النص المفهرس

صفحات 501-520

وكما أنه لا يصح تلقين الخصم حجته، يكره تلقين الشاهد، وهو أن يقول القاضي
كلاماً يستفيد به الشاهد علماً على الحادثة، واستحسن أبو يوسف تلقين الشاهد الذي
يستحي أو يحتار أو بهاب مجلس القضاء، فيترك شيئاً من شروط الشهادة، فيعينه
القاضي بقوله: ((أتشهد بكذا وكذا)) بشرط عدم التهمة؛ لأن في التلقين إحياء
(١)
للحق(١).
٣ - قبول الهدية: لا يقبل القاضي هدية أحد إلا من ذي رحم محرم، أو ممن
جرت عادته قبل القضاء بمهاداته؛ لأن المقصود في الأول صلة الرحم، وفي الثاني
استدامة المعتاد. والحاصل أن المهدي إذا كان له خصومة في الحال يحرم قبول هديته،
لأنها بمعنى الرشوة، قال ماقال: ((هدايا العمال غلول))(٢) وروي: ((هدايا العمال سحت))
وفي لفظ: ((هدايا السلطان سحت)). وأخرج أبو داود عن بريدة حديثاً بلفظ: ((من
استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً، فما أخذه بعد ذلك فهو غلول))، وقال عليه
الصلاة والسلام في قصة ابن اللَّتبيّة: «مابال العامل نبعثه فيجيء، فيقول: هذا لكم،
وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟))(٣) ولأن الهدية
فتح القدير ، المرجع السابق: ص ٤٧٠ ، البدائع: ١٠/٧، اللباب : ٨١/٤ .
(١).
(٢)
رواه أحمد والبيهقي وابن عدي والبزار من حديث أبي حميد الساعدي وإسناده ضعيف ، ورواه الطبراني في
الأوسط من حديث أبي هريرة ، وإسناده أشد ضعفاً ( تلخيص الحبير : ١٨٩/٤، نيل الأوطار : ٢٩٧/٧ ،
٢٦٨/٨، مجمع الزوائد : ٢٠٠/٤) والغلول : الخيانة .
متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي، قال: ((استعمل رسول الله مَ اتٍ رجلاً من الأزد،
(٣)
يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام رسول الله مَ الٍ على
المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (( مابال عامل أبعثه ، فيقول : هذا لكم، وهذا أهدي إلي ، أفلا جلس
في بيت أبيه أو أمه ، حتى ينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفس محمد بيده ، لا ينال أحد منها شيئاً إلا جاء يوم
القيامة يحمله على عنقه ، إن كان بعيراً له رغاء ، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ، ثم رفع يديه حتى رأينا
عفرتي إبطيه ، ثم قال: اللهم ، هل بلغت ؟ مرتين أو ثلاثاً)) ( الإلمام في أحاديث الأحكام : ص ٥١٦ ، سنن
أبي داود: ١٢١/٢، نيل الأوطار : ٢٩٧/٧) واللتبية بتشديد اللام المضمومة وسكون التاء وكسر الباء وتشديد
الياء المكسورة . وقال ابن السرح : ابن الاتبية .
- ٥٠١ -

تدعو إلى الميل للمهدي، وينكسر بها قلب خصمه. وهذا كله دليل على تحريم قبول
الهدية على الحاكم بعد تولي القضاء؛ لأن للإحسان تأثيراً في طبع الإنسان، والقلوب
مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي ميلاً يؤثر في الميل عن
الحق عند وجود خصومة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه
لم يخرج عن الصواب بسبب ماقد زرعه الإحسان في قلبه.
وإن كان المهدي قريباً من القاضي ولا خصومة له، جاز قبول هديته؛ لأنه
لا تهمة فیه.
وإن كان المهدي أجنبياً عن القاضي، لا تقبل هدیته؛ لأنه قد یکون له مآرب
في المستقبل، إلا إذا كان له عادة بالمهاداة قبل تقلد القضاء، فيجوز قبولها بشرط ألا
(١)
تزيد الهدية على القدر المعتاد
٤ - إجابة الدعوة: إذا كانت الدعوة عامة: وهي (ما تكون فوق العشرة أو
التي يتخذها صاحبها سواء حضر القاضي أم لا، مثل دعوة العرس والختان) ولا
خصومة لصاحب الوليمة، فللقاضي إجابة الدعوة؛ لأن الإجابة سنة، ولا تهمة فيه.
وإن كانت الدعوة خاصة: وهي (ماتكون دون العشرة أو التي لا يتخذها
صاحبها لولا حضور القاضي) فلا يجيبها؛ لأن إجابتها لا يخلو من التهمة، إلا إذا كان
صاحب الدعوة ممن اعتاد أن يتخذ للقاضي دعوة قبل القضاء، أو كان بينه وبين
القاضي قرابة، فلا بأس بأن يحضر، إذا لم يكن لصاحب الدعوة خصومة، كما بينا في
حال الهدية، لعدم وجود التهمة(٢).
البدائع : ٩/٧ وما بعدها، فتح القدير: ٤٦٧/٥، الكتاب مع اللباب: ٨١/٤، الدر المختار: ٣٢٣/٤ وما
(١)
بعدها ، مغني المحتاج : ٣٩٢/٤ .
(٢) البدائع، المرجع السابق: ص ١٠، فتح القدير: ص ٤٦٨، الدر المختار، المرجع نفسه: ص ٣٢٥.
- ٥٠٢ _

٥- شهود الجنازة وعودة المريض: لا بأس بأن يشهد القاضي الجنازة
ويعود المريض؛ لأن ذلك من حقوق المسلمين بعضهم على بعض(١)، قال عائلٍ: ((حق
المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة
المريض، واتباع الجنائز، وإذا استنصحك فانصح له)) (٢) فهي السادسة.
الآداب الخاصة :
١ - مكان القضاء: قال الشافعية: يستحب أن يكون مجلس القضاء فسيحاً
بارزاً للناس، متلائماً مع الوقت والفصول، متناسباً مع الحر والبرد، لا مسجداً،
فيكره اتخاذ المسجد مجلساً للحكم؛ لأن مجلس القاضي، لا يخلو عن اللغط، وارتفاع
الأصوات، وقد يحتاج لإحضار المجانين والصغار وذوات الأعذار بالحيض والنفاس
والجنابة، والكفار، ونحوهم، والمسجد يصان عن ذلك كله. أخرج مسلم: ((أنه عج ◌ّل
حين سمع من ينشد ضالته في المسجد، قال: إن المساجد لم تبن لهذا، إنما بنيت لما بنيت
له)) فإن صادف وقوع قضية أو أكثر وقت الحضور في المسجد لصلاة أو غيرها، فلا
بأس بفصلها، وعليه يحمل ما جاء عنه ◌َ ◌ِّ، وعن خلفائه في القضاء في المساجد(٣).
وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا بأس من القضاء في المساجد، اقتداء برسول
الله عَ اقٍ(٤) وبصحابته(٥) وتابعيهم رضي الله عنهم، كانوا يجلسون في المسجد للقضاء،
والاقتداء بهم واجب(٦).
(١)
المراجع السابقة .
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة ، ورواه البخاري في الأدب المفرد
(٢)
من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ( نصب الراية: ٧٢/٤ وما بعدها ، جامع الأصول :
٣٣٨/٧ ، سبل السلام : ١٤٨/٤، مجمع الزوائد : ١٨٤/٨) .
(٣)
مغني المحتاج : ٣٩٠/٤ .
راجع بعض حوادث قضائه هم والخلفاء الراشدين في المسجد في ( نصب الراية : ٧١/٤ وما بعدها ) .
(٤)
(٥)
راجع نصب الراية ، المرجع السابق : ص ٧٢ .
البدائع: ١٣/٧، فتح القدير: ٤٦٥/٥، الدر المختار: ٣٢٣/٤، اللباب: ص ٨٠، الشرح الكبير للدردير:
(٦)
١٣٧/٤، المغني : ٤٥/٩ .
- ٥٠٣ -

٢ - معاونو القاضي: يندب أن يكون للقاضي جلواز وهو المسمى بصاحب
المجلس أي الحارس في عرفنا، وأن يكون له أعوان يستحضرون الخصوم ويمتثلون بين
يديه إجلالاً له، ليكون المجلس مهيباً ويذعن المتمرد للحق، وأن يكون للقاضي
ترجمان لجواز أن يحضر المحاكمة من لا يعرف القاضي لغته من المدعي والمدعى عليه
والشهود .
وأن يتخذ القاضي كاتباً، لأنه يحتاج إلى حفظ الدعاوى والبينات والإقرارات،
وقد يشق عليه الكتابة بنفسه، فيحتاج إلى كاتب يستعين به. وينبغي أن يكون
الكاتب عفيفاً صالحاً من أهل الشهادة، وله معرفة بالفقه. وينبغي أن يقعد الكاتب
حيث يرى القاضي ما يكتب وما يصنع؛ لأنه أقرب إلى الاحتياط(١)، وأن يخصص
الكاتب سجلاً خاصاً بالدعوى ، يذكر فيه موضوع الدعوى والمدعي والمدعى عليه،
والشهود، ودفوع كل من الخصمين.
٣- فهم المنازعة: ينبغي على القاضي أن يفهم الخصومة فهماً دقيقاً، فيجعل
فهمه وسمعه وقلبه متجهاً كله إلى كلام الخصين، لقول سيدنا عمر في فاتحة كتابه إلى
أبي موسى الأشعري: «فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له)).
٤ - صفاء القاضي وحالته النفسية: يلزم ألا يكون القاضي قلقاً ضجراً
مضطرباً وقت القضاء، لقوله تع الى: ((إياك والضجر والقلق))(٢) وألا يكون غضبان
باتفاق العلماء، لقوله سؤال: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان))(٣)، ولقول سيدنا عمر
إلى أبي موسى: ((إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس، والتنكر لهم عند
البدائع : ١٢/٧، مختصر الطحاوي: ص ٣٢٩ .
(١)
(٢)
ذكره السرخسي في المبسوط : ٦٤/١٦ .
رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أبي بكرة بلفظ: ((لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان )» وفي لفظ ابن
(٣)
ماجه: ((لا يقضي)) وفي لفظ آخر: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) (نيل الأوطار: ٢٧٢/٨ وما
بعدها، مجمع الزوائد: ١٩٤/٤، شرح مسلم: ١٥/١٢، تلخيص الحبير : ١٨٩/٤ ، سبل السلام : ١٢٠/٤) .
- ٥٠٤ _

الخصومة، فإذا رأيت الخصم يتعمد الظلم، فأوجع رأسه)» ولأن القاضي إذا غضب تغير
عقله، ولم يستكمل رأيه وفكره.
وفي معنى الغضب: كل ما شغل النفس من الهم والنعاس والجوع المفرط
والعطش المفرط، والتخمة، والخوف، والمرض، وشدة الحزن والسرور، ومدافعة
الأخبثين، فينبغي ألا يكون القاضي مشغولاً بهذه العوارض، حتى لاتمنع الحاكم من
إصابة الحق؛ لأنها تمنع استحضار القلب والعقل، واستجماع الفكر الذي يتوصل به إلى
إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى الغضب المنصوص عليه، فتجري مجراه، قال
عليه السلام: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان مهموم، ولا مصاب، ولا يقضي وهو
جائع)»(١).
فإن حكم القاضي في الغضب وما شاكله لا ينفذ قضاؤه عند بعض الحنابلة؛ لأنه
منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وقال بعضهم وهو مذهب الشافعي والجمهور: ينفذ قضاؤه(٢).
وإذا أخطأ القاضي في قضائه، كان خطؤه على المقضي له، وإن تعمد الخطأ
بجور، كان الخطأ عليه(٣).
٥- تزكية الشهود: لا يسأل القاضي عن حال الشهود فيما سوى الحدود
والقصاص، وهذا من آداب القضاء عند أبي حنيفة؛ لأن القضاء عنده بظاهر العدالة.
وعند الصاحبين: من واجبات القضاء، وسنفصل الموضوع في بحث شروط أداء
(١) رواه أبو عوانة في صحيحه ، وأخرج البيهقي والدارقطني والطبراني بسند ضعيف عن أبي سعيد الخدري
مرفوعاً: ((لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان)) (مجمع الزوائد: ١٩٥/٤، نيل الأوطار: ٢٧٣/٨ ، تلخيص
الجبير ، المرجع السابق ) .
(٢)
المبسوط: ٦٤/١٦، المغني: ٤٩/٩، مغني المحتاج: ٣٩١/٤، البدائع : ٩/٧ ، بداية المجتهد : ٤٦٢/٢ .
مجمع الضمانات : ص ٣٦٤ .
(٣)
- ٥٠٥ -

الشهادة. والسؤال يكون أولاً سراً، ثم يكون علانية خوفاً من الاحتيال والتزوير،
بأن يسمى غير العدل باسم العدل، فإذا اتفق اثنان عدلان أو أكثر على تزكية رجل،
قبل قوله وعمل به. وعدالة المزكين شرط ؛ لأن من لا يكون عدلاً في نفسه، کیف
یعدّل غيره ؟
وأما العدد: فهو شرط فضيلة وكال عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن التزكية
ليست بشهادة. وعند محمد: شرط جواز؛ لأن التزكية في معنى الشهادة.
ولو اختلف المعدلان، فعدله أحدهما، وجرحه الآخر، سأل القاضي غيرهما،
فإن عدله آخر أخذ بالتزكية، وإن جرحه آخر أخذ بالجرح؛ لأن خبر الاثنين أولى
من خبر الواحد بالقبول؛ لأنه حجة مطلقة.
وإن عدله اثنان، وجرحه اثنان، عمل بالجرح؛ لأن المجرح يعتمد حقيقة الحال،
والمعدل يبني الأمر على الظاهر؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أن يظهر الصلاح،
ويكتم الفسق، فكان قبول قول الجارح أولى.
وكذا لو جرحه اثنان، وعدله ثلاثة فأكثر، يعمل بقول الجارح عند الحنفية؛
لأن الترجيح لا يقع بكثرة العدد في موضوع الشهادات.
٦ - مصالحة الخصمين: لا بأس للقاضي أن يرد الخصوم إلى الصلح، إن تأمل
منهما المصالحة، قال تعالى: ﴿والصلح خير﴾ فكان طلب الصلح طلباً للخير.
وقال سيدنا عمر: ((ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم
الضغائن)). وإن لم يتأمل القاضي الصلح من المتخاصمين، ولم يرضيا به، فلا يردهما إلى
الصلح، ويتركهما على الخصومة، وينفذ القضاء على من قامت عليه الحجة(٢).
البدائع: ١٠/٧ وما بعدها ، مختصر الطحاوي : ص ٣٢٨ .
(١)
(٢)
البدائع، المرجع نفسه: ص ١٣، مختصر الطحاوي: ص ٣٣٣ .
- ٥٠٦ -

المبحث السابع - انتهاء ولاية القاضي:
كل ما تنتهي به الوكالة، تنتهي به ولاية القاضي، كالعزل والموت، والجنون
المطبق، وإنجاز المهمة الموكولة للشخص، إلا في شيء واحد، وهو أن الموكل إذا مات
أو خلع ينعزل الوكيل، أما ولي الأمر إذا مات أو خلع، فلا ينعزل قضاته وولاته.
والفرق بين الوكالة وولاية القاضي: أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي حقه الخالص
له، فإن زالت أهلية الولاية، بطلت الوكالة. أما القاضي فلا يعمل بولاية الإمام وفي
حقه المجرد له، وإنما يعمل بولاية المسلمين وفي حقوقهم، وإنما الإمام بمنزلة النائب
عنهم، وولاية المسلمين باقية بعد موت الإمام، فلو استخلف القاضي أحداً بإذن الإمام
ثم مات القاضي، لا ينعزل خليفته؛ لأنه نائب الإمام، لا نائب القاضي(١).
المبحث الثامن - متى يجوز حبس المدين ؟
بينا في بحث التعزير أن الحبس جائز شرعاً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مطل
الغني ظلم» والظالم يحبس.
فإذا رفعت الدعوى إلى القاضي، وثبت الحق عنده على أحد المتخاصمين،
وطلب صاحب الحق حبس غريمه، لم يعجل القاضي بحبسه، وإنما يعمل بما يأتي (٣):
٦ - إذا ثبت لدى القاضي أن المدين معسر أو معدم لامال له: لا يحكم بحبسه في
الدين، باتفاق الفقهاء لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنَظِرة إلى ميسرة﴾ إذ
لافائدة من حبسه، فیکون ظلداً، وإنما يترك ليسعى في الأرض ویکتسب، فیتمکن
من سداد دینه كله أو بعضه.
٣ - إذا كان مشكوكاً في أمر المدين، أهو معسر أم موسر، جاز حبسه عند جمهور
البدائع : ١٦/٧، ٣٧/٦ وما بعدها .
(١)
(٢)
اللباب شرح الكتاب: ٨٢/٤، الطرق الحكمية: ص ١٠١ - ١٠٦ .
- ٥٠٧ -

الفقهاء حبس تلوم واختبار، إذا كان الدين من ديون المعاوضة(١) كثمن مبيع ودین
قرض، وطلب غرماؤه حبسه، وادعوا أن له مالاً يخفيه أو ينكره. وينتهي هذا
الحبس بالإفراج عن المدين إذا ثبت عسره، كالحالة السابقة، إذ لا حبس للمدين
المعدم، ويكون حبسه حينئذ ظلماً ولا يحول القاضي بينه وبين غرمائه بعد خروجه
من الحبس، ولهم حق ملازمته.
٣ - إذا ثبت يسار المدين بالأدلة المعروفة، لم يأمر القاضي فوراً بحبسه، وإنما
يأمره بأداء المال المستحق عليه لصاحبه؛ لأن الحبس جزاء الماطلة، فلا بد من
ظهورها، إذا ثبت الحق بإقراره. أما إن ثبت الحق بالبينة، وامتنع من الوفاء بالدين
المستحق، أو تأخر عن الدفع من غير ضرورة، جاز حبسه شهرين أو ثلاثة أو أكثر أو
أقل بحسب تقدير القاضي لأحوال الأشخاص.
ويظل محبوساً أبداً في رأي أبي حنيفة وزفر حتى يقوم بالوفاء.
وقال الصاحبان وأئمة المذاهب الأخرى : إذا لم يفلح الحبس في دفعه إلى الوفاء
بديونه، يحجر عليه ويباع ماله جبراً، ويقسم بين دائنيه قسمة غرماء. فالحبس جزاء
مؤقت عند هؤلاء ينتهي إما بالإفراج عن المدين إذا ثبت عسره، أو ببيع ماله جبراً
S
وتسديد ديونه.
ويحبس الرجل في نفقة زوجته لظلمه بامتناعه عن الإنفاق، ولا يحبس والد في
دين ولده؛ لأنه نوع عقوبة، فلا يستحقه الولد على والده، إلا إذا امتنع والده من
الإنفاق عليه، دفعاً لهلاكه، ولئلا تسقط النفقة بمضي الزمان.
وقد رأى الحنفية بالنسبة لإثبات يسار المدين أنه يحبس إلى ظهور عسره في كل
أما إذا كان الدين من غير معاوضة كأرش الجناية ونفقة الأقارب ، فلا يحبس المدين بسببه إذا ادعى الإعسار.
(١)
ولم يجز ابن القيم هذه التفرقة ورفض الحبس في الحالتين ، حتى يثبت موجبه . ويظهر أن هذا الرأي هو
الأرجح تحقيقاً للعدالة .
- ٥٠٨ -

دين لزمه بدلاً عن مال حصل في يده (أي في المعاوضات) كثمن مبيع وبدل
مستأجر، أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة؛ لأن التزامه بالعقد باختياره دليل يساره.
ولا يحبس المدين فيما سوى ذلك كبدل الخلع، وبدل مغصوب أوشيء متلف
ونحوها إلا أن يثبت غريمه (دائنه) أن له مالاً، فيحبسه حينئذ لظهور المطل.
كيفية الحبس الشرعي(١): إن الحبس الشرعي في أصله ليس هو الحبس في
مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص، ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان في
بیت أم مسجد، أم كان بتوكل شخص أو وكيله عليه، وملازمته له .
وحق الملازمة يخول الدائن مراقبة مدينه عن كثب، حتى يتمكن من معرفة
الأموال التي تؤول إليه تمهيداً للاستيلاء عليها وفاء لدينه.
وكان هذا هو الحبس على عهد النبي ◌ُّ وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم
یکن له محبس معد لحبس الخصوم.
ولكن لما كثر الناس في عهد عمر بن الخطاب ابتاع بمكة داراً وجعلها سجناً
يحبس فيها ، فانقسم العلماء فريقين :
قال بعضهم: لا يتخذ الحاكم حبساً؛ إذ لم يكن لرسول الله مائل ولا لخليفته بعده
حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ، أو يأمر غريمه
ملازمته، کما فعل النبي اته .
وقال آخرون وهم الأكثرون كما بينا في التعزير: للحاكم أن يتخذ حبساً؛ إذ أن
عمر بن الخطاب قد اشترى من صفوان بن أمية داراً بأربعة آلاف درهم ، جعلها
حبساً.
(١)
الطرق الحكمية : ص ١٠٢ وما بعدها .
- ٥٠٩ -

الفصل الثاني
الدّعوى والبَيّنات(١)
خطة الموضوع :
الكلام هنا عن وسيلة الوصول إلى الحق وهي الدعوى، وعن طرق إثبات الحق:
وهي الشهادة واليمين والنكول والإقرار والقرائن، وعن تعارض الدعوتين مع تعارض
البينتين، في المباحث الآتية :
تعريف الدعوى وركنها وشرائطها والأصل في مشروعيتها .
المبحث الاول-
نوعا الدعوى وتعيين من هو المدعي والمدعى عليه.
المبحث الثاني-
حكم الدعوى أو ما يجب على المدعى عليه بعد الادعاء.
المبحث الثالث۔
المبحث الرابع- حجج المتداعين أو طرق إثبات الحق.
المبحث الخامس - حكم تعارض الدعويين مع تعارض البينتين.
المبحث السادس - حكم تعارض الدعويين فقط في الملك، وحكم الملك وما يقتضيه من
حقوق .
البينات جمع بينة وهي اسم لما يبين الحق ويظهره ، وهي تارة تكون بالأيمان وتارة تكون بالشهود ، سموا
(١)
بذلك ؛ لأن بهم يتبين الحق ، وقد جمعت البينات لأنها مختلفة وأفردت الدعوى ؛ لأن حقيقتها واحدة .
- ٥١٠ -

المبحث الأول- تعريف الدعوى، وركنها، وشرائطها، والأصل في
مشروعیتها :
تعريف الدعوى: الدعوى لغة: قول يقصد به الإنسان إيجاب حق على غيره
أو هي الطلب والتمني، قال تعالى: ﴿ولهم ما يدَّعون﴾ وتجمع على دعاوى ودعاوي.
وشرعاً: إخبار بحق للإنسان على غيره عند الحاكم(١).
وركنها: هو قول الرجل: لي على فلان، أو قبل فلان كذا، أو قضيت حق
فلان، أو أبرأني عن حقه، ونحوها(٢).
وشرائطها عند الحنفية:
أولاً - أهلية العقل أو التمييز: يشترط أن يكون المدعي والمدعى عليه عاقلين،
فلا تصح دعوى المجنون والصبي غير المميز، كما لا تصح الدعوى عليهما، فلا يلزمان
بالإجابة على دعوى الغير عليهما ، ولا تسمع البينة عليهما .
ثانياً -أن تكون في مجلس القضاء: لأن الدعوى لا تصح في غير هذا المجلس.
ثالثاً - أن تكون دعوى المدعي على خصم حاضر لدى الحاكم عند سماع الدعوى
والبينة والقضاء، فلا تقبل الدعوى على غائب، كما لا يقضى على غائب عند الحنفية،
سواء أكان غائباً وقت الشهادة أم بعدها، وسواء أكان غائباً عن مجلس القاضي أم عن
البلد التي فيها القاضي.
وقد سبق لدينا أن المالكية والشافعية والحنابلة في الأرجح: يجوزون القضاء
الدر المختار: ٤٣٧/٤، تكملة فتح القدير: ١٣٧/٦، اللباب شرح الكتاب: ٢٦/٤، مغني المحتاج : ٤٦١/٤ ،
(١)
المغني : ٢٧١/٩ .
البدائع : ٠٢٢٢/٦
(٢)
- ٥١١ -

على الغائب إذا أقام المدعي البينة على صحة دعواه، وذلك في الحقوق المدنية لا في
الحدود الخالصة لله تعالى.
رابعاً - أن يكون المدعى به شيئاً معلوماً: وعلمه إما بالإشارة إليه عند القاضي
إذا كان الشيء من المنقولات(١)، أو ببيان حدوده إذا كان قابلاً للتحديد كالأراضي
والدور وسائر العقارات، أو بكشف يجريه القاضي أو من ينوب عنه إذا لم يكن
المدعى به قابلاً للتحدید کحجر الرحى، أو ببيان جنسه ونوعه وقدره وصفته إذا
كان المدعى به ديناً، كالنقود والبر والشعير؛ لأن الدين لا يصير معلوماً إلا ببيان هذه
الأمور. والسبب في اشتراط العلم بالمدعى به: هو أن المدعى عليه لا يلزم بإجابة
دعوى المدعي إلا بعد معرفة المدعى به، وكذلك الشهود لا يمكنهم الشهادة على
مجهول، ثم إن القاضي لا يتمكن من إصدار الحكم أو القضاء بالدعوى إلا إذا كان المدعى
به شيئاً معلوماً .
خامساً - أن يكون موضوع الدعوى أمراً يمكن إلزام المدعى عليه به، أي أن
يكون الطلب مشروعاً ملزماً في مفهومنا الحاضر:
فإذا لم يكن بالإمكان إلزام المدعى عليه بشيء، فلا تقبل الدعوى، كأن يدعي
إنسان أنه وكيل هذا الخصم عند القاضي في أمر من أموره، أو يدعي على شخص
بطلب صدقة أو بتنفيذ مقتضى عقد باطل، فإن القاضي لا يسمع دعواه هذه إذا أنكر
الخصم ذلك؛ لأن الوكالة عقد غير لازم، فيمكنه عزل مدعي الوكالة في الحال.
سادساً - أن يكون المدعى به مما يحتمل الثبوت: لأن دعوى ما يستحيل وجوده
حقيقة أو عادة، تكون دعوى كاذبة ، فلو قال شخص لمن هو أكبر سناً منه : هذا ابني،
(١) حتى يشير إليه المدعي بالدعوى، والشهود بالشهادة ، والمدعى عليه بالاستحلاف؛ لأن الإعلام بأقصى ما يمكن
شرط ، ويتم بالإشارة في المنقولات ؛ لأن النقل ممكن ، والإشارة أبلغ في التعريف . واليوم يكتفى بالوصف في
المنقولات كالديون .
- ٥١٢ -

لا تسمع دعواه؛ لاستحالة أن يكون الأكبر سناً ابناً لمن هو أصغر سناً منه، وكذا إذا
قال لمعروف النسب من الغير: هذا ابني، لا تسمع دعواه(١) .
الأصل في مشروعية الدعوى: الأصل في الدعوى قول النبي ملفٍّ: «لو
يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أمولل قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي،
واليمين على من أنكر))(٢) ولفظ مسلم: ((ولكن اليين على المدعى عليه)).
وبما أن الخصومات والمنازعات أمر واقع بين البشر، فكان لابد من الفصل فيها
بطريق الدعوى؛ لأن في امتدادها فساداً كبيراً، والله تعالى لا يحب الفساد(٣).
المبحث الثاني - نوعا الدعوى، وتعيين من هو المدعي والمدعى
عليه :
الدعوى نوعان : صحيحة وفاسدة .
فالدعوى الصحيحة : هي التي استكملت شرائط الصحة المذكورة في المبحث
الأول ويتعلق بها أحكامها المقصودة منها: وهي إحضار الخصم إلى ساحة المحكمة
بواسطة أعوان القاضي، ومطالبته بالجواب على دعوى المدعي، واليمين إذا أنكر
المدعى به. ويثبت فيها حق المدعي : إما بالبينة أو بنكول المدعى عليه عن اليمين .
والدعوى الفاسدة: أي الباطلة: هي التي لم يتوافر فيها شرط من شروط
الصحة المذكورة آنفاً، ولا تترتب عليها الأحكام السابقة المقصودة منها، كأن تكون
الدعوى على غائب، أو كان المدعى به مجهولاً؛ لأن المجهولى يتعذر إثباته بالشهادة،
المبسوط: ٣٩/١٧، تكملة فتح القدير: ١٣٧/٦، ١٤١ وما بعدها، البدائع: ٢٢٢/٦، ٢٢٤، الدر المختار:
(١)
٤٣٨/٤، اللباب : ٢٧/٤ ، الميزان : ١٩٤/٢ .
(٢)
حديث حسن رواه البيهقي وأحمد هكذا ورواه مسلم والبخاري بلفظ آخر ( الأربعين النووية : ص ٧٤ ، نصب
الراية: ٩٥/٤، نيل الأوطار: ٣٠٥/٨).
المبسوط: ٢٨/١٧، المغني: ٢٧٢/٩ ، مغني المحتاج : ٤٦١/٤ .
(٣)
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣٣)
- ٥١٣ -

فلا يمكن للشهود أن يشهدوا به، ولا يتمكن القاضي من القضاء بالمجهول، لا بالبينة
ولا بالنكول عن اليمين(١).
من هو المدعي والمدعى عليه ؟
لما كانت مسائل الدعوى متوقفة على معرفة المدعي والمدعى عليه، وهي من أهم
ما تبتنى عليه الدعاوى، لاسيما فيما يتعلق بما يلزم به أحدهما من البينة أو اليمين
ونحوهما، كان من الضروري تعيين المتصف بصفة المدعي والمدعى عليه، وفي تعيينه
تعريفات شتى، منها أن :
المدعي: هو من لا يجبر على الخصومة إذا تركها؛ لأنه مطالب.
والمدعى عليه: من يجبر على الخصومة؛ لأنه مطلوب(٢).
وقيل: المدعي: من يلتمس بقوله أخذ شيء من يد غيره، أو إثبات حق في
ذمته .
والمدعى عليه: من ينكر ذلك.
وقيل: المدعى عليه: هو المنكر، والآخر هو المدعي(٢).
المبحث الثالث: حكم الدعوى أو ما يجب على المدعى عليه بعد
الادعاء :
للقاضي الدور المهم في الدعوى، فإذا جاء المدعي إلى المحكمة مع خصه سأله
القاضي عن موضوع الدعوى، فإذا كانت الدعوى صحيحة، بأن كانت على خصم
(١)
تكملة فتح القدير: ١٣٧/٦ ، المبسوط : ٣٠/١٧.
اللباب شرح كتاب القدوري: ٢٦/٤، تكملة فتح القدير: ١٣٨/٦، الدر المختار: ٤٣٧/٤، تكملة رد المحتار على
(٢)
الدر المختار: ٣١٠/١، البدائع: ٢٢٤/٦.
البدائع ، المرجع السابق ، المغني لابن قدامة الحنبلي : ٢٧١/٩ .
(٣)
-٥١٤ -

حاضر واستوفت شروطها، طلب القاضي من المدعى عليه جوابه عن الدعوى؛ لأن
قطع دابر الخصومة واجب.
فحكم الدعوى إذاً: وجوب الجواب على المدعى عليه بقوله: لا أونعم، حتى إنه
لوسكت، كان سكوته إنكاراً، فتقبل بينة المدعي، ويحكم بها على المدعى عليه. فإن
أقر المدعى عليه بموضوع الدعوى، حكم القاضي عليه؛ لأنه غير متهم في إقراره على
نفسه، ويؤمر بأداء الحق لصاحبه.
وإن أنكر، طلب القاضي من المدعي إثبات حقه بالبينة، فإن أقام البينة قضى
بها، لترجح جانب الصدق على الكذب بالبينة. وإن عجز المدعي عن تقديم البينة،
وطلب يمين خصمه المدعى عليه، استحلفه القاضي، ودليله قول النبي مُ تر للمدعي في
قصة الحضرمي والكندي: ((ألك بينة؟)) قال: لا، فقال النبي: ((فلك يمينه)» (١) أي
يمين المدعى عليه .
فإن قال المدعي: ((لي بينة حاضرة في البلد)» وطلب اليمين من المدعى عليه لم
يستحلف عند أبي حنيفة؛ لأن حق المدعي في طلب اليمين مرتب على عجزه عن
إقامة البينة، كما في الحديث المذكور قريباً.
وقال أبو يوسف: يستحلف؛ لأن طلب اليمين حق المدعي، لقول النبي قال:
((البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر))(٢).
وهل يقضى بشاهد واحد ويمين المدعي، وهل ترد اليمين على المدعي أو يقضى
على المدعى عليه بنكوله عن اليمين ؟ هذا ما نجيب عنه في المبحث التالي:
(١) أخرجه البخاري ومسلم عن وائل بن حجر ( نصب الراية: ٩٤/٤ ).
(٢)
تكملة فتح القدير: ١٥١/٦ وما بعدها ، الدر المختار: ٤٣٨/٤، اللباب : ٢٩/٤ .
- ٥١٥ -

المبحث الرابع - حجج المتداعين أو طرق إثبات الحق :
طرق الإثبات التي يعتمد عليها في القضاء: هي الشهادة، واليمين، والنكول،
والإقرار، أو الشهادة مع اليمين.
أما الشهادة: فهي حجة المدعي: لقوله ◌َّم: ((البينة على المدعي)) ولأن
المدعي يدعي أمراً خفياً، فيحتاج إلى إظهاره، وللبينة قوة الإظهار. وسنخصص
مبحثاً للكلام عن الشهادات.
وأما اليمين: فهي حجة المدعى عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((واليمين
على المدعى عليه)) فإن حلف المدعى عليه، قضى القاضي بفصل الدعوى، وتنتهي
الخصومة بين طرفي الدعوى إلى أن يتمكن المدعي من إقامة البينة.
وإن نكل عن اليمين، فهل ترد اليمين إلى المدعي أو يقضى عليه بالنكول ؟ فيه
رأيان للفقهاء، نبحثها فيما يلي :
م
رد اليمين والقضاء بالنكول: إذا أبى المدعى عليه أن يحلف، هل يحلف
المدعي، أو يقضى له بنكول صاحبه عن اليمين (١)؟ اختلف العلماء في الموضوع.
فقال المالكية: ترد اليمين على المدعي بعد النكول في الأموال وما يؤول إليها
فقط كخيار وأجل. وذلك إذا ثبتت الدعوى، أما مجرد دعوى الاتهام فلا ترد على
المدعي.
وقال الشافعية: ترد اليمين على المدعي في جميع الحقوق ما عدا جنايات الدماء
والحدود، ويقضى له بمدعاه، ولا يقضى بنكول المدعى عليه. وتعتبر اليمين المردودة
النكول : استنكاف الخصم عن حلف اليمين الموجهة عليه من القاضي ( المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء :
(١)
ص ١٠٥١، الطبعة السادسة ) وقال في البحر الزخار : ٤١٠/٤: النكول لغة: التأخر عن لقاء العدو ، وشرعاً
عن اليمين الواجبة .
- ٥١٦ -

إقراراً تقديرياً. وهذا هو الذي صوبه الإمام أحمد، فيكون رأي مالك والشافعي
وأحمد هو القول برد اليمين، لكن المختار عند الحنابلة القول بعدم رد اليمين.
استدلوا بما روى ابن عمر: ((أن النبي ◌َُّافّ رد اليين على طالب الحق))(١)، ولأن
المدعى عليه إذا نكل عن اليمين بعد أن طلبت منه، ظهر صدق المدعي، وقوي
جانبه، فتشرع الیین في حقه، کالمدعى عليه قبل نكوله، وکالمدعي إذا شهد له شاهد
واحد، كما سنبين، وقال تعالى: ﴿أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾ أي بعد
الامتناع من الأيمان الواجبة، فدل على نقل الأيمان من جهة إلى جهة.
ولا يقضى بالنكول؛ لأن النكول كما يحتمل أن يكون امتناعاً وتحرزاً عن اليمين
الكاذبة، يحتمل أن يكون تورعاً عن اليمين الصادقة، فلا يقضى للمدعي مع تردد
المدعى عليه، إذ لا يتعين بنكوله صدق المدعي، فلا يجوز الحكم له من غير دليل، فإذا
حلف المدعي كانت يمينه دليلاً عند عدم ما هو أقوى منها(٢).
وقال الحنفية، والحنابلة في المشهور عندهم: لا ترد اليمين على المدعي، وإنما
يقضي القاضي على المدعى عليه بالنكول عن اليين، ويالزامه بما ادعى عليه المدعي.
والنكول إما أن يكون حقيقة كقوله: ((لاأحلف)) أو حكماً كأن سكت، دون أن
یکون هناك عارض کخرس وطرش .
وتعرض اليمين على المدعى عليه مرة واحدة. ولكن لزيادة الاحتياط والمبالغة
في إبداء العذر: ينبغي للقاضي تكرار عرض اليمين ثلاث مرات بأن يقول له: إني
أعرض عليك اليمين ثلاثاً، فإن حلفت فبها، وإلا قضيت عليك بما ادعاه خصك.
رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف، والحاكم وصحح إسناده ( سبل السلام : ١٣٦/٤ ، تلخيص الحبير:
(١)
٢٠٩/٤ ) .
راجع مغني المحتاج: ١٥٠/٤، ٤٤٤، ٤٧٧ وما بعدها، المهذب: ٣٠١/٢، ٣١٨، بداية المجتهد: ٤٥٤/٢ ،
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ١٤٦/٤ وما بعدها، المغني : ٢٣٥/٩ ، الميزان : ١٩٦/٢، الطرق الحكمية في السياسة
الشرعية : ص ١١٦، الشرح الصغير : ٦٤/٥.
- ٥١٧ -

استدلوا بقول النبي مَ افّ: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) فقد جعل
جنس الأيمان على المنكرين، كما جعل جنس البينة على المدعي. وفي لفظ آخر
للحديث في الصحيحين: ((ولكن اليمين على المدعى عليه)) فحصر اليمين في جانب
المدعى عليه .
واستدل الحنفية أيضاً بأن النكول دليل على كون المدعى عليه باذلاً للحق إذا
اعتبرنا النكول بذلاً، وهو رأي أبي حنيفة، أو كونه مقراً إقراراً تقديرياً بالحق
المدعى به إذا اعتبرنا النكول إقراراً، وهو رأي الصاحبين (١)، ولولا كون المدعى عليه
باذلاً أو مقراً، لأقدم على اليمين دفعاً لضرر الدعوى عن نفسه وقياماً بالواجب؛ لأن
اليمين واجبة عليه بقوله مح له: ((واليمين على من أنكر)) وكلمة (على) للوجوب(٢).
وينبغي للقاضي أن يقول للمدعى عليه: ((إني أعرض اليمين عليك ثلاث
مرات، فإن حلفت، وإلا قضيت عليك بما ادعاه المدعي)) فإن كرر العرض عليه
ثلاث مرات قضى عليه بالنكول.
(١) النكول: معناه عند أبي حنيفة البذل أي ترك المنازعة والإعراض عنها وإباحة المال والتبرع به في سبيل قطع
الخصومة بدفع ما يدعيه الخصم ، أي أن النكول له أثر سلبي عند أبي حنيفة ، فلا يفيد الهبة والتمليك . ومعناه
عند الصاحبين: الإقرار بالحق ، أي أن أثره إيجابي ( راجع تكملة فتح القدير: ١٦٥/٦ مع شرح العناية
بهامشه، الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية: ص ١٢٤ وما بعدها ) احتج أبو حنيفة الذي جعل النكول
كالبذل: بأنا لو اعتبرنا إقراره يكون كاذباً في إنكاره ، والكذب حرام ، فيفسق بالنكول بعد الإنكار ، وهذا
باطل ، فجعلناه بذلاً وإباحة ، صيانة له عما يقدح في عدالته ، ويجعله كاذباً .
واحتج الصاحبان اللذان جعلا النكول كالإقرار بأن الناكل كالممتنع من اليمين الكاذبة ظاهراً ، فيصير
معترفاً بالمدعى به ؛ لأنه لما نكل - مع إمكان تخلصه باليمين - دل نكوله على أنه لو حلف لكان كاذباً، وهو
دليل اعترافه . ومن ثمرة الخلاف أن الصبي المأذون بالتجارة هل يحلف أم لا ؟ فعند أبي حنيفة : لا يحلف لأنه
لو نكل كان باذلاً ، وهو ليس من أهل البذل ، وعند الصاحبين: يحلف ؛ لأن النكول إقرار وهو من أهل
الإقرار ( الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة : ص ١٠٥ ).
(٢)
تكملة فتح القدير، المرجع نفسه: ص ١٥٥، ١٥٨، المبسوط: ٣٥/١٧، البدائع: ٢٢٥/٦ وما بعدها، ٢٣٠ ،
الدر المختار: ٤٤٢/٤، اللباب شرح الكتاب: ٣٠/٤، المغني: ٢٣٥/٩ وما بعدها، الطرق الحكمية ، المرجع
السابق .
- ٥١٨ -

مجال القضاء بالنكول: قال الحنفية وأصحاب أحمد: يقضى بالنكول في
الأموال، أما غير المال أو مالا يقصد به المال كنكاح وطلاق ولعان وقصاص ووصاية
ووكالة، فلا يقضى فيه بالنكول، فلا يقضى بالنكول في القصاص بالنفس أو بالطرف
عند الحنابلة والصاحبين، وإنما يقضى عندهما بالدية أو بالأرش.
وقال أبو حنيفة: يقضى بالقصاص في الطرف حالة العمد، وبالدية حالة
الخطأ، أما في القصاص بالنفس فلا يقضى فيه عنده لا بالقصاص ولا بالمال أي
بالدية، لكن يحبس الجاني حتى يقرأو يحلف.
وإذا كان لا يقضى بالنكول في القصاص عند الحنابلة، سواء أكان في النفس أم في
الطرف، فماذا يصنع بالجاني ؟ وجهان - أحدهما: يخلى سبيله؛ لأنه لم يثبت عليه
حجة، والثاني : يحبس حتى يقرأويحلف.
وكذلك لا يقضى بالنكول في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة
والشرب؛ لأن النكول يعتبر بدلاً عند أبي حنيفة، وإقراراً فيه شبهة عند الصاحبين؛
لأنه في نفسه سكوت، والحدود لا تحتمل البذل، أي لا يقبل من المتهم إباحة نفسه
لإقامة الحد عليه، وتندرئ بالشبهات، فلا تثبت بدليل فيه شبهة، والنكول فيه
شبهة، کما أوضحنا، فلا تجب به.
وقال أبو حنيفة: لا يقضى أيضاً بالنكول في الأشياء السبعة: وهي: النكاح،
والرجعة، والفيء في الإيلاء، والنسب، والرق، والاستيلاد، والولاء، ولا يستحلف
المنكر فيها؛ لأن النكول عنده يعتبر بذلاً وإباحة، والبذل لا يجري في هذه الأشياء.
فإذا أنكر الرجل أو المرأة عقد النكاح، فقالت المرأة مثلاً: لا نكاح بيني وبينك،
ولكن بذلت لك نفسي، لم يصح بذلها؛ لأن الزوجية لاتباح بالبذل.
وكذلك في الرجعة: بأن ادعى الرجل بعد الطلاق وانقضاء المدة أنه كان قد
- ٥١٩ -

راجعها في العدة، وأنكرت المرأة، أو بالعكس، فلا يحلف المنكر، ولا يصح بذله
نفسه للآخر.
وفي دعوى الفيء بالإيلاء: أي الرجوع إلى معاشرة الزوجة بعد أن حلف ألا
يطأها مدة أربعة أشهر(١): إذا ادعى الرجل بعد انقضاء مدة الإيلاء أنه كان قد فاء
إليها في المدة، وأنكرت المرأة أو بالعكس، فلا يستحلف المنكر، ولا يصح بذله نفسه
للآخر.
وفي دعوى النسب: بأن يدعي شخص على مجهول النسب أنه ولده أو والده
وأنكر المجهول أو بالعكس، فلا يحلف المنكر، ولا يصح قوله: أبحت له أن يدعي
نسبي، لم يصح بذله.
وفي دعوى الرق: بأن ادعى مجهول النسب أنه عبده، وأنكر المجهول أو
بالعكس، فلا يحلف المنكر، ولا يقبل قوله: بذلت له نفسي ليسترقني.
وفي دعوى استيلاد الأمة، بأن ادعت أمة على مولاها أنها ولدت منه ولداً،
وأنكر المولى، لا يحلف ولا يقبل قوله: بذلت نفسي لجعل الأمة مستولدة مني . وفي
هذه الصورة لا يتأتى العكس، أي أن يكون الإنكار من قبل الأمة؛ لأن المولى إذا
ادعى الاستيلاد، ثبت ذلك بإقراره، ولا يلتفت إلى إنكار الأمة.
وفي دعوى الولاء، بأن ادعى إنسان على مجهول أنه عتيقه ومولاه وأنكر المجهول،
أو بالعكس، فلا يحلف المنكر، ولا يصح قوله: بذلت نفسي ليجعلني مولاه(٢).
(١) هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ،
وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ ( البقرة : ٢٢٧).
(٢)
جاريت الفقهاء في بيان بعض الأحكام المتعلقة بالرق إتماماً للبحث من الناحية التاريخية ؛ لأنهم يصفون هذه
الأشياء بصفة واحدة ويقولون عنها: ((لا يجري البذل في الأشياء السبعة)) فكان من الضروري ذكرها لمعرفة
ما هي هذه الأشياء السبعة ، ولبيان طبيعة هذه الحالات .
- ٥٢٠ -