النص المفهرس

صفحات 341-360

سراية الجناية :
لا خلاف بين الفقهاء في أن سراية الجناية مضمونة(١)؛ لأنها أثر الجناية، وبما أن
الجناية مضمونة، فكذلك أثرها .
فإن سرت الجناية الى النفس، وجب القصاص.
وإن لطمه فذهب ضوء عينيه، لم يقتص منه عند الجمهور؛ لأن الماثلة فيها غير
ممكنة، وقال الشافعية: يجب القصاص فيه بالسراية؛ لأن له محلاً مضبوطاً(٢).
وإن قطع الجاني أصبعا، فتأكَّلت أخرى وسقطت من مفصل، وجب فيه
القصاص عند الصاحبين والحنابلة. وقال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء: لاقصاص وتجب
دية الأصبع الثانية، لعدم تحقق العمدية(٣).
العقوبة الأصلية الثانية عند المالكية في إبانة الأطراف - التعزير:
يوجب المالكية(٤) التعزير (أو الأدب على حد تعبيرهم) على المعتمد عندهم في
الجناية على مادون النفس، بحسب اجتهاد الحاكم، سواء في حالة العمد (لا الخطأ)
الذي لاقصاص فيه، أو العمد الذي فيه القصاص، فتقطع يد الجاني مثلاً ويعزر (أو
يؤدب)، سواء في الأطراف أو الشجاج أو الجراح.
ولا يرى جمهور الفقهاء حاجة لهذا التعزير مع القصاص؛ لأن الله تعالى جعل
العقوبة في قوله: ﴿ والجروح قصاص﴾ هي القصاص دون غيره، فمن أضاف غيرها
فقد زاد على النص بدون دليل، وهذا الرأي أولى بالاتباع.
(١)
المغني : ٧٢٧/٧ ، مغني المحتاج: ٣٣/٤ .
(٢)
المغني : ٧١٥/٧ ، مغني المحتاج : ٢٩/٤ ، المهذب : ١٨٦/٢.
(٣)
المغني: ٧٢٧/٧ ، البدائع : ٣٠٧/٧ ، مغني المحتاج : ٣٠/٤ .
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٢٥٣/٤ ، الشرح الصغير: ٣٥٣/٤ .
(٤)
- ٣٤١ -

العقوبة البدلية في إبانة الأطراف - الدية أو الأرش:
اذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب وجبت الدية بدلاً عنه، كما تجب أيضا
عند الشافعية والحنابلة بصفة عقوبة أصلية اذا كانت الجناية شبه عمد .
وتجب الدية كاملة بإزالة جنس المنفعة كإتلاف اليدين، ويجب الأرش بإزالة
بعض المنفعة كإتلاف يد واحدة أو أصبع واحدة. والأرش نوعان: مقدر وغير مقدر.
والمقدر: هو ماحدد الشرع له نوعاً ومقداراً معلوماً كأرش اليد والعين. وغير المقدر:
هو مالم يقدر له الشرع مقداراً معيناً، وترك أمر تقديره للقاضي.
ما تجب فيه الدية كاملة :
تجب الدية كاملة بدلاً عن القصاص في الجناية العمدية أو في حالة الجناية خطأ
بإزالة جنس منفعة العضو، إما بإبانته (أو قطعه)، أو بتعطيل منفعته (إذهاب
معناه) مع بقاء الهيكل أو الصورة.
والأعضاء التي تجب فيها الدية أنواع أربعة :
نوع لا نظير له في البدن، ونوع في البدن منه اثنان، ونوع في البدن منه
أربعة، ونوع في البدن منه عشرة.
النوع الأول- مالا نظير له في البدن، وهو ما يلي(١):
الأنف، اللسان، الذكر أو الحشفة، الصلب إذا انقطع المني، مسلك البول،
مسلك الغائط، الجلد، شعر الرأس، شعر اللحية اذا لم ينبت.
أما الأنف : اذا قطع كله، أو قطع المارن (وهو مالان من الأنف) ففيه الدية
(١) البدائع: ٣١١/٧، الشرح الكبير: ٢٧٢/٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ٦١/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٠٠/٢،
المغني : ١/٨ وما بعدها .
- ٣٤٢ -

لقوله عليه الصلاة والسلام في كتاب عمرو بن حزم: ((وإن في الأنف إذا أُوعب جَدْعُه
الدية)) أي إذا قطع جميعه. والأنف مشتمل على الفتحتين (المنخرين) وعلى الحاجز
بينهما وتندرج حكومة قصبته في ديته، عند الفقهاء حتى الشافعية(١) وفي كل من
طرفي الأنف، والحاجز: ثلث الدية.
وأما اللسان المتكلم به- لسان الناطق: ففيه الدية لقوله عليه السلام في
حديث ابن حزم: ((وفي اللسان الدية)).
وفي لسان الأخرس عند (المالكية والحنفية والشافعية): حكومة (أي تعويض
يقدره القاضي) وعند الحنابلة: فيه ثلث الدية(٢)، أي حكومة.
وفي لسان الطفل الذي لم ينطق دية عند الجمهور، وحكومة عند أبي حنيفة.
وفي الذكر أو الحشفة (رأس الذكر) ولو لصغير وشيخ: الدية، للحديث
السابق في الديات: ((وفي الذكر الدية)».
وفي ذكر الخصي والعنّين(٣) عند الحنفية والحنابلة: حكومة، وعند المالكية على
الراجح والشافعية : دية كاملة (٤).
وفي الصلب إذا انقطع الماء وهو المني الذي فيه: الدية، للحديث السابق في
الديات: ((وفي الصلب الدية)).
وفي إتلاف كل من مسلك البول أو مسلك الغائط : الدية عند الفقهاء،
(١)
مغني المحتاج: ٦٢/٤، كشاف القناع: ٣٧/٦.
مغني المحتاج: ٦٣/٤، المغني: ١٦/٨، البدائع: ٣١١/٧، اللباب: ١٥٤/٣، الشرح الكبير للدردير: ٢٧٧/٤ ،
(٢)
كشاف القناع : ٤١/٦ .
وهو من لا يتأتى منه الجماع .
(٣)
اللباب شرح الكتاب: ١٥٤/٣، الدردير في الكبير: ٢٧٣/٤، مغني المحتاج: ٦٧/٤، المغني : ٣٣/٨ ، كشاف
(٤)
القناع : ٤٧/٦ وما بعدها .
- ٣٤٣ -

وهو الأقرب عند المالكية؛ لأن الجاني فوَّت منفعة مقصودة بنحو كامل، فيجب عليه
كمال الدية(١).
وفي سلخ الجلد عند الشافعية : الدية إذا لم ينبت ، وبقيت حياة مستقرة في
المسلوخ ، ثم مات بسبب آخر غير السلخ ، كأن حز غير السالخ رقبته بعد السلخ(١).
وتجب الدية عند المالكية إذا أدت الجناية إلى تجذيم الجلد أو تبریصه، أو
تسويده (٣).
وتجب عند الحنفية والحنابلة في الجلد حكومة عدل، إلا أن الحنفية قالوا: في
سلخ جلد الوجه كال الدية (٤).
وفي إزالة شعر الرأس أو اللحية أو الحاجبين، ولم ينبت بعدئذ : الدية عند
الحنفية والحنابلة. وأما عند المالكية والشافعية: فيجب في الكل حكومة عدل(٥).
النوع الثاني -الأعضاء التي في البدن منها اثنان: وهي ما يأتي(٩):
اليدان، الرجلان، العينان، الأذنان، الشفتان، الحاجبان إذا ذهب شعرهما نهائياً ولم
ينبت، والثديان، والحلمتان، والأنثيان، والشُّفران، والأليتان، واللَّحيان.
فإذا ذهب واحد منها ففيه نصف الدية.
أما اليدان إن قطعتا من الرسغ أو الكتف أو المنكب(٢) ففيهما الدية، لحديث
معاذ: ((وفي اليدين، وفي الرجلين الدية)) ولحديث سعيد بن المسيب عن النبي مُ له:
البدائع: ٣١١/٧ ، الدردير والدسوقي : ٢٧٧/٤، مغني المحتاج : ٧٤/٤ ، المغني : ٥١/٨.
(١)
مغني المحتاج : ٦٧/٤ وما بعدها .
(٢)
(٣)
الدردير والدسوقي : ٢٧٢/٤ .
(٤)
الدر المختار : ٤١٣/٥
(٥)
البدائع : ٣١٢/٧، الدر المختار: ٤٠٨/٥ وما بعدها، الدردير والدسوقي : ٢٧٧/٤ ، مغني المحتاج : ٧٩/٤ ، كشاف
القناع : ٣٦/٦، المغني : ١٠/٨ وما بعدها .
(٦)
البدائع : ٣١١/٧ .
المنكب : مَجْمع عظم العضد والكتف .
(٧)
- ٣٤٤ _

((في العينين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي
الأذنين الدية، وفي الأنثيين الدية))(١) وفي اليد الواحدة نصف الدية؛ لما روى مالك
والنسائي في حديث عمرو بن حزم: «وفي الید خمسون)».
وأما الرجلان: ففيهما الدية، وفي الرِّجْل الواحدة نصف الدية، لحديث معاذ
وابن المسيب المتقدمين في دية اليدين، وحديث ابن حزم: ((وفي الرجل خمسون)).
والعينان : فيهما الدية لحديث ابن المسيب المتقدم ولحديث عمرو بن حزم:
((وفي العينين الدية)). وفي قلع العين الواحدة نصف الدية لحديث ابن حزم: ((وفي
العين خمسون))(٢).
والأذنان: فيهما الدية بالقطع أو القلع، وفي أذن واحدة نصف الدية لخبر
عمرو بن حزم: ((في الأذن خمسون من الإبل))(٣) واشترط مالك لديه الأذنين ذهاب
السمع، فإن لم يذهب ففيها حكومة.
والشفتان: فيهما الدية لخبر عمرو بن حزم: ((وفي الشفتين الدية)). وفي كل
شفة نصف الدية، عليا أو سفلى، صغرت أو كبرت.
والحاجبان: إذا أزيل شعرهما ولم ينبت فيهما الدية عند الحنفية والحنابلة.
وفي أحد الحاجبين: نصف الدية؛ لأن الجاني أتلف جنس منفعة مقصودة، أو فوت
جمالاً مقصوداً لذاته.
وعند المالكية والشافعية في إزالة شعر الحاجبين الحكومة فقط (أي التعويض
المقدر قضاء)؛ لأنه إتلاف جمال من غير منفعة، فلا تجب فيه الدية(٤).
(١)
قال عنه الزيلعي في ( نصب الراية : ٣٧١/٤ ) : غريب .
(٢)
حديث عمرو بن حزم سبق تخريجه ، وقد صححه ابن حبان ، والحاكم ، وحكى ابن المنذر الاجماع فيه .
(٣)
رواه الدارقطني والبيهقي .
البدائع: ٣١١/٧، المغني: ١١/٨، الشرح الكبير للدردير: ٢٧٧/٤، بداية المجتهد: ٤١٣/٢، المهذب :
(٤)
٢٠٨/٢ .
.. .-..
- ٣٤٥ _
..........

والثديان والحَلْمتان للمرأة: فيها الدية، وفي إحداهما نصف الدية؛ لأن
فيهما جمالاً ومنفعة، فأشبها اليدين والرجلين. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه
من أهل العلم على أن في ثدي المرأة نصف الدية، وفي الثديين الدية. واشترط مالك
لدية الحلمتين انقطاع اللبن أو فساده، فإن لم ينقطع أو يفسد فتجب حكومة عدل.
أما الثديان ففيهما عنده الدية، انقطع اللبن أو لا(١).
والأنثيان: (الِخُصيتان) فيهما الدية؛ لأنها وكاء المني، ولحديث عمرو بن
حزم: ((وفي البيضتين الدية)»(٣).
والشُّفران(٣): فيهما الدية، إذا قطعا أو أشلا، وفي أحدهما نصف الدية؛ لأن
فيهما جمالاً ومنفعة في المباشرة أو الجماع. فلو زالت بقطعهما البكارة وجب أرشها مع
- (٤)
الدية(٤).
والأليان: فيهما الدية عند الحنفية والشافعية والحنابلة. وفي واحدة منهما
نصف الدية؛ لأن فيها جمالاً ظاهراً أو منفعة كاملة، وليس في البدن نظيرهما. وقال
المالكية في ألبي الرجل: حكومة اتفاقاً، وكذلك في المرأة قياساً على الرجل. وقال
أشهب(*) في ألبي(٦) المرأة خطأ: الدية.
واللّحيان(٧): فيها الدية عند الشافعية والحنابلة(٨)، وفي أحدهما نصف الدية؛
لأن فيها نفعاً وجمالاً، وليس في البدن مثلهما.
البدائع، المكان السابق ، المغني: ٣٠/٨، الدردير: ٢٧٣/٤ ، مغني المحتاج : ٦٦/٤ .
(١)
البدائع: المكان السابق، الدردير : ٢٧٣/٤ ، مغني المحتاج: ٧٩/٤، المغني: ٣٤/٨ .
(٢)
الشفران : هما اللحمان المحيطان بحرفي فرج المرأة ، المغطيان له ، كما تحيط الشفتان بالفم .
(٣)
(٤)
الدردير، المكان السابق ، مغني المحتاج : ٦٧/٤ .
(٥)
الدردير: ٢٧٧/٤ ، مغني المحتاج : ٦٧/٤ .
الآلية: بالفتح الية الشاة، ولا تقل: إلية بالكسر، ولالِيَّة ، وتثنيتها ((اليان )» بغير تاء.
(٦)
(٧)
اللحيان : هما العظمان اللذان فيها الأسنان السفلى أي الفك السفلي .
المغني : ٢٧/٨، كشاف القناع: ٤٤/٦، مغني المحتاج : ٦٥/٤.
(٨)
- ٣٤٦ -

النوع الثالث ـ الأعضاء التي منها في البدن أربعة: وهي الآتي:
أشفار العينين (وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر وهو الهُدْب) إذا
لم تنبت، والأهداب (وهي شعر الأشفار) إذا لم تنبت.
وأما الأشفار وحدها أو الجفون معها: ففيها عند الجمهور دية: لأن فيها منفعة
الجنس، سواء قطع الشفر وحده أو قطع معه الجفن؛ لأن الجفن تبع للشفر، وفي كل
جُفن أو شُفْر ربع الدية؛ لأن فيها جمالاً ظاهراً، ونفعاً كاملاً. ويرى المالكية أن فيها
حکومة عدل لعدم ورود نص فيها ، والتقدير لا بد فيه من نص، ولا يثبت بالقياس
کما یری الجمهور(١).
وأما الأهداب (أو شعر الأجفان): ففيها عند الحنفية والحنابلة: الدية؛ لأن
الأهداب تابعة للأجفان كحلمة الثدي، والأصابع مع الكف. وفيها عند المالكية
والشافعية إذا فسد منبتها: حكومة عدل كسائر الشعور(٣).
النوع الرابع - ما في البدن منه عشرة: وهو: أصابع اليدين، وأصابع
الرجلين، وفي كل أصبع عُشْر الدية، لحديث عمرو بن حزم: ((وفي كل أصبع من
أصابع اليد والرجل عَشْر من الإبل)» وفي كل أغلة ثلث الدية إلا أنغلة الإبهام ففيها
نصف ديتها باتفاق المذاهب الأربعة.
ولا یفضل أصبع على أصبع، لقوله الز: «في کل اصبح عشر من الإبل، وفي کل
سن خمس من الإبل، والأصابع سواء، والأسنان سواء))(٣) وفي الأصبع الزائدة أو
الشلاء حكومة عدل(٤).
البدائع : ٣١١/٧، ٣٢٤، الدردير: ٢٧٧/٤، المهذب: ٢٠١/٢، مغني المحتاج : ٦٢/٤، المغني : ٧/٨ .
(١)
(٢)
المراجع السابقة .
رواه الخمسة الا الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
(٣)
البدائع: ٣١٤/٧، ٣٠٣، ٣١٨، تبيين الحقائق: ١٣٤/٦، الدردير: ٢٧٨/٤ ، مغني المحتاج : ٦٦/٤، المغني :
(٤)
٣٥/٨ وما بعدها .
- ٣٤٧ -
----

وأما الأسنان الـ (٣٢): ففيها الديه، وفي كل سن خمس من الإبل أو خمسمائة
درهم ما لم تصل إلى مقدار الدية، للحديث السابق، ولحديث ابن حزم: ((وفي السنّ
خمس من الإبل)) سواء أكانت السن صغيرة أم كبيرة، دائمة أم لبنية (مؤقتة قابلة
للتبدل) أما السن الزائدة ففيها حكومة. وأما ما يترتب على تغير السن من الشِّين
کسواد أو اخضرار أو حمرة، ففيه أرش السن عند الحنفية وحكومة عدل عند غيرهم(١).
وقيد المالكية إيجاب التعويض في الخضرة أو الاصفرار بما إذا كانت مثل السواد عرفاً .
وفي الصفرة عند الحنفية حكومة (٢).
المطلب الثاني - تعطيل منافع الأعضاء (أو إذهاب المعاني):
يعاقب الجاني إذا عطل منفعة عضو غيره أو أذهب معناه مع بقاء هيكله (أو
صورته أو آلته)، كذهاب البصر أو السمع، أو الذوق أو الشم، أو اللمس، أو المشي أو
البطش أو النطق أو العقل، أو شلل اليد أو الرجل، أو القدرة على الجماع. وقد عد
بعضهم المنافع عشرين أو أكثر، منها: عقل، سمع، بصر، شم، صوت، ذوق، مضغ،
إمناء، إحبال، جماع، إفضاء، بطش، مشي، ذهاب شعر، أو جلد أو مشي وغير
ذلك.
والقاعدة في عقوبة هذه الجنايات: هي محاولة القصاص، كلما أمكن، من
الناحية العملية، فإن لم يمكن القصاص وجبت الدية أو الأرش المقدر شرعاً(٢).
ففي البصر الدية؛ لأنه أبطل منفعة العينين. وفي السمع الدية لحديث معاذ:
وهناك رواية أخرى عند الحنابلة في التسويد أو الاخضرار : أن الواجب أرش أو دية السن : خمس من الابل .
(١)
البدائع : ٣١٥/٧، الدردير: ٢٧٨/٤ وما بعدها، مغني المحتاج: ٦٣/٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٤٢/٦،
(٢)
المغني: ٢١/٨ وما بعدها .
البدائع: ٣١١/٧، الدردير: ٢٧١/٤ وما بعدها، المهذب : ٢٠١/٢ وما بعدها، مغني المحتاج: ٦٨/٤ وما
(٣)
بعدها ، المغني : ٣٧/٨ وما بعدها ، كشاف القناع : ٣٢/٦ وما بعدها .
- ٣٤٨ _

((في السمع الدية))(١)، ونقل ابن المنذر الإجماع فيه، ولأنه من أشرف الحواس، فكان
كالبصر، بل هو أشرف منه عند أكثر الفقهاء؛ لأن به يدرك الفهم، فلو فقد بضربة
واحدة سمعه وبصره، فعلیه دیتان .
وفي الشم الدية لقوله عليه السلام في حديث عمرو بن حزم: ((في المشام الدية)).
وفي إبطال الذوق: الدية؛ لأنه أحد الحواس الخمس، فأشبه الشم.
وفي إذهاب الكلام: دية لخبر البيهقي: ((في اللسان الدية إن منع الكلام))
ولأن اللسان عضو مضمون بالدية، فكذا منفعته العظمى كاليد والرجل.
وفي ذهاب العقل: الدية لخبر عمرو بن حزم: ((وفي العقل الدية)).
وفي ذهاب جماع بجناية على الصلب: دية، لحديث عمرو بن حزم: ((وفي الذكر
الدية، وفي الصلب الدية)) والمقصود من ذلك : الجماع.
وقال الشافعية والحنابلة(٢): لو كسر شخص صلب المجني عليه، فذهب مع
سلامة الرجل والذكر مشيه وجماعه، أو مشيه ومنيه، فعليه ديتان؛ لأن كل واحد
منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع.
فإن ذهب بعض منفعة العضو وجب فيه بعض الدية إن كان التبعيض
معروفاً أو ممكن التقدير، كذهاب بصر عين واحدة، أو ذهاب سمع أذن واحدة دون
الأخرى.
فإن لم يمكن التقدير يجب عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) حكومة.
وعند المالكية: يقابل النقص بما يناسبه من الدية أي بحساب ماذهب(٣).
(١)
رواه البيهقي .
(٢)
مغني المحتاج : ٧٦/٤ ، كشاف القناع : ٤٧/٦ .
(٣)
الدردير: ٢٧٢/٤، مغني المحتاج: ٧٧/٤، المغني: ١٦/٨، كشاف القناع: ٣٢/٦، ٣٨، ٤٧.
- ٣٤٩ -

المطلب الثالث - عقوبة الشجاج:
إما أن يجب القصاص في الشجة وإما أن يجب الأرش، والأرش إما مقدر أو غير
مقدر وفي كل من الشجاج والجراح إما أرش مقدر أو غير مقدر.
أولاً - ما يجب فيه أرش مقدر:
:
عقوبة الشجة : هي الأرش، والأرش نوعان كما بينا: مقدر وغير مقدر.
والأرش المقدر: هو ما حدد له الشرع مقداراً مالياً معلوماً. ويجب في الأعضاء
وفي الشجاج والجراح، ففي الأعضاء أو الأطراف كما بينا إما أن تجب الدية كاملة
بتفويت جنس المنفعة كقطع اليدين أو الرجلين، أو فقء العينين، وقطع الأذنين
وقد يجب الأرش بتفويت بعض منفعة الجنس، فيكون الأرش نصف الدية كما في
قطع يد أو رجل واحدة أو قلع عین أو قطع أذن واحدة. وقد یکون الأرش ربع
الدية كما في الجفن الواحد، أو الشّفْر أو هُدب العين، وقد يكون الأرش عشر الدیة کما
في قطع إحدی أصابع الید أو الرجل. وقد يكون نصف عشر الدیة، أي خمس من
الإبل، كما في السن أو الضرس. فهذا كله هو الأرش المقدر(١).
ثانياً- ما يجب فيه حكومة عدل :
الأرش غير المقدر: هو حكومة العدل وهي مالم يحدد له الشرع مقداراً معلوماً،
وترك أمر تقديره للقاضي، والقاعدة فيها: أن ما لا قصاص فيه من الجنايات على
مادون النفس، وليس له أرش مقدر: فيه الحكومة(٢) كإزالة الأشعار عند الشافعية،
وعند الحنفية(٣)، ومثل كسر الضلع، وكسر قصبة الأنف، وكسر كل عظم من البدن
البدائع: ٣١٤/٧، الدر المختار : ٤٠٩/٥ وما بعدها ، ٤١٣.
(١)
(٢)
البدائع : ٣٢٣/٧
البدائع : ٣٢٣/٧، الدر المختار: ٤١٣/٥ وما بعدها، الشرح الصغير للدردير: ٣٨١/٤، مغني المحتاج: ٧٧/٤ ،
(٣)
المغني : ٥٦/٨ .
- ٣٥٠ -

سوى السن. وكذا في ثدي الرجل، وفي حلمة ثدییه، وفي لسان الأخرس، وذکر
الخصي والعنّين، والعين القائمة الذاهب نورها، والسن السوداء، واليد أو الرجل
الشلاء، والذكر المقطوع الحشفة، والكف المقطوع الأصابع، والأصبع الزائدة، وكسر
الظفر وقلعه، ولسان الطفل مالم يتكلم، وفي ثدي المرأة المقطوعة الحلمة، والأنف
المقطوع الأرنبة، والجفن الذي لا أشفار له.
ومن المتفق عليه أن ما قبل الموضحة من الشجاج ليس له أرش مقدر.
وحكومة العدل: هي على الجاني، ولا تتحملها العاقلة، وتقدر الحكومة في
الشجاج بأن ينظر كم مقدار هذه الشجة من الموضحة، فيجب بقدر ذلك من أرش
الموضحة، وهو نصف عشر الدية(١). والمفتى به عند الحنفية: أنها هي بمقدار التفاوت
بين القيمتين: في الحر من الدية وفي العبد من القيمة، فإن نقص الحر عشر قيمته أخذ
عشر ديته، وهكذا بعد افتراض كون المشجوج عبداً.
والشجاج: هي جراحات الرأس والوجه خاصة(٢)، وهي عند الحنفية إحدى
عشرة شَجة(٣) :
(١)- الحارصة: هي التي تحرص الجلد أي تشقه ولا يظهر منها الدم.
(٢) - الدامعة: هي التي يظهر منها الدم ولا يسيل كالدمع في العين وتسمى أيضاً
الخارصة: وهي التي تكشط الجلد.
(٣) - الدامية: هي التي يسيل منها الدم، بأن تضعف الجلد بلا شق له حتى يرشح
الدم. وتسمى عند الحنابلة البازلة أو الدامعة
(٤)- الباضعة: هي التي تبضع اللحم، أي تقطعه وتشقه.
(١)
الدر المختار : ٤١٢/٥، ٤١٦، المهذب : ١٩٩/٢، البدائع : ٣٢٤/٧ .
أما جراح الجسم فيما عدا الرأس والوجه فتسمى ((الجراح)). فالشجة اذاً: هي ما كان في الرأس والوجه
(٢)
والجراحة : ماكان في سائر البدن غير الرأس والوجه .
البدائع: ٢٩٦/٧، الدر المختار: ٤١١/٥، تكملة فتح القدير: ٣١١/٨، تبيين الحقائق: ١٣٢/٦.
(٣)
- ٣٥١ _

(٥)- المتلاحمة: هي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة ولم تقرب للعظم،
هذا ما روى أبو يوسف، وقال محمد: المتلاحمة قبل الباضعة: وهي التي
یتلاحم منها الدم ويسود.
(٦)- السّمحاق: هي التي تقطع اللحم وتظهر الجلدة الرقيقة التي بين اللحم
والعظم. وهذه الجلدة هي السمحاق، فسميت الشجة بها لوصولها إليها،
ويسميها الشافعية الملطاط: وهي التي تستوعب اللحم إلى أن تبقى غشاوة
رقيقة فوق العظم .
(٧) - الموضحة (١): هي التي تخترق السمحاق، وتوضح العظم أي تظهره وتكشفه،
ولو قدر مغرز إبرة.
(٨)- الهاشمة: هي التي تهشم العظم أي تكسره.
(٩)- المنقِّلة: هي التي تنقل العظم بعد كسره، أي تحوله عن مكانه.
(١٠)- الآمَّة (أو المأمومة): هي التي تصل إلى أم الدماغ: وهي جلدة تحت العظم
وفوق الدماغ أي المخ.
(١١)- الدامغة: هي التي تخرق غشاء الدماغ، وتصل الى الدماغ.
والجمهور يرون الشجاج عشرة. أما المالكية(٢) فيحذفون الثانية وهي الدامعة،
ويسمون الأولى دامية، والثانية حارصة، والثالثة سمحاقاً، والسادسة ملطاة أو
ملطاط بتسمية أهل البلد، ويخصصون الآمة والدامغة بالرأس، والباقي في الرأس أو
الخد.
وأما الشافعية والحنابلة(٣): فيحذفون أيضاً الثانية وهي الدامعة، ويقال عند
بتخفيف الضاد او بتشديدها .
(١)
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ٢٥٠/٤ وما بعدها، ٢٧٠، القوانين الفقهية: ص ٣٥٠ .
مغني المحتاج: ٥٨/٤ وما بعدها ، المهذب: ١٩٨/٢، المغني: ٤٢/٨ وما بعدها ، كشاف القناع: ٥١/٦ وما
(٣)
بعدها .
- ٣٥٢ -

.---
الشافعية عن الأولى: الخارصة؛ وهي التي تكشط الجلد، ويسميها الحنابلة كالجمهور
الحارصة، أو الملطاة، والخمسة الأولى لا مقدر فيها من الشرع.
نوعا عقوبة الشجاج: عقوبة الشجاج كما بينا: إما عقوبة أصلية وهي
القصاص إذا أمكن، أو عقوبة بدلية وهي الأرش.
العقوبة الأصلية في الشجاج - القصاص:
القاعدة في القصاص في جنايات العمد: أنه كلما أمكن وجب استيفاؤه، واذا لم
يمكن وجب الأرش. وعليه تعرف أحوال القصاص في الشجاج، ففي كل شجة يمكن
فيها المماثلة : القصاص.
لا خلاف في أن الموضحة فيها القصاص، لعموم قوله سبحانه وتعالى:
﴿والجروح قصاص﴾ الا ماخص بدليل، ولأنه يمكن استيفاء القصاص فيها على
سبيل الماثلة؛ لأن لها حداً تنتهي اليه السكين، وهو العظم.
ويعتبر قدر الموضحة بالمساحة طولاً وعرضاً في قصاصها، لا بحجم الرأس كبراً
وصغراً؛ لأن الرأسين قد يختلفان في ذلك.
ولا خلاف في أنه لاقصاص فيما بعد أو فوق الموضحة لتعذر استيفاء
القصاص فيها على وجه الماثلة أو المساواة.
وأما ما دون الموضحة ففيها خلاف:
١- قال المالكية(١)، وهو الأصح وظاهر الرواية عند الحنفية(٢): فيها القصاص،
سواء أكانت في الرأس أم في الخد، لإمكان المساواة، بأن يسبر غورها بمسبار، ثم يتخذ
القوانين الفقهية: ص ٣٥٠، بداية المجتهد: ٣٩٩/٢ وما بعدها، ٤١١، الشرح الكبير للدردير: ٢٥٠/٤ وما
(١)
بعدها .
(٢)
البدائع: ٣٠٩/٧، الدر المختار ورد المختار: ٣٩١/٥، ٤١٢، اللباب شرح الكتاب : ١٤٧/٣.
- ٣٥٣ _
الفقه الإسلامي جـ٦ (٢٣)

حديدة بقدره، فيقطع. واستثنى في الشرنبلالية السمحاق، فلا يقاد إجماعاً.
٢ - وقال الشافعية والحنابلة(١): لاقصاص فيما دون الموضحة، لعدم إمكان تحقيق
المماثلة، ولحديث مرسل: «لا طلاق قبل ملك، ولاقصاص فيما دون الموضحة من
الجراحات))(٢). وعلى هذا فلا قصاص في الشجاج في هذين المذهبين سوى الموضحة.
العقوبة البدلية في الشجاج- الأرش:
الأرش كما عرفنا: هو التعويض المالي الواجب بالجناية على مادون النفس.
ويرى أكثر الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الاربعة أنه ليس في موضحة غير الرأس والوجه
أرش مقدر، لقول الخليفتين الراشدين : الموضحة في الوجه والرأس(٣).
كما أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج أرش مقدر أيضاً، بل فيه حكومة
عدل(٤)؛ إذ ليس فيه أرش مقدر في الشرع، ولا يمكن إهدارها، فوجب فيها حكومة
عدل. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن وعمر بن عبد العزيز أن النبي مع طفل لم
یقض فيما دون الموضحة بشيء(٥) .
واتفقوا على أن مافيه أرش مقدر من الشجاج هو الموضحة فما بعدها، لورود
الشرع بتقديره، كما يتبين من حديث عمرو بن حزم في الديات: ((وفي المأمومة ثلث
الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقّلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من
المهذب: ١٩٨/٢، مغني المحتاج: ٢٦/٤، ٥٩ ، المغني: ٤٢/٨، كشاف القناع: ٥١/٦ وما بعدها .
(١)
أخرجه البيهقي عن طاوس ، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن وعمر بن عبد العزيز ما يؤيده ( نصب
(٢)
الراية : ٣٧٤/٤ ) .
(٣)
المغني : ٤٤/٨ .
البدائع : ٣٢٤/٧، الدر المختار: ٤١٢/٥، الشرح الكبير للدردير: ٢٧١/٤، مغني المحتاج: ٥٩/٤ ، المغني :
(٤)
٤٥٤/٨ وما بعدها .
(٥)
نصب الراية : ٣٧٤/٤ .
- ٣٥٤ _

أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس
من الإبل)»(١).
ففي الموضحة: خمس من الإبل، أي نصف عشر الدية، لحديث ((في الموضحة
خمس من الإبل)».
وفي الهاشمة: عشر من الإبل أي عُشر الدية لحديث ابن حزم ((وفي الهاشمة
عشر)). ويلاحظ أن الهاشمة عند المالكية هي في جراح البدن. وبدلها في الوجه
والرأس : المنقلة.
٠
وفي المنقلة: خمس عشرة من الإِبل، لحديث ابن حزم ((وفي المنقلة خمس عشرة
من الإبل)).
وفي الآمة أو المأمومة: ثلث الدية، لحديث ابن حزم: ((وفي المأمومة ثلث
الدية)).
وفي الدامغة : ثلث الدية، قياساً على المأمومة .
المطلب الرابع - عقوبة الجراح:
الجراح: ما كان في سائر البدن عدا الرأس والوجه، وهي نوعان: جائفة، وغير
جائفة(٢).
... ..
والجائفة: هي التي تصل الى الجوف، من الصدر أو البطن، أو الظهر، أو الجنبين
أو مابين الأنثيين، أو الدبر، أو الحلق.
ولا تكون الجائفة في اليدين والرجلين، ولا في الرقبة؛ لأنه لا يصل الى الجوف.
نيل الأوطار : ٥٧/٧ ، نصب الراية : ٣٧٤/٤ وما بعدها .
(١)
(٢)
البدائع : ٢٩٦/٧ .
- ٣٥٥ _
----
جتعا

وغير الجائفة: هي التي لا تصل الى الجوف، كالرقبة أو اليد أو الرجل.
وعقوبة الجراح : إما أصلية أو بدلية.
العقوبة الأصلية في جراح العمد - القصاص:
لاقصاص في الجائفة والمأمومة ؛ لأنه يخشى منهما الموت، وإنما فيهما الدية. وفيا
عدا الجائفة اختلف الفقهاء:
١ - فقال الحنفية (١): إنه لاقصاص في شيء من الجراح إذا لم يمت المجروح، سواء
أكانت الجراحة جائفة أم غيرها؛ لأنه لا يمكن استيفاء القصاص فيها على وجه الماثلة.
فإن مات المجروح بسبب الجراحة، وجب القصاص؛ لأن الجراحة صارت
بالسراية نفساً، لهذا قالوا: ((لا یقاد جرح الا بعد برئه)).
٢ - وقال المالكية(٢): يجب القصاص في جراح العمد، كلما أمكن التماثل ولم
يخش منه الموت، لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾.
وذلك بأن يقيس أهل الطب والمعرفة طول الجرح وعرضه وعمقه ويشقون
مقداره في الجارح.
٣ - وقال الشافعية والحنابلة(٢): يقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم، كالموضحة
في الوجه والرأس، وجرح العضد والساعد والفخذ والساق والقدم؛ لأنه يمكن
استيفاؤه على سبيل المماثلة من غير حيف ولا زيادة، لانتهائه إلى عظم؛ لأن الله نص
على القصاص في الجروح.
ويشترط في القصاص في جراح العمد ما يشترط في قصاص النفس حال العمد
البدائع: ٣١٠/٧، رد المحتار على الدر المختار: ٣١٠/٥.
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٣٩٩/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٥٠ .
(٣)
مغني المحتاج : ٢٣/٤، المغني: ٦٨٦/٧ وما بعدها، ٧٤٨، كشاف القناع : ٦٥١/٥.
- ٣٥٦ _

من كون الجاني مكلفاً (بالغاً عاقلاً)، وعصمة المجني عليه، وتكافؤ الجاني والمجني عليه
على الخلاف المذكور سابقاً في الشجاج، كما تشترط الشروط الخاصة بقصاص
الأطراف(١).
القصاص بعد البرء: لا يجوز القصاص في الأطراف والجراح عند الجمهور(١) إلا
بعد اندمال أو برء الجرح، لما روى جابر أن النبي ◌ُ ◌ّ ((نهى أن يستقاد من الجارح،
حتى يبرأ المجروح))(٣) ولأن الجراحات ينظر إلى مآلها، لاحتمال أن تسري إلى النفس،
فيحدث القتل، فلا يعلم أنه جرح إلا بالبرء.
وقال الشافعية(٤): إن كان القصاص في الطرف، فالمستحب ألا يستوفى إلا بعد
استقرار الجناية بالاندمال (أي البرء) أو بالسراية إلى النفس، فإن استوفي قبل
الاندمال جاز، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن رجلاً طعن رجلاً
بقرْن في ركبته، فجاء إلى النبي ◌ُّ فقال: أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه،
فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا رسول الله، عرجتُ، قال: قد نهيتك،
فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك، ثم نهى رسول الله صَ لّ أن يقتص من جرح
حتى يبرأ صاحبه)»(٥) .
تأجيل القصاص لعذر: اتفق الأئمة على أنه يؤخر القصاص في الطرف أو
النفس عن المرأة الحامل حتى تضع حملها وترضع وليدها، ويستغني عنها ولدها
بإرضاع من جهة أخرى. وقال المالكية: يؤخر القصاص فيا دون النفس لعذر كبرد
شديد أو حر يخاف منه الموت .
البدائع: ٣١٠/٧، بداية المجتهد : ٣٩٩/٢، مغني المحتاج: ٢٥/٤، المغني: ٧٠٢/٧ وما بعدها .
(١)
الدر المختاز ورد المختار: ٣٩٠/٥، ٤١٥، المغني: ٧٢٩/٧، ٥٩/٨، تبيين الحقائق: ١٣٨/٦، بداية المجتهد :
(٢)
٤٠٠/٢، الشرح الصغير: ٣٨١/٤ .
رواه الدارقطني ، وأبو بكر بن أبي شيبة مسنداً ورواه البيهقي وأحمد مرسلاً ( نيل الأوطار: ٢٧/٧).
(٣)
(٤)
المهذب : ١٨٥/٢ .
رواه أحمد والدار قطني .
(٥)
- ٣٥٧ -

العقوبة البدلية في جراح العمد-الأرش:
إذا تعذر تنفيذ القصاص في الجراح، لعدم إمكان تحقيق الماثلة وجب الأرش،
والأرش هنا: هو الأقل من الدية.
وقد عرفنا أن جراح البدن: إما جائفة أو غير جائفة :
ففي الجائفة : ثلث الدية لحديث عمرو بن حزم: ((وفي الجائفة ثلث الدية)).
وغير الجائفة : فيها حكومة عدل.
حكومة العدل (ضابطها وتقديرها) أشرنا لذلك سابقاً، ونوضح الآن
ما يلي:
أما ضابط حكومة العدل فهو: كل ما لا قصاص فيه من الجنايات على مادون
النفس، وليس له أرش مقدر، ففيه حكومة(١). مثل كسر العظم إلا السن، واليد
الشلاء ونحوها .
وأما كيفية تقديرها: فقد أشرنا لطريقتين، أولاهما للطحاوي الحنفي وهي
المفتى بها عند الحنفية، والمقررة في المذاهب الأخرى(٣): وهي أن يقوَّم المشجوج أو
المجروح كما لو كان عبداً بدون شج أو جرح، ثم يقوم وهما به، فيجب بمقدار التفاوت
بين القيمتين، بنسبتهما من الدية في الأحرار، فلو كانت قيمته وهو عبد صحيح عشرة،
وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة، فیکون فيه عشر دیته.
ولكن يتعذر اللجوء لهذه الطريقة في الوقت الحاضر، لعدم وجود الرق.
البدائع: ٣٢٣/٧، القوانين الفقهية: ص٣٥٤، مغني المحتاج : ٧٧/٤ ، المغني : ٥٥/٨ .
(١)
رد المحتار على الدر المختار: ٤١٢/٥، البدائع: ٣٢٤/٧، الدردير في الشرح الكبير: ٢٧١/٤ ، مغني المحتاج
(٢)
٧٧/٤، المغني : ٥٦/٨ وما بعدها .
- ٣٥٨ -

والطريقة الثانية- هي للكرخي: وهي أن تقرب الجناية إلى أقرب
الجنايات التي لها أرش مقدر، ففي الشجاج مثلاً ينظر كم مقدار الشجة من الموضحة،
فيجب بقدر ذلك من نصف عشر الدية المقرر للموضحة(١).
غير أن هذه الطريقة محصورة التطبيق في شجاج الرأس والوجه.
وقيل بطريقة ثالثة ربما كانت أنسب الطرق في عصرنا، وهي أن تقدر
الجناية بمقدار ما يحتاج إليه المجني عليه من النفقة وأجرة الطبيب والأدوية إلى أن
يبرأ(٢). فإن لم يبرأ الجرح وأحدث عاهة مستديمة، أو ترك أثراً دائماً فيلاحظ الأثر.
ولا يكون التقويم إلا بعد برء الجرح؛ لأن أرش الجرح المقدر إنما يستقر بعد
برئه، فإن لم تنقصه الجناية شيئاً، مثل: إن قطع أصبعا أو يداً زائدة، أو قلع لحية
امرأة، فلم ينقصه ذلك، بل زاده حسناً فلا شيء على الجاني؛ لأن حكومة العدل
لأجل جبر النقص، ولا نقص حينئذ، فأشبه ما لو لطم وجهه فلم يؤثر(٣).
دية جراح المرأة: للفقهاء رأيان في تقدير ديات جراح المرأة:
١ - فقال الحنفية والشافعية(٤): الجناية على مادون النفس في المرأة تقدر بحسب
ديتها، وبما أن دية المرأة نصف دية الرجل، فتكون جراحها وشجاجها نصف جراح
الرجل وشجاجه، إلحاقاً لجرحها بنفسها .
٢ - وقال المالكية والحنابلة(٥): دية جراح المرأة كدية جراح الرجل فيا دون
ثلث الدية الكاملة، فإن بلغت الثلث أو زادت عليها رجعت إلى نصف دية الرجل.
الدر المختار : ٤١٢/٥ .
(١)
(٢)
الدر المختار ، المكان السابق .
المغني: ٥٩/٨، الدر المختار: ٤١٥/٥، تبيين الحقائق: ١٣٨/٦.
(٣)
(٤)
البدائع : ٣٢٢/٧ ، مغني المحتاج : ٥٧/٤ .
القوانين الفقهية: ص ٣٥٤ ، المغني : ٧٩٧/٧ وما بعدها .
(٥)
- ٣٥٩ _

وعلى هذا إن قطعت أصبع المرأة ففيها عشر من الإبل، وإن قطعت ثلاث أصابع
ففيها ثلاثون من الإبل، فإن قطع أربعة أصابع ففيها عشرون من الإبل.
ودليلهم ما روى النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول
الله ◌ُّ عٍ: ((عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها)). وروى
سعيد بن منصور عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب، كم في أصبع المرأة ؟ قال:
عشر، قلت: ففي أصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال:
ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: لما عظمت مصيبتها قل
عقلها ؟ قال سعيد : هكذا السنة يا ابن أخي .
ويضيف البيهقي جواباً على اعتراض ربيعة قول ابن المسيب: أعراقي أنت ؟ قال
ربيعة: عالم متثبت، أو جاهل متعلم، قال: يا ابن أخي، إنها السنة(١)
المبحث الثاني - عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ :
إن عقوبة الجناية على مادون النفس خطأ، هي الدية أو الأرش(٢). والدية
المقصودة هنا هي الكاملة، والأرش المقصود هنا: هو الأقل من الدية. وليس هناك
أية عقوبة بدلية أخرى. وقد بينا أحوال وجوب الدية والأرش في إيانة الأطراف
والشجاج والجراح العمد.
ولكن الدية أو الأرش المقدر (لا حكومة العدل عند الحنفية) في حال الخطأ:
كانت العاقلة هي التي تتحملها فيما زاد عن نصف عشر الدية عند الحنفية، أو عن ثلث
الدية ولو في الطرف أو الجرح عند المالكية والحنابلة.
(١) قال الشافعي : كنا تقوم به ، ثم وقفت عنه، وأنا أسأل الله الخيرة ، لأنا نجد من يقول : السنة، ثم لا نجد
نفاذاً بها عن النبي ◌َّةٍ ، والقياس أولى بنا فيها . وأول الحنفية السنة بأنها سنة زيد بن ثابت ( نصب الراية :
٣٦٤/٤ ) .
الدر المختار: ٤١٥/٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٥١، مغني المحتاج: ٩٥/٤، ٧٧٨/٧.
(٢)
- ٣٦٠ -