النص المفهرس
صفحات 201-220
واتفق الفقهاء على أنه يقتل الجاسوس الحربي الكافر، وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي : ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف، وقد ورد في السنة ما يدل على جواز قتل الجاسوس إذا كان مستأمناً أو ذمياً، قال سلمة بن الأكوع: ((أتى النبي ◌ُّ عَيْن، وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث، ثم انسل، فقال النبي ◌ُّ: اطلبوه فاقتلوه، فسبقتهم إليه، فقتلته، فنفلني سلبه))(١). ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قُتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً﴾ وفي الصحيح عن النبي ◌ُ ◌ّ أنه قال: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما))، وروى مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)). وأمر النبي ◌ُّ ائع بقتل رجل تعمد عليه الكذب، وسأله ديلم الحميري - فيما يرويه أحمد في المسند - عمن لم ينته عن شرب الخمر في المرة الرابعة، فقال: ((فإن لم يتركوه فاقتلوهم)». والخلاصة : أنه يجوز القتل سياسة لمعتادي الإجرام ومدمني الخمر ودعاة الفساد ومجرمي أمن الدولة، ونحوهم. التعزير بالمال: لا يجوز التعزير بأخذ المال في الراجح عند الأئمة (٢) لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس، فيأكلونه. وأثبت ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن التعزير بالعقوبات المالية مشروع في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد وأحد قولي الشافعي، كما دلت عليه سنة رسول الله ماتم مثل أمره رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن سلمة ( نيل الأوطار : ٧/٧) . (١) البدائع: ٦٣/٧، فتح القدير: ٢١٢/٤، تبيين الحقائق: ٢٠٧/٣ ، حاشية ابن عابدين : ١٩٥/٣ وما بعدها ، (٢) مغني المحتاج : ١٩١/٤، المهذب: ص ٢٨٨ ، حاشية الدسوقي: ٣٥٤/٤ ، المغني : ٣٢٤/٨ ، أعلام الموقعين : ٩٩/٢، الاعتصام للشاطبي : ١٢٣/٢ وما بعدها ، ط السعادة . - ٢٠١ - بكسر ما لاقطع فيه من الثمر والكثَر، وأخذه شطر مال مانع الزكاة، عزمة من عزمات الرب تبارك وتعالى، ومثل تحريق عمر وعلي رضي الله عنهما المكان الذي يباع فيه الخمر، ونحوه كثير. ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط في نقل مذاهب الأئمة والاستدلال عليها(١). معنى التعزير بأخذ المال : روي عن أبي يوسف: أنه يجوز للسلطان التعزير بأخذ المال. ومعنى التعزير بأخذ المال على القول عند من يجيزه: هو إمساك شيء من مال الجاني عنه مدة، لينزجر عما اقترفه، ثم يعيده الحاكم إليه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه، أو لبيت المال، كما يتوهم الظلمة؛ إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي. قال ابن عابدين : وأرى أن يأخذ الحاكم مال الجاني، فیسکه عنده، فإن آیس من توبته، يصرفه إلى ما يرى من المصلحة. وأما مصادرة السلطان لأرباب الأموال فلا تجوز إلا لعمال بيت المال، على أن يردها لبيت المال(٣). وصادر عمر طعاماً من سائل وجده أكثر من كفايته، وتصادر الأموال من كسب غير مشروع. أقسام العقوبات المالية عند ابن تيمية : تقسم العقوبات المالية في رأي ابن تيمية إلى ثلاثة أقسام: الإتلاف، والتغيير، والتمليك(٣). راجع الحسبة في الإسلام لابن تيمية : ص ٤٩ وما بعدها ، أعلام الموقعين : ٩٨/٢ والطرق الحكمية لابن قيم : (١) ص ٢٦٦ وما بعدها ، وانظر التعزير في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز عامر: ص ٣٢ وما بعدها . (٢) حاشية ابن عابدين : ١٩٥/٣ وما بعدها . الحسبة لابن تيمية : ص ٥٢ وما بعدها . (٣) - ٢٠٢ - ١ - الإتلاف: هو إتلاف محل المنكرات من الأعيان والصفات تبعاً لها، مثل إتلاف مادة الأصنام، بتكسيرها وتحريقها، وتحطيم آلات الملاهي عند أكثر الفقهاء، وتكسير وتخريق أوعية الخمر، وتحريق الحانوت الذي يباع فيه الخمر، على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما، عملاً بما فعله عمر من تحريق حانوت خمار، وبما فعله علي من تحريق قرية كان يباع فيها الخمر؛ لأن مكان البيع مثل الأوعية. ومثل إراقة عمر اللبن المخلوط بالماء للبيع، وبه أفتى طائفة من الفقهاء. ومثله إتلاف المغشوشات في الصناعات كالثياب الرديئة النسج. ٢ - التغيير: قد تقتصر العقوبة المالية على تغيير الشيء، مثل نهي النبي عد اله عن كسر العملة الجائزة بين المسلمين(١)، كالدراهم والدنانير، إلا إذا كان بها بأس، فإذا کان فیها بأس کسرت. ومثل فعل النبي عليه السلام في التمثال الذي كان في بيته، والستر الذي به تماثيل، إذ أمر بقطع رأس التمثال فصار كهيئة الشجرة، وبقطع الستر، فصار وسادتین یوطآن . علـ وهكذا اتفق العلماء على إزالة وتغيير كل ما كان من العين أو التأليف المحرم، مثل تفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصور المصورة. لكن العلماء اختلفوا في جواز إتلاف محل هذه الأشياء تبعاً للشيء الحال فيها، قال ابن تيمية: والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما . ٣ - التمليك: مثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبي صَ لّ فيمن سرق من الثمر المعلق، قبل أن يؤويه إلى الجرين ، أن عليه جلدات نكال، وغرمه (١) رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر . - ٢٠٣ _ مرتین. وفین سرق من الماشية قبل أن تؤوي إلى المراح أن علیه جلدات نكال، وغرمه مرتين، وكذلك قضاء عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة: أن يضعف غرمها على کاتمها . وقال بهذا طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره. وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع، أضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنه القطع. وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمداً، أضعف عليه الدية، فتجب عليه الدية الكاملة ، إذ أن دية الذمي نصف دية المسلم. وأخذ به أحمد بن حنبل. وأجاز المالكية(١) العقوبة في المال إذا كانت جناية الجاني في نفس ذلك المال أو في عوضه، فيتصدق بالزعفران المغشوش على المساكين، وإذا اشترى مسلم من نصراني خمراً، فإنه يكسر على المسلم، ويتصدق بالثمن، تأديباً للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه . نوعا التغريم من حيث الضبط وعدمه: تغريم المال أو العقوبات المالية كما أبان ابن القيم(١) نوعان: نوع مضبوط ، ونوع غير مضبوط. فالمضبوط: ما قابل الشيء المتلف، إما لحق الله تعالى كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحق الآدمي كإتلاف ماله. وقد نبه الله سبحانه وتعالى على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله: ﴿ليذوق وبال أمره ﴾. ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه، وعقوبة الموصى له ببطلان وصيته، وعقوبة الزوجة الناشرة بسقوط نفقتها وكسوتها . الاعتصام للشاطبي : ١٢٤/٢ . (١) (٢) أعلام الموقعين : ٩٨/٢ . - ٢٠٤ _ وغير المضبوط: هو غير المقدر المتروك لاجتهاد الأئمة بحسب المصالح. ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام، وقدر محدد كالحدود. وقد اختلف فيه الفقهاء: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح، ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة؛ إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة . شروط وجوب التعزير: يشترط العقل فقط لوجوب التعزير بارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع، فيعزر كل عاقل، ذكراً أو أنثى، مسلماً أو كافراً، بالغاً أو صبياً عاقلاً؛ لأن هؤلاء غير الصبي من أهل العقوبة، أما الصبي فيعزر تأديباً لا عقوبة(١). وضابط موجب التعزير هو: كل من ارتكب منكراً أو آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة، سواء أكان المعتدى عليه مسلماً أم كافراً(٢). قدر التعزير: يكون التعزير على قدر الجناية، وعلى قدر مراتب الجاني بحسب اجتهاد الحاكم إما بالتغليظ في القول أي الكهر، أو بالحبس، أو بالضرب، أو بالصفع، أو بالقتل، كما في الجماع في غير القبل، أو بالعزل من الولاية، ويإقامته من المجلس، وبالنيل من عرضه مثل: يا ظالم، يا معتدي، ولا بأس بتسويد وجهه، ونداء عليه بذنبه، ويطاف به مع ضربه، ويجوز صلبه، ولا يمنع من أكل ووضوء، ويصلي بالإيماء ولا يعيد. وحرم تعزير بحلق لحية، وقطع طرف، وجرح، وكذا بأخذ مال وإتلافه عند الحنابلة. وتعزر تعزيراً بليغاً القوادة التي تفسد النساء والرجال، وينبغي شهر ذلك بحيث يستفيض في الناس. (١) البدائع : ٦٣/٧ . (٢) رد المحتار: ١٩٩/٣، ٢٠٣، ٢٠٦. تكملة المجموع: ٣٥٧/١٨ . - ٢٠٥ - وأقل التعزير في الضرب: ثلاثة أسواط فصاعداً، ويمكن أن يكون أقل من ثلاثة بحسب الأشخاص، فليس لأقل التعزير حد معين. واختلف العلماء في أقصاه: فقال أبو حنيفة ومحمد والشافعية والحنابلة: لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود المشروعة، فينقص منه سوط، وأدنى الحدود عند الشافعية بالنسبة للأحرار هو أربعون جلدة وهو حد الخمر، وعند الآخرين هو بالنسبة للمماليك: وهو أربعون جلدة، وهو حد القذف للعبيد، لقوله عليه السلام: ((من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين)) (١)، ولأن العقوبة على قدر الإجرام والمعصية، والمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمهما . وقال أبو يوسف: لا يبلغ الحد ثمانين، وينقص منه خمسة أسواط ؛ لأنه حمل الحد المذكور في الحديث السابق: ((من بلغ حداً ... )) على الأحرار؛ لأن الأحرار هم المقصودون في الخطاب، وغيرهم ملحق بهم(٢). وقد أخذ برأي الإمام علي في أنه ينقص عن الثمانين جلدة خمسة أسواط. وقال المالكية : يضرب الإمام في التعز ير أي عدد أداه إليه اجتهاده، حتى ولو تجاوز أعلى الحدود، فيجوز التعزير بمثل الحدود وأقل وأكثر على حسب الاجتهاد؛ لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال، فأخذ منه مالاً، فبلغ عمر رضي الله عنه، فضربه مائة وحبسه، فكلم فيه، (١) رواه البيهقي عن النعمان بن بشير، وقال : المحفوظ المرسل ، ورواه ابن ناجيه في فوائده ، ورواه محمد بن الحسن مرسلاً، ورواه الطبراني بلفظ: (( من جلد حدا ... )) قال الهيثمي: وفيه محمد بن الحسين القصاص والوليد بن عثمان خال مسعر، ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات ( راجع نصب الراية: ٣٥٤/٣ ، مجمع الزوائد: ٢٨١/٦ ) . (٢) البدائع ، المرجع السابق: ص ٦٤ ، فتح القدير: ٢١٤/٤ ، تبيين الحقائق: ٢٠٩/٣ ، حاشية ابن عابدين : ١٩٠/٣، ١٩٨ وما بعدها، ٢٠٤ وما بعدها، تكملة المجموع: ٣٥٧/١٨، المهذب: ٢٨٨/٢، المغني: ٣٢٤/٨ ، غاية المنتهى: ٣٣٣/٣، ٢٣٥، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص ١١٢، الطرق الحكمية: ص ٢٦٥ ، نهاية المحتاج : ١٧٥/٧. - ٢٠٦ - فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد، فضربه ونفاه(١). وكان جلد عمر لمعن على عدة جنايات هي : تزويره الخاتم، وأخذ المال من بيت المال، وفتحه باب الاحتيال لغيره من الناس. ويؤيد رأي المالكية أيضاً ما روي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه جلد من وجد مع امرأة من غير زنا مائة سوط إلا سوطين . صفات التعزير: للتعزير صفات(٣) أولها - أنه عند المالكية والحنابلة: حق واجب لله تعالى إذا رآه الإمام، فلا يجوز للحاكم ترك التعزير؛ لأنه زاجر مشروع لحق الله تعالى، فوجب کالحد . وعند الشافعية: ليس التعزير واجباً، فيجوز للسلطان تركه إذا لم يتعلق به حق لآدمي، لما روي أن النبي ◌ُ الإ قال: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود))(٣)، ولأن رجلاً جاء إلى النبي ◌ُّ: فقال: إني لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها، فقال: ((أصليت معنا؟!)) قال: نعم، فتلا عليه: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾(٤). وقال رجل للرسول ◌ُ له: ((إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه حاشية الدسوقي: ٣٥٥/٤، وقصة معن ذكرها ابن قدامة في المغني: ٣٢٥/٨. (١) (٢) المغني: ٣٢٦/٨، غاية المنتهى: ٣٣٣/٣، البدائع: ٦٤/٧، حاشية ابن عابدين : ٢٠٤/٣ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١٩٣/٤، قواعد الأحكام : ١٥٨/١، المهذب : ٢٨٨/٢ . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن عدي والعقيلي عن عائشة ، وقال العقيلي : له طرق وليس فيها شيء (٣) يثبت ، وذكره ابن طاهر عن أنس ، وقال: الإسناد باطل ، ورواه الشافعي وابن حبان وصححه وابن عدي والبيهقي من حديث عائشة بلفظ: (( أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم)) وقال الشافعي: ((سمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ، ويقول: يتجافى للرجل ذي الهيئة عن عثرته ، مالم يكن حداً )) وقال في تفسير الهيئة : من لم تظهر منه ريبة . ورواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات بلفظ: (( أقيلوا الكرام عثراتهم » وروي في معناه عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ( راجع التلخيص الحبير: ص ٣٦١ ، جامع الأصول : ٣٤٤/٤، مجمع الزوائد: ٢٨٢/٦، نيل الأوطار: ١٣٥/٧ ). (٤) رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ، ولأحمد ومسلم من حديث أبي أمامة نحوه ، وفي موضوعه عن ابن مسعود عند مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي (راجع نيل الأوطار: ١٠٠/٧، أعلام الموقعين: ٧٨/٢ ). - ٢٠٧ - الله)) (١)، فلم يعزره، فلو لم يجز ترك التعزير، لعزره رسول الله مَ ◌ّعٍ على ما قال، ويؤيده قصة أخرى رواها عبد الله بن الزبير: أن رجلاً خاصم الزبير عند رسول الله عّالةٍ في شراج الحرة(٣) الذي يسقون به النخل، فقال رسول الله ماتع للزبير: اسق أرضك الماء، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، وأن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله عّ لّ، فقال: يا زبير، اسق أرضك الماء، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير: فوالله، إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ ولو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله مُ ◌ّ على ما قال(٣). والخلاصة: أنه إذا كان التعزير حقاً لله كما في حالة انتهاك الحرمات الدينية فلا يجب تنفيذه، أما إن كان حقاً للعبد ولم يعف عنه مستحقه، فهو واجب التنفيذ . وأما الحنفية فقالوا: إن التعزير إذا كان حقاً شخصياً لإنسان، فهو واجب لاعفو فيه؛ لأن حقوق العباد ليس للقاضي إسقاطها، وإن كان حقاً لله تعالى فهو مفوض إلى رأي الإمام: إن ظهر له المصلحة فيه أقامه، وإن ظهر عدم المصلحة، أو علم انزجار الجاني بدونه، يتركه أي أن العفو فيه للإمام. وعبارة الكمال بن الهمام فيه هي: ((ما وجب من التعزير حقاً لله تعالى يجب على الإمام، ولا يحل له تركه إلا فيما علم أنه انزجر الفاعل قبل ذلك))(٤). ويترتب على أن التعزير حق العبد عند الشافعية: أنه يحتمل العفو والصلح (١) وذلك حينما آثر الرسول رجالاً هم المؤلفة قلوبهم وهم ناس من قريش ، أسلموا يوم الفتح إسلاماً ضعيفاً، فقال رجل اسمه: (( معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف)) وكان من المنافقين: (( والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله)). رواه أحمد والشيخان عن ابن مسعود (راجع نيل الأوطار: ٢٩٠/٧ وما بعدها ) . شراج الحرة : هي مسايل الماء من بين الحجارة إلى السهل . (٢) متفق عليه بين الشيخين وغيرهما . (٣) (٤) راجع فتح القدير: ٢١٢/٤ - ٢١٣، حاشية ابن عابدين: ٢٠٥/٣ . - ٢٠٨ - والإبراء؛ وأنه يورث كالقصاص وغيره من سائر حقوق العباد؛ وأنه لا يتداخل؛ لأن حقوق العبد لا تحتمل التداخل. ويؤخذ فيه الكفالة؛ لأن التكفيل للتوثيق والتعزير حق العبد، فكان التوثيق ملائماً له، بخلاف الحدود على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى. ثاني الصفات : أن التعزير أشد الضرب؛ لأنه جرى فيه التخفيف من حيث العدد، فلا يخفف من حیث الوصف، کیلا يؤدي إلى فوات المقصود منه وهو الزجر، ثم يليه حد الزنى ثم حد الشرب، ثم حد القذف(١) كما سبق بيانه. طرق إثبات جريمة التعزير: تثبت جريمة التعزير عند الحنفية بما تثبت به سائر حقوق العباد من الإقرار والبينة، والنكول، وعلم القاضي، وتقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، والشهادة على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي. وسنبين في بحث القضاء أن المفتى به عدم جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي في الحوادث مطلقاً في زماننا، منعاً للتهمة، وسداً للباب بسبب فساد قضاة الزمان . وروي عن أبي حنيفة أنه لا تقبل فيه شهادة النساء. قال الكاساني: والصحيح هو الأول؛ لأنه حق العبد على الخلوص، فيظهر بما يظهر به حقوق العباد(٣). ضمان موت المعزر أو المحدود: قال الحنفية والمالكية والحنابلة: إذا عزر الإمام رجلاً، أو حدَّه فمات من فتح القدير: ٢١٦/٤ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ٢١٠/٣ ، حاشية ابن عابدين : ١٩٩/٣. (١) (٢) البدائع : ٦٥/٧ ، حاشية ابن عابدين : ٢٠٥/٣ . الفقه الإسلامي جـ ٦ (١٤) - ٢٠٩ - التعزير أو الحد، فلا ضمان عليه؛ لأن التعزير عقوبة مشروعة للردع والزجر، فلم يضمن من تلف بها كالحد، ولأن الإمام مأمور بالحد والتعزير، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة(١). وقال الشافعي : لا يجب على الإمام ضمان موت المحدود؛ لأن الحق قتله، سواء في ذلك الجلد والقطع، وسواء جلده في حر وبرد مفرطين أم لا ، وسواء أكان الجدد في مرض يرجى برؤه أم لا ، إلا أن تكون المرأة حاملاً، فيموت الجنين، فيجب الضمان؛ لأنه مضمون فلا يسقط ضانه بجناية غيره. ويجب ضمان موت المعزّر، لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: ((ما من رجل أقمت عليه حداً، فمات، فأجد في نفسي أنه لادية عليه، إلا شارب الخمر، فإنه لو مات وديته؛ لأن النبي ◌ُّؤالٍ لم يسنّه))(٣)، أي لم يسن مقداراً معيناً في جلد شارب الخمر، وإنما فعل أفعالاً مختلفة يجوز جميعها، ومنها: أنه عليه السلام حد في الخمر أربعين كما روى علي نفسه (٣)، وهذا أمر متفق عليه، والخلاف بين الفقهاء إنما هو في الزيادة على الأربعين، فليس المراد إذاً من حديث علي أن الشخص مات من الحد؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ حد في الخمر، كما أشرنا، فثبت أنه أراد بقوله: ((لومات وديته)) أي من الزيادة على الأربعين، وهذا تعزير، ولأن التعزير (١) فتح القدير: ٢١٧/٤، تبيين الحقائق: ٢١١/٣، مجمع الضمانات: ص ٢٠١ ، حاشية ابن عابدين: ٢٠٨/٣ ، حاشية الدسوقي : ٣٥٥/٤ ، المغني: ٣١٠/٨ وما بعدها . (٢) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه وفي روايتها قال: ((لا أدي - أي لاأعطي ديته - ، أو ما كنت أدي من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر، فإن رسول الله عَِّ، لم يسن فيه شيئاً، وإنما هو شيء قلناه نحن)) ومعنى (( لم يسنه)): لم يقدره ويوقته بلفظه ونطقه، ففيه دليل على أن الخمر لم يكن فيه حد محدود من رسول الله مَ ◌ّ، فهو من باب التعزيرات، فإن مات ضمنه الإمام. (راجع جامع الأصول : ٣٣٧/٤، نصب الراية: ٣٥٢/٣، سبل السلام: ٣٨/٤، نيل الأوطار: ١٤٣/٧). رواه مسلم في قصة الوليد بن عقبة الذي شهد عليه رجل أنه رآه يتقيأ الخمر، فأمر الرسول تفع بجلده ، كما (٣) روى حصين بن المنذر، وعلي يعد حتى بلغ أربعين، ثم قال: ((جلد رسول الله مَيومٍ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي)) ( راجع التلخيص الحبير: ص ٣٦٠ ، سبل السلام: ٣٠/٤، نيل الأوطار: ١٣٨/٧). - ٢١٠ - ضرب جعل إلى اجتهاد الإمام، فإذا أدى إلى التلف ضمن کضرب الزوج زوجته، إذ أن التعزير مشروط بسلامة العاقبة، باعتبار أن المقصود هو التأديب لا الهلاك، فإذا حصل به هلاك تبين أنه جاوز الحد المشروع. والهلاك الحاصل إن كان بضرب يقتل غالباً، فيجب فيه القصاص إذا لم يكن الضارب أصلاً (أباً أو جداً) للمضروب. وإن لم يكن الضرب قاتلاً في الغالب، فيجب دية شبه العمد على العاقلة (العصبات). حق التأديب: وأما إذا ضرب الأب ولده تأديباً، أو ضرب الزوج زوجته، أو المعلم إذا ضرب الصبي تأديباً، فتلف من التأديب المشروع، فإن أبا حنيفة والشافعي قالا في هذه الحالات: إنه يجب الضمان، ودليلهما عرفناه في الحالة السابقة، ولأنه تأديب مباح، فيتقيد بشرط السلامة كالمرور في الطريق ونحوه. وقال مالك وأحمد والصاحبان: لا ضمان عليه في هذه الحالات؛ لأن التأديب فعل مشروع للزجر والردع، فلا يضن التالف به كما في الحدود(١) . 8 التعزير للإمام: التعزير كالحدود منوط بالإمام، وليس لأحد حق التعزير إلا لثلاثة : الأب، والسيد، والزوج. 5 أما الأب: فله تأديب ولده الصغير وتعزيره للتعلم والتخلق بالأخلاق الفاضلة وزجره عن سيئها، وللأمر بالصلاة والضرب عليها عند الاقتضاء. والأم مثل الأب في أثناء الحضانة والكفالة، وليس للأب تعزير البالغ وإن كان سفيهاً. والسيد: يعزر رقيقه في حق نفسه وفي حق الله تعالى. راجع المهذب: ٢٧١/٢، ٢٨٩، نيل الأوطار: ١٤٠/٧ - ١٤٥، الميزان: ١٧٢/٢، مغني المحتاج: ١٩٩/٤ وما (١) بعدها، المبسوط: ١٣/١٦، الدر المختار: ٤٠١/٥، درر الحكام: ٧٧/٢، المغني: ٣٢٧/٨، غاية المنتهى : ٢٨٥/٣، رحمة الأمة بهامش الميزان: ١٦٠/٢. - ٢١١ - والزوج: له تعزير زوجته في أمر النشوز وأداء حق الله تعالى كإقامة الصلاة وصيام رمضان بما يراه مناسباً في إصلاح زوجته من زجر؛ لأن كل هذا من باب إنكار المنكر، والزوج من جملة المكلفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١). لله تعالى الله 00 (١) سبل السلام: ٣٨/٤، المهذب: ٢٧٥/٢. - ٢١٢ - الباب الثالث الجايات عقوباتها: القصاص الزيات خطة البحث : الكلام عن الجنايات طويل ذو فروع متعددة وتفصيلات متشعبة، ویمکن ضبطه والإحاطة به وفق الخطة التالية في فصول خمسة : الفصل الأول - الجناية على النفس (القتل بأنواعه وعقوبة القصاص والدية). الفصل الثاني- الجناية على مادون النفس (الشجاج والجراح والدية والأرش). الفصل الثالث - الجناية على نفس غير مكتملة (الجناية على الجنين أو الإجهاض). الفصل الرابع - حالات طارئة من الاعتداء بطريق التسبب (جناية الحيوان، وجناية الحائط المائل). الفصل الخامس - طرق إثبات الجناية (الشهادة، الإقرار، القسامة ... إلخ). - ٢١٣ - الله تعالى تمهيد : تعريف الجناية: الجناية أو الجريمة: هي الذنب أو المعصية، أو كل ما يجنيه المرء من شراكتسبه. ولها في الشرع معنى عام وخاص. أما الأول فالجناية: هي كل فعل محرَّم شرعاً، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أو غيرهما (١). وعرفها الماوردي(٢) بقوله: الجرائم: محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير. والمحظور: إما إتیان منهي عنه، أو ترك مأمور به. وأما المعنى الثاني فهو اصطلاح خاص للفقهاء، وهو إطلاق الجناية على الاعتداء الواقع على نفس الإنسان أو أعضائه. وهو القتل والجرح والضرب(٣). ويبحثه الفقهاء إما تحت عنوان ((كتاب الجنايات)) كالحنفية، أو ((كتاب الجراح)» كالشافعية والحنابلة الذين اعتبروا الجراحة هي السبب الغالب في الاعتداء. وينتقدهم الشراح بقولهم(٤): التبويب بالجنايات أولى لشمولها الجناية بالجرح وغيره كالقتل بمثقل كالعصا والحجر، وبمسموم، وسحر. أو بعنوان «باب الدماء)» كالمالكية، ناظرين إلى نتيجة الجريمة غالباً . أنواع الجناية: الجناية بصفة عامة نوعان(٥): جناية على البهائم والجمادات للقانونيين اصطلاح آخر في معنى الجناية : وهي الجريمة المعاقب عليها إما بالإعدام ، أو الأشغال الشاقة المؤبدة (١) أو المؤقتة ، أو السجن من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة . (٢) الأحكام السلطانية : ص ٢١١ ط صبيح . (٣) تبيين الحقائق للزيلعي : ٩٧/٦ . (٤) مغني المحتاج : ٢/٤ . البدائع : ٢٣٣/٧. (٥) - ٢١٥ - وتبحث عادة في باب الغصب والإتلاف. وجناية على الإنسان الآدمي، وهي محل بحثنا هنا. والجناية على الإنسان بحسب خطورتها أنواع ثلاثة: جناية على النفس وهي القتل، وجناية على مادون النفس وهي الضرب والجرح، وجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه وهي الجناية على الجنين، أو الإجهاض في اصطلاح القانونيين. وسميت كذلك؛ لأن الجنين يعد جزءاً من أمه، غير مستقل عنها في الواقع، ومن جهة أخرى يعد نفساً مستقلة عن أمه بالنظر للمستقبل؛ لأن له حياة خاصة، وهو يتهيأ لأن ينفصل عنها بعد حين، ويصبح ذا وجود مستقل(١). والجنايات على النفوس بحسب القصد وعدمه ثلاثة: عمد، وشبه عمد، وخطأ. فإذا قصد الجاني الجريمة أو الاعتداء، وترتب على فعله حدوث الأثر المقصود، كانت الجريمة عمداً. أما إذا تعمد الاعتداء ولم يقصد حدوث النتيجة، كانت الجريمة شبه عمد (أي ضرباً مفضياً للموت). فإن لم يقصد الاعتداء أصلاً كانت الجريمة خطأ. الى (١) كشف الأسرار على أصول البزدوي: ص ١٣٥٩ وما بعدها ، ط حسين حلمي. - ٢١٦ - الفصل الأول الجناية على النفس الإنسانية (القتل وعقوبته) فيه مباحث أربعة : المبحث الأول - معنى القتل وتحريمه وأنواعه . المبحث الثاني - القتل العمد وعقابه. المبحث الثالث - القتل شبه العمد وعقوبته. المبحث الرابع - القتل الخطأ وعقوبته. المبحث الأول- تعريف القتل وتحريمه وأنواعه: تعريف القتل: القتل هو الفعل المزهق أي القاتل للنفس(١)، أو هو فعل من العباد تزول به الحياة (٢)، أي أنه هدم للبنية الإنسانية. تحريم القتل: القتل إذا كان عمداً عدواناً جريمة كبرى، ومن السبع الموبقات التي يترتب عليها استحقاق العقاب في الدنيا والآخرة، وذلك بالقصاص، والخلود في نارجهنم؛ لأنه اعتداء على صنع الله في الأرض، وتهديد لأمن الجماعة وحياة المجتمع. مغني المحتاج : ٣/٤ . (١) (٢) تكلة فتح القدير : ٢٤٤/٨ . - ٢١٧ - ففي القرآن الكريم آيات كثيرة في شأن تحريم القتل، منها قوله تعالى: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلوماً، فقد جعلنا لوليه سلطاناً، فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً﴾. ودلت جريمة ابن آدم (قابيل) على أن القتل اعتداء على الإنسانية، فقال سبحانه: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً﴾. ودليل القصاص قوله جل ثناؤه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى(١)، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه ياحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب، لعلكم تتقون). وكان القصاص أيضاً مقرراً في الشرائع السماوية السابقة كشريعة اليهود. بدليل قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها (٢) أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون). ونص القرآن العظيم على العذاب الأخروي للقاتل عمداً في قوله تعالى: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً، فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظیاً﴾. وأوضحت السنة النبوية حالات القتل المأذون به شرعاً أي المباح للحاكم، لا (١) أوجبت الآية مبدأ الماثلة في القصاص إذا أريد قتل القاتل، ومنع العدوان والظلم ، فلا يقتل غير القاتل ، منعاً من عادة الأخذ بالثأر التي كانت في الجاهلية . ويرى الحنفية: أن قوله ﴿ الحر بالحر .. إلخ ) تأكيد لصدر الآية ، فلا يقتل غير القاتل ، وإنما يقتل القاتل دون غيره . وبناء عليه فليس في الآية دلالة على أنه لا يقتل الحر القاتل بقتله العبد ، أو لا يقتل الرجل بالمرأة وبالعكس . وقال المالكية والشافعية : إن الله أوجب المساواة ، ثم بين المساواة المعتبرة ، فالحر يساويه الحر ، والعبد يساويه العبد ، والأنثى تساويها الأنثى ، لكن دل الإجماع على أن الرجل يقتل بالمرأة . (٢) أي في التوراة . - ٢١٨ - للأفراد، فقال النبي عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))(١). وفي رواية: ((لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق)). ورويت أحاديث كثيرة في تحريم القتل والانتحار، وتحريم الدماء والأموال والأعراض، منها: ((قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا))(٢) ومنها: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا))(٣) ومنها: ((اجتنبوا السبع الموبقات .. فذكر: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق))(٤). وحددت السنة عقوبة القتل العمد فقال القلم: «العمد قوّد، إلا أن يعفو ولي المقتول))(٥) أي أن القتل العمد يوجب القود (أي القصاص) إلا عند العفو. وأجمع العلماء على تحريم القتل، فإن فعله إنسان متعمداً فسق، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وتوبته مقبولة في قول أكثر أهل العلم خلافاً لابن عباس(٦)، بدليل قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾ فجعل التوبة عن القتل وغيره داخلاً في المشيئة، وقال تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ وحديث القاتل مائة نفس التائب من جرائمه معروف مشهور(٧) صريح في قبول توبة التائب. وأما آية الخلود في جهنم للقاتل، فهي محمولة على من لم يتب، أو على أن هذا جزاؤه إن جازاه الله، وله العفو إذا شاء. رواه الجماعة ( أحمد وأصحاب الكتب الستة ) عن ابن مسعود . (١) (٢) رواه النسائي والضياء عن بريدة . متفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي بكرة . (٣) (٤) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي . رواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديها عن ابن عباس . (٥) (٦) المغني : ٦٣٦/٧ . رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ( راجع جامع الأصول لابن الأثير: ٦٨/٣ ) . (٧) - ٢١٩ - ويلاحظ أن تحريم القتل هو في حالة كون القتل ظلماً، بخلاف حالة غير الظلم وهي القتل بحق، كقتل القاتل والمرتد، فالقتل عموماً نوعان: قتل محرم: وهو كل قتل عدوان، وقتل بحق. ويرى الشافعية أنه يمكن انقسام القتل إلى الأحكام الخمسة: واجب وحرام ومکروه ومندوب ومباح(١). فالقتل الواجب: هو قتل المرتد إذا لم يتب، والحربي إذا لم يسلم أو يعط الجزية . والقتل الحرام: هو قتل معصوم الدم بغير حق، أي بصفة العدوان . والقتل المكروه: هو قتل المجاهد قريبه الكافر إذا لم يسب الله أو رسوله. والمندوب: هو قتل المجاهد قريبه الكافر إذا سب الله أو رسوله. والمباح: هو قتل المقتص منه أو قتل الإمام الأسير؛ لأنه مخير في قتله حسبا يرى من المصلحة. ومنه القتل دفاعاً عن النفس ضمن ضوابط الدفاع الشرعي. وعدّ الحنفية(٢) ما يأتي من القتل المباح، فقالوا: لو دخل رجل بيته فرأى رجلاً مع امرأته أو محرمه يزني بها فقتله، حل له ذلك، ولا قصاص عليه. وهو رأي الحنابلة والشافعية والمالكية أيضاً(٣). وإذا كان الزنى طواعية باختيار منها، كان له عند الحنفية والحنابلة قتلهما جميعاً، فلو أكرهها فلها قتله، ودمه هدر إذا لم يمكنها التخلص منه بصیاح أو ضرب . أما لو وجد رجلاً مع امرأة لا تحل له، فله قتله إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح، فإن كان ينزجر بما ذكر لا يحل القتل. (١) مغني المحتاج : ٣/٤ . الدر المختار ورد المختار: ١٩٧/٣، ٣٩٧/٥ . (٢) المغني: ٣٣٢/٨، المهذب: ٢٢٥/٢، الشرح الكبير: ٣٥٧/٤ . (٣) - ٢٢٠ -