النص المفهرس
صفحات 381-400
ما ذكر ضمان بالتسبب، والقاعدة تقول: ((يضاف الفعل إلى المتسبب ما لم يتخلل واسطة)). ودليل الضمان في تلك الحالات وأمثالها هو قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام))(١). المطلب الثاني - سقوط البناء أو الجدار بسبب خلل طارئ عليه: إذا بنى الشخص بناءه أو حائطه بناء مستوياً أو مستقيماً، ثم مال إلى الطريق أو إلى دار إنسان، أو تشقق بالعرض لا بالطول، فسقط على شيء فأتلفه، ففي ضمان الشيء المتلف رأيان للفقهاء: ١ - مذهب الشافعية(٢): لا ضمان به في هذه الحالة؛ لأن صاحبه تصرف في ملكه، والميل لم يحصل بفعله، فأشبه ما إذا سقط بلا ميل، سواء أمكنه هدمه وإصلاحه أم لا ، وسواء طولب بالنقض أم لا . ٢ - مذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة)(٢): في الأمر تفصيل: أ - إن لم يطالب بنقضه، حتى سقط على إنسان، فقتله، أو على مال فأتلفه، فلا ضمان؛ لأنه بناه في ملكه، والميل حادث بغير فعله، فأشبه ما لو وقع قبل ميله، کثوب ألقته الريح في يده، فما تولد منه، لا يؤاخذ به. ب- وأما إن طولب بنقضه، فلم يفعل، ثم سقط بعدئذٍ في مدة يمكنه فيها (١) روي من حديث عبادة بن الصامت ، وابن عباس ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، وأبي لبابة ، وثعلبة بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وعائشة ( راجع نصب الراية: ٣٨٤/٤ ) . (٢) مغني المحتاج : ٨٦/٤ . البدائع: ٢٨٣/٧، الدر المختار: ٤٢٤/٥، تكملة الفتح: ٣٤١/٨ وما بعدها، الكتاب مع اللباب : ١٦٧/٣ ، (٣) المغني : ٨٢٨/٧ . - ٣٨١ - نقضه، فهو ضامن ما تلف به من نفس أومال؛ لأنه حينئذ يصبح متعدياً، كما لو امتنع عن تسليم (أو رد) ثوب ألقت به الريح في دار إنسان، وطولب به، فهلك، یضمن. ولأن للناس حق المرور بدون ضرر، ولیس لأحد منعهم منه. أما إذا لم يفرط في نقضه، وذهب حتى يستأجر عاملاً يهدمه، فسقط، فأفسد شيئاً، فلا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه فقط إزالة الضرر بقدر الإمكان . والمطالبة بالنقض أو الإصلاح هو المعروف بشرط التقدم، والتقدم: هو التنبيه والتوصية أولاً بدفع وإزالة مضرة مظنونة (م ٨٨٩ مجلة). الإشهاد على المطالبة بالنقض: لا يشترط الإشهاد لصحة التقدم أو المطالبة بالإصلاح، وإنما الإشهاد كما قال الحنفية أمر ضروري لإثبات سبب الضمان أي لإثبات حصول الطلب عند القاضي والإلزام بالضمان عند الإنكار. فلو اعترف صاحب الدار أنه طولب بنقض الجدار، وجب عليه الضمان، وإن لم يشهد عليه. معنى الإشهاد: الإشهاد هو أن يقول الرجل: ((اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل في هدم حائطه هذا)) أي أن المعتبر هو المطالبة بالهدم(١). وتعتبر شهادة رجلين أو رجل وامرأتين على التقدم أي المطالبة. عناصر الإشهاد : ١ - الذي يطالب بالإشهاد: إن كان ميلان الحائط إلى دار إنسان، فالإشهاد إلى صاحب الدار إن كان فيها، أو إلى الساكن إن كانت مسكونة. وإن كان الميلان إلى الطريق العام، فالإشهاد إلى كل من له حق المرور، مسلماً كان أو ذمياً. أما إن مال بعض البناء للطريق وبعضه لدار إنسان، فأي طلب من إنسان يصح، لأنه إذا صح الإشهاد في البعض، صح في الكل. (١) راجع هذا وما يأتي بعده في البدائع: ٢٨٤/٧، تكملة الفتح: ٣٤٢/٨، الدر المختار: ٤٢٥/٥. - ٣٨٢ - ٢ - المشهود عليه: يصح الإشهاد على من يملك نقض الجدار، وهو المالك، أو صاحب الولاية على الغير كالأب والوصي وقيم الوقف؛ لأن المطالبة بالنقض ممن لا يملكه عبث ولا فائدة منه. فلا يطالب بالنقض المستأجر والمرتهن، والمستعير والوديع، لعدم ولا يتهم على النقض والتصرف، فكان الإشهاد عليهم وعدمه سواء. فترة الطلب والإشهاد: لا يصح الطلب والإشهاد إلا بعد ميل البناء وقبل السقوط ؛ لأن ما قبل الميل لا يوجد تعدي، وما بعد السقوط لا فائدة من الطلب. كما لا تتحقق المسؤولية عن الضمان إلا بعد مضي مدة يقدر فيها صاحب الحائط على نقضه؛ لأن الضمان يجب بترك النقض الواجب، ولا وجوب بدون الإمكان أو الاستطاعة. فلو ذهب يطلب من ينقضه أو يهدمه، فسقط الحائط، فتلف به شيء، فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يكن متعدياً بالتفريط أو الإهمال. طلب التأجيل أو الإبراء بعد الإشهاد: ن كان ميل الحائط إلى دار إنسان من مالك أوساكن، فطلب منه الهدم وأشهد على طلبه، ثم طلب صاحب الحائط تأجيله أو إبراءه من الجناية، فأجل أو أبرأ، صح؛ لأن الحق الخاص يملك صاحبه التنازل عنه . وأما إن كان الميل إلى الطريق، فأبرأ أو أجل الذي طلب النقض أو شهد على صاحب الحائط، وهو من له حق المرور، أو القاضي، فلا يصح ولا يبرأ؛ لأن هذا حق عام، والحق العام لا يملك أحد التنازل عنه، وتصرف القاضي في الحق العام نافذ فيما ينفعهم لافيما يضرهم(١). التصرف في البناء بعد الإشهاد: إذا تصرف صاحب الحائط أو الدار في البناء ببيع أو غيره كهبة، بعد الإشهاد، فسقط الحائط بعد قبض المشتري المبيع، أو (١) الدر المختار : ٤٢٥/٥. - ٣٨٣ - بعد ما ملكه بالإيجاب والقبول قبل القبض، في زمان لا يتمكن من نقضه، فلا ضمان على صاحب الحائط الأصلي، فيما هلك بسقوطه، لزوال ولايته بالبيع ونحوه، فلا يملك النقض، فسقط حكم الإشهاد، حتى إنه لو رد المبيع على البائع بقضاء أو غيره أو بخيار شرط أو رؤية للمشتري، لم يضمن البيع، إلا إذا طولب بعد الرد. وأما إن كان الخيار للبائع ونقض البيع، ثم سقط الحائط وأتلف شيئاً، كان ضامناً؛ لأن خيار البائع لا يلغي ولاية الإصلاح، فلا يلغي الإشهاد. فإن سقط الحائط بعد تفريط صاحبه قبل البيع، التزم بالضمان. ويعتبر الجنون والردة مثل التصرف بالبناء، فلو جن صاحب الحائط جنوناً مطبقاً أوارتد ولحق بدار الحرب، ثم أفاق من جنونه، أو عاد مسلماً وردت عليه الدار، لا يضمن إلا بإشهاد جديد في المستقبل(١). الله تعالى ٠ (١) الدر المختار، المكان السابق ، المغني : ٨٢٩/٧. - ٣٨٤ _ الفصل الخامس طرق إثبات الجناية فيه مبحثان : المبحث الأول - لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة. المبحث الثاني - إثبات القتل بطريق خاص - القسامة. المبحث الأول - لحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة: لاحظنا في أثناء الكلام عن الحدود أن الفقهاء يبحثون باختصار طرق إثبات الجريمة الموجبة للحد من شهادة أو إقرار ونحوهما، لما للحد من خطورة خاصة تتطلب توقف الحكم به على ثبوت الجريمة ثبوتاً قاطعاً أو مؤكداً. وذلك بالإضافة إلى وجود مباحث مستقلة لطرق الإثبات في كل كتاب فقهي . وكذلك الشأن في الجنايات، لابد من الإشارة لما تثبت به، تسهيلاً على القاضي في إصدار أحكامه بها، ولفت نظره لضرورة التأكد من وقوع الجناية الموجبة لعقوبة بدنية كالقصاص أو التعزير أو لعقوبة مالية كالدية أو الأرش . لذا فإني أعطي هنا فكرة أو لمحة إجمالية عن طرق الإثبات العامة من إقرار وشهاد وقرينة ونكول عن اليمين، لبيان مدى صلاحية إحداها لإثبات الجناية، سواء عند جمهور الفقهاء أو عند بعض الفقهاء، وأحيل بالتفصيل على البحوث المستقلة الخاصة بكل منها في هذا الكتاب أو غيره. الفقه الإسلامي جـ٦ (٢٥) - ٣٨٥ _ ويلاحظ أن العلماء اتفقوا على جواز إثبات جرائم القصاص في القتل والجرح العمد بالإقرار أو شهادة رجلين. أولاً - الإقرار: الإقرار: هو إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه(١)، وهو حجة قاصرة على المقر لا يتعدى أثره إلى غيره، لقصور ولاية الإقرار على غيره، فيقتصر أثر الإقرار على المقرنفسه. ويؤخذ بمقتضى الإقرار؛ لأن الإنسان غير متهم على نفسه. ولا خلاف في جواز الاعتماد على الإقرار في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والجرائم أو الجنايات والحدود، فقد أجمعت الأمة على صحة الإقرار مطلقاً، وكونه حجة في مختلف العصور، إذا كان صحيحاً. واتفق العلماء على صحة الإقرار بحق من الحر البالغ العاقل المختار غير المتهم في إقراره(٣). ويشترط في الإقرار بالجناية أو الجريمة الموجبة لحد أو قصاص أو تعزير أن يكون واضحاً مفصلاً، قاطعاً في الاعتراف بارتكاب الجرم، عمداً أو خطأ أو شبه عمد. فلا يصح الإقرار المجمل الغامض أو المشتمل على شبهة، حتى يتحدد نوع العقاب، إذ لاعقاب مثلاً على القتل دفاعاً عن النفس أو المال، أو استعمالاً لحق، أو تنفيذاً لقصاص. ولا يصح إقرار المتهم في إقراره لملاطفة صديق ونحوه؛ لأن التهمة تخل برجحان جانب الصدق على الكذب في إقراره. (١) الدر المختار : ٤٦٧/٤ . البدائع: ٢٢٢/٧، تكملة الفتح: ٢٨١/٦، تبيين الحقائق: ٣/٥، الشرح الكبير للدردير: ٣٩٧/٣ وما بعدها ، (٢) المهذب: ٣٤٣/٢، مغني المحتاج: ٢٣٨/٢، المغني : ١٣٨/٥. - ٣٨٦ _ ولا يصح إقرار عديم العقل كالمجنون، وغير المميز. ويصح عند الحنفية خلافاً لبقية الإئمة إقرار الصبي المميز بالديون والأعيان؛ لأنه من ضرورات التجارة. ولا يصح إقرار المستكره أو المتهم الذي يضرب ليقر في الأموال والجنايات الموجبة لحد أو قصاص، ويلغى، ولا يترتب عليه أي أثر، إلا أن المالكية يقولون: لا يلزم إقرار المستكره بمعنى أنه يخير بعد زوال الإكراه بين إجازة الإقرار أو إلغائه أو إبطاله(١). ولا يصح إقرار زائل العقل بنوم أو إغماء أو دواء. أما السكران المتعدي بسكره (وهو من تعاطى مسكراً متعمداً)(٢): فيصح إقراره في كل تصرفاته وجناياته عند الشافعية. ويصح إقراره عند الحنفية في الأموال والأحوال الشخصية وفي القتل والجناية على مادون النفس وعلى الجنين؛ لأنها حقوق شخصية للعباد، ولا يصح إقراره في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة، لوجود الشبهة، وهي تدرأ بالشبهات، لكن يضمن السكران الشيء المسروق وإن كان لا يحد . ولا يصح إقرار السكران بحق أو جناية أو غيرهما عند المالكية والحنابلة؛ لأنه غير عاقل. واتفق الفقهاء(٣) على أنه يجوز للمقر الرجوع عن إقراره في حقوق الله تعالى كالردة والزنا وشرب خمر وسرقة وقطع طريق من أجل إسقاط الحد، لا إسقاط المال؛ لأنها تدرأ بالشبهات. البدائع: ١٨٩/٧ وما بعدها، تكملة الفتح : ٢٦٥/٧، تبيين الحقائق: ١٨٢/٥، الدر المختار: ٨٩/٥، الدردير: (١) ٣٩٧/٣، المغني: ١٩٦/٨، حاشية الباجورتي على شرح ابن القاسم لمتن أبي شجاع : ٤/٢ . الدر المختار: ٤٨٩/٤، رد المحتار والدر: ١٨٠/٣ وما بعدها، الدردير: ٣٩٧/٣، حاشية الباجوري: ٤/٢، (٢) المغني : ١٣٨/٥. فتح القدير: ١٢٠/٤٠، بداية المجتهد: ٤٣٠/٢، الدردير: ٣١٨/٤، مغني المحتاج: ١٥٠/٤، تحفة الطلاب شرح (٣) تنقيح اللباب لزكريا الأنصاري: ص ١٨٠ ، المغني : ١٩٧/٨. - ٣٨٧ - أما حقوق الآدميين كالإقرار بالقتل أو الجُرْح أو قطع طرف، أو إسقاط جنين، فلا يجوز للمقر الرجوع عن إقراره بها، لتعلقها بحقوق الناس الشخصية، ولو أن القصاص مما يدرأ بالشبهات؛ لأن الأصل ألا يجوز إلغاء كلام المكلف بلا مقتضٍ. ولا يشترط تعدد الإقرار، ويكفي مرة واحدة إلا في الإقرار بالزنا عند الحنفية والحنابلة، فإنه يطلب كونه أربع مرات، طلباً للتثبت في إقامة الحد، وعملاً بواقعة إقرار ماعز بن مالك أمام الرسول مؤاته أربع مرات. ثانياً - الشهادة : إن أغلب وقائع الخصومات في الحقوق المالية والجرائم يثبت بالشهادة. وهي: إخبار صادق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء(١). ولا خلاف بين الفقهاء في جواز الاعتماد على الشهادة في الإثبات، لورود النصوص القرآنية والنبوية الدالة على مشروعيتها والقضاء . وعدد الشهود اثنان إلا في الزنا، فلا بد فيه من أربعة شهود لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾. وتقبل عند الحنفية(٢) شهادة النساء مع الرجال في الأموال والأحوال الشخصية (الزواج والطلاق وتوابعها). وعند المالكية والشافعية والحنابلة(4): لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الأموال وتوابعها وعقودها . ولا تقبل شهادة النساء مع الرجال في المذاهب الأربعة في الحدود والجنايات فتح القدير: ٢/٦ ، الدر المختار: ٣٨٥/٤، الشرح الكبير للدردير: ١٦٤/٤، مغني المحتاج: ٤٢٦/٤ . (١) (٢) راجع بحث الشهادة . فتح القدير: ٧/٦، البدائع: ٢٧٧/٦، اللباب شرح الكتاب : ٥٥/٤ وما بعدها ، الهداية : ٩٣/٣ ، ط الخيرية . (٣) بداية المجتهد: ٤٥٤/٢، المهذب: ٣٣٣/٢، المغني: ٩٧/٨، ١٤٩/٩ وما بعدها ، الطرق الحكمية : ص ١٥٢ وما (٤) بعدها ، مغني المحتاج : ١١٨/٤ . - ٣٨٨ - والقصاص وإنما لا بد فيها من شهادة رجلين عدلين، لخطورتها وضرورة التأكد من ثبوتها، وتضييقاً في طرق إثباتها ، واحتيالاً لدرئها، ولأن في شهادة المرأة بدلاً عن الرجل شبهة البدلية، لقيامها مقام شهادة الرجال، فلا تقبل فيما يندرئ بالشبهات. ويقول الزهري: ((مضت السنة من رسول الله ماتم والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود))(١) وقال علي كرم الله وجهه: ((لا تجوز شهادة النساء في الحدود والدماء))(٢). وبما أن هناك خلافات فقهية في أنواع الشهادات في الجرائم فإني أضيف لما سبق التوضيح التالي : ١ - جرائم القصاص في النفس أو ما دونها : لا تثبت عند أئمة المذاهب الأربعة إلا بشهادة رجلين عدلين. ولا تقبل فيها شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة شاهد ويمين المدعي - المجني عليه(٣)، ولا تثبت بالشهادة على الشهادة (٤)، ولا بكتاب القاضي إلى قاض آخر(٥)؛ لأن القصاص عقوبة خطيرة، فيحتاط لدرئه باشتراط شاهدين عدلين. إلا أن المالكية(٦) أجازوا استحساناً في جراح النفس عمداً أو خطأ إثباتها بشهادة شاهد واحد ويمين المجني عليه. كما أنهم أجازوا إثبات جراح العمد بشاهد عدل (١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. وأخرج عن الشعبي والنخعي والحسن والضحاك قالوا: ((لا تجوز شهادة النساء في الحدود )» ( نصب الراية : ٧٩/٤ ) . أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ( نصب الراية ، المكان السابق ) . (٢) المبسوط: ٣٠/١٧، البدائع: ٢٢٥/٦، بداية المجتهد: ٢٥٦/٢، الدردير: ١٨٧/٤، المهذب: ٣٠١/٢، ٣٣٤، (٣) مغني المحتاج : ١١٨/٤، ٤٤٣، ٤٨٢، المغني: ١٥١/٩، ٢٥٢، ٩٧/٨ . (٤) فتح القدير: ٢٠/٦، الدردير: ١٩٨/٤، المهذب: ٣٣٤/٢، المغني : ١٥٨/٩. (٥) تبيين الحقائق: ٢٤١/٤، الدردير: ١٥٩/٤، بداية المجتهد: ٤٥٨/٢، مغني المحتاج: ٤٥٢/٤، المغني: ٩٠/٩. الشرح الكبير للدردير : ١٨٧/٤ وما بعدها . (٦) - ٣٨٩ - وامرأتين، أو أحدهما مع اليمين. وهذه إحدى المستحسنات الأربع، إذ هي ليست مال، ولا آیلة له. ٣° - جرائم التعزير البدني كالضرب والحبس ونحوهما: يرى الحنفية (١) أن التعزير يغلب فيه حق الآدمي، فتثبت جريمة التعزير عندهم بما تثبت به سائر حقوق العباد من الإقرار والبينة والنكول عن اليمين(٢)، وعلم القاضي، وشهادة النساء مع الرجال، والشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي. والمالكية كما قالوا في جرائم القصاص أجازوا إثبات جرائم التعزير البدني بشاهد ويمين المدعي. وأجاز بعض المالكية التعزير في بعض الجرائم بشاهد واحد دون يمين(٣)، وقبل الإمام مالك شهادة الصبيان على بعضهم في الجراح(٤) عملاً بالمصلحة المرسلة أو إجماع أهل المدينة. واقتصر الشافعية والحنابلة(°) على إثبات جريمة التعزير بما تثبت به جريمة القصاص، وهو شهادة رجلين عدلين؛ لأن العقوبة البدنية خطيرة، فيحتاط فيها بقدر الإمكان، فلا تثبت به بما تثبت به الأموال من شهادة رجل وامرأتين أو شهادة رجل ويمين المدعي . ٣- جرائم التعزير المالي كالدية أو الغرامة: تثبت هذه الجريمة في المذاهب الأربعة(٦) بما تثبت به الحقوق المالية كشهادة م. الدر المختار وحاشيته : ٢٠٤/٣ وما بعدها، البدائع : ٦٥/٧. (١) (٢) ونكول الجاني عن اليمين مجرد قرينة تقوي موقف المجني عليه . (٣) تبصرة الحكام : ٢٦٠/١ وما بعدها . الاعتصام للشاطبي: ١١٥/٢ وما بعدها ، كتابنا الوسيط في أصول الفقه: ص ٣٦٤ ، ط ثالثة. (٤) المراجع السابقة . (٥) (٦) المراجع السابقة ، المغني : ٩٨/٨ . - ٣٩٠ - رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأنه يقصد بها المال. وأجاز غير الحنفية إثباتها أيضاً بشاهد ويمين المجني عليه. وأضاف المالكية إمكان إثباتها بامرأتين ويمين المدعي، ولم يجز الحنفية مطلقاً مبدأ قبول شاهد ويمين، ولا يمين وامرأتين، عملاً بما اقتصر عليه النص القرآني في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان) فمن زاد على ذلك فقد زاد على النص، والزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يكون إلا بنص مشابه . ثالثاً - القرائن: القرينة: هي كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً، فتدل عليه. ومنه يفهم أنه لابد في القرينة من تحقق أمرين: ١ - أن يوجد أمر ظاهر معروف يصلح أساساً للاعتماد عليه. ٢- أن توجد صلة مؤشرة بين الأمر الظاهر والأمر الخفي. ولا يحكم عند جمهور الفقهاء بالقرائن في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ولا في القصاص إلا في القسامة للاحتياط في أمر الدماء وإزهاق النفوس، بالاعتماد على وجود القتيل في محلة المتهمين عند من لا يشترط قرينة اللوث (العداوة الظاهرة) أو بالاعتماد على مجرد اللوث عند من يشترطه. ويحكم بها في نطاق المعاملات المالية والأحوال الشخصية عند عدم وجود بينة في إثبات الحقوق الناشئة عنها، ولكنها تقبل إثبات العكس بأدلة أخرى. وأخذ بعض الفقهاء كابن فرحون المالكي وابن القيم الحنبلي(١) بالقرائن أحياناً مع التحفظ والحذر، ولو في نطاق الحدود، وصار ذلك مذهب المالكية والحنابلة، مثل إثبات الزنا بالحمل، وإثبات شرب الخمر بظهور رائحتها من فم المتهم، وثبوت السرقة (١) تبصرة الحكام: ٣١٢/١ ، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: ص ٩٧ وما بعدها ، ٢١٤ وما بعدها . - ٣٩١ - بوجود المال المسروق في حيازة المتهم، ورد المسروقات أو الوديعة أو اللقطة لمن يصفها بعلامات مميزة. ونحوه كثير في إثبات الحق والملكية والأهلية والولادة. واعتبر الحنفية القرينة القطعية (١) وحدها بينة نهائية كافية للقضاء بها، كما لو رئي شخص مدهوشاً ملطخاً بالدم، ومعه سكين ملوثة بالدم، بجوار مضرج بدمائه في مكان، فيعتبر هو القاتل (م/ ١٧٤١ من المجلة). أما القرينة غير القطعية الدلالة ولكنها ظنية أغلبية، ومنها القرائن العرفية، أو المستنبطة من وقائع الدعوى وتصرفات الخصوم، فهي دليل أولي مرجح لزم أحد المتخاصمين مع يمينه، متى اقتنع بها القاضي، ولم يثبت خلافها(٢). رابعاً - النكول عن اليمين: النكول عن اليمين: هو الامتناع عن حلف اليمين الموجهة إلى المدعى عليه بطريق القاضي. وهو لا يعدو أن يكون مجرد قرينة على صدق المدعي في اتهام المتهم. ويقضى به عند الحنفية والحنابلة (٣)؛ لأن النبي مع قلّ جعل جنس اليمين في جانب المدعى عليه وحصرها فيه في قوله عليه الصلاة والسلام: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه». ويقضى بالنكول عند أبي حنيفة في القصاص في الأطراف حالة العمد، وبالدية حالة الخطأ. ولا يقضى فيه عنده بالقصاص بالنفس لا بالقصاص ولا بالدية، لکن يحبس الجاني حتى يقرأو يحلف. ولا يقضى بالنكول في القصاص بالنفس أو بالطرف عند الحنابلة والصاحبين. عرفت المجلة القرينة القاطعة : بأنها الأمارة البالغة حد اليقين (م/١٧٤١ ) . (١) (٢) المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى الزرقاء : ف/٥٣٦ . تكملة فتح القدير: ١٥٥/٦، ١٥٨، المبسوط: ٣٥/١٧، الدر المختار: ٤٤٢/٤، المغني: ٢٣٥/٩ وما بعدها ، (٣) كشاف القناع : ٣٣٢/٦ وما بعدها . - ٣٩٢ - : كما لا يقضى بالنكول باتفاق الحنفية والحنابلة في الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة والشرب، لاشتماله على الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. وأما التعازير فيقضى فيها بالنكول عند الحنفية كما بينا سابقاً، أما عند الحنابلة فلا يقضى فيها بالنكول، على ما هو الظاهر في الترجيح بين الروايتين عن أحمد ؛ لأنه يرى قصر الأيمان على الأموال والعروض التجارية(١). ولم يأخذ المالكية والشافعية(٢) بالنكول، وإنما أخذوا باليين المردودة في جانب المدعي، ويقضى باليمين المردودة عند المالكية في الأموال وما يؤول إليها فقط كخيار وأجل دون ما سواها من القصاص والحدود والتعازير. وأما عند الشافعية: فيقضى باليمين المردودة في جميع الحقوق والتعازير، ما عدا جنايات الدماء والحدود، فلا يقضى فيها بالقصاص ولا بالحد. المبحث الثاني - إثبات القتل بطريق خاص - القسامة: فيه ثمانية مطالب: معنى القسامة، ومشروعيتها، وآراء الفقهاء في شرعيتها، ومحل القسامة (الجريمة التي تجوز فيها) ومتى تكون، وشروطها، وكيفيتها، ومن تجب عليه، وحكمها أو ما يجب بها . المطلب الأول - معنى القسامة: القسامة لغة: مصدر بمعنى القسم أي اليمين. وشرعاً: هي الأيمان المكررة في دعوى القتل، وهي خمسون يميناً من خمسين رجلاً. يقسمها عند الحنفية(٣): أهل المحلَّة التي وجد فيها القتيل ويتخيرهم ولي الدم، لنفي تهمة القتل عن المتهم، فيقول الواحد منهم : بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلاً. فإذا حلفوا غرموا الدية. (١) المغني: ٦٧/٨، ٢٣٨/٩، كشاف القناع: ٣٣٢/٦. (٢) بداية المجتهد : ٤٥٤/٢، الدردير: ١٤٦/٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ١١٨/٤، ١٥٠، المهذب: ٣٠١/٢، ٣١٨. البدائع: ٢٨٦/٧، الكتاب مع اللباب : ١٧٢/٣، تبيين الحقائق: ١٦٩/٦، الدر المختار : ٤٤٢/٥. (٣) - ٣٩٣ - وعند الجمهور غير الحنفية(١): يحلفها أولياء القتيل لإثبات تهمة القتل على الجاني. بأن يقول كل واحد منهم: بالله الذي لا إله إلا هو: لقد ضربه فلان فمات، أو لقد قتله فلان. فإن نكل بعضهم أي ورثة القتيل عن اليمين، حلف الباقي جميع الأيمان، وأخذ حصته من الدية. وإن نكل الكل أو لم يكن هناك لوث (قرينة على القتل أو العداوة الظاهرة) ترد اليمين على المدعى عليه ليحلف أولياؤه خمسين يميناً. فإن لم يكن له أولياء (عاقلة) حلف المتهم (الجاني) الخمسين، وبرئ. وإذا حلف أولياء القتيل وجب عند المالكية القصاص في حالة العمد، والدية في حالة شبه العمد أو الخطأ. وتجب الدية فقط في كل الحالات عند الشافعية، على ما سنبين . فهل القسامة إذاً دليل نفي أم دليل إثبات ؟ قال الحنفية: القسامة دليل لنفي التهمة عن المدعى عليهم. وقال الجمهور: إنها دليل للمدعين لإثبات تهمة القتل على القتيل إذا لم تتوافر وسائل الإثبات الأخرى. المطلب الثاني - مشروعية القسامة وحكمة التشريع وسبب وجوب القسامة : ثبتت مشروعية القسامة بالسنة في أحاديث متعددة، منها : ما رواه رجل من الأنصار: ((أن النبي ◌ُّالم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية))(٣). وقال رسول الله مَ اقال: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر إلا في القسامة))(٣). الشرح الكبير للدردير: ٢٩٣/٤، بداية المجتهد: ٤٢١/٢، مغني المحتاج : ١٠٩/٤، ١١٤، المهذب: ٣١٨/٢ ، (١) المغني : ٦٨/٨ ، كشاف القناع : ٦٦/٦ وما بعدها . رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار (نيل الأوطار: ٣٤/٧ ). (٢) رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وهو ضعيف ( نيل الأوطار: ٣٩/٧ ). (٣) - ٣٩٤ _ وروى الجماعة عن سهل بن أبي حَثْمة قال: ((انطلق عبد الله بن سهل، ومُحَيِّصة بن مسعود إلى خيبر، وهو يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل، وهو يتشحط في دمه(١) قتيلاً، فدفنه ، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومُحَيِّصة وحُوَيَّصة ابنا مسعود إلى النبي ◌َ ◌ّإِ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: كبِّر كبّر(٢)، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما، قال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم(٣)؟ فقالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرّئكم يهود بخمسين يميناً(٤)، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي محمد اّل من عنده)»(٥). وفي لفظ آخر: ((أتحلفون خمسين يميناً، وتستحقون دم صاحبكم)) أي يقتص لكم من قاتله . والحكمة من تشريع القسامة: هي أنها شرعت لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر (أو يطل) دم في الإسلام، وكيلا يفلت مجرم من العقاب، قال علي لعمر فيمن مات من زحام يوم الجمعة أو في الطواف: ((يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال)). وأما إلزام عصبة أو عاقلة القاتل بالقسامة والدية عند الحنفية(١) فبسبب وجود التقصير منهم في الحفاظ على حياة القتيل قبل قتله في الموضع الذي وجد فيه، ولعدم هو الاضطراب في الدم . (١) (٢) أي دع من هو أكبر منك سناً يتكلم . فيه دليل على مشروعية القسامة . وإليه ذهب جمهور الصحابة والتابعين والعلماء من الحجاز والكوفة والشام ، (٣) كما حكى القاضي عياض. وهي أصل مستقل من أصول الشريعة لووود الدليل بها، فتخصص بها الأدلة العامة ، وفيها حفظ للدماء وزجر للمعتدين . أي يخلصونكم عن الأيمان بأن يحلفوا ، فإذا حلفوا انتهت الخصومة . (٤) (٥) نيل الأوطار : ٣٤/٧ . فعقله النبي أي وداه بمائة من إبل الصدقة كما جاء في لفظ لأحمد . البدائع : ٢٩٠/٧ ، اللباب شرح الكتاب : ١٧٢/٣ . (٦) - ٣٩٥ _ نصرته أو حمايته من اعتداء الجاني عليه، كما في القتل خطأ، كأنهم شرطة، وبما أن حفظ المحلة عليهم ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم فهم مسؤولون، والخراج بالضمان على لسان الرسول عليه السلام(١). ويلاحظ أن إيجاب الدية بعد القسامة ليس هو الهدف الأصلي من القسامة وإنما الغرض الحقيقي منها: هو إظهار جريمة القتل، وتطبيق القصاص عندما يحس الحالفون بخطورة اليمين، ويتحرجون من حلف اليمين الكاذبة، فيقرون بالقتل، فإذا حلفوا برئوا من القصاص، وثبتت الدية لئلا يهدر دم القتيل، وعلى هذا فإن القسامة لم تشرع لإيجاب الدية إذا نكلوا عن الأيمان. وإنما شرعت لدفع التهمة بالقتل، وأما الدية فلوجود القتيل بين أظهرهم. وإلى هذا المعنى أشار عمر حينما قيل: ((أنبذل أموالنا وأيماننا؟ فقال: أما أيمانكم فلحقن دمائكم، وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم)). ومن نكل من عصبة القاتل عن اليين حبس حتى يحلف؛ لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها، تعظيماً لأمر الدم، فيجمع بينه وبين الدية، وذلك بعكس النكول عن اليمين في الأموال؛ لأن الحلف فيها بدل عن أصل حق صاحب المال (المدعي)، ولهذا يسقط اليمين ببذل المدعى به. وأما أيمان القسامة فلا تسقط ببذل الدية؛ لأنها واجب أصلي لإظهار القصاص، وليست بدلاً عن حق . المطلب الثالث - آراء الفقهاء في شرعية القسامة : أقر فقهاء المذاهب الأربعة والشيعة والظاهرية مشروعية القسامة لثبوتها بالسنة النبوية، کما بينا. وروى القاضي عياض عن جماعة من السلف (منهم أبو قلابة وسالم بن عبد الله (١) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة وضعفه البخاري وصححه الترمذي وغيره . - ٣٩٦ _ والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن خالد ، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه) أن القسامة غير ثابتة ، لمخالفتها لأصول الشريعة (١) . من وجوه (١): منها - أن اليمين لا يجوز إلا على ما علم قطعاً أو شوهد حساً. ومنها - أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. ومنها - أن حديث سهل السابق الوارد بها ليس فيه حكم بها، وإنما كانت القسامة من أحكام الجاهلية، فتلطف بهم النبي ◌ُ ◌ّ ليريهم كيفية بطلانها. وأجيب عليهم: بأن القسامة ثبتت بحديث خاص، فلا يترك العمل بها من أجل الدليل العام، فتكون مخصصة له، لما فيها من حفظ الدماء، وزجر المعتدين. وأما دعوى أن النبي قال ذلك للتلطف بهم في بيان بطلانها، فمردود لثبوتها في أحاديث ووقائع أخرى، منها حديث أبي سلمة الذي أقر به النبي ◌ُ التل القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. المطلب الرابع - محل القسامة ومتى تكون ؟ لا تكون القسامة إلا في جريمة القتل فقط أياً كان نوع القتل عمداً أو خطأ أو شبه عمد، دون بقية الاعتداءات على النفس من قطع أو جرح أو تعطيل منفعة عضو؛ لأن النص ورد في القتل، فيقتصر في القسامة على محل ورودها . كما لا تكون عند الحنفية(٢) إلا إذا كان القاتل مجهولاً، فإن كان معلوماً فلا قسامة، ويجب حينئذ القصاص أو الدية . (١) نيل الأوطار : ٣٦/٧ ، بداية المجتهد : ٤١٩/٢ . البدائع : ٢٨٨/٧، تكملة فتح القدير : ٣٨٣/٨، تبيين الحقائق : ١٦٩/٦ . (٢) - ٣٩٧ - ولا تكون القسامة عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة)(١) إلا إذا كان هناك لوث (أو لطخ، أو شبهة)، ولم توجد بينة للمدعي في تعيين القاتل، ولا إقرار. واللوث كما عرفه المالكية: هو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بوقوع المدعى به، أو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بأنه قتل. وذكروا له أمثلة خمسة يظهر منها تعيين القاتل بدليل غير كاف لإثبات القتل، وهي: ١- أن يقول المجروح المُدمى البالغ العاقل الحر المسلم: دمي عند فلان، مع وجود الجرح وأثر الضرب، أو يقول: قتلني فلان، وذلك سواء أكان الْمُدمى عدلاً أم فاسقاً (مسخوطاً). والتدمية في العمد لوث باتفاق المالكية. وفيها قولان في الخطأ، أرجحهما أنها لوث. ٢- شهادة عدلين على معاينة الضرب أو الجرح، أو على إقرار المدمى في المثال الأول. ٣- شهادة واحد على معاينة الجرح أو الضرب. ٤۔ شهادة واحد على معاينة القتل. ٥- أن يوجد القتيل، وبقربه شخص عليه أثر القتل. وعرفه الشافعية: بأنه قرينة حالية أو مقالية لصدق المدعي، أو هو أن يوجد معنى يغلب معه على الظن صدق المدعي، كأن وجد قتيل أو بعضه كرأسه في مَحَلَّة، أو قرية صغيرة، بينها وبين قبيلة المقتول عداوة دينية أو دنيوية، ولا يعرف قاتله، ولا بينة بقتله. أو وجد قتيل تفرق عنه جمع كأن ازدحموا على بئر أو على باب الكعبة، ثم تفرقوا عن قتيل، لقوة الظن أنهم قتلوه، ولا يشترط هنا كونهم أعداء، لكن (١) الشرح الكبير للذردير: ٢٨٧/٤ ، بداية المجتهد: ٤٢٢/٢، مغني المحتاج: ١١١/٤ وما بعدها، نهاية المحتاج: ١٠٥/٧، المهذب: ٣١٨/٢ وما بعدها، المغني: ٦٨/٨، كشاف القناع: ٦٨/٦، القوانين الفقهية: ص ٣٤٩ . - ٣٩٨ _ يشترط أن يكونوا محصورين بحيث يتصور اجتماعهم على القتيل. وإلا لم تسمع الدعوى ولا قسامة. والتحام قتال بين صفين أو وصول سلاح في أحدهما للآخر: لوث في حق الصف الآخر، وشهادة العدل الواحد أو النساء، وقول فسقة وصبيان وكفار: لوث في الأصح. وعرف الحنابلة اللوث: بأنه العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، لنحو ما كان بين الأنصار ويهود خيبر، وما يكون بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء، وما بين البغاة وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله، فإن لم تكن عداوة ظاهرة بين المتهم والمقتول ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرق جماعة عن قتيل أو في زحام أو شهد نساء وصبيان وفساق أو عدل فليس لوثاً. وإن ادعى شخص القتل من غير وجود عداوة، فلا بد من تعيين المدعى عليه. وإذا رفعت الدعوى على عدد غیر معین لم تسمع الدعوى، كما قال الشافعية. وبهذا يظهر أن المالكية يرون أن وجود القتيل في المحلة ليس لوثاً، وإن كانت هنالك عداوة بين القوم الذين منهم القتيل، وبين أهل المحلة. ويعتبرون ادعاء المجني عليه على المتهم قبل وفاته لوثاً، وهذا هو التدمية في العمد: وهو قول المقتول: فلان قتلني أو دمي عند فلان. ولا يعتبره الشافعية وسائر العلماء لوثاً. والإشاعة المتواترة على ألسنة الخاص والعام أن فلاناً قتله: لوث عند الشافعية، وليست لوثاً عند المالكية . والخلاصة أن اللوث: هو أمارة غير قاطعة على القتل، ولكن حالات اللوث مختلف فيها بین الجمهور. - ٣٩٩ - المطلب الخامس - شروط القسامة: اشترط الحنفية(١) في القسامة سبعة شروط هي ما يأتي: ١ - أن يكون بالقتيل أثر القتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا قسامة فيه ولا دية، لأنه إذا لم يكن به أثر القتل، فالظاهر أنه مات حتف أنفه، فلا يجب به شيء. فإذا وجد والدم يخرج من فمه أو من أنفه أو دبره، أو ذكره، لاشيء فيه؛ لأن الدم يخرج من هذه المواضع عادة بدون الضرب، وإنما بسبب القيء أو الرعاف ونحوهما، فلا يعرف كونه قتيلاً. وإن كان الدم يخرج من عينه أو أذنه، ففيه القسامة والدية؛ لأن الدم لا يخرج من هذه المواضع عادة، فكان خروجه بسبب القتل. وعلى هذا لا يشترط الحنفية: اللوث، وإنما يكفي أن توجد الجثة في محلة وبها أثر القتل. وقال جمهور الفقهاء غير الحنفية(٢): يشترط للقسامة وجود لوث، ولكن ليس من شرط اللوث قرينة القتل أن يكون بالقتيل أثر، بل لا بد من تحقق الموت قتلاً بسبب، لاقضاءً وقدراً محضاً؛ لأن النبي ◌ُّ لم يسأل الأنصار في قتيل خيبر، هل كان بقتيلهم أثر أولا، ولأن القتل يحصل بما لاأثر له كالخنق وعصر الخصيتين. ومن به أثر قد يموت حتف أنفه لسقطته أو صرعته أو يقتل نفسه. ٣ - أن يكون القاتل مجهولاً، فإن علم فلا قسامة فيه، ولكن يجب القصاص بشروطه في القتل العمد، وتجب الدية في شبه العمد والخطأ ونحوهما. ٣ - أن يكون القتيل من بني آدم، فلا قسامة في بهيمة وجدت في محلة قوم، ولا غرم فيها . البدائع: ٢٨٧/٧ - ٢٩٠، الكتاب مع اللباب : ١٧٣/٣، تبيين الحقائق: ١٧١/٦، الدر المختار : ٤٤٣/٥ وما (١) بعدها . (٢) الشرح الكبير للدردير: ٢٨٧/٤، مغني المحتاج: ١١١/٤، المغني: ٧١/٨، القوانين الفقهية: ص ٣٤٩ . ١٠ - ٤٠٠ -