النص المفهرس

صفحات 481-500

بين الناس، وبعث أيضاً إليها معاذً(١)، ولأن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم حكموا
بين الناس، وبعث عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضياً، وبعث
عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضياً .
وأجمع المسلمون على مشروعية تعيين القضاة، والحكم بين الناس، لما في القضاء
من إحقاق الحق، ولأن الظلم متأصل في الطباع البشرية، فلا بد من حاكم ينصف
المظلوم من الظالم.
نوع المشروعية: القضاء فريضة محكمة من فروض الكفايات باتفاق أئمة
المذاهب، فيجب على الإمام تعيين قاض، ودليل الفرضية قوله تعالى: ﴿ يا أيها
الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط ﴾ ولأنه كما أشرنا طباع البشر مجبولة على التظالم
ومنع الحقوق، وقل من ينصف من نفسِه، وبما أن الإمام لا يقدر عادة على فصل
الخصومات بنفسه لكثرة مشاغله العامة، فالحاجة تدعو إلى تولية القضاة.
وأما كونه فرض كفاية: فلأنه أمر بمعروف، أونهي عن منكر، وهما واجبان
كفائيان. قال بعضهم: ((القضاء أمر من أمور الدين، ومصلحة من مصالح المسلمين،
تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجة عظيمة))(٢)، وهو من أنواع القربات إلى الله
عز وجل، ولذا تولاه الأنبياء عليهم السلام، قال ابن مسعود: ((لأن أجلس قاضياً بين
اثنين أحب إلي من عبادة سبعين سنة)).
المبحث الثاني - شروط القاضي:
اتفق أئمة المذاهب على أن القاضي يشترط فيه أن يكون عاقلاً بالغاً حراً مسلماً
سميعاً بصيراً ناطقاً، واختلفوا في اشتراط العدالة، والذكورة، والاجتهاد(٣).
أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ ( نصب الراية: ص ٦٣ ، تلخيص الحبير، الطبعة المصرية : ٤ص ١٨٢ ) .
(١)
(٣)
اللباب شرح الكتاب للميداني : ٤ص٧٧ .
البدائع: ٣/٧ ، الدسوقي: ١٢٩/٤، بداية المجتهد : ٤٤٩/٢، مغني المحتاج: ٣٧٥/٤ ، البجيرمي على الخطيب :
(٣)
٣١٨/٤ ، المغني : ٣٩/٩ .
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣١)
- ٤٨١ -

أما العدالة: فهي شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز تولية فاسق
ولا من كان مرفوض الشهادة لعدم الوثوق بقولهما، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا
إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ فإذا لم تقبل الشهادة من امرئ، فلأن لا يكون قاضياً
أولى.
وقال الحنفية: الفاسق أهل للقضاء، حتى لو عين قاضياً صح قضاؤه للحاجة،
لكن ينبغي ألا يعين، كما في الشهادة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادة الفاسق،
لكن لو قبلها منه جاز، وفي الحالتين: ((قضاء وشهادة)) يأثم من يعينه للقضاء ومن
يقبل شهادته .
أما المحدود في القذف: فلا يعين قاضياً كما لا تقبل شهادته عند الحنفية كبقية
الأئمة؛ لأن القضاء من باب الولاية، وبما أن هذا المحدود لا تقبل شهادته وهي أدنى
الولایات، فعدم تعیینه قاضياً أولى.
وأما الذكورة: فهي شرط أيضاً عند غير الحنفية، فلا تولى المرأة القضاء لقوله
عَ اقلٍ: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة))(١)، ولأن القضاء يحتاج إلى كال الرأي وتمام
العقل والفطنة والخبرة بشؤون الحياة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، بسبب
ضعف خبرتها واطلاعها على واقع الحياة، ولأنه لابد للقاضي من مجالسة الرجال من
الفقهاء والشهود والخصوم، والمرأة ممنوعة من مجالسة الرجال بعداً عن الفتنة، وقد نبه
الله تعالى على نسيان المرأة فقال: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾
ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يولِّ النبي ◌َّ ولا أحد من
خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد.
وقال الحنفية: يجوز أن تكون المرأة قاضياً في الأموال أي في القضاء المدني؛ لأنه
(١) رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وصححه عن أبي بكرة (المقاصد الحسنة للسخاوي: ص ٣٤٠ ، نيل
الأوطار: ٨ص ٢٦٣ ، سبل السلام: ٤ ص١٢٣ ، تلخيص الحبير : ٤ ص١٨٤ ).
- ٤٨٢ -

تجوز شهادتها في المعاملات، ويأثم المولي لها للحديث السابق: ((لن يفلح .. )) أما في
الحدود والقصاص أي في القضاء الجنائي: فلا تعين قاضياً؛ لأنه لا شهادة لها فيه،
ومن المعلوم أن أهلية القضاء تلازم أهلية الشهادة.
وقال ابن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكماً على الإطلاق في كل شيء،
لأنه يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية .
وأما الاجتهاد: فهو شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية
كالقدوري(١)، فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية، ولا المقلد: (وهو من حفظ
مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته) لأنه لا يصلح
للفتوى، فلا يصلح للقضاء بالأولى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل
الله﴾ ولم يقل بالتقليد للآخرين، وقال سبحانه: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾
وقال عزوجل: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وروی بريدة عن
النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((القضاة، ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في
الجنة: فرجل عرف الحق، فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار،
ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار))(٢) فالعامي يقضي على جهل.
ويلاحظ أن اشتراط وصف الاجتهاد عند المالكية: هو الذي عليه عامة أهل
المذهب، لكن المعتمد والأصح عندهم أنه يصح تولية المقلد مع وجود المجتهد(٢).
وأهلية الاجتهاد: تتوافر بمعرفة ما يتعلق بالأحكام من القرآن والسنة، ومعرفة
اللباب في شرح الكتاب أي كتاب القدوري: ٤ص٧٨ . قال في الهداية: والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط
(١)
أولوية . فأما تقليد الجاهل أي غير المجتهد فصحيح عندنا ؛ لأنه يمكنه أن يقضي بفتوى غيره .
(٢) رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه. وقد علق عليه ابن تيمية بقوله: ((وهو دليل
على اشتراط كون القاضي رجلاً)) ( نيل الأوطار: ٢٦٣/٨ وما بعدها ، سبل السلام: ١١٥/٤ ، نصب الراية :
٦٥/٤، مجمع الزوائد : ١٩٥/٤ ) .
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ١٢٩/٤ .
- ٤٨٣ -

الإجماع والاختلاف والقياس ولسان العرب، ولا يشترط أن يكون الفقيه محيطاً
بكل القرآن والسنة، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة، ولاأن يكون مجتهداً في كل
المسائل، بل يكفي معرفة ما يتعلق بموضوع البحث(١).
وقال جمهور الحنفية: لا يشترط كون القاضي مجتهداً، والصحيح أن أهلية
الاجتهاد شرط الأولوية والندب والاستحباب، فيجوز تقليد غير المجتهد للقضاء،
ويحكم بفتوى غيره أي بتقليد مجتهد؛ لأن الغرض من القضاء هو فصل الخصائم
وإيصال الحق إلى مستحقه، وهو يتحقق بالتقليد، لكن مع هذا قالوا: لا ينبغي أن
يقلد الجاهل بالأحكام، أي الجاهل بأدلة الأحكام الشرعية تفصيلاً واستنباطاً؛ لأن
الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به.
وبصرف النظر عن هذا الخلاف فإن الواقع له مكان وأهمية، قال الإمام الغزالي:
اجتماع هذه الشروط من العدالة والاجتهاد وغيرهما متعذر في عصرنا لخلو العصر من
المجتهد والعدل، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاء سلطان ذو شوكة، وإن كان جاهلاً
فاسقاً(٢).
وقال الشافعية: إذا تعذرت هذه الشروط، فولى سلطان له شوكة فاسقاً أو
مقلداً نفذ قضاؤه للضرورة. وفي الجملة: إذا وجد اثنان كل منهما أهل للقضاء يقدم
الأفضل في العلم والديانة والورع والعدالة والعفة والقوة، لقوله تع الى: ((من تولى من
أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً، وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك، وأعلم
منه بكتاب الله، وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله، وجماعة المسلمین))(٣).
(١) راجع التفصيل في كتابنا الوسيط في أصول الفقه : ص ٥٩٦ وما بعدها ط ثانية .
(٢) راجع البحث في البدائع: ٣/٧ ، فتح القدير: ٤٥٣/٥ وما بعدها، ٤٨٥، مختصر الطحاوي: ص ٣٣٢ ، الدر
المختار ورد المختار عليه : ٣١٢/٤ وما بعدها، ٣١٨ ، بداية المجتهد : ٤٤٩/٢، الشرح الكبير للدردير: ١٢٩/٤
وما بعدها ، مغني المحتاج : ٣٧٥/٤ وما بعدها ، المهذب : ٢٩٠/٢ ، المغني: ٣٩/٩ وما بعدها .
(٣) رواه الطبراني في معجمه عن ابن عباس ، وأخرجه الحاكم وابن عدي وأحمد بن حنبل والعقيلي والخطيب
البغدادي . وعن حذيفة بن اليمان أخرجه أبو يعلى الموصلي ( نصب الراية : ٦٢/٤ ).
- ٤٨٤ _

المبحث الثالث - حكم قبول القضاء:
اتفق الفقهاء على أنه إذا تعين للقضاء واحد يصلح له في بلد لزمه طلبه وقبوله،
فان امتنع عصى، كسائر فروض الأعيان، وللحاكم إجباره؛ لأن الناس مضطرون
إلى علمه ونظره، فأشبه من عنده طعام منعه عن المضطر.
فان وجد في البلد عدد يصلح للقضاء، فيجوز القبول والترك. وهل القبول
حينئذ أفضل أم الترك ؟
قال جمهور العلماء في المذاهب الأربعة: الترك أفضل، لقوله تع الى: ((من جعل
قاضیاً بین الناس، فقد ذبح بغیر سکین))(١) وقد امتنع بعض الصحابة کابن عمر وبعض
كبار الفقهاء كأبي حنيفة من قبول القضاء، لما ورد فيه من التشديد والذم، ولما فيه
من الخطورة(٢)، بل إنه يكره طلبه لقوله مؤ لّ لعبد الرحمن بن سمرة: ((ياعبد
الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن
أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)) (٣) أي صرفت اليها دون عون، وعن أنس قال: قال
رسول الله مَ اتٍ: «من سأل القضاء، وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل إليه ملك
فسدده))(٤) وعن أبي هريرة عن النبي مَ التّ قال: ((إنكم ستحرصون على الإمارة،
(١) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، وأخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو يعلى
والبزار والدارقطني وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان ، وله طرق منها مارواه ابن عدي عن ابن
عباس ( نيل الأوطار : ٢٥٩/٨ وما بعدها، نصب الراية: ٦٤/٤ ، سبل السلام : ١١٦/٤ ، تلخيص الحبير :
١٨٤/٤، الإلمام: ص ٥١٢ ) .
قال في كتاب الجوهرة الحنفي : وقد دخل فيه ( أي في القضاء ) قوم صالحون ، واجتنبه قوم صالحون ، وترك
(٢)
الدخول فيه أحوط وأسلم الدين والدنيا ، لما فيه من الخطر العظيم والأمر الخوف .
(٣)
رواه البخاري ومسلم وأحمد ( نيل الأوطار: ٢٥٦/٨).
أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد ( نصب الراية: ٦٩/٤، مجمع الزوائد : ١٩٤/٤ ، نيل الأوطار ،
(٤)
المرجع السابق ) .
- ٤٨٥ -

وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة))(١).
لکن یندب طلب القضاء لعالم غیر مشھور یرجو به نشر علمه بین الناس
لتحصل المنفعة بعلمه، كما يندب لمن كان محتاجاً إلى الرزق؛ لأن القضاء طاعة لما في
إقامة العدل من جزيل الثواب.
ويكره قبول القضاء لمن يخاف العجز عنه، ولا يأمن على نفسه الحیف فيه، حتی
لا يكون سبباً لمباشرة القبيح.
وقال بعض العلماء: قبول القضاء أفضل؛ لأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله
عليهم، والخلفاء الراشدين مارسوا القضاء، ولنا فيهم قدوة، ولأن القضاء إذا أريد به
وجه الله تعالى يكون عبادة خالصة، بل هو من أفضل العبادات، لقوله ماتل: ((يوم
من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى فيها من
مطر أربعين يوماً))(٢).
وقوله عليه السلام: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن،
وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم، وما وَلُوا))(٣) قالوا: وأما
الأحاديث التي فيها ذم القضاء فهي محمولة على القاضي الجاهل أو العالم الفاسق، أو
الذي لا يأمن على نفسه الرشوة(٤).
(١) رواه البخاري وأحمد والنسائي. وقوله: ((ستحرصون)) بكسر الراء، ويجوز فتحها، وقوله: ((نعم المرضعة
وبئست الفاطمة)) أي نعمت المرضعة في الدنيا وبئست الفاطمة بعد الموت ( نيل الأوطار: ٢٥٧/٨ ، سبل
السلام: ١١٦/٤). ويوضح ذلك ما أخرجه البزار والطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك بلفظ «أولها
ملامة ، وثانيها ندامة ، وثالثها عذاب يوم القيامة ، إلا من عدل )).
رواه اسحق بن راهويه والطبراني في الأوسط عن ابن عباس ( نصب الراية : ٦٧/٤ ) .
(٢)
رواه مسلم وأحمد والنسائي عن عبد الله بن عمر ( نصب الراية، المرجع نفسه: ص ٦٨ ، نيل الأوطار:
(٣)
٢٦٠/٨) .
راجع البدائع: ٣/٧ وما بعدها، فتح القدير: ٤٥٨/٥ وما بعدها، الدر المختار: ٣١٩/٤ ، اللباب شرح
(٤)
الكتاب : ٧٨/٤، الشرح الكبير للدردير ١٣٠/٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ٣٧٣/٤، المغني: ٣٥/٩.
- ٤٨٦ -

قال القدوري الحنفي : ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه (أي يعلم من
نفسه) أنه يؤدي فرضه: وهو الحكم على قاعدة الشرع . ويكره الدخول فيه من يخاف
العجز عنه أي عن القيام به على الوجه المشروع، ولا يأمن على نفسه الحیف (أي
الظلم). ولا ينبغي للإنسان أن يطلب الولاية بقلبه، ولا يسألها بلسانه(١)، لقوله
عَاقٍ: ((من طلب القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده))(٢).
المبحث الرابع - صلاحيات القاضي:
تشتمل ولاية القاضي على عشرة أمور(٣):
الأول - الفصل بين المتخاصمين إما بصلح عن تراضي، وإما بإجبار على حكم
نافذ .
الثاني - قمع الظالمين على الغصب والتعدي وغير ذلك، ونصرة المظلومين
وإيصال كل ذي حق الی حقه .
الثالث - إقامة الحدود والقيام بحقوق الله تعالى.
الرابع - النظر في الدماء والجراح
العالى
الخامس - النظر في أموال اليتامى والمجانين وتقديم الأوصياء عليهم حفظاً
لأموالهم.
السادس - النظر في الأحباس (الأوقاف)
السابع - تنفيذ الوصايا .
(١)
الكتاب : ٧٨/٤ .
(٢).
سبق تخريج الحديث قريباً . وفيه دليل على أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه ، فيدخل الإمارة والقضاء
والحسبة ونحو ذلك ( نيل الأوطار : ٢٥٩/٨ ).
(٣)
القوانين الفقهية : ص ٢٩٣
- ٤٨٧ _

الثامن - عقد نكاح النساء إذا لم يكن لهن ولي أو عضلهن الولي.
التاسع - النظر في المصالح العامة من طرقات المسلمين وغير ذلك
العاشر - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول والفعل.
-------
المبحث الخامس - واجبات القضاة:
يجب على القاضي التقيد ببعض الواجبات فيما يتعلق بمصادر الأحكام التي يستمد
منها حكمه، وطريق ثبوت الحق بالبينة أو الإقرار ونحوهما وما يتعلق بالمقضي له
والمقضي عليه .
المطلب الأول - ما يقضي به القاضي من الأحكام الشرعية وصفة
قضائه :
يجب على القاضي أن يقضي في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى : إما
بدليل قطعي، وهو النص المفسر الذي لا شبهة فيه من كتاب الله عز وجل، أو السنة
المتواترة أو المشهورة، أو الإجماع.
وإما بدليل ظاهر موجب للعمل، كظواهر النصوص المذكورة في القرآن
الكريم أو السنة المشرفة، أو الثابت بالقياس الشرعي، ويعمل به في المسائل
الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء.
فإن لم يجد القاضي حكم الحادثة في المصادر الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع
والقياس، يجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده، إن كان مجتهداً؛ لأن ثمرة اجتهاده
هو الحق بالنسبة اليه ظاهراً، فلا يعمل باجتهاد غيره.
وهل للمجتهد أن يقضي برأي مجتهد آخر أفقه منه ؟ قال أبو حنيفة: له القضاء
به .
- ٤٨٨ -

وقال الصاحبان: ليس له القضاء به. ومرجع الخلاف هو أن كون أحد
المجتهدين أفقه من غيره هل يصلح مرجحاً؟ عند أبي حنيفة: يصلح؛ لأن اجتهاده
أقرب إلى الصواب. وعند الصاحبين: لا يصلح مرجحاً؛ لأن كون العالم أفقه من غيره
ليس من جنس الدليل الذي يستند اليه في استنباط الحكم.
وإن لم يكن القاضي مجتهداً: يختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين بحسب
اعتقاده(١) .
صفة قضاء القاضي: قال جمهور العلماء: قضاء القضاء ينفذ ظاهراً لا باطناً؛
لأنا مأمورون باتباع الظاهر، والله يتولى السرائر، فلا يحل هذا الحكم حراماً ولا يحرم
حلالاً ، فلو حكم بشهادة شاهدين ظاهرهما العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطناً، سواء
في المال وغيره، لقوله مثل: ((إنكم تختصون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته
من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه،
فإنما أقطع له قطعة من النار)) متفق عليه (٢).
وقال أبو حنيفة: إذا حكم الحاكم بعقد أو فسخ أو طلاق، نفذ حكمه ظاهراً
وباطناً؛ لأن مهمته القضاء بالحق، وأما الحديث فهو في قضية لا بينة فيها. وعلى هذا
إذا ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على زواجها شاهدي زور،
فقضى القاضي بالنكاح بينهما، وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما، حل للرجل وطؤها،
وحل لها التمكين عند أبي حنيفة، خلافاً للجمهور. ومثله لوقضى بالطلاق فرق
بينهما عنده، وإن كان الرجل منكراً. ويقاس عليه البيع ونحوه.
والخلاصة: أن القاضي في قول أبي حنيفة ينفذ قضاؤه ظاهراً وباطناً حيث كان
المحل قابلاً لذلك كالعقود والفسوخ، والقاضي غير عالم بزور الشهود. وهذا القول وإن
المبسوط: ٦٨/١٦، البدائع: ٥/٧ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ٣٢٧ .
(١)
(٢) راجع مغني المحتاج : ٣٩٧/٤، المغني: ٥٨/٩ ، بداية المجتهد : ٤٥٠/٢ وما بعدها .
- ٤٨٩ _

كان هو الأوجه في مذهب الحنفية، إلا أن المفتى به عندهم هو قول الصاحبين الموافق
لبقية الأئمة، وهو أن قضاء القاضي ينفذ ظاهراً فقط لا باطناً، أي ليس الحلال عند
الله هو ماقضى به القاضي، بل ما وافق الحق(١).
المطلب الثاني - طرق إثبات الحق لدى القضاء:
يجب على القاضي أن يقضي بما ثبت عنده بطرق الإثبات الشرعية: وهي البينة
والإقرار واليمين والنكول على النحو الذي سنفصله في المبحث المخصص لطرق
الإثبات. ونشيرهنا إلى أن البينة تظهر الحق بالاتفاق بشرط أن يثبت عند القاضي
عدالة الشهود بالسؤال عنهم، ممن له علم بأحوالهم سراً وعلانية .
والإقرار حجة مطلقة؛ لأن الإنسان غيرمتهم بالإقرار على نفسه كاذباً.
واليمين تسقط بها دعوى المدعي الذي لا بينة له. وكذلك عند الإمام مالك:
يثبت بها حق المدعي الذي أنكره عليه خصه.
والنکول عن الیین من المدعى عليه يثبت به الحق للمدعي في الأموال عند أبي
حنيفة(٢). وهل للقاضي أن يقضي بعلمه أو بكتاب قاض آخر إليه أو بالشهادة على
الشهادة ؟
١ - قضاء القاضي بعلم نفسه:
قال المالكية والحنابلة: لا يقضي الحاكم بعلم نفسه في حد ولا غيره، لا فیا علمه
قبل الولاية ولا بعدها، ويجوزله أن يقضي بما علمه في مجلس القضاء، بأن أقر بين
يديه طائعاً. ودليلهم على عدم الجواز قول النبي مَ افٍ: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصون
(١) البدائع: ١٥/٧، شرح فتح القدير: ٤٩٢/٥، ط التجارية، الدر المختار ورد المختار: ٤٦٢/٤ ، ط الأميرية.
البدائع، المرجع السابق: ص ٦ ، بداية المجتهد : ٤٥١/٢ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ١٥١/٤ .
(٢)
- ٤٩٠ -

إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن(١) بحجته من بعض، فأقضي بنحوٍ مما أسمع، فمن
قضيت له من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) (٢) فدل على
أنه يقضي بما يسمع، لا بما يعلم. وقال النبي ◌َ ◌ّ في قضية الحضرمي والكندي:
((شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذاك))(٣)، وهناك آثار عن بعض الصحابة تؤيد
عدم جواز القضاء بعلم نفسه (٤).
وقال الحنفية: القضاء بعلم القاضي بنفسه: بالمعاينة، أو بسماع الإقرار، أو
بمشاهدة الأحوال، فيه تفصيل :
١ - إن قضى القاضي بعلم حدث له، في زمن القضاء وفي مكانه، في الحقوق المدنية
كالإقرار بمال لرجل، أو الشخصية كطلاق رجل امرأته، أو في بعض الجرائم: وهي
قذف رجل أو قتل إنسان، جاز قضاؤه. ولا يجوز قضاؤه بعلم نفسه في جرائم الحدود
الخالصة لله عز وجل، إلا أن في السرقة يقضي بالمال، لا بالقطع؛ لأن الحدود يحتاط
في درئها، وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم القاضي.
٢ - إذا قضى القاضي بعلم نفسه قبل أن يقلد منصب القضاء، أو بعد أن قلد،
لكن قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه، فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة أصلاً.
وعند الصاحبين: يجوز فيما سوى الحدود الخالصة لله عز وجل، قياساً على جواز
قضائه فيما علمه في زمن القضاء.
أي أفطن بها ، ويجوز أن يكون معناه: أفصح تعبيراً وأظهر احتجاجا حتى يخيل أنه محق ، وهو في الحقيقة
(١)
مبطل . والأرجح في المعنى : أنه أبلغه أي أحسن إيراداً للكلام مع أنه كاذب .
رواه الجماعة : أحمد وأصحاب الكتب الستة عن أم سلمة ، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ، لكن فيه
(٢)
متروك ( نيل الأوطار: ٢٧٨/٨، شرح مسلم: ٤/١٢، مجمع الزوائد: ١٩٨/٤، الإلمام: ص ٥١٤ ).
(٣)
رواه أحمد والشيخان عن الأشعث بن قيس ( نيل الأوطار: ٣٠٢/٨).
المغني: ٥٣/٩ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ١٥٤/٤، نيل الأوطار، المرجع السابق: ص ٢٨٦ ، بداية
(٤)
المجتهد : ٤٥٨/٢ وما بعدها .
- ٤٩١ -

ورد أبو حنيفة بأن القياس مع الفارق، فالعلم المستفاد في زمن القضاء علم في
وقت يكون القاضي فيه مكلفاً بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه، أما العلم الحاصل في
غير زمان القضاء: فهو علم في وقت لا يكون القاضي مكلفاً فيه بالقضاء، فلا يصلح؛
لأنه ليس في معنى البينة، فلم يجز القضاء به؛ لأن البينة المعتبرة أن يسمع القاضي
الشهود في ولايته، أما ما يعلمه قبل ولايته فهو بمنزلة ما يسمعه من الشهود قبل
ولايته، وهو لا قيمة له.
والخلاصة: أن أبا حنيفة يقول: ما كان من حقوق الله كالحدود الخالصة له،
لا يحكم فيه القاضي بعلمه؛ لأن حقوق الله مبنية على المساهلة والمسامحة، وأما حقوق
الناس المدنية، فما علمه القاضي قبل ولايته، لم يحكم به، وما علمه في ولايته، حكم
به(١). والمعتمد عند المتأخرين من الحنفية وهو المفتى به: عدم جواز قضاء القاضي
بعلمه مطلقاً في زماننا لفساد قضاة الزمان(٣).
وقال الشافعية: الأظهر أن القاضي يقضي بعلمه قبل ولايته أو في أثناء ولايته،
أو في غير محل ولايته، سواء أكان في الواقعة بينة أم لا ، إلا في حدود الله تعالى. وعلى
هذا فيجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في الأموال قطعاً، وفي القصاص وحد القذف على
الأظهر؛ لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان، فقضاؤه بالعلم أولى. وأما الحدود
الخالصة لله كالزنا والسرقة والمحاربة وشرب المسكرات، فلا يقضي بعلمه فيها؛ لأنها
تدرأ بالشبهات، ويندب سترها، لكن إن اعترف إنسان بموجب الحد في مجلس الحكم
قضى فيه بعلمه (٣)، لقوله مالٍ: «فإن اعترفت فارجمها)».
(١).
المبسوط: ٩٣/١٦، البدائع: ٧/٧، مختصر الطحاوي: ص ٣٣٢ .
(٢)
الدر المختار ورد المختار: ٤ ص ٣٦٩ .
مغني المحتاج : ٤ ص ٣٩٨ .
(٣)
- ٤٩٢ -

٢ - قضاء القاضي بكتاب قاض آخر إليه :
اتفق الفقهاء على أن القاضي له أن يقضي بكتاب قاض آخر إليه فيما ثبت عنده
في الحقوق المالية للحاجة إليه، فقد يكون لامرئ حق في غير بلده، ولا يمكنه إتيانه
والمطالبة به إلا بكتاب القاضي بشرط أن يشهد شاهدان عدلان على أن الكتاب
المرسل هو كتاب قاضٍ، وأن يشهدهم بثبوت الحكم عنده على نحو معين، وأجاز الإمام
مالك أن يحكم القاضي بكتاب قاضٍ في الحدود والقصاص أيضاً(١).
7
ولكتاب القاضي إلى قاض آخر صورتان :
الأولى: كتابة الشهادة التي سمعها القاضي من الشهود إما مع تعديل الشهود
وتزكيتهم أو بدون تعديل، ليبحث القاضي الآخر عن أحوال الشهود.
الثانية: كتابة صورة الحكم الذي حكم به على الشخص الغائب ويرسلها إلى
القاضي الثاني لتنفيذ الحكم عليه .
وبما أن الحنفية لا يجيزون القضاء على الغائب كما سنبين، فالصورة الثانية لتنفيذ
الحكم. والأولى مقدمة لإصدار الحكم.
وقد اشترط علماء المذاهب في قبول كتاب القاضي شروطاً نكتفي بذكر شروط
الحنفية منها وهي(٣) :
أولاً - البينة على أنه كتابه: فيشهد شاهدان رجلان أو رجل وامرأتان على أن
(١) بداية المجتهد: ٢ ص ٤٥٨، المغني: ٩ ص ٩٠، مغني المحتاج: ٤ ص ٤٥٢، المهذب: ٢ ص ٣٠٤، المبسوط:
١٦ ص ٩٥، الميزان: ٢ ص ١٨٨، الشرح الكبير للدردير: ٤ ص ١٥٩، فتح القدير: ٥ ص ٤٧٧ وما بعدها ،
تبيين الحقائق : ٢٤١/٤ .
المبسوط ، المرجع السابق ، البدائع : ٧ ص ٧ وما بعدها ، فتح القدير ، المرجع السابق ، اللباب شرح الكتاب
(٢)
للميداني؛ ٤ ص ٨٤ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ٣٣٠ ، درر الحكام: ٢ ص ٤١٢ وما بعدها ، تبيين
الحقائق : ١٨٤/٤.
- ٤٩٣ -

هذا كتاب فلان القاضي ببيان اسمه ونسبه؛ لأنه لا يعرف أنه كتابه بدون المذكور.
ويحدد في الكتاب اسم المدعي والمدعى عليه والشهود، والمدعى به وصفاته لتمييزه عن
غيره. وهذا أمر طبعي متفق عليه .
ثانياً - أن يكون الكتاب مختوماً، ويشهدوا على أن هذا خته لصيانته عن
الخلل فيه. وأن تكون الكتابة ظاهرة مقروءة تفيد المعنى المراد وتؤدي المقصود من
كتابة الشهادة أو كتابة الحكم، ليتمكن القاضي المكتوب له العمل بموجب الكتاب.
ثالثاً - أن يشهد الشاهدان بما في الكتاب: بأن يقولا: إنه قرأه عليهما مع
الشهادة بالختم.
وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يكفي أن يشهد الشاهدان
بالكتاب والخاتم، ولا تشترط الشهادة بما في الكتاب؛ لأن المقصود من هذه الشهادة
حصول العلم للقاضي المرسل إليه بأن هذا كتاب فلان القاضي، ويتحقق المطلوب بما
ذكر. وقال الطرفان: لا يحصل هذا المقصود إلا بالعلم بما فيه.
رابعاً - أن تكون هناك مسافة سفر القصر بين القاضي المرسل وبين المرسل
إليه؛ لأن القضاء بكتاب القاضي أمر جوِّز للحاجة أو للضرورة؛ لأنه قضاء على
غائب، ولا ضرورة فيما دون مسافة القصر.
خامساً - أن يكون موضوع الكتاب في الحقوق المدنية أو الشخصية كالديون
والنكاح، وإثبات النسب، والمغصوبات، والأمانات والمضاربة، أو أن يكون في
العقارات كالأراضي والدور؛ لأنها تقبل التحديد، وقيل: لا يقبل في المنقولات
للحاجة إلى الإشارة إليها عند الدعوى والشهادة.
وفي رواية عن محمد: أنه يقبل في جميع المنقولات من الدواب والثياب والأمتعة
ونحوها، وبه أخذ المتأخرون من الحنفية، وعليه الفتوى، وبه قال سائر الأئمة
الآخرين .
- ٤٩٤ -

سادساً - ألا يكون الكتاب في الحدود والقصاص؛ لأن كتاب القاضي إلى
القاضي بمنزلة الشهادة على الشهادة، وهي لا تقبل في العقوبات الخالصة لله عز
وجل؛ لأنها تدرأ بالشبهات، وكتاب القاضي إلى القاضي فيه شبهة .
وهذا أيضاً هو الأرجح عند الشافعية والحنابلة. وقال المالكية كما عرفنا: يجوز
كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص؛ لأن الاعتماد على الشهود، وقد
شهدوا .
وهناك شروط أخرى من أهمها: أن الكتاب إذا وصل إلى القاضي قرأه على
الخصم؛ لأنه بمنزلة أداء الشهادة، وهو لا يكون إلا بمحضر الخصم، فكذا هذا، منعاً من
اتهام القاضي في شيء.
ومن أهمها أيضاً: أن الكتاب يقبل إذا كان القاضي الكاتب ما زال في منصبه
عند وصول الكتاب إلى المرسل إليه. فإن مات، أو عزل أو لم يبق أهلاً للقضاء قبل
وصول الكتاب، لا يقبل؛ لأن الكاتب صار من جملة الرعايا العاديين، ولا يقبل
أيضاً الكتاب إذا مات المكتوب له أو عزل، إلا أن يكتب إلى قاضي بلد كذا وإلى كل
من يقضى فيه من قضاة المسلمين .
٣ - قضاء القاضي بالشهادة على الشهادة:
اتفق الفقهاء على قبول الشهادة على الشهادة في الأموال، لقوله تعالى:
﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وللحاجة إليها؛ لأن الشهادة الأصلية قد تتعذر.
ولا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود الخالصة لله عند الحنفية والحنابلة،
والشافعية في الأظهر؛ لأن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والشهادة على
الشهادة فيها شبهة ، فإنه يعترضها احتمال الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع
احتمال ذلك في شهود الأصل.
- ٤٩٥ -

وقال الإمام مالك: تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود وكل الحقوق المالية؛
لأن موجب الحد يثبت بشهادة الأصل، فيثبت بالشهادة على الشهادة كالأموال(١)،
وسنفصل هذا الموضوع في بحث الشهادات إن شاء الله تعالى.
المطلب الثالث - واجبات القاضي نحو المقضي له :
يجب على القاضي نحو المقضي له أمور(٢):
١ - أن يكون ممن تقبل شهادته للقاضي، فإن كل من لا تقبل شهادته له:
لا يجوز قضاء القاضي له؛ لأن القضاء له قضاء لنفسه من جهة، فلم يكن القضاء
مجرداً، وإنما فيه تهمة، فلا يصح القضاء. وعليه فلا يجوز للقاضي أن يقضي لنفسه،
ولا لأبويه وإن علوا، ولا لزوجته، ولا لأولاده وإن سفلوا، ولا لكل من لا تجوز
شهادته لهم، لوجود التهمة، وهذا رأي أكثر الفقهاء(٣).
٣ - أن يكون المقضي له حاضراً وقت القضاء، فإن كان غائباً لم يجز القضاء له إلا
إذا كان عنه وكيل حاضر؛ لأن القضاء على الغائب عند الحنفية لا يجوز، فكذلك
لا يجوز القضاء للغائب أيضاً .
5
٣ - طلب القضاء من القاضي في حقوق الناس؛ لأن القضاء وسيلة إلى الحق،
وحق الإنسان لا يستوفى إلا بطلبه .
راجع فتح القدير: ٧٤/٦ ، مغني المحتاج : ٤٥٣/٤، المغني: ٢٠٦/٩ .
(١)
(٢)
البدائع : ٨/٧، اللباب شرح الكتاب: ٩٠/٤، مختصر الطحاوي: ص ٣٣٢.
بداية المجتهد: ٤٦٠/٢، مغني المحتاج: ٣٩٣/٤، المغني : ١٠٧/٩.
(٣)
- ٤٩٦ -

٠
المطلب الرابع - واجبات القاضي نحو المقضي عليه :
يجب أن يكون المقضي عليه حاضراً عند الحنفية، فلا يجوز القضاء على
الغائب بالبينة إذا لم يكن عنه وكيل حاضر(١) كوكيله ووصيه ومتولي الوقف أو
نائبه، لقول النبي مَ لّ: «فإنما أقضي له بخسب ما أسمع)) وما روي عن علي أن النبي
عَّ اتٍ قال حين أرسله إلى اليمن: ((لا تقض لأحد الخصين حتى تسمع كلام الآخر))(٢)،
ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده، فلم يجز، كما لو كان الآخر في البلد، ولأنه يجوز أن
يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها، فلم يجز الحكم عليه .
وعدم جواز القضاء على الغائب عند الحنفية، سواء أكان الخصم غائباً وقت
الشهادة أم بعدها وبعد التزكية؟ وسواء أكان غائباً عن مجلس القضاء أم عن البلد التي
فيها القاضي، إلا أن يكون ذلك ضرورياً، كما إذا توجه القضاء على الخصم، فاستتر.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة(٢): يجوز القضاء على الغائب البعيد الغيبة
بشرط أن يكون للمدعي بينة، وذلك في حقوق الناس المدنية، أما في الحدود الخالصة
لله تعالى، فلا يقضى على الغائب بها؛ لأنها مبنية على المسامحة والدرء والإسقاط،
الاستغنائه تعالى، بخلاف حق الإنسان، فإن قامت بينة على غائب بسرقة مال، حكم
عليه بالمال دون القطع.
واستدلوا على جواز الحكم على الغائب بحديث هند، قالت: ((يا رسول الله، إن
البدائع ، المرجع السابق: ٢٢٢/٦ ، اللباب، المرجع السابق: ص ٨٨ ، تكملة فتح القدير : ١٣٧/٦ ، تكملة رد
(١)
المحتار على الدر المختار: ٣١٤/١، المبسوط: ٣٩/١٧.
رواه أبو داود والترمذي وقال : هذا حسن صحيح ، وأخرجه أيضاً ابن حبان وصححه وأحمد ، وقواه ابن
(٢)
المديني عن علي بلفظ: (( يا علي إذا جلس إليك الخصمان ، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ، كما سمعت
من الأول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء )) ( نيل الأوطار: ٣٧٥/٨ ، سبل السلام : ١٢٠/٤ ) .
(٣)
بداية المجتهد: ٤٦٠/٢، الشرح الكبير للدردير: ١٦٢/٤، مغني المحتاج: ٤٠٦/٤، ٤١٥، المهذب: ٣/٢،
المغني : ١١٠/٩.
- ٤٩٧ -
الفقه الإسلامي جـ٦ (٣٢)

أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي ؟ قال : خذي ما يكفيك
وولدك بالمعروف)» (١) فقضى لها الرسول عليه السلام، ولم يكن زوجها حاضراً.
والواقع أن هذا الحديث لاحجة لهم فيه؛ لأن أبا سفيان كان حاضراً بمكة، والحادثة
كانت بمكة، لما حضرت هند لمبايعة الرسول ماتله .
قال ابن حزم: صح عن عثمان القضاء على الغائب، وصح عن عمر أنه حكم في
امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً، ولا مخالف لهما من
الصحابة. ودليلهم من المعقول أن البينة يطلب سماعها وهي مسموعة في هذه الحالة
على الغائب، فيجب الحكم بها كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وأيضاً فالحكم
على الميت والصغير جائز، وهما أعجز عن الدفاع عن نفسيهما من الغائب، ولأن في
منع الحكم عن الغائب إضاعة للحقوق التي ندب الحكام إلى حفظها .
وحد الغيبة البعيدة عند الشافعية: هو أن يكون الغائب في مسافة بعيدة عن
بلد القاضي: وهي التي لا يرجع منها مبكر إلى موضعه الذي بكّر منه ليلاً بعد فراغ
المحاكم، لما في إلزامه الحضور من المشقة. وقيل: هي مسافة القصر.
وأما الحاضر في بلد القاضي. ومن بقربه: فلا تسمع البينة عليه، ولا يحكم عليه في
غيبته إلا لتواريه، أو تعززه، وعجز القاضي حينئذ عن إحضاره بنفسه أو بأعوان
السلطان .
المبحث السادس - آداب القضاة :
ينبغي على القاضي أن يلتزم بآداب معينة تقتضيها مصلحة القضاء وإقامة
العدل بين الناس، وهذه الآداب مستمدة في أغلبها من كتاب سيدنا عمر بن الخطاب
رضي الله عنه في القضاء والسياسة إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .
(١) متفق عليه بين البخاري ومسلم عن عائشة ( شرح مسلم: ٧/١٢، الإلمام: ص ٥١٥ ).
- ٤٩٨ -

ونذكر هنا أهمها عند الحنفية ونصنفها إلى قسمين: آداب عامة ، وآداب خاصة.
الآداب العامة :
١ - المشاورة: يندب للقاضي أن يجلس معه جماعة من الفقهاء يشاورهم
ويستعين برأيهم فيما يجهله من الأحكام أو يشكل عليه من القضايا، قال تعالى:
﴿وشاورهم في الأمر﴾ وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما رأيت
أحداً بعد رسول الله متر أكثر مشاورة لأصحابه منه)).
فإن اتفق رأي الفقهاء على أمر قضى به، كما كان يفعل الخلفاء الراشدون، وإن
اختلفوا أخذ بأحسن أقاويلهم وقضى بما رآه صواباً، إلا أن يكون غيره أفقه منه،
فيجوز له الأخذ برأيه وترك رأيه الشخصي. وإن اعتمد على قول بعضهم، ثم رأى
الصواب في قول الآخر، فله أن يعدل عن الرأي الأول؛ لأن الأمور الاجتهادية يجوز
للقاضي أن يأخذ بأحد الآراء فيها قبل صدور الحكم. أما بعد الحكم فليس له أن يبطل
الحكم الذي صدر منه؛ لأنه صار بالقضاء كالرأي المتفق عليه، ولكن له أن يعمل في
المستقبل بخلاف الرأي السابق(١).
٣ - التسوية بين الخصمين في المجلس والإقبال: ينبغي أن يعدل القاضي
بين الخصمين في الجلوس، والإقبال، فيجلسها بين يديه، لا عن يمينه ولا عن يساره،
وأن يسوي بينهما في النظر والنطق والإشارة والخلوة فلا يسارّ أحدهما أو يخلو به،
ولا يشير إليه، ولا يلقنه حجة منعاً للتهمة، ولا يضحك في وجه أحدهما؛ لأنه
يجترئ عليه، ولا يمازحهما ولا واحداً منهما؛ لأنه يذهب بمهابة القضاء، ولا يضيف
أحدهما (٣)، ولا يرفع صوته على أحدهما، ولا يكلم أحدهما بلغة لا يعرفها الآخر، وإذا
البدائع : ١١/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٣١٦/٤، الكتاب مع اللباب : ٨١/٤ ، الوسيط في أصول الفقه
(١)
للمؤلف : ص ٦٦٠ ، ط ثانية .
روى إسحق بن راهويه وعبد الرزاق والدارقطني والبيهقي وابن خزيمة في صحيحه عن الحسن عن علي قال =
(٢)
- ٤٩٩ -

تكلم أحدهما أسكت الآخر حتى يسمع كلامه، ويفهم، ثم يستنطق الآخر، حتى يفهم
تماماً رأيه(١) .
قال رسول الله قال: ((من ابتلي بالقضاء بين المسلمين، فليسوِّ بينهم في المجلس،
والإشارة والنظر، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر))(٢).
وفي كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: ((آس بين الناس في وجهك وعدلك
ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك))(٣)، وعن
الحسن قال: ((جاء رجل فنزل على علي رضي الله عنه، فأضافه، فلما قال: إني أريد أن
أخاصم، قال له علي رضي الله عنه: تحول، فإن النبي مؤلّ نهانا أن نضيف الخصم إلا
ومعه خصمه))(٤)، وعن عبد الله بن الزبير قال: ((سنة رسول الله ◌ُ ◌ّ أن يجلس
الخصمان بين يدي القاضي))، وفي لفظ: ((قضى رسول الله ◌ُ ◌ّ أن الخصمين يقعدان
بین یدی الحاکم)،(٥).
((إن النبي ◌ُ ◌ّ نهانا أن نضيف الخصم إلا ومعه خصمه)) ورواية البيهقي له بإسناد ضعيف منقطع، وله
=
طريق آخر عند الطبراني في الأوسط عن علي ، قال: (( نهى النبي ◌ُ ◌ّ أن يضيف أحد الخصين دون الآخر)»
وفيه ضعيف ( نصب الراية: ٧٣/٤ ، تلخيص الحبير : ١٩٣/٤ وما بعدها ، مجمع الزوائد : ١٩٧/٤ ) .
(١)
البدائع ، المرجع السابق: ص ٩ ، المبسوط: ٦١/١٦، فتح القدير: ٤٦٩/٥ .
رواه إسحق بن راهويه في مسنده وأبو يعلى والدارقطني والطبراني عن أم سلمة، ولفظ الدارقطني: ((من
(٢)
ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده)) ( فتح القدير ، المرجع السابق ، نصب
الراية: ٧٣/٤ ، مجمع الزوائد: ١٩٧/٤، تلخيص الحبير : ١٩٣/٤ ) .
روى الكتاب الدارقطني والبيهقي في سننيها عن أبي المليح الهذلي ، وروى بعضه ابن أبي شيبة في مصنفه من
(٣)
طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ونقله ابن الجوزي في سيرة عمر بن الخطاب واعتمده ابن القيم في
أعلام الموقعين ( راجع نصب الراية: ٦٣/٤، ٨١ ، أعلام الموقعين: ٨٥/١ ، الوسيط في أصول الفقه للمؤلف :
هامش ص ٣١٢ ) .
رواه إسحق بن راهويه عن الحسن ، ورواه أيضاً عبد الرزاق والدارقطني وغيرهم كما سبق في تخريجه قريباً
(٤)
( فتح القدير : ٤٦٩/٥ ، نصب الراية: ٧٣/٤ ) .
رواه أبو داود وأحمد والبيهقي والحاكم عن عبد الله بن الزبير وفي إسناده ضعيف (نيل الأوطار: ٢٧٤/٨ ،
(٥)
تلخيص الحبير : ١٩٣/٤ ) .
- ٥٠٠ -