النص المفهرس
صفحات 241-260
الضرر، وهلك المقصود المعين بالسبب المتخذ، كما في حالة الحفر ورجوع الشهود عن شهادتهم، والتسميم، والإكراه. ولا بد من توضيح الكلام في الإكراه على القتل، والتسيم. الإكراه على القتل : إذا أكره رجل غيره على قتل آخر بأن هدده بما يلحق ضرراً بنفسه أو ماله، فقال أبو حنيفة ومحمد: يجب القصاص على المكره، دون المستكره المباشر، لقوله مع اله: ((عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(١) ولأن المستكره آلة للمكره، والقاتل معنى هو المكره، والموجود من المستكره صورة القتل فقط . وقال أبو يوسف: لاقصاص على أحد، سواء المكره والمستكره، للشبهة؛ لأن المكره ليس بمباشر للقتل، وإنما هو مسبب له، وإنما القاتل هو المستكره. ٠ وقال زفر: القصاص على المستكره؛ لأن القتل وجد منه في الحقيقة والواقع. وبه يتبين أن في المذهب الحنفي(٣) آراء ثلاثة أرجحها الأول. وقال الجمهور (المالكية والشافعية في الأظهر عندهم، والحنابلة (٣)): يجب القصاص على المكره والمستكره جميعاً؛ لأن المكره متسبب في القتل بما يفضي إليه غالباً، والمستكره مباشر القتل عمداً عدواناً مؤثراً في فعله استبقاء نفسه. وإني أرجح هذا الرأي . (١) رواه ابن ماجه عن أبي ذر، والطبراني والحاكم عن ابن عباس، والطبراني أيضاً عن ثوبان بلفظ: ((إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ». البدائع: ١٧٩/٦، تكملة فتح القدير: ٣٠٢/٧ ، اللباب شرح الكتاب : ١١٢/٤. (٢) (٣) الشرح الكبير للدردير : ٢٤٤/٤ ، مغني المحتاج : ٩/٤، المهذب: ١٧٧/٢، المغني : ٦٤٥/٧ ، كشاف القناع : ٦٠١/٥ وما بعدها . الفقه الإسلامي جـ ٦ (١٦) - ٢٤١ - الأمر بالقتل : فرق الفقهاء بين الإكراه على القتل وبين الأمر بالقتل، لاختلاف طبيعة الحالتين، ففي حالة الإكراه يكون المباشر مجبراً على تنفيذ الفعل، وفي حالة الأمر يكون المباشر مختاراً ارتكاب الجريمة؛ لذا كان في حكمه تفصيل: ١ - إذا كان المأمور غير مميز كصبي أو مجنون، فلا قصاص على الآمر عند الحنفية؛ لأنه قتل بالتسبب، والقتل بالتسبب لاقصاص فيه، وإنما فيه الدية، كما بينا سابقاً. وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة)(١): يقتص من الآمر؛ لأنه متسبب في القتل. وأما المباشر فهو مجرد آلة يحركها الآمر كيف يشاء. ٢ - وإذا كان المأمور مميزاً، أو كبيراً بالغاً عاقلاً، فإما أن يكون للآمر سلطان علیه، أو لا سلطان له عليه. فإن لم يكن سلطان للآمر على المأمور، فقال مالك والشافعي وأحمد(٢): يقتص من المباشر المأمور، ويعزر الآمر. وأما إذا كان للآمر سلطان على المأمور أي المباشر، كسلطة الأب على ولده الصغير، وسلطة الحاكم على من هو تحت إمرته، بحيث يخاف المأمور أن يقتله الآمر لو لم يطع أمره، فيقتص عند مالك(٣) من الآمر والمأمور معاً؛ لأن الأمر في هذه الحالة يعتبر إكراهاً. وقال الشافعية والحنابلة(٤): إن علم المأمور أن القتل بغير حق، فيقتص من بداية المجتهد : ٣٨٨/٢ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ٢٤٤/٤، المهذب : ١٧٧/٢، كشاف القناع : (١) ٦٠٢/٥ وما بعدها ، المغني : ٧٥٧/٧ ، القوانين الفقهية: ص ٣٤٥ . (٢) المراجع السابقة . (٣) بداية المجتهد : ٣٨٩/٢ . المهذب ، كشاف القناع ، المرجعان السابقان ، والمكان السابق . (٤) - ٢٤٢ - المأمور المباشر؛ لأنه غير معذور في فعله، لقوله ◌َ لقال: ((لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق))(١)، ويعزر الآمر بالقتل ظلماً لارتكابه معصية. وإن لم يعلم المأمور أن القتل بغير حق، فالقصاص على الآمر؛ لأن المأمور معذور لوجوب طاعة الإمام في غير معصية، والظاهر من حاله أنه لا يأمر إلا بالحق. وعند أبي حنيفة(٢): لاقصاص على الآمر إلا إذا كان مُكرهاً، كما لاقصاص على المأمور إذا كان الأمر صادراً ممن يملكه؛ لأن الأمر أو الإذن شبهة تدرأ القصاص، فإن كان الأمر صادراً ممن لا حق له فيه. فعلى المأمور القصاص. التسيم : التسميم : تسبب لقتل النفس، فلا يوجب القصاص عند الحنفية(٢). فإن دس شخص لآخر السم في طعام أو شراب، فأكله أو شربه ولم يعلم به، ومات منه، فلا قصاص عليه، ولا دية، لكن يلزمه الاستغفار والحبس والتعزير، لارتكابه معصية بتسببه لقتل النفس، وتغريره بالمجني عليه. : أما في حالة الإكراه على تناول السم، كأن أوجر (صب في الحلق) شخص السم في حلق آخر على كره منه، أو ناوله إياه وأكرهه على شربه حتى شرب، فالفعل قتل شبه عمد؛ لأنه حصل بما لا يجرح، فلا قصاص فيه عند أبي حنيفة، وإنما تجب الدية على عاقلته (أهل ديوانه أو حرفته أو تقابته)(٤). والتسميم أو تقديم مسموم عند المالكية(٥) موجب للقصاص، إن مات متناوله، رواه الحاكم وأحمد في مسنده عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري . (١) (٢) البدائع : ٢٣٦/٧ . (٣) الدر المختار : ٣٨٥/٥ ، تبيين الحقائق: ١٠١/٦. وأما على رأي الصاحبين ، فمن الفقهاء من قال : إنه قتل شبه عمد عندهما أيضاً ، ومنهم من قال : عندهما (٤) تفصيل : إن كان ما أوجر من السم مقداراً يقتل مثله غالباً فهو عمد ، وإلا فخطأ العمد . الشرح الكبير مع الدسوقي : ٢٤٤/٤ . (٥) - ٢٤٣ - وكان مقدمه عالماً بأنه مسموم، وإلا فلا شيء عليه لأنه معذور، كما لا شيء على مقدِّمه إن علم المتناول بسميته؛ لأنه يكون حينئذ قاتلاً لنفسه. وكذلك يعتبر التسميم عند الحنابلة (١) قتلاً عمداً موجباً للقصاص إذا كان مثله يقتل غالباً؛ لأن التسميم يتخذ كثيراً طريقاً إلى القتل، فيوجب القصاص، وبدليل أن يهودية أتت النبي ◌ُ الزّ بشاة مسمومة، فأكل منها النبي ◌ُ ◌ّ وبشر بن البراء بن معرور، فلما مات بشر، أرسل إليها النبي ◌ُ ◌ٍّ، فاعترفت، فأمر بقتلها(٢). وعند الشافعية(١): يعد تسميم الصبي غير المميز (دون السابعة) والمجنون قتلاً عمداً موجباً للقصاص، وكذلك يجب القصاص إن سقى السم بالغاً عاقلاً مكرهاً، فمات، لأنه سبب يقتل غالبا . فإن سقاه مميزاً أو بالغاً عاقلاً في غير حالة الإكراه، ولم يعلم المتناول حال الطعام، فهو في الأصح قتل شبه عمد، يوجب الدية فقط لا القصاص؛ لأن آخذه تناوله باختياره من غير إلجاء. والخلاصة: أن التسميم قتل عمد عند المالكية والحنابلة، وعمد عند الشافعية في حالة الإكراه، وإعطائه غير المميز أو المجنون، وشبه عمد عند الحنفية في حالة الإكراه، وكذا في غير حالة الإكراه عند الشافعية، ويوجب التعزير فقط عند الحنفية في غير حالة الإكراه. (١) المغني : ٦٤٣/٧ ، كشاف القناع : ٥٩١/٥ وما بعدها . (٢) رواه أبو داود عن أبي هريرة. وانظر سيرة ابن هشام: ٣٣٨/٢. مغني المحتاج : ٦/٤ ، المهذب : ١٧٦/٢ . (٣) - ٢٤٤ _ حالات اشتراك المتسبب مع المباشر في جناية القتل: بينت سابقاً حالة الاشتراك المباشر بين اثنين فأكثر في بحث قتل الجماعة بالواحد، وأبين هنا حالة اشتراك المتسبب مع المباشر، كما سأبين في مبحث تال حالة الاشتراك بين من يجب عليه القصاص وبين من لا يجب عليه. أما حالة اشتراك المتسبب مع المباشر في جريمة القتل، فيخضع حكمها لما قرره الفقهاء من القواعد الفقهية العامة في بحث الضمان(١). وأمثلتها: اشتراك الممسك مع القاتل، والدال مع المدلول، والحافر حفرة مع المردي، والملقي من شاهق مع القاد. أولاً - ضمان المباشر وحده : المباشر: هو الذي حصل الضرر بفعله بلا واسطة، أي تدخل فعل شخص آخر مختار. ويكون مسؤولاً عن فعله في ضوء قاعدتين عند الحنفية هما: ١- ((المباشر ضامن وإن لم يتعمد)»: فمن باشر القتل بسلاح وجب عليه القصاص إذا كان القتل عمداً عدواناً. ومن باشر القتل بغير سلاح كحجر وخشب، أو أطلق عياراً نارياً إلى طائر فأصاب إنساناً، أو انقلب نائم على إنسان فقتله أوسقط من حائط على إنسان في الطريق فقتله، كان القتل شبه عمد في القتل بغير سلاح، وخطأ في الإطلاق على طائر، ومما جرى مجرى الخطأ في الوقوع على إنسان، ويجب .(٢) عليه الدية(٢). ٢- ((إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر)»: يلزم المباشر بالضمان أو المسؤولية إذا كان هو المؤثر الأقوى في إحداث العدوان. وكان دور انظر كتابنا نظرية الضمان : ص ٤٤ وما بعدها ، ١٨٨ وما بعدها . (١) (٢) مجمع الضمانات: ص ١٤٦ - ١٥٤، ١٦١، ١٦٥، جامع الفصولين لابن قاضي سماوة: ١١٣/٢، ١٢٤ وما بعدها، الأشباه والنظائر لابن نجيم : ٩٩/٢، الدر المختار: ٣٧٥/٥ - ٣٧٧ . - ٢٤٥ _ السبب ضعيفاً لا يعمل بانفراده في الهلاك. كمن حفر حفرة أو بئراً في الطريق العام بدون إذن السلطات، وجاء آخر وأردى غيره (دفعه أو ألقاه) في البئر، أو ألقى حيواناً فيها، ضمن المردي أو الدافع أو الملقي، ووجب عليه الدية أو التعويض، لأنه مباشر للتلف بالذات، وأما حافر البئر فهو متسبب فقط؛ لأن حفره البئر، وإن أفضى إلى التلف، لكنه لا ينفرد بالإتلاف ما لم يوجد الدفع الذي هو المباشر(١). ومثله من دل غيره على شخص فقتله المدلول كان الثاني عند أبي حنيفة هو المسؤول. ومثل الشافعية والحنابلة(٢) لهذه القاعدة بمن أمسك شخصاً فقتله آخر أو حفر بئراً فرداه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق، فتلقاه آخر فقدَّه (قطعه نصفين مثلاً قبل وصوله الأرض) فالقصاص على القاتل والمردي والقاد فقط(٣). وبناء عليه لو أمسك رجل شخصاً ليقتله آخر، يضمن القاتل فقط عند الحنفية(٤)، فيقتص منه إن قتله بسلاح؛ لأنه باشر القتل، ويجب التعزير على الممسك من غير حبس. وقال الشافعية، والراجح عند أحمد(٥): يقتل القاتل، ويعزر الممسك عند البدائع: ٢٧٥/٧، المبسوط: ١٨٥/٢٦، الدر المختار: ٤٢٢/٥، جامع الفصولين: ١١٥/٢، مجمع الضمانات : (١) ص ١٥٣ . المهذب : ١٩٢/٢ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٨/٤ وما بعدها، المغني : ٦٨٤/٧، كشاف القناع: ٦٠١/٥. (٢) (٣) وهذا هو المعروف من الأفعال المؤثرة في زهوق الروح بالشرط ، لأن مإله دخل من الأفعال بالزهوق إما مباشرة : وهي ما يؤثر في الهلاك ويحصله بالذبح بسكين ، وإما شرط : وهو ما لا يؤثر في الهلاك ولا يحصله، بل يحصل التلف عنده بغيره ، ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه ، کالحفر مع التردي ، فإنه لا يؤثر في التلف ولا يحصله، وإنما التردي هو المحصل للتلف ، لكن لولا الحفر لما حصل التلف ، ولذا سمي شرطاً ، ومثله الإمساك للقاتل . وإما سبب : وهو ما يؤثر في الهلاك ولا يحصله كشهادة الزور على بريء بالقتل ، فإنها علة أو مؤثر في الحكم عليه بالإعدام ، ولكنها لا تجلب بذاتها الإعدام ، وإنما الذي يجلبه فعل الجلاد ( مغني المحتاج: ٦/٤ ) . (٤) (٥) الدر المختار ورد المختار: ٣٨٤/٥، البدائع : ٢٧٤/٧ . مغني المحتاج : ٨/٤ ، المهذب: ١٧٦/٢، المغني : ٧٥٥/٧ . - ٢٤٦ - الشافعية بحسب ما يرى الحاكم من المدة. وقال الحنابلة: يحبس الممسك حتى يموت، لقوله عليه السلام: ((إذا أمسك الرجلُ الرجلَ، حتى جاء آخر، فقتله، قتل القاتل وحبس الممسك))(١) وقوله أيضاً: ((إن من أعتى الناس على الله عز وجل: من قتل غير قاتله، أو طلب بدم الجاهلية في الإسلام، أو بصر عينيه في النوم ما لم تبصره))(٢). لكن المالكية(٣) قالوا: إذا اجتمعت المباشرة والسبب، فالقصاص عليهما معاً، فيشارك القاتل والممسك في الضمان أو القصاص، لتسبب الممسك ومباشرة القاتل. ومثله الدال الذي لولا دلالته ما قتل المدلول عليه، قياساً على الممسك. كذلك يقتص عندهم من الحافر والمردي معاً. والخلاصة: أن المباشر ضامن إذا تغلبت المباشرة على السبب. ثانياً -ضمان المتسبب وحده : المتسبب: هو الذي يحدث أمراً يؤدي إلى تلف شيء آخر حسب العادة، إلا أن التلف مباشرة لا يقع منه، وإنما بواسطة أخرى هي فعل فاعل مختار. ويضمن المتسبب وحده إذا كان متعدياً، عملاً بقاعدة ((المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي)) سواء أكان بقصد أم لا، أو بقاعدة ((يضاف الفعل إلى المتسبب إن لم يتخلل واسطة)»، وذلك إذا تعذر تضمين المباشر لكونه غير مسؤول أو غير موجود أو غير معروف، أو كان فعل المتسبب أقوى من المباشرة . فمن دفع إلى صبي سكيناً ليسكه له، فوقع عليه، فجرحته، كان الضمان (الدية) على الدافع؛ لأن السبب هنا يشتمل على معنى التعدي، لكون الصبي لم يباشر فعلاً معيناً، فهو غير مسؤول، والسكين بطبيعتها آلة جارحة. رواه الدارقطني عن ابن عمر، وهو حديث مرسل ، ورواه الشافعي من فعل علي . (١) (٢) رواه أحمد والدارقطني والطبراني والحاكم من حديث أبي شريح الخزاعي. ورواه آخرون عن عائشة ، وابن عباس . الشرح الكبير للدردير : ٢٤٥/٤ وما بعدها، لكن في إتلاف الأموال يقدم المستكره على المكره ، والمردي على (٣) الحافر في تعلق الضمان به وحده ( الشرح الكبير : ٤٤٤/٣ ) . - ٢٤٧ _ ومن طرح على قارعة الطريق حية، فلدغت إنساناً بمجرد إلقائها، فمات، فهو ضامن ديته؛ لأنه متعد في هذا السبب. ومثله لو ألقى عقرباً أو زنبوراً ونحوهما على حيوان أو إنسان، فأتلفه، كان على الملقي الضمان. وشهود الزور في قتل إنسان يضمنون الدية عند الحنفية، ويجب عليهم القصاص عند غير الحنفية؛ لأنهم تسببوا في موت المشهود عليه، ولو كان الحاكم هو المباشر. ولو دفع إنسان رجلاً على آخر، فعطب الآخر، كان الضمان (الدية) على الدافع؛ لأن المدفوع كالآلة، والقاعدة فيه هي ((المدفوع كالآلة في الضمان)). ولو عثر شخص بحجر لم يعرف واضعه، فوقع في بئر، يكون حافر البئر ضامناً الدية، لتعذر معرفة المباشر، ولأن صاحب البئر متسبب. ومن حفر بئراً في داره، وغطاها، أو ربط كلباً قرب باب الدار، ثم أذن لرجل بالدخول، فوقع في البئر ومات، أو عقره الكلب، فمات وجب عليه الضمان (الدية عند الحنفية، وفي الأصح عند الشافعية)(١). والخلاصة: أن المتسبب هو الضامن إذا تغلب السبب على المباشر. ثالثاً - تضمين المتسبب والمباشر معاً: يضمن المتسبب مع المباشر إذا كان للسبب تأثير يعمل بانفراده في الإتلاف متى انفرد عن المباشرة، أي إذا تعادلت قوة التسبب والمباشرة، أو اعتدل السبب والمباشر بأن تساوى أثرهما في الفعل، كان المتسبب والمباشر مسؤولين معاً عن القتل، كأن اجتمع على قيادة دابة سائق وراكب عليها، فما أحدثته من تلف، كان الضمان عليهما؛ لأن سوق الدابة وحده يؤدي إلى التلف، وإن لم يكن هناك شخص راكب عليها. (١) المبسوط: ١٤/١٦ وما بعدها، ١٨٥/٢٦، البدائع: ٢٧٣/٧، الأشباه والنظائر لابن نجيم: ١٩٧/١، مجمع الضمانات للبغدادي : ص ١٦٩، المهذب : ١٩٣/٢. - ٢٤٨ _ وكذلك إذا نخس رجل الدابة بأمر راكبها، يكون الضمان على الاثنين؛ لأن الناخس بمنزلة السائق . وعند الجمهور غير الحنفية يقتص في حالة الإكراه من المكره والمستكره معاً؛ لأن المكره متسبب، والمستكره مباشر، كما بينا سابقاً. وعند المالكية خلافاً لبقية المذاهب: يقتص من الممسك والقاتل؛ لأن الممسك متسبب، والقاتل مباشر، كما أوضحنا سابقاً . حالة اشتراك من يجب عليه القصاص ومن لا يجب عليه القصاص : القاعدة المقررة في هذه الحالة عند الحنفية هي أن ((القصاص لا يتجزأ)) (١) فلو اشترك اثنان في قتل رجل: أحدهما ممن يجب عليه القصاص، لو انفرد بالجريمة وحده، والآخر لا يجب عليه، لو انفرد لعدم انطباق شروط القصاص عليه كما سنوضح، مثل اشتراك صبي مع بالغ، ومجنون مع عاقل، ومخطئ وعامد في قتل شخص(٣)، أو اشتراك الأب مع شخص أجنبي في قتل الابن، أو اشتراك زوج مع أجنبي في قتل زوجته وله منها ولد، أو اشتراك رجل مع سبع أو حية في إماتة إنسان، كأن يجرحه سبع أو تلدغه حية، ويجرحه إنسان عمداً، فيموت بسببها، أو يجرح الشخص نفسه، ويجرحه أجنبي أيضاً، فمات، ففي كل هذه الحالات لاقصاص على أحد في مذهبي الحنفية والحنابلة(٣)، سواء من توافرت فيه شرائط القصاص أو لم تتوافر فيه لمانع شرعي، لوجود الشبهة في فعل كل واحد منهما، ولا يطبق القصاص مع الشبهة ، لكن تجب الدية عليهما . راجع الدر المختار: ٣٨٠/٥ ، وكتابنا نظرية الضمان : ص ٣٠٤ . (١) أو أحدهما بالسيف والآخر بالعصا عند أبي حنيفة ، لأن الاشتراك بالعصا يجعل المشترك مرتكبا قتلا شبه (٢) العمد . البدائع: ٢٣٥/٧، الفتاوى الهندية: ٤/٦، الدر المختار ورد المختار: ٣٩٧/٥، المغني : ٦٧٦/٧، ٦٧٧ ، ٦٨١ ، (٣) كشاف القناع : ٦٠٥/٥ . - ٢٤٩ - أما صاحب أهلية القصاص كالبالغ فتجب الدية في ماله. والذي لا يجب عليه القصاص كالمخطئ، تجب الدية على عاقلته. وهذا عند الحنفية في حالة شريك الأب، أما في حالة اشتراك الأب والأجنبي، فتجب الدية في مالهما؛ لأن الأب لو انفرد بالقتل تجب الدية في ماله. ورأى الحنابلة: أن على عاقلة الصبي والخطىء نصف الدية، وعلى البالغ، والمتعمد نصف الدية في ماله. وفي شريك السبع وشريك جارح نفسه وجهان في إيجاب القصاص عليه: أحدهما وهو الأصح: لاقصاص عليه، والثاني: عليه القصاص. وأما شريك الأب فعليه القصاص، كشريك الأجنبي. وقال الشافعية(١) بتفصيل آخر: لا يقتل شريك المخطىء، وشبه العمد بسبب الشبهة في القصاص، وإنما تجب الدية عليهما، أما المتعمد فعليه نصف الدية مغلظة في ماله، وغير المتعمد عليه نصف الدية مخففة . ويقتل شريك الأب في قتل ولده (أي کما قال الحنابلة)، وشریك جارح نفسه، کان جرح الشخص نفسه وجرحه غيره فمات بها . وكذلك يقتل شريك دافع الصائل(٢) في الأظهر، وشريك صبي مميز أو مجنون، وشريك السبع والحية القاتلين غالباً، لصدور الجريمة منه، وهو القتل العمد، وأما امتناع القصاص على الآخر فهو لعذر أو مانع خاص به، فلا يتعدى الى الآخر، ويجب عليه القصاص جزاء لفعله. والأظهر عند الشافعية أن من ألقى غيره في ماء مُغرق كالبحر فالتقمه حوت، وجب القصاص عليه؛ لأنه بسببه، فإن كان الماء غير مغرق فلا قصاص عليه . وقال المالكية(٣): إن اشترك في القتل عامد ومخطىء، أو مكلف وغير مكلف (١) مغني المحتاج: ٢٠/٤ ، المهذب : ١٧٤/٢ . (٢) أي المدافع عن نفسه أو ماله أو عرضه ضد الباغي المعتدي . بداية المجتهد : ٣٨٩/٢ ، ٤٠٥، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي : ٢٤٦/٤ وما بعدها . (٣) - ٢٥٠ _ مثل رجل عامد وصبي، أو عامد ومجنون، إن تمالاً على قتله، فعلى العامد القصاص، وعلى عاقلة المخطىء والمجنون والصبي نصف الدية؛ لأن عمد الصبي كخطئه، رعاية للمصلحة وصيانة للدماء، فكان كل واحد منهما انفرد بالجريمة . فإن لم يتمالاً على قتله، وتعمد الاثنان قتل المجني عليه أو تعمد الكبير، فعلى الكبير نصف الدية في ماله، وعلى عاقلة الصبي نصفها أي كما قال الحنفية. فإن قتلاه خطأ، أو أخطأ الكبير، فعلى عاقلة كل منهما نصف الدية. وفي حالة عدم التالؤ هناك قولان عند المالكية في أربع مسائل: هي شريك سبع، وشريك جارح نفسه جرحاً یعقبه الموت غالباً، ثم ضربه کبیر قاصداً قتله، وشريك حربي، وشريك مرض بعد الجرح، بأن جرح شخص غيره، ثم حصل للمجروح مرض ينشأ عنه الموت غالباً. ثم مات، ولم يدر، أمات من الجرح أو من المرض. والقولان هما: قول بعدم القصاص من الشريك، وقول بالقصاص. والراجح في شريك المرض القصاص في حالة القتل العمد، والدية في الخطأ. ولكن بعد حلف أيمان القسامة الخمسين. وأما المسائل الثلاثة الباقية فالقولان فيها على حد سواء. ولعل رأي المالكية أرجح الآراء صوناً للدماء. ٥ - الإلقاء في مهلكة : إذا جمع شخص بين إنسان وبين أسد أو نمر في مكان ضيق كزبية(١) ونحوها، أو أمام كلب فينهشه، أو يرمي عليه حية أو عقرباً فتلدغه، فهل يعتبر فعله قتلاً عمداً، فيسأل عنه، أم لا يسأل عنه؟ هناك آراء ثلاثة في المذاهب. قال الحنفية(٢): لاقود فيه ولا دية، وإنما يعزر ويضرب ويحبس الى أن يموت. زبية الاسد : حفرة تحفر له شبه البئر، أو حفرة في مكان عال يصاد فيها الأسد . (١) (٢) الدر المختار : ٣٨٦/٥. - ٢٥١ - ويروى عن أبي حنيفة أن عليه الدية . وإن فعل ذلك بصبي فعليه الدية . وإن ربط صبياً وألقاه في الشمس أو البرد حتى مات، فعلى عاقلته الدية. وقال المالكية (١): الفعل العدواني في هذه الحالة قتل عمد فيه القود، سواء أكان فعل الحيوان بالإنسان مما يقتل غالباً كالنهش، أم مما لا يقتل غالباً ومات الآدمي من الخوف. ولا يقبل الادعاء أنه قصد بفعله اللعب. وكذلك قال الحنابلة(٢): الفعل قتل عمد موجب للقصاص إن فعل الحيوان المفترس أو المتوحش بالإنسان ما يقتل به غالبا، أو فعل به فعلاً يقتل مثله. فإن فعل به فعلاً لو فعله الآدمي لم يكن قتلاً عمداً، لم يجب القصاص به؛ لأن السبع صارآلة للآدمي، فكان فعله كفعله. وعلى هذا، إن ألقاه مكتوفاً بين يدي أسد أو مر، فقتله، فهو عمد. وكذا إن جمع بينه وبين حية في مكان ضيق، فنهشته، فقتلته، فهو عمد. ولو لسعه عقرب من القواتل، فهو عمد. ورأي المالكية والحنابلة أولى في تقديري. وقال الشافعية(٣) : إن جمع بين شخص وبین السبع في زبية أو بيت صغير ضيق، أو أغراه به، أو أمسكه وعرضه لمجنون فقتله، وجب عليه القود؛ لأن السبع يقتل إذا اجتمع مع الآدمي في موضع ضيق. أما إن كتف رجلاً وطرحه في أرض مسبعة أو بين يدي سبع (أي في مكان واسع مثل البرية) فقتله، لم يجب القود؛ لأنه سبب غير ملجئ . وإن كتفه وتركه في موضع فيه حيات، فنهشته، فمات، لم يجب القود، سواء أكان المكان ضيقاً أم واسعاً؛ لأن الحية تهرب عادة من الآدمي، فلم يكن تركه معها ملجئاً الى قتله، بخلاف السبع فإنه يثب على الإنسان في المكان الضيق دون المتسع. (١) الشرح الكبير للدردير : ٢٤٤/٤ . (٢) المغني : ٦٤١/٧ وما بعدها ، كشاف القناع : ٥٨٩/٥ وما بعدها . (٣) نهاية المحتاج للرملي : ١٤/٧، المهذب : ١٧٦/٢، مغني المحتاج : ٩/٤ . - ٢٥٢ - وإن أنهشه سبعاً أو حية يقتل مثلها غالباً، فمات منه، وجب عليه القود؛ لأنه ألجأه الى قتله. ٦ - التغريق والتحريق : يفرق الحنفية بين التحريق والتغريق، فالتحريق بالنار عندهم قتل عمد؛ لأن النار كالسلاح في تفريق أجزاء الجسد، فتشق الجلد، وتعمل عمل الذبح. وألحقوا بالنار: الماء المغلي أو الحار، والمعدن المصهور، والتنور أو الفرن المحمي وإن لم يكن فيه نار(١) . وأما التغريق بالماء الكثير فهو عند أبي حنيفة قتل شبه عمد، لأنه كالقتل بالمثقل. وعند الصاحبين: هو قتل عمد موجب للقود؛ لأنه مما يقتل به غالباً، واستعماله دليل العمدية(٢)، ويدل لهما قوله عليه السلام: ((من غرَّق غرقناه))(٢). وهذا اذا كان الماء عظيماً بحيث لاتمكن النجاة منه. فلو كان الماء قليلاً لا يقتل غالباً، أو عظيماً تمكن النجاة منه بالسباحة، والملقى بالماء يحسن السباحة، فالقتل شبه عمد باتفاق الحنفية . ويرى المالكية(٤) : أن التحريق والتغريق قتل عمد موجب للقصاص، اذا كان التغريق عدواناً أو لعباً لغير المحسن للعوم، أو عداوة لمحسن العوم وكان الغالب عدم النجاة لشدة برد، أو طول مسافة، فغرق. فإن كان التغريق لمحسن العوم لعباً، فعليه دية مخففة ( مخمسة) لامغلظة . الدر المختار ورد المختار: ٣٧٥/٥، ٣٨٦، نتائج الأفكار - تكملة فتح القدير: ٢٤٥/٨ وما بعدها. (١) (٢) نتائج الأفكار: ٢٦٧/٨، الدر المختار: ٣٨٥/٥. (٣) رواه البيهقي من حديث البراء بن عازب ، لكن في اسناده من يجهل حاله . الشرح الكبير والدسوقي : ٢٤٣/٤ . (٤) - ٢٥٣ _ وقال الشافعية والحنابلة(١): إذا ألقى أو طرح شخص غيره في نار أوماء، لا يمكنه التخلص منه لكثرة الماء أو النار، أو لعجزه عن التخلص لعدم إحسانه السباحة، أو مع إحسانها، وكان مكتوفاً أو ضعيفاً أو مريضاً أو صغيراً، فمات، كان القتل عمداً موجباً القصاص. وإن ألقاه في ماء مغرق، فالتقمه حوت، وجب القصاص في الأظهر عند الشافعية؛ لأنه ألقاه في مهلكة، وفيه وجهان عند الحنابلة، أصحهما وجوب القود على الملقي. فإن كان الماء يسيراً غير مغرق والتقمه الحوت فلا قصاص، وعليه دية القتل شبه العمد عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه هلك بفعله. وإن أمكنه التخلص من الغرق بسباحة أو تعلق بزورق، فتركها، فلا قود ولا دية؛ أي أنه هدر عند الحنابلة، وفي الأظهر عند الشافعية؛ لأنه مهلك لنفسه. كذلك لا دية في الأظهر عند الشافعية إذا ألقاه في نار يمكنه الخلاص منها، فمكث فیها حتى مات. وفي إيجاب ضمان ديته وجهان عند الحنابلة، والصواب إلزامه الدية؛ لأنه جانٍ بالإلقاء المفضي إلى الهلاك. ورأي الشافعية والحنابلة أولى بالاتباع، ويقترب منه رأي المالكية؛ لأن مثل هذا الفعل الذي يباشره المعتدي قاتل غالباً . ٧ - الخنق(٢): الخنق عند أبي حنيفة قتل شبه عمد موجب للدية؛ لأنه ليس وسيلة معدة للقتل. وشرط القتل العمد عنده استعمال آلة قاتلة غالباً، ومعدة للقتل. وهو قتل عمد موجب للقصاص عند الصاحبين؛ لأنه في رأيها وسيلة معدة للقتل، وذلك عندهما بشرط أن يدوم الجاني على الخنق بمقدار مايموت منه الإنسان غالباً. فإن لم مغني المحتاج : ٨/٤، نهاية المحتاج: ١٠/٧، المهذب : ١٧٦/٢، ١٩٢ ، المغني : ٦٤١/٧ ، كشاف القناع: (١) ٥٩٠/٥ ٠ الخنق - بكسر النون ، ولا يقال بالسكون : مصدر خنق من باب نصر: اذا عصر حلقه أي حبس أنفاسه ، (٢) ومنع خروج الهواء من رئتيه ، سواء بالشنق ، أو باليدين أو بالحبل أو بالوسادة . والخناق بكسر الخاء : حبل يخنق به . - ٢٥٤ _ يتحقق هذا الشرط فلا قصاص باتفاق الحنفية(١). وقال المالكية(٢) : الخنق عمد، سواء قصد به الجاني موت المجني علیه، فمات، أو قصد مجرد التعذيب، مادام هناك عدوان. فإن كان على وجه اللعب أو التأديب، فهو من القتل الخطأ. وقال الشافعية والحنابلة(٢): الخنق عمد فيه القصاص، إن فعل به ذلك مدة يموت في مثلها غالباً، فمات، أي كما قال الصاحبان. وإن فعله في مدة لا يموت في مثلها غالباً، فمات، فهو عمد الخطأ أي شبه العمد، إلا أن يكون ذلك يسيراً في العادة بحيث لا يتوهم الموت منه، فلا يوجب ضماناً؛ لأنه بمنزلة لمسه. وإن خنقه وتركه متألماً مثلا حتى مات، ففيه القود؛ لأنه مات من سراية جنايته. وإن تنفس وصح بعدئذ، ثم مات، فلا قود؛ لأن الظاهر أنه لم يمت بالخنق. ورأي غير أبي حنيفة أولى سداً للباب أمام المعتدين. ٨- القتل بالترك أو الحبس ومنع الطعام والشراب: إذا حبس شخص إنساناً في مكان، ومنع عنه الطعام أو الشراب، أو الدفاء في الشتاء ولياليه الباردة، حتى مات جوعاً أو عطشاً أو برداً في مدة يموت في مثلها غالباً، وتعذر عليه الطلب، ففيه آراء: قال أبو حنيفة: لاشيء على الحابس؛ لأن الموت حدث بالجوع ونحوه، لا بالحبس. وقال الصاحبان: تجب عليه الدية؛ لأنه قاتل شبه عمد؛ لأن الطعام والشراب الدر المختار ورد المختار : ٣٨٥/٥ وما بعدها . (١) (٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي : ٢٤٢/٤ . المغني: ٦٤٠/٧ ، مغني المحتاج : ٦/٤ . (٣) - ٢٥٥ _ والدفء من لوازم الإنسان، وتتوقف عليها حياته، فمن منعه إياها أهلكه بمنعه. وكونهما لم يعتبرا الفعل قتل عمد، فلأن الحبس في تقديرهما ليس وسيلة معدة للموت، وإن كان في ذاته وسيلة قاتلة غالباً(١). واعتبر المالكية(٢) القتل في هذه الحالة كالخنق قتلاً عمداً، مادام قد صدر على وجه العدوان . واعتبر الشافعية والحنابلة(٣) القتل حينئذ عمداً موجبا القصاص، إذا مضت مدة يموت مثله فيها غالباً جوعاً أو عطشاً؛ لظهور قصد الإهلاك به؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عندئذ، فإذا تعمده الإنسان، فقد تعمد القتل، وهذا الرأي وسط معتدل . وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوة وضعفاً، والزمان حراً وبرداً؛ لأن فقد الماء في الحر لیس کفقده في البرد. فإن كان لا يموت في مثلها غالباً، كان القتل شبه عمد عند الحنابلة. وفصل النووي في المنهاج في هذه الحالة، فقال: إن لم یکن به جوع وعطش سابق فشبه عمد. وإن كان به بعض جوع أو عطش، وعلم الحابس الحال، كان القتل عمداً، لظهور 5 قصد الاهلاك . ٩ - القتل تخويفاً أو إرهاباً: يحدث القتل أحياناً بفعل معنوي غير مادي، كالتخويف والإرهاب، والصيحة الشديدة ونحوها من الأمثلة التالية : الدر المختار ورد المختار: ٣٨٦/٥، التشريع الجنائي لعودة: ٧٣/٢ . (١) (٢) الشرح الكبير والدسوقي : ٢٤٢/٤ . نهاية المحتاج: ٧/٧ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٥/٤ وما بعدها، المهذب: ١٧٦/٢، المغني : ٦٤٣/٧ ، كشاف (٣) القناع : ٥٩١/٥ . - ٢٥٦ - - من شهر سيفاً في وجه إنسان، أو دلاه من مكان شاهق، فمات من روعته، أو ذهب عقله . - لو صاح إنسان بصبي أو مجنون أو معتوه صيحة شديدة، وهو على سطح أو حائط ونحوهما، فوقع فمات، أو ذهب عقله. - لو تغفل أحد بالغاً عاقلاً، فصاح به، فأصابه ذلك. - لو طلب الحاكم امرأة الى مجلس القضاء، فأجهضت جنينها فزعاً، أو زال عقلها . - لو ألقى على إنسان حية، ولو كانت ميتة، فمات فزعاً ورعباً. ففي كل هذه الأحوال: لاضمان لديته عند الحنفية لعدم تعدي السبب، أي لم يكن المذكور سبباً كافياً للضمان، إذ ليس السبب متصلاً بالنتيجة قطعا، وذلك إذا لم يكن التخويف فجأة. فان كان الصياح ونحوه على إنسان فجأة، فمات من صيحته أو قال له: قع، فوقع، فهو قاتل له قتلاً شبه عمد، فتجب الدية(١). وقال المالكية(٢): يكون المتسبب فيما ذكر قاتلاً عمداً يجب عليه القصاص إن كان على وجه العداوة. أما إن كان على وجه اللعب أو التأديب فعليه الدية. وقال الشافعية والحنابلة(٣): إن فعل ماذكر عمداً فهو شبه عمد موجب الدية، وإلا فهو خطأ؛ لأنه سبب إتلافه. ووافق الشافعية على هذا في الصبي. ولهم في البالغ قولان: قيل: تجب الدية؛ لأن الفاعل مسؤول عن فعله مادام قد أدى للموت، (١) الدر المختار: ٣٩٧/٥ ، مجمع الضمانات: ص ١٧٢، اللآلىء الدرية في الفوائد الخيرية بهامش جامع الفصولين: ١١٢/٢، ط الاولى بالازهرية . (٢) الشرح الكبير للدردير : ٢٤٤/٤ وما بعدها . المهذب : ١٩٢/٢، الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٢٣٠ ، المغني: ٨٣٢/٧ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٤/٤. الفقه الإسلامي جـ ٦ (١٧) - ٢٥٧ - (٣) والبالغ في حال غفلته يفزع من الصيحة كما يفزع الصبي. وقيل في وجه آخر: لاتجب الدية؛ لأن البالغ بما معه من ضبط الأعصاب لا يفزع عادة مع الغفلة، وإن فزع فنادراً، ولا حكم للنادر. إلا أن هذين المذهبين اختلفا في حالة الاجهاض من الفزع، فإن أجهضت المرأة، فاتفقا على ضمان الجنين اذا ألقته أمه ميتاً، لقصة عمر الآتية. وأما إن فزعت المرأة فماتت، فقال الشافعية : لم تضمن ديتها؛ لأن ما حدث ليس بسبب لهلاكها في العادة. وقال الحنابلة: تجب ديتها أيضاً؛ لأن الحاكم أفزعها، فكان متسبباً في موتها . وأما قصة عمر: فهي أنه أرسل إلى امرأة مُغِيبة (١)، كان يدخل عليها، فقالت: ياويلها، مالها ولعمر، فبينا هي في الطريق فزعت، فجاءها الطلق (٢)، فألقت ولداً، فصاح الصبي صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي مؤلفإ، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، انما أنت وال ومؤدب، وصمت علي. فأقبل عليه عمر، فقال: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم، فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك؛ لأنك أفزعتها، فألقته، فقال عمر: أقسمت عليك ألا تبرح حتى تقسمها على قومك، أي قريش. 5 الركن الثالث - القصد الجنائي: لا يكون القتل عمداً عند جمهور الفقهاء (الحنفية(٣) والشافعية(٤) والحنابلة(٥)) إلا إذا قصد الجاني قتل المجني عليه، أو ضربه بفعل مزهق (أي قصد الفعل العدوان بما المرأة الُغِيبة : هي التي غاب عنها زوجها . يقابلها : امرأة مُشْهِد : وهي التي زوجها شاهد حاضر . (١) الطلق : وجع الولادة . (٢) تبيين الحقائق: ٩٧/٦، ١٠٠، البدائع: ٢٣٣/٧ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ٣٧٥/٥. (٣) (٤) مغني المحتاج: ٣/٤ ، المهذب: ١٧٢/٢، الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٢٢٢ . كشاف القناع : ٥٨٧/٥ ، المغني : ٦٣٧/٧ . (٥) - ٢٥٨ - يقتل غالبا). فإن لم يتوافر القصد الجنائي، فلا يعد الفعل قتلاً عمداً. ولو قصد الجاني مجرد الاعتداء على المجني عليه، دون إزهاق روحه، بما لا يقتل غالبا، كان القتل شبه عمد . وبما أن هذا القصد أو النية أمر باطني خفي لا يمكن الاطلاع عليه، أناط الفقهاء حكم القتل العمد بوصف ظاهر يمكن معرفته، وهو استعمال أداة القتل المناسبة؛ لأن الجاني غالبا يختار الآلة المناسبة لتنفيذ قصده الجرمي. فاستعمال الآلة القاتلة غالباً هو المظهر الخارجي لنية الجاني، وهو الدليل المادي الذي لا يكذب في الغالب؛ لأنه من صنع الجاني، لا من صنع غيره. ومن ثم اشترط الفقهاء أن تكون الآلة قاتلة غالباً؛ لأنها دليل على قصد القتل عند الجاني(١). وأما المالكية(٢)، فاشترطوا للقصاص من الجناية وجود العدوان، ولم يشترطوا في القصاص قصد القتل، فسواء قصد الجاني قتل المجني عليه، أو تعمد الفعل بقصد العدوان المجرد عن نية القتل، فهو قاتل عمداً(٣)، إذا لم يرتكب الفعل على وجه اللعب أو التأديب، فيكون حينئذ خطأ. القصد المحدود وغير المحدود: لافرق عند الحنفية والحنابلة(٤) بين القصد المحدود وغير المحدود، فسواء قصد الجاني قتل شخص معين، أو ضرب جماعة ولو لم يقصد شخصاً معيناً من الجماعة، فهو قاتل عمد. التشريع الجنائي الاسلامي للأستاذ عودة : ٧٩/٢ وما بعدها . (١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي « ٢٣٧/٤، ٢٤٢ . (٢) وبذلك يتسع مذهب المالكية لما يسمى عند القانونيين بالقصد الاحتمالي في جريمة القتل العمد : وهو كون (٣) الجاني مسؤولاً عن كل ما يتوقع حدوثه ، مما هو ممكن الوقوع . بل إن هذا المذهب يتسع لأكثر من القصد الاحتمالي ، فيشمل كل ما يتصوره الفاعل ممكن الوقوع، أو ممتنع الوقوع؛ لأن القتل العمد عندهم: هو كل فعل قصد به مجرد العدوان ، ولو لم يقصد به القتل . الدر المختار: ٣٧٥/٥، كشاف القناع: ٥٨٧/٥. (٤) - ٢٥٩ - وفرق الشافعية والمالكية(١) بين نوعي القصد، فإن قصد معيناً فهو قتل عمد، وإن قصد غير معين فهو قتل شبه عمد عند الشافعية، وخطأ عند المالكية. الرضا بالقتل أو الإذن بالقتل: يرى بعض الفقهاء أن الرضا أو الإذن بالقتل لا يبيح القتل؛ لأن الإنسان غير مالك نفسه، وإنما هي مملوكة لله عز وجل، فلا تباح عصمة النفس إلا بما نص عليه الشرع. ورأي فقهاء آخرون أن الإذن يبيح القتل. وبناء عليه اختلف الفقهاء في عقوبة القاتل المأذون له بالقتل، كما لو قال رجل لآخر: اقتلني، فقتله. فقال الحنفية ماعدا زفر(٢): القتل شبه عمد، يوجب الدية؛ لأن الإذن بالقتل الموجود بالفعل أورث شبهة، والحدود ومنها القصاص تدرأ بالشبهات. وقال زفر: لا يصلح الإذن شبهة، فلا يدرأ القصاص، ويجب تطبيقه. وقال المالكية(٣): الإذن بالقتل لا يمنع وجوب القصاص، وإنما يلزم القود. وقال الشافعية في الأظهر عندهم والحنابلة(٤): لاقصاص ولا دية، ودم المقتول أو جرحه هدر؛ لأن الحق له فيه، وقد أذنه في إتلافه، کما لو أذن له في إتلاف ماله. المطلب الثاني - عقوبات القتل العمد: عقوبة القتل العمد: هي الجزاء المترتب على الاعتداء على النفس. وللقتل العمد عقوبات: أصلية، وبدلية (عن الأصلية)، وتبعية. وقد اتفق الفقهاء على أن قاتل النفس عمداً يجب عليه أمور ثلاثة: الأولى - الإثم الشرح الكبير للدردير: ٢٤٣/٤ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٤/٤ ، نهاية المحتاج : ٤/٧. (١) (٢) البدائع : ٢٣٦/٧، الدر المختار: ٣٨٨/٥. (٣) الشرح الكبير للدردير : ٢٤٠/٤ مغني المحتاج: ١١/٤ ، كشاف القناع: ٦٠٢/٥ وما بعدها . (٤) - ٢٦٠ -