النص المفهرس

صفحات 261-280

العظيم لورود القرآن بتخليده في نار جهنم، والثاني - القود لآية القصاص: والثالث-
الحرمان من الميراث لحديث: ((لا يرث القاتل شيئاً)).
النوع الأول - العقوبة الأصلية:
نص الشرع على عقوبة أصلية للقتل العمد وهي القصاص أو القود(١)، وهي
عقوبة متفق عليها بين الفقهاء، قال الحنفية(٢): موجّب العمد: القود عيناً، أي فلا
ينتقل عنه الى المال الا بالتراضي.
وأضاف الشافعية دون غيرهم من الفقهاء عقوبة أخرى للقتل العمد وهي
الكفارة، قياساً على عقوبة القتل الخطأ التي نص عليها القرآن الكريم صراحة.
العقوبة الأصلية الأولى المتفق عليها - القصاص:
الكلام عن القصاص يتناول بحث معناه ومشروعيته، والفرق بينه وبين الحدود
الأخرى، وشروطه، وموانعه، وكيفية وجوبه، وصاحب الحق فيه، وولاية
الاستيفاء، وكيفية الاستيفاء، ومسقطاته.
أولاً - معنى القصاص: القصاص والقصص لغة: تتبع الأثر، واستعمل في
معنى العقوبة؛ لأن المقتص يتبع أثر جناية الجاني، فيجرحه مثلها. وهو أيضا الماثلة،
ومن هذا المعنى أخذت عقوبة ((القصاص)) شرعاً، أي مجازاة الجاني بمثل فعله، وهو
القتل.
ويلزم القصاص، سواء أكان القتل مع سبق الإصرار أو الترصد أم لا .
سمي قوداً ؛ لانهم كانوا يقودون الجاني بحبل أو غيره الى محل استيفاء القصاص .
(١)
(٢)
الدر المختار : ٣٧٦/٥ .
- ٢٦١ -

ثانياً - مشروعية القصاص: ثبتت مشروعية القصاص بالقرآن والسنة
والإجماع والمعقول.
أما القرآن، ففیه ۔ كما ذكرنا سابقاً- آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ ياأيها
الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ومنها أيضاً: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن
النفس بالنفس ... ﴾ ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).
وفي السنة أحاديث متعددة أيضاً منها: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله
الا الله وأني رسول الله، الا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك
لدينه المفارق للجماعة)»(١) ومنها حديث ابن عباس مرفوعاً: (( ... ومن قتل عمداً فهو
قود، ومن حال دونه، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل))(٢).
وأجمعت الأمة على وجوب القصاص.
والعقل يقضي بتشريع القصاص، إما عدالة بأن يفعل بالقاتل مثل جنايته،
وإما مصلحة بتوفير الأمن العام وصون الدماء، وحماية الأنفس، وزجر الجناة، ولا
يتحقق ذلك إلا به، فلا يلتفت الى الدعاوى والمزاعم القائلة بأن فيه تهديماً جديداً
للبنية الإنسانية؛ لأن في تشريعه صون حق الحياة للمجتمع: ﴿ولكم في القصاص
5
حياة يا أولي الالباب﴾﴾.
هل القصاص يكفر إثم القتل ؟ اختلف العلماء في أمره (٣) كما اختلفوا في
الحدود، هل هي زواجر أم جوابر؟
قال الجمهور: القصاص من القاتل أو العفو عنه يكفر إثم القتل؛ لأن ((الحدود
أخرجه أحمد والأئمة الستة من حديث عبد الله بن مسعود .
(١)
(٢)
رواه أبو داود والنسائي . والصرف : التوبة ، والعدل : الفدية .
انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: ٢٣٩/٤ وما بعدها، رد المحتار: ٣٨٩/٥ .
(٣)
- ٢٦٢ -

كفارات لأهلها))(١) وهذا عام لم يخصص قتلاً من غيره. قال النووي: ظواهر الشرع
تقتضي سقوط المطالبة بالعقوبة في الآخرة.
وقال الحنفية: القصاص أو العفو لا يكفر إثم القتل؛ لأن المقتول المظلوم
لامنفعة له في القصاص، وإنما القصاص منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل:
﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾.
ثالثاً - الفرق بين القصاص والحدود الأخرى :
الحدود كحد الزنا وحد المسكر حقوق خالصة لله تعالى أي للمجتمع أو للجماعة،
والقصاص حق شخصي للعباد، وفيه عند الحنفية والمالكية حق لله تعالى أي للجماعة،
وحد القذف مشتمل على الحقين: حق الله وحق العبد (الآدمي). وبناء على هذا ذكر
الحنفية بين الحدود والقصاص فروقاً سبعة هي ما يأتي(٢):
١ -القصاص یورث، والحد لا یورث.
٢ - القصاص يصح العفو عنه، والحد لا يعفى عنه.
تعالى
٣ - التقادم لا يمنع قبول الشهادة بالقتل، بخلاف الحد ما عدا القذف، فإن
التقادم يمنع الشهادة. والتقادم في الشرب بذهاب الريح، وفي حد غيره مضي شهر.
٤ - تجوز الشفاعة في القصاص، ولا تجوز في الحد بعد الوصول للحاكم، أما قبل
يذكره الفقهاء حديثاً، روى مسلم في صحيحه عن عبادة بما في معناه: ((من أصاب شيئاً من ذلك - أي
(١)
المعاصي كالزنا والسرقة والقتل - فعوقب به فهو كفارة له)) ورويت أحاديث أخرى في هذا المعنى ، منها ما
رواه الترمذي وصححه الحاكم عن علي بن أبي طالب وفيه: (( من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا ، فالله أكرم
من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة )) وهو عند الطبراني بإسناد حسن ولفظه « من أصاب ذنباً أقيم عليه
حد ذلك الذنب، فهو كفارة له)) والطبراني عن ابن عمر مرفوعاً: (( ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله
كفارة لما أصاب من ذلك الذنب)) ( راجع نيل الأوطار: ٥٠/٧، ٥٣).
(٢)
الدر المختار ورد المختار: ٣٩٠/٥، نقلاً عن الأشباه والنظائر لابن نجيم .
- ٢٦٣ -

الوصول إليه والثبوت عنده، فتجوز الشفاعة فيه لإطلاق سراح المتهم(١).
٥ - لا بد في القصاص من رفع الدعوى إلى القضاء من ولي الدم، أما الحد ما عدا
القذف والسرقة، فلا يشترط فيه الادعاء الشخصي من صاحب المصلحة فيه، وإنما
يصح الحسبة فيه .
٦ - يثبت القصاص بإشارة الأخرس أو كتابته، أما الحد فلا يثبت بها، لاشتمالهما
على الشبهة .
٧ - يجوز للقاضي القضاء بعلمه الشخصي في القصاص دون الحدود، وهذا عند
متقدمي الحنفية، وأفتى المتأخرون بعدم القضاء بالعلم مطلقاً سداً للذريعة أمام قضاة
السوء، سواء في القصاص والحدود أم في الأموال وغيرها .
وأضاف بعض الحنفية فروقاً ثلاثة أخرى هي :
٨- استيفاء الحدود يكون بواسطة الإمام الحاكم، وأما القصاص فيجوز لولي الدم
استيفاؤه بشرط وجود الحاكم.
٩ - يجوز الاعتياض في القصاص، بخلاف الحدود ومنها حد القذف. وأجاز
الشافعية المعاوضة عنه.
١٠ - يصح الرجوع عن الإقرار في الحد، دون القصاص.
رابعاً - شروط القصاص:
يشترط لوجوب القصاص شروط في القاتل والمقتول ونفس القتل وولي
القتيل.
تجوز الشفاعة لأرباب الحوائج المباحة كدفع الظلم وتخليص من خطأ ، أو العفو عن ذنب ليس فيه حد إذا لم
(١)
يكن المذنب مصراً ، فإن كان مصراً فلا يجوز حتى يرتدع عن الذنب والإصرار. ودليل الشفاعة حديث :
« أشفعوا تؤجروا)» ولا يتناول هذا الحديث الحدود، فإن هناك أحاديث أخرى تمنع من الشفاعة فيها، مثل
حديث عائشة في المرأة المخزومية السارقة ورد شفاعة أسامة فيها: ((أتشفع في حد من حدود الله ؟ )).
- ٢٦٤ -

شروط القاتل :
يشترط في القاتل الذي يقتص منه شروط أربعة(١):
١ - أن يكون مكلفاً (أي بالغاً عاقلاً)، فلا قصاص ولا حد على الصبي أو
المجنون؛ لأن القصاص عقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة؛ لأنها لا تجب إلا
بالجناية، وفعلهما لا يوصف بالجناية. ومثلهما زائل العقل بسبب يعذر فيه كالنائم
والمغمى عليه ونحوهما؛ ولأن هؤلاء ليس لهم قصد صحيح، فهم كالقاتل خطأ.
القصاص من السكران: ويقتص من السكران بشراب محرم باتفاق المذاهب
الأربعة(٢)؛ لأن السكر لا ينافي الخطاب الشرعي أي التكليف، فتلزمه كل أحكام
الشرع، وتصح عباراته كلها في العقود كالبيع، وفي الإسقاطات كالطلاق، وفي
الإقرارات، وإنما ينعدم بالسكر القصد دون العبارة، فلو تكلم بكلمة الكفر لا يرتد
استحساناً عند الحنفية .
والقصاص من السكران واجب؛ لأنه حق آدمي، وقياساً على إيجاب حد
الشرب عليه، وسداً للذرائع أمام المفسدين الجناة، فلو لم يقتص منه لشرب
ما يسكره، ثم يقتل ويزني ويسرق، وهو بمأمن من العقوبة والمأثم، ويصير عصيانه
سبباً لسقوط عقوبة الدنيا والآخرة عنه.
٢- أن يكون متعمداً القتل: أي قاصداً إزهاق روح المجني عليه، فإن كان
(١) البدائع: ٢٣٤/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٣٧٨/٥، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: ٩٨/٦، الشرح الكبير
الدردير: ٢٤٢/٤، بداية المجتهد: ٣٨٨/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٤٥، المهذب: ١٧٣/٢ ، مغني المحتاج:
١٥/٤، المغني : ٦٦٤/٧ وما بعدها، كشاف القناع : ٦٠٦/٥ .
التلويح على التوضيح : ١٨٦/٢، كشف الأسرار على أصول البزدوي : ١٤٧٢/٢ - ١٤٧٥، القوانين الفقهية :
(٢)
ص ٣٤٥، المهذب: ١٧٣/٢، مغني المحتاج: ٥/٤ ، المغني: ٦٦٥/٧، الدردير: ٢٣٧/٤.
- ٢٦٥ -

مخطئاً، فلا قصاص عليه، لقول النبي مخالفةٍ: ((العمد قود)) (١) أي القتل العمد يوجب
القود، فالحديث شرط العمد لوجوب القود. ولم يشترط المالكية العمد بالذات، وإنما
يكفي وجود العدوان .
٣- أن يكون تعمد القتل محضاً: أي لا شبهة في عدم إرادة القتل؛ لأن النبي عَلّ
شرط العمد مطلقاً في قوله ((العمد قود)). وهو يعني اكتمال وصف العمدية، ولا كمال
مع وجود شبهة انتفاء قصد القتل. كما في حالة تكرار الضرب بما لا يقتل عادة، لا يراد
به القتل، بل التأديب والتهذيب.
٤ - أن يكون القاتل عند الحنفية مختاراً: فلا قصاص على المستكره على القتل
عند الحنفية ما عدا زفر، وقال الجمهور: عليه مع المكره القصاص، كما بينا سابقاً.
شروط المقتول :
يشترط لإيجاب القصاص في المعتدى عليه المقتول شروط هي ما يأتي(٢):
١ - أن يكون معصوم الدم أو محقون الدم(٢) أي يحرم الاعتداء على حياته. فلا
يقتل مسلم ولا ذمي بالكافر الحربي، ولا بالمرتد، ولا بالزاني المحصن، ولا بالزنديق،
ولا بالباغي؛ لأن هؤلاء مباحو الدم إما بسبب الحرابة أو الردة أو الزنا أو البغي،
فكل واحد منها سبب لإهدار الدم أي إباحته.
(١) رواه ابن أبي شيبة واسحاق بن راهويه في مسنديها من حديث ابن عباس بلفظ: ((العمد قود إلا أن يعفو
ولي المقتول )» .
(٢)
البدائع: ٢٣٥/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٣٧٨/٥ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٥٤/٨ وما بعدها ، الشرح
الكبير للدردير : ٢٣٧/٤، ٢٤٢ وما بعدها، مواهب الجليل: ٢٣٢/٦، القوانين الفقهية: ص ٣٤٥ ، بداية
المجتهد: ٣٩١/٢، مغني المحتاج: ١٥/٤ وما بعدها، المهذب: ١٧٣/٢، الروضة للنووي : ١٤٨/٩، المغني :
٦٤٨/٧، ٦٥٢، ٦٥٧، كشاف القناع: ٥٨٥/٥، ٥٨٧، ٦٠٧ .
(٣) الحقن هو المنع ، وحقن دمه : إذا منعه أن يسفك .
- ٢٦٦ _

والعصمة عند الحنفية تكون - كما بينا سابقاً - بالإسلام والإقامة في دار الإسلام،
فمن أسلم في دار الحرب، وبقي مقيماً فيها، لا يقتص من قاتله هناك؛ لأن كمال حقن
الدم بالعصمة المقومة والمؤثمة، وبالإسلام حصلت المؤثمة دون المقومة؛ لأن هذه تحصل
بالإقامة في دار الإسلام(١).
وأما العصمة عند الجمهور (غير الحنفية): فتكون بالإِيمان (الإسلام)، أو الأمان
بعقد الذمة أو الهدنة، فمن قتل مسلماً في دار الحرب عامداً عالماً بإسلامه، فعليه القود،
سواء أكان قد هاجر أم لم يهاجر إلى دار الإسلام.
وصرح الحنفية بأن العصمة لمحقون الدم يجب أن تكون ((على التأبيد)) لإخراج
المستأمن، فلا يقتص من قاتله؛ لأن عصمته مؤقتة أثناء الأمان، لا مؤبدة، ففي دمه
شبهة الإباحة.
ويتفق الجمهور مع الحنفية على هذا القيد، لأنهم يقولون: لا يقتل مسلم بكافر،
سواء أكان مستأمناً أم ذمياً أم معاهداً؛ لأن الكافر ليس بمحقون الدم على التأبيد،
(٢)
فأشبه الحربي(٢).
قتل الوالد بالولد وبالعكس :
٢ - ألا يكون المجني عليه جزء القاتل أي ألا تكون هناك رابطة الأبوة والبنوة ،
فلا قصاص على أحد الوالدين (الأب أو الجد ، والأم أو الجدة وإن علوا) بقتل الولد
أو ولد الولد وإن سفلوا، لقوله تعٍ: ((لا يقاد الوالد بالولد))(٣) . قال ابن عبد
البر: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق ، مستفيض عندهم ،
(١)
رد المحتار : ٣٧٨/٥ .
(٢)
المغني: ٦٥٢/٧ وما بعدها ، المهذب : ٢٤١/٢ .
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب ، وفي بعض أسانيده طعن ، وصحح البيهقي والحاكم
بعض طرقه . وروي عن آخرين وهم ابن عباس وسراقة بن مالك وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
(٣)
- ٢٦٧ -

يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه ، حتى يكون الإسناد في مثله مع
شهرته تكلفاً(١) .
ولأن في القصاص من الأب شبهة آتية من حديث: ((أنت ومالك لأبيك))(٢)
والقصاص يدرأ بالشبهات .
ولأن الأوامر المطالبة بالإِحسان إلى الآباء تمنع القصاص منهم، فقد كان الأب
سبباً في إيجاد ولده، فلا يكون الابن سبباً في إعدامه.
وإذا لم يقتل الأب بابنه وجب عليه الدية.
وهذا الحكم متفق عليه بين أئمة المذاهب(٣) إلا أن المالكية استثنوا حالة واحدة:
هي أن يتحقق أن الأب أراد قتل ابنه، وانتفت شبهة إرادة تأديبه وتهذيبه، كأن
يضجعه فيذبحه، أو يبقر بطنه أو يقطع أعضاءه، فيقتل به لعموم القصاص بين
المسلمين. فلو ضربه بقصد التأديب، أو في حالة غضب، أو رماه بسيف أوعصا،
فقتله لا يقتل به .
واتفق الفقهاء على أنه يقتل الولد بقتل والده، لعموم القصاص وآياته الدالة
على وجوبه على كل قاتل، إلا ما استثني بالحديث السابق(٤).
وعلة التفرقة بين الأب والابن في هذا الحكم: هو قوة المحبة التي بين الأب
والابن، إلا أن محبة الأب غير مشوبة بشبهة مادية بقصد انتظار النفع منه، فتكون
محبته له أصيلة لالنفسه، فتقتضيه بالطبيعة الحرص على حياته. أما محبة الولد لأبيه
(١)
المغني : ٦٦٦/٧ .
رواه ابن ماجه عن جابر ، والطبراني عن سمرة وابن مسعود ، وهو ضعيف .
(٢)
البدائع : ٢٣٥/٧، تكملة الفتح: ٢٥٨/٨ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٩٣/٢، الشرح الكبير للدردير: ٢٤٢/٤ ،
(٣)
مغني المحتاج: ١٨/٤، المهذب: ١٧٤/٢، المغني: ٦٦٦/٧ وما بعدها ، الأحكام السلطانية للماوردي : ص ٢٢٢ .
(٤)
المراجع السابقة .
- ٢٦٨ -

فهي مشوبة بشبهة انتظار المنفعة؛ لأن ماله له بعد وفاة أبيه، فلا يحرص عادة على
حياته، فتكون محبته لنفسه، فقد يقتله.
التكافؤ:
٣- اشترط الجمهور (غير الحنفية)(١) أن يكون المقتول مكافئاً للقاتل في الإسلام
والحرية، فلا يقتل قصاصاً مسلم بكافر، ولا حر بعبد، لقول النبي ◌ُ الفعل: ((لا يقتل
مسلم بكافر))(٢) وقوله: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يقتل
مؤمن بكافر))(٣) وقوله عليه السلام في العبد: ((لا يقتل حر بعبد))(٤) وقول علي رضي
الله عنه: ((من السنة ألا يقتل حر بعبد))(٥).
ولم يشترط الحنفية(٦) التكافؤ في الحرية والدين، وإنما يكفي التساوي في
الإنسانية، لعموم آيات القصاص بدون تفرقة بين نفس ونفس، مثل قوله تعالى:
﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وقوله سبحانه ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس
بالنفس﴾ ولعموم حديث ((العمد قَوَد)» وصوناً لحق الحياة، وتحقيق ذلك في قتل
المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم، لما بينهما من العداوة الدينية، وروي أن
النبي ◌ُ ◌ّ أفاد مؤمناً بكافر، وقال: ((أنا أحق من وفى بذمته))(٧)، ولأن العبد آدمي
الشرح الكبير للدردير: ٢٣٨/٤، ٢٤١، بداية المجتهد: ٣٩١/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٤٥ ، مغني المحتاج :
(١)
١٦/٤، المهذب: ١٧٣/٢، المغني: ٦٥٢/٧، ٦٥٨ ، كشاف القناع: ٦٠٩/٥.
(٢)
رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . ورواه أحمد
والبخاري وأصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث أبي جحيفة .
رواه أحمد والنسائي وأبو داود من حديث علي رضي الله عنه .
(٤)
رواه الإمام أحمد بإسناده عن علي ، وأخرجه البيهقي .
(٦)
(٥)
البدائع : ٢٣٧/٧ ، تبيين الحقائق : ١٠٢/٦ وما بعدها .
رواه الدارقطني في سننه مسنداً عن ابن عمر من طريق عبد الرحمن بن البيلماني ، وهو ضعيف . وروي مرسلاً
(٧)
عند محمد بن الحسن ، والشافعي وعبد الرزاق وأبي داود من طريق البيلماني .
- ٢٦٩ -
(٣)
رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا .

معصوم الدم فأشبه الحر، والقصاص يتطلب فقط المساواة في العصمة.
وأما المراد من قوله تعالى: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) بعد
قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ فاختلف فيه الفقهاء، فقال الحنفية:
المراد به الرد على ما كان يفعله بعض القبائل، من أنهم يأبون أن يقتلوا في عبدهم إلا
حراً، وفي امرأتهم إلا رجلاً ، على ما جاء في حديث الشعبي، فأبطل ما كان من
الظلم، وأكد فرض القصاص على القاتل دون غيره ، فليس في الآية دلالة على أنه
لا يقتل الحر بالعبد أو أنه لا يقتل الرجل بالمرأة. وقال الجمهور : إن الله قد أوجب
المساواة في القصاص، ثم بين المساواة المعتبرة، فبين أن الحر يساويه الحر، والعبد
يساويه العبد، والأنثى تساويها الأنثى، لكن جاء الإجماع على أن الرجل يقتل
بالمرأة. فمناط الاستدلال عندهم كلمة ((القصاص)) الموجبة للمساواة والماثلة في القتل،
ومناط الاستدلال عند الحنفية كلمة ((القتلى)) الموجبة حصر القصاص في القاتل، لا في
غيره .
وأما حديث ((لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده)) فمعناه عند الحنفية أنه
لا يقتل المسلم والمعاهد بكافر حربي؛ لأن المراد بالكافر هو الحربي بدليل جعل الحربي
مقابلاً للمعاهد؛ لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهداً مثله من الذميين إجماعاً، فيلزم أن
يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربي، كما قيد في المعطوف؛ لأن الصفة بعد متعدد
ترجع إلى الجميع اتفاقاً، ویکون التقدير: لا يقتل مسلم بکافر حربي ولا ذو عهد بکافر
حربي؛ لأن الذمي إذا قتل ذمياً قتل به، فعلم أن المراد به: الحربي، إذ هو الذي
لا يقتل به مسلم ولا ذمي. ولا يقال كما يرى الجمهور، معناه: لا يقتل ذو عهد مطلقاً،
أي لا يحل قتله، بمعنى أنه يصبح كلاماً مستأنفاً مبتدأ به؛ لأن المراد من الحديث نفي
القتل قصاصاً، لا نفي مطلق القتل، فيكون المعطوف مثل المعطوف عليه.
وأيد الحنفية قولهم بالقياس أيضاً وهو أن يد المسلم تقطع إذا سرق مال الذمي
فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه.
- ٢٧٠ -

لكن رد الجمهور على أدلة الحنفية بأن حديث ((أنا أحق من وفى بذمته)) ضعيف.
وتوجد شبهة في إباحة دم الذمي، بسبب الكفر المبيح للدم، ولا قصاص مع الشبهة.
وحديث «ولا ذو عهد في عهده» كلام تام لا يحتاج إلى تقدير، وهي جملة مستأنفة،
لبيان حرمة دماء أهل الذمة والعهد بغير حق، ولو سلمنا أنها للعطف، فالمشاركة في
أصل النفي لا من كل وجه، فلو سلمنا تقدير الحربي في الجملة الثانية، فلا يسلم
تخصيص الكافر بالحربي. وأما القياس فهو في مقابلة النص: ((لا يقتل مسلم بكافر)»،
ثم إن حد السرقة حق الله، والقصاص حق العبد، والقصاص يشعر بالمساواة،
ولا مساواة بين المسلم والكافر.
واتفق الفقهاء فيما عدا ذلك على أنه يقتل الرجل بالأنثى، والكبير بالصغير،
والعاقل بالمجنون، والعالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، وسليم الأطراف بمقطوعها
وبالأشل، أي أنه لا يشترط التكافؤ في الجنس والعقل والبلوغ والشرف والفضيلة
وكمال الذات أو سلامة الأعضاء(١).
وهل يقتل الباغي قصاصاً بالعدل وبالعكس ؟: قال الحنفية(٢)
والمالكية(٣) والحنابلة(٤) في وجه هو الراجح: لا يقتل الباغي بالعدل وبالعكس؛ لأن
كلاً منهما غير معصوم الدم في زعم الآخر، لاستحلاله الدم بتأويل. قال الزهري:
((وقعت الفتنة والصحابة متوافرون، فاتفقوا على أن كل دم استحل بتأويل القرآن
العظيم فهو موضوع)».
البدائع ، بداية المجتهد ، المهذب ، كشاف القناع : المكان السابق ، المغني : ٦٤٨/٧.
(١)
(٢)
البدائع : ٢٣٦/٧ .
القوانين الفقهية: ص ٣٦٤ ، الشرح الكبير والدسوقي : ٣٠٠/٤ .
(٣)
المغني: ١١٥/٨، غاية المنتهى: ٣٥٠/٣ ، قال ابن قدامة: في القصاص وجهان: أحدهما: يجب لأنه مكافئ
(٤)
معصوم ، والثاني : لا يجب لأن في قتلهم اختلافاً بين الأئمة ، فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص ، لأنه مما يندرئ
بالشبهات .
- ٢٧١ -

وقال الشافعية(١): يقتص من الباغي بقتل العادل وبالعكس؛ لأن المقتول
معصوم الدم مطلقاً؛ لأن الإسلام حقن دماء البغاة في غير حال القتال. وحكم البغاة
في ضمان النفس والمال والحد حكم أهل العدل. لكن الصحيح عند الشافعية(٣) أنه
لا يتحتم قتل الباغي ويجوز العفو عنه، لقول علي رضي الله عنه بعد أن جرحه ابن
ملجم قبل استشهاده: ((أطعموه واسقوه واحبسوه، فإن عشت فأنا ولي دمه: أعفو إن
شئت، وإن شئت استقدت، وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به)) وقال الشافعي رضي الله
عنه والحنابلة: يكره للعادل أن يتعمد قتل ذي رحمه من أهل البغي، وأضاف
الشافعي: وحكم دار البغي دار الإسلام، فإذا جرى فيها ما يوجب إقامة حد، أقامه
الإمام إذا استولى عليها .
قتل الغيلة: هو القتل لأخذ المال، سواء أكان القتل خفية، كما لو خدعه،
فذهب به لمحل، فقتله فيه لأخذ المال، أم كان القتل ظاهراً على وجه يتعذر معه
الغوث، وقد يسمى الثاني (أي القتل ظاهراً) حرابة (٣).
وحكم هذا القتل كبقية أنواع القتل الأخرى عند الجمهور(٤) (غير المالكية) في
القصاص والعفو عنه، واشتراط التكافؤ بين القاتل والمقتول.
وقال المالكية: يقتل هذا القاتل بسبب الفساد والحرابة، لا قصاصاً، وبما أن
هذا القتل يعاقب عليه فاعله بسبب الحرابة والفساد، لا للقصاص، قال المالكية(٥):
لا يشترط فيه شرط التكافؤ، فيقتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر ولا عفو فيه،
ولا صلح، وصلح ولي القتيل مردود، والحكم فيه إلى الإمام.
(١)
المهذب : ٢٢١/٢ ، مغني المحتاج : ١٢٨/٤ وما بعدها .
(٢)
وقال في مغني المحتاج : أرجح الوجهين كما قال البلقيني : الوجوب أي وجوب القصاص على البغاة .
وعرفه صاحب المغني ابن قدامة بقوله : أن يخدع الإنسان فيدخل بيتاً أو نحوه ، فيقتل أو يؤخذ ماله . وذكر
(٣)
أن ذلك عند مالك .
(٤)
المغني : ٦٤٨/٧ .
(٥)
الشرح الكبير للدردير مع الدسوقي : ٢٣٨/٤، ٢٤٢ .
- ٢٧٢ -
-

شرط القتل :
اشترط الحنفية(١) في نفس القتل الموجب للقصاص: أن يكون مباشرة،
لا تسبباً، فإن كان تسبباً ففيه الدية، كمن حفر بئراً على قارعة الطريق، فوقع فيه
إنسان ومات، فعلى الحافر الدية. وإذا رجع شهود القصاص عن شهادتهم بعد قتل
المشهود عليه، فتجب عليهم الدية ؛ لأنه لم يوجد منهم القتل مباشرة، وإنما وجد منهم
سبب القتل .
ولم يشترط غير الحنفية هذا الشرط، وإنما قالوا - في الجملة -: يجب القصاص
بالسبب كالمباشرة؛ لأنها متماثلان، على النحو الذي بيناه سابقاً. وملخصه:
إنه يجب عند الجمهور القصاص بالسبب الحسي كالإكراه على القتل، وبالسبب
الشرعي كشهود الزور، وفي بعض أحوال السبب العرفي كتقديم الطعام المسموم إلى
الضيف الصبي غير المميز أو المجنون. واختلفوا في تسميم المميز أو البالغ العاقل، فقال
المالكية والحنابلة: على فاعله القصاص. وقال الشافعية في أرجح الأقوال: لا يقتص
منه، وإنما عليه الدية (دية شبه العمد). كما اختلفوا في حالة الشرط (وهو مالا يؤثر
في الهلاك ولا يحصله بل يحصل التلف عنده بغيره، ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه)
كالحفر مع التردي، والإمساك مع القتل، والدلالة على المجني عليه. فقال غير المالكية:
يقتص من مباشر القتل، ويعزر المتسبب. وقال المالكية: يقتص من الاثنين معاً.
واختلفوا أيضاً في حالة اشتراك الفاعل والشريك: فمن اتفق أو حرض أي اشترك في
الجريمة ولم يباشر القتل فعليه التعزير عند الأئمة ما عدا مالكاً، وكذلك من أعان على
القتل ولم يباشر القتل: عليه القصاص عند مالك، والتعزير عند باقي الأئمة(٢).
(١)
البدائع : ٢٣٩/٧ .
(٢)
التشريع الجنائي الاسلامي : ١٣٢/٢.
- ٢٧٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٦ (١٨)

شرط ولي القتيل :
اشترط الحنفية(١) في ولي القتيل صاحب الحق في القصاص: أن يكون معلوماً،
فإن كان مجهولاً لا يجب القصاص؛ لأن القصد من إيجاب القصاص هو التمكين من
استيفاء الحق، والاستيفاء من المجهول متعذر، فتعذر الإيجاب له. وخالف فيه باقي
الأئمة.
خامساً -موانع القصاص:
يفهم من المبحث السابق في شروط القصاص أن هناك حالات مانعة من
القصاص، وهي ستة، يمكن إدخالها تحت مفهوم الشبهة التي تدرأ الحدود ومنها
القصاص.
١ - حالة الأبوة عند فقهاء المذاهب ما عدا حالة إرادة القتل إذا ثبتت ثبوتاً
قاطعاً عند المالكية. أما رابطة الزوجية فلا تمنع القصاص باتفاق المذاهب الأربعة،
خلافاً للزهري والليث بن سعد(٢).
٢ - عدم التكافؤ بين الجاني والمجني عليه: في الإسلام والحرية عند جمهور الفقهاء
خلافاً للحنفية. أما الكفار فيقتلون، بعضهم ببعض دون تفريق، فيقتل الذمي
بالذمي، أو المجوسي، أو الحربي، أو المستأمن.
٣ - حالة الاشتراك الجرمي أو الاتفاق الجنائي: أي حالة الاتفاق على القتل
دون حضور القتل، أو التحريض أو الإعانة على القتل دون مباشرة القتل، فلا
قصاص على من لم يباشر القتل، وإنما يعزر عند جمهور الفقهاء، خلافاً للمالكية
البدائع : ٢٤٠/٧ .
(١)
(٢) المغني : ٦٦٨/٧ .
- ٢٧٤ -

الذين قالوا: يقتص ممن حضر أو أعان ولم يباشر كالربيئة أو حارس الأبواب ومفارق
الطرق.
أما في حالة اشتراك الجماعة بالقتل ومباشرتهم القتل فيقتص من الجميع باتفاق
المذاهب.
٤ - القتل بالتسبب عند الحنفية دون غيرهم من الأئمة .
٥- أن يكون ولي القتيل مجهولاً عند الحنفية دون غيرهم من الأئمة.
٦ - أن يكون القتل في دار الحرب عند الحنفية دون غيرهم.
فلا قصاص عند الحنفية على من قتل مسلماً في دار الحرب، لعدم ولاية الإمام
على دار الحرب، سواء أكان القتيل ممن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، أم كان
مسلماً من أهل دار الإسلام، لكنه دخل دار الحرب بأمان، أو بإذن كالتاجر والأسير.
وتجب الدية عند الصاحبين بقتل التاجر أو الأسير؛ لأنهما من أهل دار الإسلام،
والأسر أمر طارئ. وعند أبي حنيفة: تجب دية التاجر، لا الأسير؛ لأن الأسير مقهور
في يد أهل الحرب، فصار تابعاً لهم، فلم يعد متقوماً()، وأوجب غير الحنفية القصاص
من القاتل في كل هذه الأحوال، كما بينا سابقاً .
سادساً -كيفية وجوب القصاص (أو مدى لزوم القصاص، أو موجب
العمد ) :
يجب القصاص من القاتل إلا إذا عفا عنه ولي القتيل. فإذا عفا، هل يلزم
القاتل بالدية أم لا ؟
قال الحنفية والمالكية، والشافعية في ظاهر مذهبهم الراجح عندهم وفي رواية
(١) البدائع: ١٣٣/٧، ٢٣٧ .
- ٢٧٥ _

٠٠
عن أحمد(١): موجّب(٢) القتل العمد هو القَود عيناً أي متعيناً، لقوله تعالى: ﴿كتب
عليكم القصاص في القتلى﴾ وهذا يفيد تعين القصاص واجباً معيناً للعمد، ولقوله.
عليه السلام: ((من قتل عمداً فهو قَود))(٣)، ولأن القصاص بدل شيء متلف، فتعين
الجزاء من جنسه، كسائر المتلفات.
ويحسن إيراد عبارة الشافعية فيه وهي: موجب العمد القود عيناً، والدية بدل
عند سقوطه، وفي قول: موجب العمد: أحدهما (القصاص والدية) مبهماً، وعلى
القولين: للولي عفو على الدية بغير رضا الجاني، وعلى الأول: لو أطلق العفو فالمذهب
لا دية.
وبناء على هذا الرأي: قال الحنفية والمالكية والشافعية على المذهب: لوعفا ولي
القتيل عن القصاص مطلقاً أي دون مطالبة بالدية، لا يلزم الجاني بالدية جبراً عنه،
وإنما له باختياره أن يدفعها في مقابل العفو عنه. وللولي أن يعفو مجاناً أو يقتص،
أي ليس له إن أراد أخذ جزاء الجناية إلا القود، لا الدية. ويجوز العفو على الدية أو
أكثر أو أقل برضا الجاني، وتعد الدية حينئذ بدلاً عن القصاص. ولو تعدد الأولياء
فبادر أحدهم، فقتل الجاني قبل إبداء الآخرين رأيهم ، سقط حق الباقين في القصاص
ولا دية لهم، ويترتب على اعتبار الدية بدلاً من القصاص أنه لا يجوز للقاضي أن
يجمع بين عقوبة وبدلها جزاء عن فعل واحد.
وقال الحنابلة عملاً برواية أخرى عن أحمد هي الراجحة عندهم(٤)، وفي قول عند
البدائع: ٢٤١/٧، الدر المختار: ٣٧٦/٥، الشرح الكبير للدردير: ٢٣٩/٤، بداية المجتهد : ٣٩٤/٢ ، مغني
(١)
المحتاج : ٤٨/٤، المهذب : ١٨٨/٢، المغني: ٧٥٢/٧، كشاف القناع: ٦٣٣/٥.
(٢)
موجب العمد ، أي مقتضاه في الاعتداء على نفس أو غيرها .
(٣)
رواه أبو داود وغيرهما یاسناد صحيح .
كشاف القناع : ٦٣٣/٥ ٠
(٤)
- ٢٧٦ -

الشافعية: ليس القصاص واجباً عيناً، وإنما الواجب بقتل العمد أحد شيئين:
القصاص أو الدية. وللولي خيار التعيين : إن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ
الدية من غير توقف على رضا القاتل. ويعتبر التعزير بدلاً عن الدية. ودليلهم قوله
تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء، فاتباع بالمعروف، وأداء إلیه یاحسان﴾ ومعناه
فليتتبع القاتل، وليؤد القاتل الدية، فالله أوجب الاتباع بمجرد العفو، ولو أوجب
العمد القصاص عيناً، لم تجب الدية عند العفو المطلق. ثم إن الدية أحد بدلي النفس،
فكانت بدلاً عنها، لا عن بدلها كالقصاص. وأما حديث ((من قتل عمداً فهو قود)»
فالمراد به وجوب القود. ويخالف القتل سائر المتلفات؛ لأن بدلها لا يختلف بالقصد
وعدمه، والقتل بخلافه.
وأضاف الحنابلة أدلة أخرى، منها قول ابن عباس: كان في بني اسرائيل
القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ كتب عليكم القصاص
في القتلى(١)) وعن أبي هريرة مرفوعاً: «من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما
أن يُودِي(٢)، وإما أن يقاد))(٣).
ويترتب على هذا الرأي: أن الولي لو عفا عن القصاص مطلقاً، أو إلى الدية
بدلاً عنه، وجبت الدية؛ لأن الواجب غير معين، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر،
وإن اختار الدية سقط القصاص، وإن اختار القصاص تعين. وفي هذه الحالة
الأخيرة: هل له بعدئذ العفو على الدية ؟ قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: له ذلك؛ لأن
القصاص أعلى، فكان له الانتقال إلى الأدنى، ويكون بدلاً عن القصاص. ويحتمل أنه
ليس له ذلك؛ لأنه أسقط الدية باختياره القود، فلم يعد إليها .
(١)
رواه البخاري .
وديت القتيل : إذا أعطيت ديته . واتديته : أخذت ديته .
(٢)
(٣)
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة .
- ٢٧٧ -

سابعاً - صاحب الحق في القصاص:
صاحب الحق في القصاص أو مستوفيه أو ولي الدم: هو عند الحنفية والحنابلة،
والصحيح عند الشافعية(١): كل وارث يرث المال، سواء أكان من ذوي الفروض أم
العصبة، أي جميع الورثة نساءً ورجالاً، أزواجاً وزوجات.
وقال المالكية(٢) : مستحق القصاص هو العاصب الذكر، أي جميع العصبة
بالنفس، يقدم الأقرب فالأقرب من العصبة في إرثه إلا الجد والإخوة، فهم في درجة
متساوية في القصاص والعفو، فلا دخل في القصاص للبنات والأخوات والزوجات
والزوج؛ لأن القصاص لرفع العار، فاختص بالعصبات كولاية الزواج.
وقد تكون المرأة مستحقة القصاص عند المالكية بشروط ثلاثة هي:
١ - أن تكون وارثة المقتول كبنت أو أخت، فخرجت العمة والخالة ونحوهما.
٢ - ألا يساويبها عاصب في الدرجة أو في القوة: بأن لم يوجد أصلاً، أو وجد
عاصب أنزل منها درجة، كالعم مع البنت أو الأخت. فتخرج البنت مع الابن،
والأخت مع الأخ، لا كلام لها معه في عفو ولا قود، بخلاف الأخت الشقيقة مع الأخ
لأب، لها الكلام معه؛ لأنه وإن ساواها في الدرجة هو أنزل منها في القوة.
٣- أن تكون بحيث لو كان في درجتها رجل ورث بالتعصيب. فتخرج الأخت
لأم، والزوجة، والجدة لأم(٣).
وإذا تعدد الورثة، هل يثبت حق القصاص لكل وارث على سبيل الاستقلال،
أم على سبيل الشركة ؟ رأيان:
البدائع: ٢٤٢/٧ وما بعدها، الدر المختار: ٣٨٣/٥، حاشية الشلبي علي الزيلعي: ١١٤/٦، مغني المحتاج :
(١)
٣٩/٤ وما بعدها ، المهذب : ١٨٣/٢ وما بعدها، المغني: ٧٣٩/٧، ٧٤٣، كشاف القناع: ٦٢١/٥ وما بعدها .
(٢)
الشرح الكبير للدردير: ٢٥٦/٤ ، بداية المجتهد: ٣٩٥/٢، الشرح الصغير: ٣٥٨/٤ .
الشرح الكبير للدردير : ٢٥٨/٤ .
(٣)
- ٢٧٨ -

الرأي الأول - لأبي حنيفة ومالك(١): وهو أن القصاص يثبت لكل وارث على
سبيل الاستقلال والكمال؛ لأنه حق مبتدأ لهم بوفاة القتيل؛ لأن المقصود من
القصاص في القتل هو التشفي، والميت لا يتشفى، فيثبت للورثة ابتداء. ثم ان حق
القصاص لا يتجزأ، ومالا يتجزأ من الحقوق إذا ثبت لجماعة، يثبت لكل واحد منهم
على سبيل الكمال، كأنه ليس معه غيره، كولاية التزويج وولاية الأمان.
الرأي الثاني - للشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب، والصاحبين(٢): وهو أن
حق القصاص يثبت لكل وارث على سبيل الشركة؛ لأن الحق في القصاص أصلاً هو
للمقتول، وبما أنه بالموت عجز عن استيفاء حقه بنفسه، فيقوم الورثة مقامه بالإرث
عنه، ویکون مشتر کاً بینھم، کما يشتركون في إرث المال.
ويتفرع على هذا الاختلاف على رأيين: أنه إذا تعدد الأولياء، هل ينتظر
لاستيفاء القصاص بلوغ أحد الأولياء إذا كان صغيراً، أو عودته إذا كان غائباً، أو
إفاقته من جنونه إذا كان مجنوناً ؟
فعلى الرأي الأول: لا ينتظر بلوغ الصغير، ولا إفاقة المجنون، ويكون الحق في
الاستيفاء للكبير، والعاقل، وأما الغائب فينتظر لاحتمال عفوه.
وأما على الرأي الثاني: فينتظر بلوغ الصبي، وكمال المجنون بإفاقته، وقدوم
الغائب، ولا يجوز حينئذ للكبير أو للحاضر الاستقلال باستيفاء القصاص. وفي هذه
الحالة يحبس القاتل حتى يحضر الغائب، ويكمل الصبي والمجنون، ولا يخلى بكفيل.
وإذا لم يكن للمقتول وارث غير جماعة المسلمين، كان الأمر باتفاق الفقهاء إلى
البدائع: المرجع والمكان السابق، الدردير: ٢٥٧/٤ ، الشرح الصغير للدردير: ٣٦٠/٤.
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ٤٠/٤ ، المهذب : ١٨٨/٢، المغني: ٧٣٩/٧، كشاف القناع: ٦٢١/٥، البدائع : ٢٤٢/٧.
- ٢٧٩ _

السلطان، عملاً بالقاعدة الشرعية: ((السلطان ولي من لا ولي له))(١) فإن رأى
السلطان القصاص اقتص، وإن رأى العفو على مال عفا؛ لأن الحق للمسلمين، فوجب
على الإمام أن يفعل ما يراه من المصلحة؛ لأن ((تصرف الحاكم على الرعية منوط
بالمصلحة)) فإن أراد أن يعفو على غير مال لم يجز؛ لأنه تصرف لا مصلحة فيه
للمسلمين، فلم يملكه(٢).
ثامناً -ولاية استيفاء القصاص:
الكلام فين يلي استيفاء القصاص يحتاج لتفصيل بحسب ما إذا كان المستحق
منفرداً أو متعدداً.
١ - إذا كان مستحق القصاص منفرداً فإما أن يكون كبيراً أو صغيراً.
آ- فإن كان كبيراً فله استيفاء القصاص لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد
جعلنا لوليه سلطاناً، فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً﴾.
ب- وإن كان صغيراً أو مجنوناً، ففي انتظار كاله عند مشايخ الحنفية رأيان(٣):
قال بعضهم: ينتظر بلوغه أو كاله. وقال آخرون: يستوفيه القاضي نيابة عنه.
وقال المالكية (٤): لا ينتظر البلوغ أو الإفاقة، ولولي الصغير أو المجنون أو
وصيهما النظر بالمصلحة في استيفاء القصاص، وفي أخذ الدية كاملة.
وقال الشافعية والحنابلة(٥): ينتظر بلوغ الصغير وإفاقة المجنون ؛ لأن القصاص
(١) هذا نص حديث نبوي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها، وحسنه الترمذي،
ورواه أحمد وصححه الحاكم وابن حبان .
(٢)
المهذب: ١٨٨/٢، البدائع: ٢٤٥/٧ ، المغني : ٧٥٤/٧ .
(٣)
البدائع : ٢٤٣/٧ .
(٤)
الشرح الكبير للدردير : ٢٥٨/٤ .
مغني المحتاج : ٤٠/٤ ، المغني : ٧٣٩/٧ .
(٥)
- ٢٨٠ -
٠