني المحتاج : ص ٤٢٧ ، المغني : ص ١٨٢ .
أخرجه ابن ماجه في سننه عن جابر بن عبد الله: ((أن الني ◌َهُمْ أجاز شهادة أهل الكتاب ، بعضهم على
(٤)
بعض » وفيه مجالد وفيه مقال ( نصب الراية : ٨٥/٤ ) .
- ٥٦٣ -

الذمي من أهل ديارنا، وهو أعلى حالاً منه. وتقبل شهادة الذمي على الحربي
المستأمن، كما تقبل شهادة المسلم عليه وعلى الذمي. وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم
على بعض إذا كانوا أهل دار واحدة.
٤ - البصر: يشترط عند أبي حنيفة ومحمد والشافعية: أن يكون الشاهد مبصراً،
فلا تقبل شهادة الأعمى ؛ لأنه لابد من معرفة المشهود له والإشارة إليه عند الشهادة،
ولا يميز الأعمى بين الناس إلا بنغمة الصوت، وفيه شبهة؛ لأن الأصوات تتشابه.
وتشدد الحنفية فمنعوا قبول شهادة الأعمى وإن كان بصيراً عند تحمل الشهادة.
وأجاز المالكية والحنابلة وأبو يوسف شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت لعموم
الآيات الواردة في الشهادة، ولأنه رجل عدل مقبول الرواية، فقبلت شهادته
كالبصير، ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين، ولهذا أجاز الشافعية شهادة
الأعمى فيما يثبت بالاستفاضة، كما أجازوا أن يكون شاهداً في الترجمة؛ لأنه يفسر
ما سمعه بحضرة الحاكم، وسماعه كسماع البصير؟.
٥ - النطق : اشترط الحنفية والشافعية والحنابلة أن يكون الشاهد ناطقاً، فلا
تقبل شهادة الأخرس، وإن فهمت إشارته؛ لأن الإشارة لا تعتبر في الشهادات؛ لأنها
تتطلب اليقين، وإنما المطلوب التلفظ بالشهادة.
وأجاز المالكية قبول شهادة الأخرس إذا فهمت إشارته؛ لأنها تقوم مقام نطقه
في طلاقه ونکاحه وظهاره، فكذلك في شهادته(٣).
٦ - العدالة: اتفق العلماء على اشتراط العدالة في الشهود، لقوله تعالى: ﴿ممن
المراجع السابقة، البدائع: ص ٢٦٨، فتح القدير: ص ٢٧ ، مغني المحتاج: ص ٤٤٦، المهذب : ٣٣٥/٢،
(١)
المغني: ص ١٨٩ ، الشرح الكبير للدردير: ١٦٧/٤، اللباب : ٦٠/٤ .
المغني : ١١٠/٩، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ١٦٨/٤.
(٢)
- ٥٦٤ -

ترضون من الشهداء) وقوله سبحانه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فلا تقبل شهادة
الفاسق. وروي عن أبي يوسف: أن الفاسق إذا كان وجيهاً في الناس، ذا مروءة،
تقبل شهادته؛ لأنه لا يستأجر لشهادة الزور لوجاهته، ويمتنع عن الكذب لمروءته.
وقال جمهور الحنفية: لا تقبل شهادة الفاسق مطلقاً، إلا أن القاضي لوقضى بشهادة
الفاسق نفذ قضاؤه، ويكون القاضي عاصياً.
والعدالة: لغة التوسط، وشرعاً: اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر.
والحقيقة أن اجتناب الكبائر كلها هو شرط لصحة الشهادة وبعد توقيها يلاحظ
الشأن الغالب، فمن كثرت معاصيه أثر ذلك في شهادته، ومن ندرت منه المعصية
قبلت شهادته. وهذا هو حد العدالة المعتبرة، حتى لا يترتب على التشدد سد باب
الشهادة وإماتة الحقوق .
واكتفى أبو حنيفة بظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن الشهود، حتى يطعن
الخصم بهم إلا في الحدود والقصاص، فإنه يسأل عن الشهود، وإن لم يطعن فيهم
الخصوم، ودليله على الاكتفاء بظاهر العدالة قوله س ئل: ((المسلمون عدول بعضهم على
بعض إلا محدوداً في قذف))(١) ومثله مروي عن عمر رضي الله عنه(٢). وأما دليله على
استثناء الحدود والقصاص، فهو أن القاضي يتحايل لإسقاطها عن المتهم، فيشترط
فيها استقصاء معرفة حال الشهود؛ ولأنها تدرأ بالشبهات.
وقال الصاحبان والفتوى على قولهما: لابد من أن يسأل القاضي عن الشهود في
السر والعلانية في سائر الحقوق؛ لأن القضاء قائم على الحجة، وهي شهادة العدول،
(١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظه: ((إلا محدوداً في فرية)) ( نصب
الراية : ٨١/٤ ) .
رواه الدارقطني عن أبي المليح الهذلي ، وهو في كتاب عمر المشهور إلى أبي موسى الأشعري ( نصب الراية ،
(٢)
المرجع السابق ) .
- ٥٦٥ -

فلا بد من التعرف على العدالة، وفي ذلك صيانة للحكم القضائي عن النقض والإبطال
بسبب الطعن في عدالة الشهود(١).
وقد قال المتأخرون من الحنفية: هذا الاختلاف اختلاف عصر وزمان،
لا اختلاف حجة وبرهان؛ لأن زمن أبي حنيفة کان زمن خیر وصلاح؛ لأنه زمن
التابعين، وشهد لهم النبي ◌ُ ◌ّم بالخيرية، بخلاف زمان الصاحبين، قال عليه الصلاة
والسلام: ((خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم إن من بعدهم قوماً
یشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤمنون، وینذرون ولا یوفون، ویظهر
فیھم السمن)»(٢).
وقال فقهاء الحنفية: لا تقبل شهادة مخنَّث، لفسقه، وهو الذي يفعل الرديء
ويؤتى كالنساء. أما الذي في كلامه لين وفي أعضائه تكسر فهو مقبول الشهادة.
ولا تقبل شهادة نائحة في مصيبة غيرها بأجر، ولا مغنية، ولو لنفسها لحرمة
رفع صوتها، خصوصاً مع الغناء، ولا شهادة مدمن الشرب لهواً، سواء أكان الشراب
خمراً أم غيره لحرمة ما ذكر في الإسلام، ولا شهادة من يلعب بالطيور؛ لأنه يورث
غفلة، ولأنه قد يطلع على عورات النساء بصعود سطحه ليطير طيره، ولا شهادة من
يغني للناس؛ لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة، ولا من يأتي كبيرة موجبة للحد
كالزنا والسرقة ونحوها؛ لأنه يفسق، ولا من يدخل الحمام بغير إزار؛ لأن كشف
العورة حرام إذا رأى الشخص غيره، ولا من يأكل الربا إذا كان مشهوراً به، ولا
المقامر بالفرد (أي الزهر) والشطرنج؛ لأن كل ذلك من الكبائر، لكن الشطرنج
عند الشافعي مکروه فقط، ولیس کبیرة، إذا لم یکن قاراً.
(١) راجع المبسوط: ١١٣/١٦، فتح القدير: ١٢/١ وما بعدها، البدائع: ٢٦٨/٦ وما بعدها، الدر المختار:
٣٨٨/٤، الكتاب مع اللباب : ٥٧/٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٥١/٢، مغني المحتاج : ٤٢٧/٤ ، المغني :
١٦٥/٩ وما بعدها .
(٢) رواه الشيخان وأحمد عن عمران بن حصين (نيل الأوطار: ٢٩٦/٨، سبل السلام: ١٢٦/٤).
- ٥٦٦ _

ولا تقبل شهادة من يفعل الأفعال المستقبحة، كالبول على الطريق والأكل على
الطريق؛ لأنه في عرف السابقين تارك للمروءة، ومثله لا يمتنع عن الكذب فيتهم.
ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف كالصحابة والتابعين لظهور فسقه، بخلاف
من يخفيه؛ لأنه فاسق مستور(١).
واتفق الفقهاء على أن الفاسق إذا تاب من فسقه، تقبل شهادته. واستثنى
الحنفية المحدود في القذف، فإنه لا تقبل شهادته عندهم وإن تاب، خلافاً لبقية
الفقهاء. ومنشأ الخلاف هو عود الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة
أبداً، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك). فقال الحنفية: لا تقبل
شهادة المحدود في قذف وإن تاب، لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ وأما
الاستثناء فهو راجع عندهم إلى الجملة الأخيرة وحدها، أي إلى أقرب مذکور إليه.
وقال جمهور الفقهاء: تقبل شهادة المحدود في قذف بعد التوبة؛ لأن الاستثناء
بعد الجمل المتعاطفة بالواو يعود إليها جميعاً إلا إذا خصص الحكم بالإجماع، وهنا
خصص الإجماع أحد الأحكام السابقة عند التوبة وهو أن الحد لا يسقط بالتوبة(٣).
وتقبل شهادة أهل الأهواء، أي أصحاب البدع التي لا تكفر صاحبها مثل
الجبرية والقدرية والرافضة والخوارج والمشبهة والمعطلة.
وكذلك تقبل شهادة الأقلف (غیر المختون) إلا إذا تركه استخفافاً بالدين، فلا
يكون حينئذ عدلاً، وتقبل شهادة الخصي وولد الزنا إذا كان عدلاً، وشهادة الخنثى
ویعتبر کأنثى(٣).
راجع الكتاب مختصر القدوري مع اللباب : ٦١/٤ وما بعدها ، فتح القدير : ٣٤/٦ وما بعدها .
(١)
مذكرة تفسير آيات الأحكام بالأزهر: ١٣١/٣، وراجع بداية المجتهد: ٤٥٢/٢ ، فتح القدير: المرجع السابق :
(٢)
ص ٢٩ ، البدائع، المرجع نفسه : ص ٢٧١ ، مغني المحتاج : ٤٣٨/٤ ، المغني ، المرجع نفسه : ص ١٩٧ وما
بعدها ، المهذب : ٣٢٠/٢ وما بعدها .
(٣) الكتاب مع اللباب : ٦٣/٤ وما بعدها .
- ٥٦٧ _

٧- عدم التهمة: أجمع الفقهاء على أن التهمة ترد بها الشهادة. والتهمة: أن
يجلب الشاهد إلى المشهود له نفعاً أو يدفع عنه ضرراً، فلا تجوز شهادة الوالد لولده
وولد ولده ولا شهادة الولد لأبويه وأجداده، ولا شهادة الخصم لخصمه. والخصم: كل
من خاصم في حق، فلا تقبل شهادة الوكيل لموكله، ولا الموصى له للميت أو الموصى
عليه: وهو اليتيم في حجره ورعايته، ولا الشريك لشريكه في أمور الشركة؛ لأنها
شهادة لنفسه من وجه لاشتراكهما في الشركة. فلو شهد الشريك بما ليس من شركتهما
تقبل شهادته لانتفاء التهمة، وأجاز المالكية شهادة الشريك، لقوله مؤ لم: ((لا تقبل
شهادة خصم ولا ظنين))(١) وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تقبل شهادة بدوي على
(٢)
حضري)»(*).
ولا تقبل شهادة العدو على عدوه بالاتفاق حتى عند الحنفية؛ لأن العداوة
تورث التهمة، ولا يؤمن التقول فيها، ولقوله قال: ((لا تجوز شهادة خائن، ولا
خائنة، ولا ذي غِمْر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، والقانع: الذي
ينفق على أهل البيت))(٢) والمراد بالعدو الذي ترد شهادته: هو صاحب العداوة
(١) أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً على عمر، وهو منقطع، ورواه أبو داود في المراسيل عن طلحة بن عبد الله بن
عوف ، ورواه أيضاً البيهقي من طريق الأعرج مرسلاً ، ورواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً ، وفي إسناده نظر
( نيل الأوطار: ٢٩١/٨ ) .
رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) (انظر نيل
(٢)
الأوطار : ٢٩١/٨ ، سبل السلام : ١٢٩/٤ ، الإلمام : ص ٥٢٠ ) والبدوي: من سكن البادية ، نسب على غير
قياس النسبة والقياس بادوي ، والقرية : المصر الجامع .
(٣)
رواه أبو داود وأحمد وعبد الرزاق والبيهقي وابن دقيق العيد وابن ماجه بإسناد حسن ، قال ابن حجر في
التلخيص: وسنده قوي. وروايته من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقوله ((ذو الغمر)): أي
صاحب الشحناء والحقد ، والغمر بكسر الغين وسكون الميم ، وقال صاحب سبل السلام: بفتح الغين وفتح
الميم وكسرها ، والقانع: هو الخادم المنقطع إلى الخدمة ، فلا تقبل شهادته للتهمة بجلب النفع لنفسه كالأجير
الخاص ( نصب الراية: ٨٣/٤، نيل الأوطار: ٢٩١/٨، سبل السلام: ١٢٨/٤، الإلمام: ص ٥١٩ ).
- ٥٦٨ -

الدنیویة، وهو من یبغض المشهود علیه بحیث یتمنى زوال نعمته، ويحزن بسروره،
ويفرح بمصيبته .
واتفقوا على جواز شهادة الأخ والعم والخال ونحوهم بعضهم لبعض، لانعدام
التهمة؛ لأن مال كل واحد منهم مستقل عن الآخر عرفاً وعادة، فكانوا كالأجانب.
واختلفوا في شهادة أحد الزوجين للآخر، فردها جمهور الفقهاء؛ لأن كل واحد
منهما يرث الآخر، وينتفع بماله عادة، فينتفع بشهادته لصاحبه.
وأجاز الشافعية قبولها؛ لأن الحاصل بين الزوجين عقد يطرأ ويزول فلا يمنع
قبول الشهادة، كما لو شهد الأجير للمستأجر وعكسه.
وتقبل شهادة الصديق لصديقه باتفاق الفقهاء، والصديق : من صدق في
ودادك، بأن يسرَّه ما يسرك، ويضره ما يضرك، ويهمه ما يهمك. وقبول شهادته،
لضعف التهمة بالنسبة إليه، بعكس شهادة الأصل للفرع، وبالعكس ونحوهما(١).
وأما الشرائط الخاصة التي تخص بعض الشهادات دون بعض فأهمها
ما يأتي:
١ - العدد في الشهادة بما يطلع عليه الرجال، لقوله تعالى: ﴿ واستشهدوا
شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من
الشهداء﴾ وذلك في الحقوق المدنية، مالاً كان الحق، أو غير مال، مثل النكاح
والطلاق والعدة والحوالة، والوقف، والصلح، والوكالة، والوصية، والهبة، والإقرار،
والإبراء، والولادة، والنسب، فهذه الحقوق تثبت عند الحنفية بشهادة رجلين أو
راجع المبسوط: ١٢٠/١٦ وما بعدها، البدائع: ٢٧٢/٦، فتح القدير: ٣١/٦ وما بعدها ، الدر المختار: ٣٩٢/٤
(١)
وما بعدها، اللباب: ٦٠/٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ٤٥٢/٢ وما بعدها، الشرح الكبير : ١٦٨/٤ وما
بعدها، المهذب: ٣٢٩/٢ وما بعدها، مغني المحتاج: ٤٣٣/٤ وما بعدها ، المغني: ١٨٥/٩، ١٩١.
- ٥٦٩ -

رجل وامرأتين. وقبول شهادة المرأة هنا لتوافر أهلية الشهادة عندها: وهي الشهادة
والضبط والأداء. والسبب في جعل المرأتين في مقام رجل في الشهادة: هو نقصان
الضبط بسبب زيادة النسيان، كما في قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر
إحداهما الأخرى﴾(١).
وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في
الأموال وتوابعها كالبيع والإجارة والهبة والوصية والرهن والكفالة؛ لأن الأصل عدم
قبول شهادة النساء لغلبة العاطفة عليهن، واختلال ضبط الأمور، وقصور الولاية
على الأشياء. أما ماليس بمال ولا يقصد منه المال ويطلع عليه الرجال كالنكاح
والرجعة والطلاق والوكالة وقتل العمد والحدود سوى حد الزنا، فلا يثبت إلا
بشاهدین ذکرین، لقوله تعالى في الرجعة: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ولما روی
ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))(٢)
وعن الزهري أنه قال: ((جرت السنة على عهد رسول الله رجيم والخليفتين من بعده ألا
تقبل شهادة النساء في الحدود والدماء))(٣) قال الشافعية: فدل النص على الرجعة
والنكاح والحدود، وقسنا عليها كل ما لا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال(٤).
وفي حد الزنا أجمع العلماء على أنه لا يثبت بأقل من أربعة شهود رجال عدول
أحرار مسلمين، لقوله تعالى: ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء، فإذالم يأتوا
بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون) وقوله سبحانه: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة
(١)
فتح القدير: ٧/١ ، البدائع: ٢٧٧/١، الكتاب مع اللباب : ٥٥/٤ وما بعدها .
أخرجه البيهقي وابن حبان والطبراني في الأوسط عن عمران بن حصين وعائشة وأبي هريرة وجابر وغيرهم ،
(٢)
وذكر السيوطي تصحيحه ( الجامع الصغير: ٢٠٤/٢، نصب الراية: ١٦٧/٢، مجمع الزوائد: ٢٨٦/٤).
رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الزهري ، وأخرجه عبد الرزاق عن على، قال: ((لا تجوز شهادة النساء في
(٢)
الحدود والدماء )) ( نصب الراية : ٧٩/٤ ) .
للهذب : ٣٢٢/٢، بداية المجتهد : ٤٥٤/٢، المغني: ١٤٩/٩ وما بعدها ، الطرق الحكمية: ص ١٥٢ وما بعدها .
(٤)
- ٥٧٠ _

من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) وقوله عز وجل: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء﴾. وقد ثبت عن النبي ◌َليم أنه قال: ((أربعة شهود، وإلا حد في ظهرك)»(١).
وفي سائر الحدود الأخرى والقصاص اتفق الجمهور على أنها تثبت بشهادة رجلين
لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ ولا تقبل فيها شهادة النساء لا مع
رجل، ولا مفردات.
وقال الظاهرية: تقبل شهادة النساء مع رجل في الحدود إذا كان النساء أكثر
من واحدة، عملاً بظاهر الآية: ﴿فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان من ترضون
من الشهداء﴾.
وأما ما لا يطلع عليه إلا النساء، فتقبل فيه شهادة النساء، لما روي: ((أن النبي
◌َ أجاز شهادة القابلة))(٢) ولما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري، قال:
((مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادات النساء
(٢)
وعیوبهن))()
٠
واختلف في تحديد تلك الحالات، فقال الحنفية: تقبل شهادة النساء في الولادة
والبكارة وعيوب النساء في موضع لا يطلع عليه الرجال، ولا تقبل شهادتهن
منفردات على الرضاع؛ لأنه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال، ولا تقبل
شهادتهن عند أبي حنيفة على استهلال الصبي بالنسبة للإرث؛ لأن الاستهلال صوت
الصبي عند الولادة، وهو مما يطلع عليه الرجال، فلا تكون شهادتهن فيه حجة، لكن
(١) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس بن مالك، وأخرجه البخاري عن ابن عباس بلفظ: ((البينة وإلا
حد في ظهرك» ( نصب الراية : ٢٠٦/٢).
رواه الدارقطني في سننه عن حذيفة بن اليان، وفيه رجل مجهول ورواه الطبراني في الأوسط ، قال الهيثمي :
(٢)
وفيه من لم أعرفه ، وقال في التنقيح: هو حديث باطل لاأصل له (راجع نصب الراية: ٨٠/٤، مجمع
الزوائد : ٢٠١/٤ ).
(٢) ورواه ابن أبي شيبة أيضاً ( نصب الراية: ٨٠/٤).
- ٥٧١ -

تقبل شهادتهن بالنسبة لصلاة الجنازة على المولود؛ لأن الصلاة من أمور الدين،
وشهادتهن فيها حجة کشهادتهن على هلال رمضان .
وقال الصاحبان: تقبل شهادتهن على الاستهلال بالنسبة للإرث أيضاً؛ لأن
الاستهلال صوت عند الولادة، ولا يحضرها الرجال عادة، فصار کشهادتهن على نفس
الولادة. وهو الرأي الأرجح عند الكمال بن الهمام صاحب فتح القدير.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: تقبل شهادة النساء منفردات فيما لا يراه
رجال غالباً کبکارة وثیوبة وولادة وحیض ورضاع واستهلال ولد، وعيوب نساء
تحت الثياب، كجراحة ورتَق وقرَن وبرص وانقضاء عدة، ودليلهم خبر الزهري
السابق ذكره، ويقاس ما لم يذكر في الخبر على ما ذكر فيه مما شاركه في الضابط
المذكور من ولادة وعيوب النساء.
واختلفوا في العدد المشترط في شهادة النساء منفردات : فقال الحنفية والحنبلية:
تقبل شهادة امرأة واحدة عدل(١). وقال المالكية: يكفي امرأتان. وقال الشافعية:
ليس يكفي أقل من أربع نسوة؛ لأن الله عز وجل قد جعل عديل الشاهد الواحد
امرأتين، واشتراط الاثنينية(٢).
لأن النبي ◌ٍَّ أجاز شهادة القابلة ، رواه الدارقطني عن حذيفة ، وروى أبو الخطاب عن ابن عمر أن
(١)
النبي ◌َ ◌ّ قال: ((يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة)) روى أحمد والطبراني في الكبير عن ابن عمر ((أنه
سأل النبي عَِّ، فقال، أو أن رجلاً سأل النبي عَظِّم فقال: ما الذي يجوز في الرضاع من الشهود ؟ فقال
النبي عٌَّ: رجل أو امرأة، وفي رواية: ((رجل وامرأة)) وفيه ضعيف ولكن له مؤيد في أن شهادة المرضعة
وحدها تقبل ( راجع سبل السلام : ٢١٨/٣ ، مجمع الزوائد : ٢٠١/٤ ) .
(٢) راجع لكل ماذكر: المبسوط: ١١٢/١٦، فتح القدير: ٦/٦ وما بعدها، البدائع: ٢٧٧/٦، ٢٧٩ ، الدر
المختار: ٣٨٦/٤ وما بعدها ، اللباب: ٥٥/٤ وما بعدها، بداية المجتهد : ٤٥٣/٢ وما بعدها ، الشرح الكبير:
١٨٥/٤، المهذب: ٣٣٢/٢ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٤٤١/٤ وما بعدها ، المغني : ١٤٧/٩ وما بعدها، ١٥٥،
المحلى لابن حزم : ٤٨٣/٩، الطرق الحكمية : ص ١٢٩ .
- ٥٧٢ -

٢ - الاتفاق في الشهادتين عند التعدد: يشترط اتفاق الشهادتين(١) فيما
يطلب فيه العدد، فإن اختلفت الشهادة لم تقبل؛ لأن اختلاف الشهادتين مثلاً
يوجب اختلاق الدعوى. والاختلاف يكون في جنس المشهود به، وفي قدره، وفي
الزمان والمكان ونحوها .
أما الاختلاف في الجنس فقد يكون في العقد كأن يشهد أحدهما بالبيع والآخر
بالميراث أو بالهبة، وقد يكون في المال كأن يشهد أحدهما بمكيل والآخر بموزون فلا
تقبل الشهادة، لاختلاف العقدين، أو لاختلاف الجنسين.
وأما الاختلاف في القدر: فهو أن يدعي رجل على آخر ألفي درهم، ويثبت
ادعاءه بالبينة، فيشهد له شاهد بألفين، والآخر بألف، فلا تقبل الشهادة عند أبي
حنيفة؛ لأنه يشترط اتفاق الشاهدين باللفظ والمعنى، وهنا اختلف الشاهدان لفظاً؛
لأن أحدهما مفرد، والآخر مثنى، واختلاف الألفاظ إفراداً وتثنية يدل على اختلاف
المعاني الدالة عليها، فكان كلام كل منهما مبايناً لكلام الآخر، فصار كما إذا اختلف
جنس المال، وهذا هو الصحيح.
عال
وتقبل هذه الشهادة عند الصاحبين على ألف درهم ؛ لأن الشاهدين اتفقا على
الألف، وتفرد أحدهما بالزيادة، فیثبت الحق فيما اتفقا عليه دون ما تفرد به أحدهما .
وهذا الاختلاف يجري فيما إذا شهد أحد الشاهدين على طلقة، والآخر على طلقتين
أو ثلاث ، لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة، وتقبل على الأقل عند الصاحبين.
واتفق أبو حنيفة مع صاحبيه على أنه إذا كان المدعي يدعي ألفاً وخمسمائة،
فشهد أحد الشاهدين على الألف، والآخر على ألف وخمسمائة، تقبل الشهادة على
(١) يشترط عند أبي حنيفة اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى معاً، ويكتفى عند الصاحبين بالموافقة المعنوية
( الكتاب مع اللباب : ٦٥/٤ ) .
- ٥٧٣ -

الألف، لاتفاق الشاهدين عليها لفظاً ومعنى؛ لأن الألف والخمسمائة جملتان عطفت
إحداهما على الأخرى، والعطف يقرر المعطوف عليه ويؤكده، بخلاف الألف
والألفین، فليس بينهما حرف العطف.
وأما الاختلاف في الزمان والمكان: فإن كان الاختلاف في الإقرار فتقبل
الشهادة؛ لأن الإقرار يحتمل التكرار، فيمكن التوفيق بين الشهادتين بسماع الإقرار في
زمانین أو مکانین.
وإن كان الاختلاف في الفعل كالقتل والغصب وإنشاء البيع والطلاق والنكاح
ونحوها، فإنه يمنع قبول الشهادة، لاختلافها؛ لأن الأفعال لا تحتمل التكرار،
فاختلاف الزمان والمكان فيها يوجب اختلاف الشهادتين، فما لم يوجد على كل حالة
شاهدان لا يقبل. فلو شهد شاهدان أن زيداً قتل يوم النحر بمكة، وشهد آخران أنه
قتل يوم النحر بالكوفة، لم تقبل الشهادتان للتیقن بكذب إحداهما.
ولو ادعى رجل على آخر قرض ألف درهم، فشهد شاهدان: أحدهما على
القرض، والآخر على القرض والقضاء، أي أنه أدى الدين، يقضى بشهادتها على
القرض، ولا يقضى بالأداء في ظاهر الرواية: لأن الشهادتين اتفقتا على القرض،
فیقضى به، واختلفا في الأداء، فلا يقضى به(١).
شروط في نفس الشهادة:
يشترط في الشهادة شروط منها:
١ - لفظ الشهادة: ينبغي أن يذكر الشاهد لفظة الشهادة، فإن قال الشاهد:
أعلم أو أتيقن، لم تقبل شهادته في تلك الحادثة.
(١) البدائع : ٢٧٨/٦ وما بعدها، فتح القدير: ٥٢/٦ وما بعدها، مختصر القدوري مع اللباب: ٦٥/٤ وما بعدها،
الدر المختار : ٤٠٥/٤ وما بعدها .
- ٥٧٤ _

٢ - أن تكون الشهادة موافقة للدعوى: فإن خالفتها لا تقبل، إلا إذا وفق
المدعي بين الدعوى وبين الشهادة عند إمكان التوفيق (١).
وتجوز الشهادة على الشهادة في كل الحقوق التي لا تسقط بالشبهة، لشدة
الحاجة إليها؛ إذ قد يعجز الأصل عن أداء الشهادة لعذر من الأعذار، فلو لم تجز
الشهادة على شهادته، أدى إلى ضياع الحقوق. ولا تقبل الشهادة على الشهادة في
الحدود والقصاص، وإنما تشترط فيها الأصالة؛ لأنها تسقط بالشبهة كما عرفنا.
وتجوز في الشهادة على الشهادة شهادة شاهدين على شهادة شاهدين؛ لأن نقل
الشهادة من جملة الحقوق، وقد شهدا بحق، ثم بحق آخر، فتقبل؛ لأن شهادة
الشهادتين على حقين جائزة.
ولا تقبل شهادة واحد على شهادة واحد؛ لأن شهادة الفرد لا تثبت الحق.
وصفة الإشهاد في الشهادة على الشهادة: أن يقول شاهد الأصل الشاهد
الفرع: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان أقر عندي بكذا، وأشهدني علی
نفسه؛ لأنه لا بد أن يشهد شاهد الأصل عند الفرع كما يشهد القاضي لينقله إلى مجلس
القضاء.
وإن لم يقل العبارة الأخيرة السابقة وهي ((أشهدني على نفسه)) جاز ذلك؛ لأن
من سمع إقرار غيره، حل له الشهادة، وإن لم يقل له : اشهد.
ويقول شاهد الفرع عند الأداء لما تحمله: أشهد أن فلاناً أشهدني على شهادته أنه
يشهد أن فلاناً أقر عنده بكذا، وقال لي : اشهد على شهادتي بذلك؛ لأنه لا بد من
شهادة الفرع، وذكر شهادة الأصل، وذكر تحميله الشهادة.
(١) المراجع السابقة: البدائع: ص ٢٧٣، فتح القدير: ص ١٠، اللباب : ٦٤/٤.
- ٥٧٥ _

وقال في الدر المختار: الأقصر أن يقول الأصل : اشهد على شهادتي بكذا، ويقول
الفرع: أشهد على شهادته بكذا. وهذا ما أفتى به السرخسي وغيره، وابن الكمال، وهو
الأصح.
ولا تقبل شهادة الفرع إلا أن يتعذر حضور شهود الأصل، كأن يموت شهود
الأصل عند الأداء، أو يغيبوا مسيرة سفر ثلاثة أيام فصاعداً، أو يمرضوا مرضاً قوياً
بحيث لا يستطيعون معه حضور مجلس الحاكم؛ لأن جواز هذه الشهادة للحاجة، وإنما
تمس الحاجة عند عجز الأصل، وبهذه الأشياء يتحقق العجز.
وتقبل تزكية شهود الأصل بشهود الفرع؛ لأن الفروع من أهل التزكية، فصح
تعدیلهم، فإن لم یز کوهم نظر القاضي في رأي أبي يوسف في حال شهود الأصل، كما لو
حضروا بأنفسهم وشهدوا. وهذا هو الرأي الأصح وظاهر الرواية. وقال محمد: لا تقبل
تزكية الأصول بالفروع؛ لأنهم ينقلون الشهادة، ولا شهادة بدون العدالة.
وإن أنكر شهود الأصل الشهادة بأن قالوا: مالنا شهادة على هذه الحادثة،
وماتوا أو غابوا، ثم جاء الفروع يشهدون على شهادتهم، أو أنكر شهود الأصل تحميل
الشهادة لغيرهم بأن قالوا: لم نشهدهم على شهادتنا، وماتوا أو غابوا، لم تقبل شهادة
شهود الفرع؛ لأن التحميل شرط، ولم يتوافر ذلك بسبب تعارض الخبرين(١).
شرط مكان الشهادة :
يشترط أن تكون الشهادة في مجلس القضاء (٢).
راجع الكتاب مع اللباب : ٦٨/٤ - ٧٠ ، تبيين الحقائق : ٢٣٧/٤ وما بعدها .
(١)
(٢)
البدائع ، المرجع نفسه : ص ٣٧٩ .
- ٥٧٦ -

المطلب الرابع - حكم الرجوع عن الشهادة :
الرجوع عن الشهادة: أن يقول الشاهد: رجعت عما شهدت به، ونحوه، فلو
أنكر شهادته بعد القضاء لا يكون رجوعاً، ولا يصح الرجوع إلا في مجلس القضاء؛
لأنه فسخ للشهادة، فيكون في المكان الذي تعتبر فيه الشهادة، وهو المحكمة، ولأن
الرجوع توبة، والتوبة تكون حسب الجناية: السر بالسر، والعلانية بالعلانية(١)، أي
إذا كان الذنب سراً فالتوبة سرية، وإن كان علانية فالتوبة علانية.
وإذا لم يصح الرجوع عن الشهادة في غير المحكمة: فلوادعى المشهود عليه رجوع
الشاهدين أو أراد يمينهما أنها لم يرجعا، لا يحلفان، وكذا لو أقام المشهود عليه بينة على
هذا الرجوع، لا تقبل؛ لأنه ادعى رجوعاً باطلاً؛ إذ أنه في غير المحكمة، وإقامة البينة
وإلزام اليمين لا تقبل إلا على دعوى صحيحة، بدليل أنه لو أقام البينة أن الشاهد
رجع عند قاضي بلدة كذا، وحكم عليه بضمان المال، تقبل بينته.
وكذلك لا يصح الرجوع عن الشهادة بعد صدور الحكم من القاضي، وإذا رجع
الشهود حينئذ، لم ينتقض الحكم الذي حكم بشهادتهما فيه، ولا يفسخه القاضي باتفاق
العلماء، وإذا رجع الشهود قبل صدور الحكم، لم يحكم القاضي بشهادتها، ويصح
رجوعهما حينئذ؛ لأن الشهادة إخبار يحتمل الغلط.
ويترتب على الرجوع عن الشهادة بعد الحكم: أن الشهود يلتزمون بضمان الغرم
أو التلف الذي تسببوا في إلحاقه بالمشهود عليه من مال أو دية باتفاق المذاهب الأربعة
على الراجح عند بعضهم، لإقرارهم على أنفسهم بسبب الضمان، فهم قد أخرجوا المال
من يد المشهود عليه بغير حق، ويوزع الضمان بينهم، ولا ضمان عليهم إذا كان المشهود
(١) هذا بعض حديث معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي يدافع إلى أهل اليمن ، فقال: أوصني، فقال: عليك
بتقوى الله تعالى ما استطعت . إلى أن قال: ((وإذا عملت شراً ، فأحدث توبة : السر بالسر، والعلانية
بالعلانية)» ( فتح القدير : ٨٧/٦ ) .
- ٥٧٧ -
الفقه الإسلامي جـ٦ (٣٧)

عليه قد استوفى عوضاً عما أتلف عليه. وإذا كانت الشهادة على حد زنا مثلاً، ثم رجع
الشهود كلهم أو بعضهم، فيقام عليهم حد القذف (١). وتطبيقات هذه القاعدة تعرف
عند الحنفية في المسائل الآتية (٢):
- إذا شهد شاهدان على رجل بمال، وقضى القاضي به، وسلم المدعى عليه المال
إلى المدعي، ثم رجع الشاهدان: ضمنا المال بينهما نصفين. ولو رجع أحدهما، غرم
نصف المال، وبقي النصف الآخر ببقاء شاهد. ودليل الضمان أن الشاهدين تسببا
بإتلاف مال المشهود عليه تعدياً، والتسبب سبب الضمان .
- لو كان الشهود أربعة، فرجع اثنان أو واحد منهم: فلا ضمان عليه، لبقاء المال
حقاً للمشهود له ببقاء الشاهدين. ولو رجع منهم ثلاثة يلزمهم نصف المال المشهود
عليه، لبقاء النصف أي أنه ببقاء أحدهم يبقى نصف الحق عند الحنفية والشافعية.
وأما عند الحنابلة: فيغرم الشاهد الذي رجع بقدر نسبته إلى عدد الشهود، فإن كانوا
ثلاثة فرجع واحد، فعليه الثلث، وإن كانوا عشرة فعليه العشر.
- وإن شهد رجل وامرأتان على مال، فرجعت امرأة: غرمت ربع المال، ولو
رجعتا غرمتا نصف المال، لبقاء نصف الحق ببقاء رجل، ومن المعلوم أن المرأتين
بمنزلة رجل واحد في الشهادات. وكذا يغرم الرجل نصف المال، إن رجع وبقيت
المرأتان .
- ولو شهد رجل واحد، وعشر نسوة، على مال، ثم رجعوا جميعاً بعد صدور
الحكم، فالضمان بينهم عند أبي حنيفة أسداساً، على الرجل سدس المال بحسب نسبته
(١) المبسوط: ١٧٧/١٦، ٢/١٧، ٨، ١٦، فتح القدير: ٨٥/٦ وما بعدها، البدائع: ٢٨٣/٦ وما بعدها، الدور
المختار : ٤١٢/٤ وما بعدها ، اللباب شرح الكتاب : ٧٢/٤ وما بعدها ، مجمع الضمانات: ص ٣٥٩ وما بعدها ،
الشرح الكبير للدردير: ٢٠٧/٤ ، مغني المحتاج: ٤٥٦/٤ وما بعدها، المهذب : ٣٤٠/٢ ، المغني : ٢٤٨/٩ وما
بعدها .
(٢) مراجع الحنفية السابقة .
- ٥٧٨ _

إلى عدد النسوة، وعلى النساء خمسة أسداس؛ لأن كل امرأتين بمنزلة رجل واحد في
الشهادة .
!
وقال الصاحبان: الضمان بينهم مناصفة، على الرجل النصف، وعلى النساء
النصف؛ لأن النساء، وإن كثرن، لهن شطر الشهادة فقط.
- لو شهد اثنان على بائع ببيع شيء بمثل القيمة أو أكثر، وقضى القاضي به، ثم
رجعا، لم يضنا للمشهود عليه شيئاً، لأن شهادتهما أدت إلى إتلاف بعوض قبضه بديلاً
عن المبيع، والإتلاف بعوض لا يعد إتلافاً، وإن شهد الاثنان بأقل من قيمة المثل،
ضمنا الجزء الناقص، لإتلافهما هذا الجزء بلا عوض.
- وكذا لو شهد اثنان على رجل أنه تزوج امرأة بمقدار مهر مثلها، ثم رجعا: فلا
ضمان عليهما، ولا يفسخ النكاح برجوعها؛ لأن منافع البضع (أي محل الاستمتاع
بالمرأة) غير متقومة عند الإتلاف، بعكس الأعيان المالية، وبما أن المنافع لا تتقوم فلا
تضمن؛ لأن التضمين يتطلب الماثلة بين العوض والمعوض عنه، ولا مماثلة بين الأعيان
التي تحرز وتتمول، وبين الأعراض التي تزول ولا تبقى ، وإنما تتقوم منافع البضع على
الزوج عند الدخول بالمرأة إظهاراً لخطورة محل الاستمتاع فقط، وحينئذ تعتبر شهادة
الشاهدين مؤدية إلى إتلاف بعوض، وهو أن الشاهدين أثبتا للزوج البضع بمقابلة
المال، والإتلاف بعوض لا يعد إتلافاً، كما ذكرنا، وإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم
رجعا، ضمنا الزيادة؛ لأنها أتلفا الزيادة من غير عوض.
- وكذلك لو شهد اثنان على رجل : أنه طلق امرأته ثلاثاً، وقد دخل بها، وقضى
القاضي بالفرقة، ثم رجع الشاهدان : لم يضنا، إلا ما زاد على مهر المثل؛ لأنه بقدر مهر
المثل إتلاف بعوض، وهو استيفاء منافع البضع، وإذا لم ننظر إلى معنى المعاوضة في
الزواج، فلا ضمان أيضاً؛ لأن المهر يجب بنفس العقد عند الحنفية، ويتأكد بالدخول،
لا بشهادة الشهود، فلم يترتب على الشهادة إتلاف، فلم يجب الضمان.
- ٥٧٩ -

وإن كان الطلاق قبل الدخول، فقضى القاضي بنصف المهر إذا كان المهر مسمى
في العقد، أو بالمتعة إذا لم يكن المهر مسمى، ثم رجع الشاهدان، فإنهما يضمنان للزوج
نصف المهر في الحالة الأولى، والمتعة في الحالة الثانية؛ لأن شهادتهما أدت إلى إتلاف
شيء على الزوج دون أن يحصل في مقابله على عوض. ولا يقال: إن الحكم الصادر من
القاضي أمر لابد منه؛ لأن هذا هو حكم المهر أو المتعة قبل الدخول. لا يقال ذلك؛
لأنه بشهادة الشاهدين على الطلاق، تأكد الواجب في ذمة الزوج، فلم يعد محتملاً
للسقوط بأن تحدث الفرقة من قبل المرأة.
- وكذلك لو شهد اثنان على رجل بإجارة داره سنة، والمستأجر ينكر، وقضى
القاضي بالإيجار، ثم رجعا بعد استيفاء منفعة السكنى، فإنهما يغرمان للمستأجر ما زاد
على أجر المثل؛ لأنه بقدر أجر المثل حصل العوض، والباقي بغير عوض، فتكون
شهادتها مؤدية إلى إتلاف على المستأجر بقدر الباقي وهو الزيادة.
- ولو شهد اثنان على رجل أنه قال لامرأته: ((إن دخلت الدار فأنت طالق))
وشهد اثنان آخران بالدخول، ثم رجعوا بعد أن قضى القاضي بالفرقة، ضمن الشاهدان
الأولان؛ لأن هذه شهادة على الطلاق، وهو إتلاف بغير عوض، فيضمنان؛ لأن
الطلاق علة الحكم، ولا يجب على شهود الدخول شيء؛ لأن الدخول شرط.
- ولو شهد اثنان على رجل بسرقة نصاب (وهو عشرة دراهم عند الحنفية) فقضى
القاضي بعد ادعاء المالك المسروق منه بقطع اليد، وقطعت يده، ثم رجع الشاهدان،
یغرمان دیة الید .
- وكذلك لو شهد اثنان على رجل أنه قتل فلاناً خطأ، أو جرحه خطأ، وقضى
القاضي بالعقوبة، ثم رجعا، ضمنا الدية؛ لأنها أتلفاها عليه، وتكون في مالهما؛ لأن
الشهادة منهما بمنزلة الإقرار منهما بالإتلاف، والعاقلة (أي عصبة القاتل) لا تعقل
بالإقرار بالقتل.
- ٥٨٠ _