النص المفهرس
صفحات 181-200
غصب قرية أو داراً ضمن قيمة منفعتها طوال مدة الغصب، ولا تضمن منافع المغصوب عند الحنفية، إلا مال اليتيم ومال الوقف والأموال المعدة للاستغلال في رأي المتأخرين من الحنفية. وأما النفوس، والأعضاء، ومنافع الأعضاء، والجراح: فما رتبه الشارع عليها من ديات أو كفارات أو حكومة عدل (تعويض الجروح بحسب تقدير القاضي) فجوابر. وما رتبه الشارع عليها من قصاص أو ضرب أو سجن أو تأديب فزواجر. مبدأ الستر، والشفاعة في الحدود: يستحب الستر مطلقاً على مرتكب المعصية الموجبة للحد قبل الرفع إلى الإمام(١)، لحديث أبي هريرة عند الترمذي والحاكم: ((ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)» وحديث ابن عباس مرفوعاً عند ابن ماجه: ((من ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته)» وستأتي أدلة أخرى في بحث الشهادة. وتحرم الشفاعة وقبولها في حدود الله بعد أن تبلغ الحاكم(٢)، أما قبل ذلك فإنه جائز؛ لقوله ماقال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فهو مضادّ الله في أمره))(٣) وقوله مع التل أيضاً: ((حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمطروا أربعين صباحاً)) (٤) وقد أنكر النبي مقلٍ على من شفع في حد ونهاه عن ذلك، (١) نيل الأوطار : ١٣٦/٧ . (٢) غاية المنتهى : ٣١٢/٣ . رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر ، وكذا أخرجه أيضاً الحاكم وصححه ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عمر من (٣) وجه آخر صحيح موقوفاً عليه، وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال فيه: ((فقد ضادَّ الله في ملكه)) (نيل الأوطار : ١٠٧/٧ ). (٤) رواه ابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة ( المرجع السابق ) . - ١٨١ - قالت عائشة: ((كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ◌ُ التّ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد، فكلّموه، فكلّم النبي ◌َّ اللّ فيها، فقال له النبي ظافر: يا أسامة لا أراك تشفع في حد من حدود الله عز وجل، ثم قام النبي ◌ُ ◌ّم خطيباً، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها، فقطع يد المخزومية)»(١). الله تعالى وقفـ (١) رواه أحمد ومسلم والنسائي عن عائشة ( نيل الأوطار: ١٣١/٧ ). - ١٨٢ - الفصل السادس حد الردة أو أحكام المرتدين ! نتكلم هنا عن معنى الردة وشرائطها وأحكام المرتدين: حكم قتل المرتد، وحكم تملك أمواله وتصرفاته، وحکم ميراثه. معنى الردة: الردة لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وهي أفحش الكفر وأغلظه حكماً، ومحبطة للعمل إن اتصلت بالموت عند الشافعية، وبنفس الردة عند الحنفية، قال الله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. وهي شرعا: الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر، سواء بالنية أو بالفعل المكفر أو بالقول، وسواء قاله استهزاءً أو عناداً أو اعتقاداً. وعلى هذا فالمرتد: هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر، مثل من أنكر وجود الصانع الخالق، أو نفى الرسل، أو كذب رسولاً، أو حلل حراماً بالإجماع کالزنا واللواط وشرب الخمر والظلم، أو حرم حلالاً بالإجماع كالبيع والنكاح، أو نفى وجوب مجمع عليه، كأنه نفى ركعة من الصلوات الخمس المفروضة، أو اعتقد وجوب ماليس بواجب بالإجماع، كزيادة ركعة من الصلوات المفروضة، أو وجوب صوم شيء من شوال، أو عزم على الكفر غداً، أو تردد فیه. - ١٨٣ - ومثال الفعل المكفر: إلقاء مصحف أو كتاب حديث نبوي على قاذورة، أو سجود لصنم أو شمس(١). المرتد والزنديق والساب والساحر: المرتد: هو المكلف الذي يرجع عن الإسلام طوعاً إما بالتصريح بالكفر، أو بلفظ يقتضيه، أو بفعل يتضمنه. وأما الزنديق: فهو الذي يظهر الإسلام ويُسرّ الكفر. فإذا عثر عليه قتل ولا يستتاب، ولا يقبل قوله في ادعاء التوبة إلا إذا جاء تائباً قبل ظهور زندقته. وأما الساحر: فيقتل إذا عثر عليه كالكافر، واختلف في قبول توبته أم لا . وأما من سب الله تعالى أو النبي ◌ُ التّ أو أحداً من الملائكة أو الأنبياء، فإن كان مسلماً قتل اتفاقاً. واختلف هل يستتاب أم لا، المشهور عند المالكية عدم الاستتابة وإن كان كافراً، فإن سب بغير ما به كفر، فعليه القتل، وإلا فلا قتل عليه (٢). شروط صحة الردة : اتفق العلماء على اشتراط شرطين لصحة الردة: الأول - العقل: فلا تصح ردة المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط الأهلية في الاعتقادات وغيرها . 5 وأما السكران الذاهب العقل، فلا تصح ردته استحساناً عند الحنفية؛ لأن الأمر يتعلق بالاعتقاد والقصد، والسكران لا يصح عقده ولا قصده، فأشبه المعتوه، ولأنه زائل العقل فلم تصح ردته كالنائم، ولأنه غير مكلف، فلم تصح ردته كالمجنون(٣). وقال الشافعية على المذهب عندهم، والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد: (١) راجع مغني المحتاج: ١٣٣/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٨٨/٢، غاية المنتهى: ٣٣٢/٣، المغني: ١٢٣/٨، ١٣١، فتح القدير: ٣٨٥/٤ ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٣٠١/٤. (٢) القوانين الفقهية: ص ٣٦٤ وما بعدها، غاية المنتهى: ٣٥٩/٣، ٣٦٢ . البدائع : ١٣٤/٧، الدر المختار : ٣١١/٣ وما بعدها . (٣) - ١٨٤ - تصح ردة السكران المتعدي بسكره، وإسلامه، كما يصح طلاقة وسائر تصرفاته، ولأن الصحابة أوجبوا عليه حد الفرية التي يأتي بها في سكره، وأقاموا مظنة الافتراء مقامه(١)، ولكن لا يقتل وهو سكران إن ارتد حتى يستتاب بعد بلوغ وصحو ثلاثة أيام. وأما البلوغ فليس بشرط عند أبي حنيفة ومحمد والمالكية والحنابلة، فتصح ردة الصبي المميز، لكن عند أبي حنيفة ومحمد: لا يقتل ولا يضرب، وإنما يعرض عليه الإسلام جبراً(٢) عند البلوغ ويحبس ويضرب. وإذا حكم بصحة ردته بانت منه امرأته، ولا تطبق عليه العقوبات المقررة للمرتد ؛ لأنه ليس أهلاً لالتزام العقوبات في الدنيا . وقال الشافعي وأبو يوسف: البلوغ شرط، فلا تصح ردة الصبي المميز، ولا المجنون لعدم تكليفهما ، فلا اعتداد بقولهما واعتقادهما، أي لا يصح أيضاً عندهما إسلام الصبي، لحديث ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... )) وقد رجع أبو حنيفة إلى رأي أبي يوسف كما في الفتح وغيره. وقال الجمهور غير الشافعية: يصح إسلام الصبي المميز لحديث: ((كل مولود يولد على الفطرة .. ))(٣). ولقوله عليه السلام: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة))(٤). والخلاصة: أنه يصح إسلام المميز وردته عند الجمهور، ولا يصح إسلامه ولا ردته عند الشافعية. (١) مغني المحتاج : ١٣٧/٤ ، المغني: ١٤٧/٨ وما بعدها . (٢) وهذا مثل الصبي الذي حكم بإسلامه تبعاً لأبويه ، ثم بلغ كافراً ، ولم يسمع منه الإقرار بالردة بعد البلوغ ، فإنه يجبر على الإسلام، ولا يقتل. فإن أقر بالإسلام بعد البلوغ ثم ارتد يقتل. ( الدر المختار ورد المختار: ٣٣٥/٣ ) . رواه البخاري ومسلم وأحمد والموطأ والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ ((مامن مولود إلا يولد ... )) (٣) ورواه أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن الأسود بن سريع بلفظ ((كل مولود يولد ... )) (جامع الأصول: ١٧٨/١، نيل الأوطار: ٢٠٠/٧، الجامع الصغير: ٩٤/٢) والفطرة: أنه يكون متهيئاً للإسلام. البدائع ، مغني المحتاج ، المرجعان السابقان، المغني ، المرجع نفسه: ص ١٣٣ ، ١٣٥ وما بعدها . وأما حديث (٤) ((من قال : لا إله إلا الله )» فرواه البزار عن أبي سعيد الخدري ، وهو حديث صحيح متواتر روي عن ٣٤ صحابياً بلفظ ((من شهد أن لا إله إلا الله، وجبت له الجنة)) ( النظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني : ص ٢٨ ، الجامع الصغير: ١٧٧/٢، مجمع الزوائد: ٨١/١٠ وما بعدها ) . - ١٨٥ - وأرجح رأي الجمهور في قبول إسلام المميز بدليل إسلام سيدنا علي رضي الله عنه وهو صغير، والأولى الأخذ برأي الشافعي وأبي يوسف في عدم صحة ردة المميز؛ إذ لا تكليف قبل البلوغ. وأما الذكورة فليست بشرط اتفاقاً، فتصح ردة المرأة. الشرط الثاني : الاختيار أو الطواعية: فلا تصح ردة المكره اتفاقاً إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، كما سبق ذكره في بحث الإكراه(١) . أحكام المرتد: للمرتد أحكام منها: ١ - قتل المرتد: اتفق العلماء على وجوب قتل المرتد، لقوله عز له: ((من بدل دينه فاقتلوه))(١) وقوله عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))(٣). وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وكذا تقتل المرأة المرتدة عند جمهور العلماء غير الحنفية، بدليل ((أن امرأة يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي ◌ّ التّ فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت))(٤) وقد وقع في حديث معاذ: ((أن النبي ◌ُّالّ لما أرسله إلى اليمن،قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام، فادعها، فإن عادت، وإلا فاضرب عنقها))(6). قال الحافظ (١) المراجع السابقة، المغني: ص ١٤٥، غاية المنتهى: ٣٥٣/٣، ٣٥٨. رواه الجماعة إلا مسلماً ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عكرمة عن ابن عباس ، وقد سبق تخريجه ( راجع (٢) نيل الأوطار : ١٩٠/٧ ) . رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ( سبل السلام: ٢٣١/٣ ، الإلمام : ص ٤٤٣). (٣) أخرجه الدارقطني والبيهقي عن جابر، وإسناده ضعيف وأخرجه البيهقي من وجه آخر ضعيف عن عائشة (٤) ( نيل الأوطار : ١٩٢/٧، نصب الراية: ٤٥٨/٣، تلخيص الحبير ، الطبعة المصرية : ٤٩/٤ ). رواه الطبراني في معجمه عن معاذ بن جبل ، قال الحافظ ابن حجر: وسنده حسن ( نيل الأوطار: ١٩٣/٧ ، (٥) نصب الراية : ٤٥٧/٣ ) . - ١٨٦ - ابن حجر: ((وإسناده حسن، وهو نص في موضوع النزاع، فيجب المصير إليه)). وقال الحنفية: لا تقتل المرأة المرتدة، ولكنها تجبر على الإسلام، وإجبارها يكون بالحبس إلى أن تسلم أو تموت؛ لأنها ارتكبت جرماً عظيماً، وتضرب في كل ثلاثة أيام مبالغة في الحمل على الإسلام، ولو قتلها قاتل لا يجب عليه شيء للشبهة. ودليلهم على عدم جواز قتل المرأة المرتدة هو قوله مَ ل: ((لا تقتلوا امرأة)» وفي حديث صحيح آخر أن النبي عليه السلام نهى عن قتل النساء، ولأن القتل لدفع شر الحرابة لا بسبب الكفر، إذ جزاؤه أعظم من القتل عند الله تعالى، فيختص القتل لمن يتأتى منه المحاربة، وهو الرجل دون المرأة لعدم صلاحية بنيتها(١). أما الاستتابة قبل القتل: فيستحب عند الحنفية أن يستتاب المرتد ويعرض عليه الإسلام، لاحتمال أن يسلم، لكن لا يجب؛ لأن دعوة الإسلام قد بلغته، فإن أسلم فمرحباً به، وإن أبى نظر الإمام في شأنه: فإن تأمل توبته أو طلب هو التأجيل أجله ثلاثة أيام، فإن لم يتأمل توبته، أولم يطلب هو التأجيل، قتله في الحال، بدليل ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه: ((أنه قدم على رجل من جيش المسلمين، فقال: هل عندكم من مُغربةٍ خبر؟ قال: نعم ، رجل كفر بالله تعالى بعد إسلامه، فقتلناه، فقال عمر: هلا حبستوه في بيت ثلاثة أيام، وأطعمتموه في کل یوم رغيفاً لعله يتوب، ثم قال: اللهم إني لم أحضر ولم آمر، ولم أرض))(٣)، إلا أن الكمال بن الهمام قال: لكن ظاهر تبري عمر يقتضي الوجوب. وكيفية توبة المرتد: أن يتبرأ عن الأديان كلها سوى الإسلام، ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه، لحصول المقصود به، وتكون توبة المرتد راجع المبسوط: ٩٨/١٠ وما بعدها، فتح القدير: ٣٨٥/٤ وما بعدها، البدائع: ١٣٤/٧، تبيين الحقائق (١) للزيلعي: ٣٨٤/٣ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ٣١٢/٣، ٣٢٦. رواه مالك في الموطأ ، والشافعي والبيهقي من طريقه عن محمد بن عبد الله بن عبد القادر، قال: قدم على (٢) عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى .. الحديث ( نصب الراية: ٤٦٠/٣، نيل الأوطار: ١٩١/٧). - ١٨٧ - 2 وکل کافر پاتيانه بالشهادتين(١). وقال جمهور العلماء: تجب استتابة المرتد والمرتدة قبل قتلهما ثلاث مرات، بدليل حديث أم مروان السابق ذكره، وثبت عن عمر وجوب الاستتابة، ولا يعارض هذا: النهي عن قتل النساء الذي استدل به الحنفية، لأن ذلك محمول على الحربيات، وهذا محمول على المرتدات(٢). والخلاصة: أنه يعرض الإسلام استحباباً عند الحنفية(٣)، ووجوبا عند غيرهم على المرتد، فإن كانت له شبهة كشفت له، إذ الظاهر أنه لا يرتد إلا من له شبهة. ويحبس ثلاثة أيام ندباً عند الحنفية، ويعرض عليه الإسلام في كل يوم، فإن أسلم فيها، وإن لم يسلم قتل، لحديث: ((من بدل دينه فاقتلوه))(٤). ولا يقتل المرتد إلا الإمام أو نائبه، فإن قتله أحد بلا إذنها، أساء وعزر، ولكن لاضمان بقتله ولو كان القتل قبل استتابته، أو كان مميزاً، إلا أن يلحق بدار الحرب فلكل أحد قتله وأخذ ما معه. تعالى ٢ - حكم مال المرتد وتصرفاته : لاخلاف في أن المرتد إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه السابق، ولا خلاف أيضاً في أنه إذا مات، أو قتل، أو لحق بدار الحرب، تزول أمواله عن ملكه. (١) اللباب شرح الكتاب : ١٤٩/٤، غاية المنتهى : ٣٦٠/٣ . بداية المجتهد : ٤٤٨/٢، الشرح الكبير للدردير: ٣٠٤/٤ ، مغني المحتاج: ص ١٣٩ وما بعدها ، المغني : ١٢٤/٨ (٢). وما بعدها ، غاية المنتهى : ٣٥٨/٣ . (٣) الكتاب مع اللباب : ١٤٨/٤ . أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وقد (٤) سبق تخريجه . - ١٨٨ - واختلف في أن زوال ملكه عن أمواله بالموت أو القتل أو اللحاق بدار الحرب: هل من وقت الردة، أي بأثر رجعي، أم عند حدوث هذه الأسباب ؟ قال أبو حنيفة (وقوله هو الصحيح في مذهبه)، والشافعي في أظهر أقواله الثلاثة، ومالك على الراجح في مذهبه، وظاهر كلام أحمد: تصبح أموال المرتد بمجرد الردة موقوفة، أي يحجر عليه بالارتداد إلى أن يتقرر مصيره، فإن أسلم تبينا بقاء ملكه، وإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الحرب وحكم بلحاقه، تبينا زوال ملكيته عن أمواله بمجرد ردته. وعند أبي حنيفة: ينتقل ما كان اكتسبه في حال إسلامه إلى ورثته المسلمين؛ لأن ردته بمنزلة موته، فيتحقق شرط توريث المسلم من المسلم، ويصبح ما اكتسبه في حال ردته فيئاً للمسلمين، فيوضع في بيت المال؛ لأن کسبه حال ردته کسب مباح الدم ليس فيه حق لأحد، فكان فيئاً كال الحربي. وكذلك تكون تصرفات المرتد حال ردته بالبيع والشراء والهبة والوصية ونحوها موقوفة عند أبي حنيفة: إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحاً، وإن قتل أو مات على ردته كان تصرفه باطلاً، إلا أن الشافعية قالوا: إذا كان التصرف يحتمل الوقف كالوصية فهو موقوف، وإن لم يحتمل الوقف كالبيع والهبة والرهن، كان 5 التصرف باطلاً؛ لأنهم يقولون ببطلان وقف العقود. ودليل الشافعية: أن المرتد تزول عصمة نفسه بالردة، فیجب قتله، وكذا تزول عصمة ماله، لأنها تبع لعصمة النفس، فتزول ملكيته عن ماله، ولأنه معرض للقتل، والقتل يؤدي به إلى الموت، والموت تزول به الملكية، بأثر رجعي أي (مستند إلى الماضي) يمتد إلى السبب الذي أدى إلى الموت وهو الردة، غير أنه يدعى إلى الإسلام. ونظراً لاحتمال عودته إلى الإسلام نحكم بتوقف زوال ملكه في الحال، فإن أسلم تبين أن الردة لم تكن سبباً لزوال الملك، وإن قتل أومات أو لحق بدار الحرب، تبین أنها وقعت سبباً لزوال الملك من حين حدوثها، والحكم لا يتخلف عن سببه. - ١٨٩ - وقال الصاحبان، والحنابلة في الراجح عندهم: لا يزول ملك المرتد بمجرد ردته، وإنما يزول بالموت أو القتل، لأن تأثير الردة يظهر في إباحة دمه، لا في زوال ملكه كالمحكوم عليه بالرجم والقصاص، ولأنه مكلف، فيكون كامل الأهلية، فيحكم ببقاء ملكه. وزوال العصمة عن النفس لا يلزم منه زوال الملك بدليل المحكوم عليه بالرجم ونحوه . إلا أن الحنابلة قالوا: لو لحق المرتد بدار الحرب لم يزل ملكه، وإنما يباح قتله لكل واحد من غير استتابة، ويباح أخذ ماله لمن قدر عليه، لأنه صار حربياً، حكمه حكم الحربيين. وتصبح تصرفات المرتد حينئذ موقوفة. أما الصاحبان فقالا : تزول ملكية المرتد عن أمواله بمجرد اللحاق بدار الحرب مثل الموت أو القتل، وتنتقل كل أمواله لورثته. وتعتبر تصرفات المرتد نافذة في أمواله، إلا أن أبا يوسف قال: تنفذ تصرفاته كتصرف الإنسان العادي الصحيح البدن؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى الإسلام، فيتخلص عن القتل. أما المريض: فلا يمكنه دفع المرض عن نفسه ، فلا تشابه بينهما . وقال محمد: تنفذ تصرفاته كالمريض مرض الموت، أي لا تنفذ تبرعاته بالنسبة للورثة إلا في حدود الثلث؛ لأن المرتد معرض للموت بتنفيذ العقاب عليه وهو القتل، فأشبه المريض مرض الموت. ويلاحظ أن خلاف أبي حنيفة مع صاحبيه هو في المرتد، أما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف عندهم، وتنفذ تصرفاتها في مالها؛ لأنها لا تقتل عندهم، فلم تكن ردتها سبباً لزوال ملكها عن أموالها، فتنفذ تصرفاتها (١). راجع الموضوع في المبسوط: ١٠١/١٠، الكتاب مع اللباب: ١٥٠/٤ وما بعدها، البدائع: ١٣٦/٧، فتح (١) القدير: ٣٩٠/٤ - ٣٩٧، تبيين الحقائق: ٢٨٥/٣، الدر المختار: ٣٢٨/٣، الشرح الكبير للدردير: ٣٠٥/٤ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١٤٢/٤ وما بعدها، المغني: ١٢٨/٨ وما بعدها، غاية المنتهى: ٣٦١/٣. - ١٩٠ - ٣ - حکم میراث المرتد: إذا مات المرتد أوقتل، فإنه يبدأ بقضاء دينه وضمان جنايته ونفقة زوجته وقريبه؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها . وما بقي من ماله يكون فيئاً لجماعة المسلمين يجعل في بيت المال، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة(١)، لقوله عليه السلام: ((لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم»(٣). وقال أبو حنيفة: إذا مات المرتد أو قتل، أو لحق بدار الحرب، وترك ماله في دار الإسلام، انتقل ما اكتسبه في الإسلام إلى ورثته، وكان ما اكتسبه في حال ردته فيئاً يوضع في بيت مال المسلمين؛ لأن الإرث له أثر رجعي يمتد إلى الماضي، فما اكتسبه في حال إسلامه يورث لوجود الكسب قبل الردة، فیکون للإرث أثر رجعي بالنسبة إليه، فيتم شرط توريث المسلم من المسلم، وما اكتسبه حال ردته يكون فيئاً؛ لأنه زال ملكه بالردة، فكان الكسب لا مالك له، فلا يورث، إذ لا يمكن هنا أن يكون للإرث أثر رجعي بالنسبة لكسب الردة، لعدم الكسب قبل الردة. وقال الصاحبان: كل مال للمرتد يملكه ورثته، سواء أكان الكسب قبل الردة أم بعدها؛ لأن القاعدة عندهما أن المرتد لا تزول ملكيته عن أمواله، وإنما ملكه باق له؛ لأنه كما عرفنا أهل للملك، وإذا ثبت ملكه فتنتقل أمواله إلى ورثته بالموت أو ما في معناه، ويعتبر للتوریث أثر رجعي إلى ماقبیل ردته، فيجعل أنه اكتسبه في حال الإسلام، فورثه ورثته منه حال الإسلام، فينطبق شرط توريث المسلم من المسلم. (١) الشرح الكبير للدردير: ص ٣٠٤ ، مغني المحتاج ، المغني ، المراجع السابقة. (٢) رواه أحمد في مسنده وأصحاب الكتب الستة عن أسامة بن زيد ، وهو حديث صحيح ( تلخيص الحبير ، الطبعة المصرية : ٨٤/٣ ، سبل السلام: ٩٨/٣ ، الإلمام: ص ٣٨٨). - ١٩١ - ثم اختلف أبو حنيفة مع صاحبيه في أهلية الوراثة: هل يعتبر حال الوارث - إسلاماً وغيره وقت الردة أم وقت الموت ؟ قال الصاحبان: تعتبر أهلية الوراثة وقت الموت أو القتل؛ لأن ملك المرتد يزول عندهما بالموت أو ما في معناه، فإن كان الوارث مسلماً حراً يرث، وإلا فلا. وعن أبي حنيفة روايتان: في رواية: يعتبر حال الردة فقط، فلو كان حينئذ أهلاً للإرث ورث، وإن زالت أهليته بعدئذ. وفي رواية: يعتبر حال الردة مع الدوام على الأهلية إلى وقت الموت أو القتل، فمن كان وارثاً حال الردة، بأن كان حراً مسلماً، وبقي كذلك إلى وقت الموت أو اللحاق بدار الحرب، فإنه هو الذي يرث. والأصح كما قال في المبسوط هو اعتبار حال الوارث عند الموت أو القتل، أو الحكم باللحاق بدار الحرب ؛ لأن الحادث بعد انعقاد سبب الملكية ولكن قبل تمام السبب كالحادث قبل وجود أصل السبب، فمثلاً إن الزيادة المتولدة من المبيع كالولد، والثمرة قبل قبض المشترى للمبيع، تعتبر ملحقة بالمبيع، فتصير معقوداً عليها، وكأنها موجودة عند ابتداء العقد، ويعتبر الثمن موزعاً على الأصل وعلى الزيادة معاً(١). .. وإن لحق المرتد بدار الحرب، وحكم القاضي بلحاقه، حلت ديونه المؤجلة التي عليه، ونقل ما اكتسبه في حال الإسلام عند الحنفية إلى ورثته المسلمين. وهل يشترط قضاء القاضي بلحاق المرتد بدار الحرب ؟ فيه عند الحنفية روايتان: في رواية : أنه لا بد لاستقرار لحاقه بدار الحرب من قضاء القاضي لاحتمال عودته إلى دار الإسلام. وظاهر الرواية: أنه لا يحتاج للقضاء. (١) المبسوط: ص ١٠٢، فتح القدير: ص ٣٩١، تبيين الحقائق: ص ٢٨٦، البدائع: ص ١٣٨، الدر المختار: ص ٣٢٨ وما بعدها ، المراجع السابقة . ، - ١٩٢ - : إلا أن الصاحبين - في حالة القضاء باللحاق - اختلفا في أهلية الوراثة باللحاق بدار الحرب: هل تعتبر الأهلية وقت القضاء باللحاق أم وقت اللحاق ؟ عند أبي يوسف: يعتبر وقت القضاء؛ لأن الملك لا يزول إلا بالقضاء، ومجرد اللحاق يعتبر غيبة. وهذا هو الأرجح. وعند محمد: يعتبر وقت اللحاق؛ لأن اللحاق هو سبب زوال الملك، فالملك يزول به، والقضاء إنما يكون لتقرر اللحاق بإزالة احتمال عودة المرتد إلينا. وإذا افترضنا أن المرتد بعد لحاقه بدار الحرب، عاد مسلماً إلى دار الإسلام: فإن كان قبل قضاء القاضي بلحاقه، فماله على حاله، وإن كان بعد القضاء، فما وجد من ماله في يد وارثه فهو أحق به، ويأخذه منه بطريق القضاء؛ لأن حكم القاضي باللحاق صير المال ملكاً لورثة المرتد، فلا يعود الملك له إلا بالقضاء أو بالتراضي. وإذا كان المال قد خرج عن ملك الوارث بالتمليك، أو بالاستهلاك، فلا يحق للمرتد الرجوع على وارثه بذلك(١). أما ديون المرتد: فتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام مما اكتسبه في حال الإسلام، وما لزمه من الديون في حال ردته يقضى مما اكتسبه في حال ردته. وهذه رواية عن أبي حنيفة، وقول زفر. (١) المراجع السابقة، الدر المختار: ص ٣٣١، فتح القدير: ص ٣٩٤، تبيين الحقائق: ٢٨٨، البدائع: ص ١٣٨ ، المبسوط : ص ١٠٣ . - ١٩٣ - الفقه الإسلامي جـ ٦ (١٣) لله تعالى الباب الثاني التعزير بعد انتهاء الكلام على الحدود: وهي العقوبات المقدرة في الشرع، أبحث عقوبات الجرائم التي ليس لها حد مقدر شرعاً: وهو ما يعرف بالتعزير، وأتكلم عنه بإيجاز عن تعريفه، وشروط وجوبه، وقدره وصفته، وطرق إثبات موجبه، وضمان (١) موت المعزر(١). الله تعالى (١) من أراد التفصيل فليرجع إلى رسالة الدكتوراه للزميل الدكتور عبد العزيز عامر وموضوعها: ((التعزير في الشريعة الإسلامية )» طبعة البابي الحلبي . - ١٩٥ - 1 الله تعالى تعريف التعزير وموجبه ومنفِّذه وكيفيته: الأصل في التعزير لغة : المنع ، ومنه التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه منع لعدوه من أذاه، ثم اشتهر معنى التعزير في التأديب والإهانة دون الحد؛ لأنه يمنع الجاني من معاودة الذنب. وهو شرعاً: العقوبة المشروعة على معصية أو جناية لاحد فيها، ولا كفارة(١)، سواء أكانت الجناية على حق الله تعالى، کالأكل في نهار رمضان بغير عذر (٢)، وترك الصلاة في رأي الجمهور، والربا، وطرح النجاسة ونحوها في طريق الناس ونحوها، أم على حق العباد كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وسرقة مادون النصاب، أو السرقة من غير حرز، وخيانة الأمانة والرشوة، أو القذف بغير الزنى من أنواع السب والضرب والإيذاء بأي وجه، مثل أن يقول الرجل لآخر: يا فاسق، یاخبیث، یاسارق، یافاجر، یا کافر، يا آكل الربا، يا شارب الخمر، ونحوها. سئل علي كرم الله وجهه عن قول الرجل للرجل : یافاسق، يا خبيث، قال: هن فواحش فيهن التعزير، وليس فيهن حد. ومن موجبات التعزير: الجناية التي لاقصاص فيها، أو وطء الزوجة في الدبر، أو أثناء الحيض، أو النهب أو الغصب أو الاختلاس. ولو قال شخص لآخر: یا کلب، یا خنزير، يا حمار، یاثور، لا يعزر في أصل (١) إن المعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه الحد ولا كفارة فيه ، كالسرقة والشرب والزنا والقذف ، فالحد فيه مغن عن التعزير. ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه ، كالوطء في نهار رمضان عند الشافعية والحنابلة بعكس الحنفية والمالكية ، والوطء في الإحرام . ونوع ثالث لاحد فيه ولا كفارة : مثل قبلة الأجنبية والخلوة بها ، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك ، وهذا النوع فيه التعزير، ولا يجوز للإمام تركه في قول الجمهور كما بينا ، وقال الشافعي: إنه راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه ، كما يرجع إلى اجتهاده في قدره ( أعلام الموقعين : ٩٩/٢ ) . (٢) ذكر الحنابلة أنه يعزر بعشرين سوطاً لشرب مسكر نهار رمضان مع الحد ( غاية المنتهى : ٣٣٣/٣). - ١٩٧ - مذهب الحنفية؛ لأنه قذفه بما لا يتصور، فيرجع عار الكذب إليه. وبعضهم قال: يعزر في عرفنا، وهذا هو المناسب لعصرنا، إذا كان مثله يتأذى بذلك، ويعزره القاضي بناء على طلب المشتوم، ويؤيد هذا الاتجاه(١) أن الشافعية قالوا: من الألفاظ الموجبة للتعزير قوله لغيره: یافاسق، يا كافر، يافاجر، ياشقي، يا كلب، يا حمار، یاتیس، یا رافضي، یاخبیث، یا کذاب، یاخائن، یاقواد، یادیوث(٣). ويقوم بالتعزير ولي الأمر أو نائبه. ويكون التعزير إما بالضرب، أو بالحبس أو بالتوبيخ، ونحوها بحسب ما يراه ولي الأمر رادعاً للشخص، بحسب اختلاف حالات الناس. متى يشرع الحبس ؟ قال جماعة من الفقهاء بمشروعية الحبس، بدليل أن النبي ماتم حبس رجلاً في تهمة، ثم خلى عنه(٣)، وهذا هو الحبس الاحتياطي. وقال عليه السلام: ((لي الواجد يُحلَّ عِرْضه وعقوبته))(٤). وثبت أن عمر بن الخطاب كان له سجن، وتبعه في ذلك عثمان، وعلي رضي الله عنهم. واستدل الحنفية على مشروعية الحبس بقوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض ﴾ قالوا: والمقصود من النفي هو الحبس(*). (١) البحر الرائق : ٢٤٠/٨ . (٢) تكملة المجموع : ٣٦١/١٨ . رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن بهز بن حكيم . والتهمة: الظن بما نسب إلى إنسان ( نيل (٣) الأوطار : ١٥٠/٧ ). رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن الشريد. واللي: المطل، والواجد : الغني ، يحل : (٤) يجوز وصفه بكونه ظالماً ، وعرضه : شكايته ، وعقوبته : حبس . وقد استدل بالحديث على جواز حبس من عليه الدين حتى يقضيه إذا كان قادراً على القضاء تأديباً له وتشديداً عليه ، لا إذا لم يكن قادراً ( نيل الأوطار : ٢٤٠/٥ ). تبيين الحقائق: ٢٠٧/٣، أحكام القرآن للجصاص : ٤١٢/٢، المغني : ٣٢٨/٩ . (٥) - ١٩٨ - ويشرع الحبس في ثمانية مواضع، كما أبان القرافي المالكي(١): الأول - يحبس الجاني لغيبة المجني عليه، حفظاً لمحل القصاص. الثاني - حبس الآبق سنة، حفظاً للمالية رجاء أن يعرف صاحبه. الثالث - يحبس الممتنع عن دفع الحق إلجاء إليه. الرابع - يحبس من أشكل أمره في العسر واليسر، اختباراً لحاله، فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسراً أو يسراً. الخامس - الحبس للجاني تعزيراً وردعاً عن معاصي الله تعالى. السادس- يحبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة، كحبس من أسلم متزوجاً بأختين أو عشر نسوة، أو امرأة وابنتها، وامتنع من تعيين واحدة. السابع- من أقر مجهول، عيناً أو في الذمة، وامتنع من تعیینه، فیحبس حتى يعينهما، فيقول: العين هو هذا الثوب أو هذه الدابة ونحوهما، أو الشيء الذي أقررت به هو دینار في ذمتي . الثامن - يحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عند الشافعية كالصوم. وعند المالكية: يقتل كالصلاة. قال القرافي: وما عدا هذه الثمانية لا يجوز الحبس فيه، ولا يجوز الحبس في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه، فإن امتنع المدين من دفع الدين، وعرف ماله، أخذنا منه مقدار الدين، ولا يجوز لنا حبسه، وكذلك إذا ظفرنا بماله، أو داره، أو شيء (١) الفروق: ٧٩/٤، الاعتصام: ١٢٠/٢، وانظر الطرق الحكمية لابن القيم: ص ١٠١ وما بعدها . - ١٩٩ - يباع له في الدين، رهناً كان أو غيره، فعلنا ذلك ولا نحبسه؛ لأن في حبسه استمرار ظلمه، ودوام المنكر في الظلم. التعزير بالقتل سياسة : أجاز الحنفية والمالكية(١): أن تكون عقوبة التعزير كما في حال التكرار (العود) أو اعتياد الإجرام، أو المواقعة في الدبر (اللواطة)، أو القتل بالمثقل عند الحنفية: هي القتل، ويسمونه القتل سياسة، أي إذا رأى الحاكم المصلحة فيه، وكان جنس الجريمة يوجب القتل. وقد أفتى أكثر فقهاء الحنفية بناء عليه بقتل من أكثر من سب النبي مَ الٍ من أهل الذمة، وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا: يقتل سياسة. وأجمع العلماء كما قال القاضي عياض في الشفا على وجوب قتل المسلم إذا سب النبي ◌ُ ◌ٍّ، لقوله تعالى: ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً﴾. وقالوا أيضاً: إن للإمام قتل السارق سياسة إذا تكررت منه جريمة السرقة، وله قتل من تكرر منه الخنق في ضمن المصر، لسعيه بالفساد في الأرض، ومثله كل من لا يدفع شره إلا بالقتل يقتل سياسة. وكذلك يقتل الساحر عند أكثر العلماء، والزنديق الداعي إلى زندقته، إذا قبض عليه، ولو تاب. وقد روى الترمذي عن جندب موقوفاً ومرفوعاً: ((أن حد الساحر ضربه بالسيف)). وأجاز المالكية والحنابلة وغيرهم(٢) قتل الجاسوس المسلم، إذا تجسس للعدو على المسلمين. ولم يجز أبو حنيفة والشافعي هذا القتل. وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة. رد المحتار لابن عابدين: ١٩٦/٣، الشرح الكبير للدردير: ٣٥٥/٤ . (١) (٢) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص ١١٤، الحسبة لابن تيمية: ص ٤٨ ، غاية المنتهى: ٣٣٤/٣ ، المهذب : ٠٢٤٢/٢ - ٢٠٠ -