النص المفهرس

صفحات 161-180

للأمر بالاجتناب، ولأن الشيء المطروح في الخمر يتنجس بملاقاتها، فينجسها بعد
انقلابها خلا(١).
وإذا نقلت الخمر من الظل إلى الشمس أو بالعكس، فتخللت، تحل عند الجمهور
وكذا عند الشافعية في الأصح.
المبحث الرابع - أحكام الأشربة المسكرة غير الخمر:
هذه الأشربة ثلاث فئات:
الفئة الأولى - غير المطبوخ ، وهو السَّكَر والفضيخ النيء والباذق
المطبوخ ونقيع الزبيب والتمر من غير طبخ :
أي أن نقيع التمر إذا اشتد وقذف بالزبد أو الذي طبخ من ماء العنب، فذهب
أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ، فهذه هي الفئة الأولى التي
يتعلق بها الأحكام التالية(٣).
١ - يحرم شرب قليلها وكثيرها باتفاق العلماء، لقوله عليه السلام: ((الخمر من
هاتين الشجرتين))(٣). وأشار إلى النخلة والعنبة، وهذه الفئة إما من التمر أومن
العنب، ولأنه إذا ذهب أقل من الثلثين بالطبخ، فالحرام فيه باق، وهو مازاد على
الثلث .
٢ - لا يكفر مستحلها، ولكن يضلل؛ لأن حرمتها دون حرمة الخمر، لثبوتها
بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد، وآثار الصحابة رضي الله عنهم.
حاشية قليوبي وعميرة على شرح الجلال المحلي على المنهاج للنووي : ٧٢/١ .
(١)
البدائع : ١١٤/٥ ومابعدها، نتائج الأفكار: ١٥٨/٨ وما بعدها، المبسوط : ٤/٢٤.
(٢)
أخرجه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة أي الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صَ ل قال: ((الخمر
من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة)) ( راجع نصب الراية: ٢٩٥/٤، نيل الأوطار: ١٧٢/٨ ).
(٣)
الفقه الإسلامي جـ ٦ (١١)
- ١٦١ -

٣ - لا يحد عند الحنفية بشرب قليلها، وإنما يجب الحد بالسُّكر منها؛ لأن نص
الحديث السابق: ((والسَكَر من كل شراب)) حرم السكر وجعله كحرمة الخمر، والمعاني
التي حرم من أجلها الخمر في قوله تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة
والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون ﴾
هذه المعاني تحصل بالسكر من كل شراب. لهذا قال علي رضي الله عنه: ((فيما أسكر من
النبيذ ثمانون. وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون».
٤ - مقدار الحد: ثمانون جلدة عند الجمهور كما عرفنا، وأربعون جلدة عند
الشافعية .
٥ - يحرم التداوي بها، سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن التداوي بالمسكر،
فقال: ((إن الله تبارك وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم))(١).
٦ - يجوز بيعها عند أبي حنيفة مع الكراهة، ويضمن متلفها؛ لأن البيع مبادلة
شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه، وهذه الأشربة مرغوب فيها، إلا أن الخمر مع
كونها مرغوباً فيها لا يجوز بيعها بنص الحديث السابق: ((يا أهل المدينة، إن الله
تبارك وتعالى قد أنزل تحريم الخمر، فمن كتب هذه الآية، وعنده شيء منها، فلا
يشربها ولا يبيعها)» والنص ورد في الخمر، فيقتصر على مورد النص.
وأيضاً لأن الأخبار تعارضت في هذه الأشربة في الحل والحرمة، قال أبو حنيفة
(١) رواه عبد الرزاق والطبراني في معجمه وابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: (( إن الله لم يكن ليجعل شفاءكم فيما
حرم عليكم )» وذكره البخاري تعليقاً عن ابن مسعود ، وأخرجه البيهقي وابن حبان وصححه ، وأخرجه أيضاً
أحمد عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي ◌ٍَّ قال: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) وأخرج أبو
داود عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ◌َ في: ((إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء ،
فتداووا ، ولا تتداووا بحرام )) وروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان عن
وائل بن حجر أن طارق بن سويد سأل النبي ◌ُّم عن الخمر، فنهاه عنها ، فقال: إنما أصنعها للدواء ، قال :
إنه ليس بدواء، ولكنه داء)) ( راجع نصب الراية: ٢٩٩/٤ ، التلخيص الحبير: ص ٣٥٩ ، مجمع الزوائد :
٧٢/٥، نيل الأوطار: ٢٠٣/٨، سبل السلام: ٣٦/٤) .
- ١٦٢ -
١

بحرمة شربها احتياطاً، ولكن لا تبطل ماليتها احتياطاً؛ لأن الاحتياط لا يجري في
إبطال حقوق الناس.
وقال الصاحبان: لا يجوز بيعها أصلاً، ولا يضمن متلفها، لعدم كونها مالاً
متقوماً؛ لأن المال المتقوم هو ما يباح الانتفاع به حقيقةً وشرعاً، وهي لا يباح
الانتفاع بها.
٧ - في نجاستها روايتان عن أبي حنيفة: رواية راجحة تعتبر نجاستها مغلظة
كنجاسة الخمر؛ لأنه يحرم شرب قليلها وكثيرها، فلا يعفى عنها أكثر من قدر الدرهم،
ورواية تعتبر نجاستها مخففة فيعفى عنها مادون ربع الثوب عند الحنفية؛ لأن نجاسة
الخمر إنما ثبتت بالشرع، بقوله تعالى: ﴿رجس﴾ فتختص النجاسة باسم الخمر. وعن
أبي يوسف: أن الكثير الفاحش: هو النجس؛ لأن حرمتها دون حرمة الخمر، واختار
السرخسي أن نجاسة السكر ونقيع الزبيب مخففة، والمفتى به أن نجاستها كالخر (١).
الفئة الثانية- المطبوخ وهو المثلث (أو الطلاء) والجمهوري
والمطبوخ من الزبيب والتمر أدنى طبخ :
أي أن عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ، وإن
لم يذهب ثلثاه، فهذه هي الفئة الثانية.
فالمثلث: وهو المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي معتقاً، حكمه
وحكم الجمهوري والمطبوخ من الزبيب والتمر أدنى طبخ، أي وإن لم يذهب ثلثاه: أنه
يحل شرب القليل منه، ويحرم المسكر منه وهو القدح الأخير الذي یسکر، فإذا سكر
يجب الحد، ويجوز بيعه وتمليكه ويضمن متلفه، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
ودليلهما حديث وآثار: أما الحديث فهو ما روي عن ابن عمر أن النبي طاهر أتي بنبيذ
(١) نتائج الأفكار: ١٦٠/٨، البدائع: ١١٥/٥، رد المحتار: ٣٢١/٥.
- ١٦٣ -

فشمه، فقطب وجهه لشدته، ثم دعا بماء، فصبه عليه، وشرب منه(١).
وأما الآثار، فمنها ما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان يشرب النبيذ
الشديد، ومنها : ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه أضاف قوماً فسقاهم، فسكر
بعضهم ، فحده، فقال الرجل : تسقيني ثم تحدني ؟ فقال علي: إنما أحدك
للشّكْر (٢). والحقيقة أن هذا الخبر غير صحيح؛ لأن في سنده مدلساً وضعيفاً.
وقد اعتبر أبو حنيفة حل المثلث من علامة مذهب أهل السنة والجماعة، فقال:
السنة أن تفضل الشيخين، وتحب الخَتَنين (أي الصهرين) وتمسح على الخفين، ولا
تحرم نبيذ الجرّ، أي المثلث أو الطلاء. والحل محصور في القليل منه أو إذا قصد به
التقوي على الطاعة، أو التداوي، أو استمراء الطعام، أما إذا قصد به التلهي، فيحرم.
وقال محمد: لا يحل شرب هذين الشرابين، ولكن لا يجب الحد مالم يسكر،
لقوله عليه السلام: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وبرأيه يفتى عند الحنفية.
8
وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: كل شراب أسكر كثيره حرم قلیله، وحد
شاربه إذا كان مكلفاً مختاراً، لقوله عليه السلام: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»
(١) رواه الطبراني وفيه هود بن عطاب وهو ضعيف ، ويؤيده مارواه الطبراني عن المطلب بن أبي وداعة وفيه
رجل ضعيف: أن النبي ميفي أتي بإناء فصب عليه الماء ، حتى تدفق ، ثم شرب منه ، وروى العقيلي عن علي ،
قال: ((طاف النبي ◌ٍَّ بين الصفا والمروة أسبوعاً، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة ، فقال : هل من
شربة ؟ فأتي بقعب من نبيذ ، فذاقه ، فقطب ، ورده ، فقام إليه رجل من آل حاطب ، فقال : يا رسول
الله ، هذا شراب أهل مكة ، قال: فصب عليه الماء ، ثم شرب ، ثم قل: حرمت الخمر بعينها والسّكّر من كل
شيء)) وأعله بمحمد بن الفرات وهو منكر الحديث (راجع نصب الراية: ٣٠٦/٤ ، مجمع الزوائد: ٦٦/٥ ).
(٢)
المبسوط: ١٥/٢٤، البدائع: ١١٦/٥، نتائج الأفكار: ١٦٢/٨ وهذا الحديث أخرجه الدارقطني في سننه ،
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الشعبي . وروى الدارقطني مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه ، ورواه
العقيلي في كتابه عن عمر أيضاً ، وله طرق أخر عند ابن أبي شيبة ، وفي الأطراف ، وعند عبد الرزاق في
مصنفه ( راجع نصب الراية: ٣٥٠/٣) ويلاحظ أن هذه القصة غير ثابتة .
- ١٦٤ -

وقوله أيضاً ((أنهاكم عن قليل ماأسكر كثيره)) وصحح الترمذي: ((ما أسكر كثيره
فقليله حرام))(١).
الفئة الثالثة - الأشربة الحلال في رأي ضعيف، وهي خليط الزبيب
والتمر المطبوخ، والمتخذ من غير العنب والتمر:
الأشربة الأربعة الحلال التي ذكرناها كالخليطين والمِزْر والجعة والبتْع والمثلث
بقصد التداوي يحل شربها بلا لهو ولا طرب، قليلاً كان أو كثيراً إذا شرب
ما لا يسكره، ولا يحد شاربها، وإن سكر منها، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛
لأنه ليس في هذه الأشربة معنى الخمرية، إذ لاشدة فيها، ولأنه عليه السلام قال:
((الخمر من هاتين الشجرتين: يعني النخلة والكرمة)) ذكر مقل الخمر بلام الجنس،
فاقتضى اقتصار الخمرية على ما يتخذ من هاتين الشجرتين. وإنما لا يجب الحد وإن
سكر منه؛ لأنه سكر حصل بتناول شيء مباح، فلا يوجب الحد، كالسكر الحاصل
من تناول البنج، بخلاف ما إذا سكر بشرب المثلث، فإنه يجب الحد؛ لأن السكر فيه
حصل بتناول المحظور وهو القدح الأخيرة.
وخلاصة الفرق بين هذه الفئات الثلاث: أن الفئة الأولى يحرم قليلها وكثيرها
ويجب الحد بالسكر منها، وأن الثانية يحرم المسكر منه فقط ويجب الحد بالسكر،
وأما الثالثة فيحل شربها للتداوي والتقوي، وإن سكر منها، ولا حد فيها وإن سكر
منها عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقد حرم محمد رحمه الله تعالى هذه الأشربة الأربعة التي هي حلال عند
الشيخين: وهي المتخذة من العسل والتين ونحوهما قليلها وكثيرها، والأصح أنه يحد
(١) مغني المحتاج: ١٨٧/٤، المهذب: ٢٨٦/٢، بداية المجتهد: ٤٣٤/٢ وما بعدها، المغني: ٣٠٤/٨ .
- ١٦٥ -

شاربها بالسكر منها، وبه يفتى في المذهب الحنفي (١)، وقال الأئمة الثلاثة : يحد بشرب
القليل منها والكثير(٢) لقوله عليه السلام: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» وقوله:
((ما أسكر كثيره فقليله حرام» وقوله: ((كل شراب أسكر فهو حرام» وقوله مئاتله
أيضاً. ((إن من العنب خمراً، وإن من العسل خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن الحنطة
خمراً، ومن التمر خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر))(٣).
الحشيش والأفيون والبنج (٤):
يحرم كل ما يزيل العقل من غير الأشربة المائعة كالبنج والحشيشة والأفيون، لما
فيها من ضرر محقق، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولكن لاحد فيها؛ لأنها ليست
فيها لذة ولا طرب، ولا يدعو قليلها إلى كثيرها، وإنما فيها التعزير.
ويحل القليل النافع من البنج وسائر المخدرات للتداوي ونحوه؛ لأن حرمته
ليست لعينه، وإنما لضرره(٥) .
القهوة والدخان: سئل صاحب العباب الشافعي عن القهوة، فأجاب:
للوسائل حكم المقاصد، فإن قصدت للإعانة على قربة كانت قربة، أو مباح فمباحة، أو
(١) يظن بعض شاربي البيرة ونحوها أن قليلها حلال في مذهب الحنفية . والواقع أن قليلها وكثيرها حرام في كل
المذاهب وبإجماع آراء الحنفية ، لأن الخلاف فيما يسمى بالأشربة الحلال محصور فيما قصد بشربه تقوية البدن
الضعيف . أما إذا كان يؤخذ للهو والتسلية كما يفعل هؤلاء الشاربون فهو حرام كالكثير تماماً ، ولو قطرة
واحدة ( الفقه على المذاهب الأربعة : ٢ حاشية ص ٧ بتصرف ) .
(٢)
انظر نيل الأوطار: ١٤٠/٧، البدائع: ١١٧/٥، نتائج الأفكار: ١٦٠/٨ وما بعدها ، حاشية ابن عابدين :
٣٢٢/٥ وما بعدها .
رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن النعمان بن بشير، زاد أحمد وأبو داود: (( وأنا أنهى عن كل مسكر)»
(٣)
راجع التلخيص الحبير: ص ٣٥٩ ، مجمع الزوائد : ٥٦/٥، نيل الأوطار: ١٧٣/٨ ).
البَنج : يسمى في العربية شيكران : وهو نبات يصدع ويسبت ، ويخلط العقل . والأفيون : عصارة
(٤)
الخشخاش . والحشيشة : ورق القنب الهندي .
(٥) مغني المحتاج: ١٨٧/٤، حاشية ابن عابدين: ٣٢٥/٥، المبسوط: ٩/٢٤، فتح القدير: ١٨٤/٤.
- ١٦٦ -
٠٠:

مكروه فمكروهة، أو حرام فمحرمة. وأيده بعض الحنابلة على هذا التفصيل. وقال
الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي صاحب غاية المنتهى : ويتجه حل شرب الدخان
والقهوة، والأولى لكل ذي مروءة تركها(١).
المبحث الخامس - إثبات شرب الخمر ونحوها:
. اتفق جمهور الفقهاء على أن شرب الخمر ونحوها يثبت بشهادة رجلين مسلمين
عدلين يشهدان أنه مسكر، أو بالإقرار مرة واحدة، ولا تقبل فيه شهادة النساء مع
الرجال. ويكفي في إقرار وشهادة أن يقال: شرب فلان خمراً.
وقال أبو يوسف وزفر: يشترط في الإقرار هنا كما في السرقة: أن يكون مرتین
بمجلسين، اعتباراً لعدد الإقرار بعدد الشهود.
ولا يعتبر الإقرار والشهادة بعد ذهاب الرائحة وتقادم العهد عند أبي حنيفة
وأبي يوسف. وقال محمد: يحد بالإقرار أو الشهادة بعد ذهاب الرائحة، ولكن دون
شهر في الشهادة .
واختلفوا في إثبات الشرب بالرائحة :
الك
فقال المالكية: يجب الحد بالرائحة إذا شمها شاهدان عدلان في فمه أو تقيأها،
وشهدا بذلك عند الحاكم؛ لأن ابن مسعود جلد رجلاً وجد منه رائحة الخمر(٢)،
وتشبيهاً للشهادة على الرائحة بالشهادة على الصوت(٣).
(١)
غاية المنتهى : ٣٣١/٣ .
رواه الطبراني وعبد الرزاق واسحاق بن راهويه عن أبي ماجد الحنفي ، قال : جاء رجل بابن أخ له سكران
(٢)
إلى عبد الله بن مسعود ، فقال عبد الله : ترتروه ومزمزوه ( أي حركوه تحريكاً عنيفاً لعله يصحو )
واستنكهوه ، ففعلوا ، فرفعه إلى السجن ، ثم عاد به من الغد ، ودعا بسوط ، ثم أمر بثمرته فدقت بين
حجرين ، حتى صارت درة ، ثم قال للجلاد : اجلد وأرجع تلك ، وأعط كل عضو حقه ( راجع نصب الراية :
٣٤٩/٣، مجمع الزوائد: ٢٧٥/٦ ، ٢٧٩ ).
(٣) حاشية الدسوقي: ٣٥٣/٤، بداية المجتهد: ٤٣٦/٢، المنتقى على الموطأ: ١٤٢/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٦٢.
- ١٦٧ -

وقال الحنفية والشافعية والحنابلة: لاحد على من وجد منه رائحة الخمر أو
تقيأها؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أو حسبها ماء، فلما صارت في فمه مجها، أو
ظنها لا تسكر، أو كان مكرها أو مضطراً أو غالطاً، أو شرب شراب التفاح، فإنه
يكون منه كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد بالشك؛ لأن الحد يدرأ
بالشبهة، ولا يستوفيه القاضي بعلمه أيضاً(١).
ويلاحظ أنه لا يقام الحد على السكران حال سكره، وإنما يؤخر إلى الصحو
باتفاق الأئمة، ليتحقق مقصود الحد من الانزجار.
ملحق بالحدود :
أولاً - تداخل الحدود :
إذا اجتمعت الحدود على شخص، فإما أن تكون حدوداً خالصة لله تعالى، أو
حدوداً خالصة للآدمي، أو تجتمع حدود الله، وحدود الآدمیین(٢).
فالقسم الأول نوعان :
8
١ - أن يكون فيها قتل: مثل أن يسرق ويزني وهو محصن، ويشرب الخمر،
ويقتل في المحاربة ((قطع الطريق)). اختلف العلماء فيها:
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: تتداخل الحدود فيقتل الشخص، ويسقط
سائر الحدود، لقول ابن مسعود: ((إذا اجتمع حدان: أحدهما القتل، أحاط القتل
بذلك)».
فتح القدير: ١٨٠/٤، ١٨٦، تبيين الحقائق: ١٩٦/٣، الكتاب مع اللباب : ١٩٣/٣، مختصر الطحاوي :
(١)
ص ٢٨٠ ، مغني المحتاج: ١٩٠/٤، المغني: ٣٠٩/٨ ، حاشية الباجوري على متن أبي شجاع: ٢٤٦/٢ ، غاية
المنتهى : ٣٣٠/٣.
راجع التفصيل في البدائع: ٦٢/٧، فتح القدير: ٢٠٨/٤، تبيين الحقائق: ٢٠٧/٣، حاشية الدسوقي :
(٢)
٣٤٧/٤، المنتقى على الموطأ: ١٤٥/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٦٢ ، مغني المحتاج : ١٨٤/٤ ، الميزان للشعراني :
١٦٩/٢، المهذب: ٢٨٨/٢، تكملة المجموع: ٣٥١/١٨، حاشية الشرقاوي: ٤٢٧/٢، المغني: ٢٩٨/٨.
- ١٦٨ -

وقال إبراهيم النخعي : يكفيه القتل، ولأنها حدود خالصة لله تعالى، يراد بها
الزجر، ومع القتل لا حاجة إلى زجره.
وقال الشافعي: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل، وجب مع القتل،
كقطع اليد قصاصاً، فهي حدود وجبت بأسباب، فلم تتداخل.
٢ - ألا يكون فيها قتل: كما لو سرق وزنى وشرب الخمر، فلا تداخل،
ويستوفى جميعها، من غير خلاف بين العلماء. ويقدم عند الشافعية والحنابلة الأخف
فالأخف، فيقدم حد الشرب أولاً، ثم حد الزنى، ثم قطع اليد للسرقة، ويتداخل
القطع للسرقة مع القطع للمحاربة؛ لأن محل القطعين واحد.
وقال المالكية: يقطع، ثم يجلد.
وقال الحنفية: الإمام بالخيار في البداية، إن شاء بدأ بحد الزنى، وإن شاء بحد
السرقة، ويؤخر حد الشرب عنهما؛ لأن حد الزنى وحد السرقة ثبتا بنص القرآن،
وحد الشرب ثبت بالاجتهاد، ولا يجمع ذلك كله في وقت واحد، بل يقام كل واحد
منها بعد البرء من الأول، لئلا يؤدي الحد إلى الهلاك
وأما القسم الثاني: وهو الحدود الخالصة للآدمي، وهي القصاص وحد القذف
(على رأي الجمهور).
أما عند الحنفية: فإن حد القذف يشتمل على حق الله وحق العبد، إلا أن حق
الله فيه غالب، كما عرفنا، وحينئذ يكون عندهم من القسم الأول، فيقدم في الاستيفاء
على غيره من الحدود؛ لأن فيه حقاً للعبد أيضاً .
وقال المالكية: كل حد يدخل في القتل كردة أو قصاص أو حرابة إلا القذف،
فلا بد من استيفائه أولاً، ثم يقتل. فلو اجتمع حد الزنى والشرب والسرقة، فإن هذه
الحدود تسقط وتندرج في القتل.
- ١٦٩ -

وقال الحنابلة والشافعية: يستوفى كل الحدود، ويبدأ بأخفها، فيحد للقذف، ثم
يقطع، ثم يقتل؛ لأنها حقوق للآدميين، أمكن استيفاؤها، فوجب كسائر حقوقهم،
فإن مادون القتل حق للآدمي، فلم يسقط به .
وقال الحنفية: يدخل مادون القتل فيه، احتجاجاً بقول ابن مسعود السابق
ذكره، وقياساً على الحدود الخالصة لله تعالى.
وأما القسم الثالث: وهو أن يجتمع حدود الله، وحدود الآدميين: وهذه ثلاثة
أنواع:
أحدها - ألا يكون فيها قتل: فقال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة:
تستوفى كلها إلا أن المالكية قالوا بتداخل حد الشرب وحد القذف؛ لأن الغرض من
العقوبتين واحد، وهو منع الافتراء.
ثانيها - أن يكون فيها قتل : فقال الجمهور: حدود الله تعالى تدخل في القتل.
وأما حقوق الآدميين، فتستوفى كلها .
وقال الشافعي : تستوفى الحدود جميعها؛ لأنها حدود وجبت بأسباب، فلم
تتداخل.
ثالثها - أن يتفق الحقان في محل واحد، فإن اجتمع حقان: أحدهما لله، والآخر
الآدمي، كالقصاص والرجم في الزنى، قدم القصاص عند العلماء، لتأكد حق الآدمي،
وبه يتحقق أيضاً حق الله تعالى.
ثانياً - إسقاط الحدود بالتوبة:
إذا تاب العصاة ما عدا المحاربين من شاربي الخمر والزناة والسراق، فلا يسقط
الحد عند الحنفية والمالكية والشافعية في الأظهر عندهم، وذلك سواء بعد رفع الأمر
إلى الحاكم أو قبله؛ لأن الرسول مؤلفه لم يسقط الحد عن ماعز، حينما جاءه، وأقر
- ١٧٠ -

بالزنى، ولا شك أنه لم يأت، إلا وهو تائب، ونحوه من الحدود، فإنه لم يرد نص في
إسقاط الحد عن هؤلاء.
واستثنى الكاساني في البدائع حد السرقة العادية، فإنه يسقط بتوبة السارق قبل
أن يظفر الحاكم به، وبشرط رد المال إلى صاحبه. وقال ابن عابدين: الظاهر أن
التوبة لا تسقط الحد الثابت عند الحاكم بعد الرفع إليه. أما قبله فيسقط الحد بالتوبة
حتى في قطاع الطرق، سواء أكان قبل جنايتهم أم بعدها.
وقال أحمد في أظهر الروايتين عنه: التوبة تسقط الحد عنهم من غير اشتراط
مضي زمان، لقوله سؤال: ((التائب من الذنب كمن لاذنب له))(١) وقوله عليه السلام:
((التوبة تجبُّ ما قبلها))(٢)، ولأن في إسقاط الحد ترغيباً في التوبة، وذلك ماعدا حد
القذف، فإنه لا يسقط لأنه حق آدمي. وبه يظهر أنه ليس هناك اجماع - كما زم
بعضهم - على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا.
أما حد المحاربة: فلا خلاف بين العلماء كما قدمنا: أن قطاع الطرق إن تابوا قبل
القدرة عليهم، فتسقط عنهم حدود الله تعالى، لقوله سبحانه في آية المحاربين: ﴿إلا
(١) رواه ابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي عن عبد الله بن مسعود، ورجال الطبراني رجال الصحيح إلا أن
أبا عبيدة راوي الحديث عن أبيه عبد الله لم يسمع منه، ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي مرفوعاً أيضاً من
حديث ابن عباس، وزاد ((والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه )) وقد روي بهذه الزيادة
مرقوفاً ولعله أشبه ، بل هو الراجح ، كما قال المنذري . وروى الطبراني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله
عَالفتح قال: ((الندم توبة، والتائب من الذنب كمن لاذنب له)) قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم (راجع
الترغيب والترهيب: ٩٧/٤، المقاصد الحسنة: ص ١٥٢، مجمع الزوائد: ٢٠٠/١٠).
(٢)
المعروف أن التوبة تصح بالإسلام ، والإسلام يجب ماقبله، وقد ذكر حديث ((التوبة تجب ما قبلها)) في مغني
المحتاج للخطيب: ١٨٤/٤، وراجع مجمع الزوائد: ٣١/١، ١٩٩/١٠ وما بعدها، وذكره أيضاً ابن قدامة في
المغني: ٢٠١/٩، كما ذكر حديثاً آخر وهو ((الندم توبة)) رواه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ورجاله وثقوا
وفيهم خلاف ( مجمع الزوائد : ١٩٩/١٠ ).
- ١٧١ -

الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾(١).
وقد رأى الشافعية أن الحدود إذا أقيمت في الدنيا، لم تقم في الآخرة لحديث:
((الله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة))(٢)، ولقوله عليه السلام:
((الحدود كفارات لأهلها))(٣).
هل تقبل شهادة المحدود بالقذف إذا تاب ؟
اختلف الحنفية والجمهور فيه، فقال الحنفية: لا تقبل شهادة المحدود في القذف
أبداً، وإن تاب وأصلح، ومن هنا كانت التوبة عندهم بالنسبة إليه عملاً قلبياً بين
العبد وربه، ليس من الضروري اطلاعنا عليه؛ لأنه ليس هناك حكم عملي يترتب
على هذه التوبة.
(١) راجع البدائع: ٩٦/٧، فتح القدير: ٢٧٢/٤، رد المحتار: ١٥٤/٣، الفروق للقرافي: ١٨١/٤، مغني المحتاج :
١٨٤/٤، المهذب: ٢٨٥/٢، الميزان: ١٦٩/٢، حاشية قليوبي وعميرة: ٢٠١/٤، المغني: ٢٩٥/٨ وما بعدها ،
القوانين الفقهية: ص ٣٥٧ ، ٣٦٢ وما بعدها ، السياسة الشرعية لابن تيمية : ص ٦٧ ، وانظر أعلام الموقعين :
٧٨/٢، ١٩/٣، ٣٩٨/٤، وراجع إحياء علوم الدين للغزالي: ١٤/٤ وما بعدها، غاية المنتهى: ٣٤٥/٣ وما
بعدها .
أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي ◌َّم قال: ((من
(٢)
أصاب حداً فعجل عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة . ومن أصاب حداً
فستره الله عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه)) (راجع جامع الأصول: ٣٤٩/٤،
الجامع الصغير: ١٦٤/٢ ) .
(٣)
الأحاديث في هذا المعنى كثيرة منها: ما رواه الطبراني وأحمد بنحوه عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله مت متع
قال: ((أيما عبد أصاب شيئاً مما نهى الله عنه، ثم أقيم عليه حده، كفر عنه ذلك الذنب)) وفي رواية: ((من
أصاب ذنباً وأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته )) وفيه راو لم يسم ، وبقية رجاله ثقات. وروي بمعناه عن
ابن عمر مرفوعاً عند الطبراني، وفيه متروك، وقد جاء في القسطلاني شرح البخاري : ٣٨٠/٧ : إن الحدود
كفارات . وترجم الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم بعنوان: ((باب: الحدود كفارات لأهلها» :
٢٢٤/١٢، وذلك عند شرح حديث عبادة بن الصامت الآتي ذكره في المبحث التالي (راجع مجمع الزوائد :
٢٦٥/٦ ) .
- ١٧٢ -

وقال الجمهور: إذا تاب المحدود في القذف قبلت شهادته، وتوبة القاذف: إكذابه
نفسه. وفسره الاصطخري من أصحاب الشافعي بأن يقول: كذبت فيما أقول، فلا
أعود إلى مثله. وقال أبو اسحاق المروزي من أصحاب الشافعي: لا يقول: كذبت؛
لأنه ربما يكون صادقاً، فيكون قوله: ((كذبت)) كذباً، والكذب معصية، والإتيان
بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول: القذف باطل، وندمت على
ماقلت ورجعت عنه، ولا أعود إليه .
والسبب في أن الشافعي شرط في توبة القاذف التلفظ باللسان، مع أن التوبة
من عمل القلب، أنه رتب عليها حكماً شرعياً: وهو قبول شهادة المحدود إذا تاب ، فلا
بد من أن يعلم الحاكم بتوبته حتى يقبل شهادته.
ومنشأ الخلاف بين الحنفية والجمهور: خلافهم في رجوع الاستثناء الوارد في قوله
تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين
جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا﴾ هل يرجع
إلى جميع الجمل التي سبقت، فيرتفع رد الشهادة، كما ارتفع الفسق، أو يرجع إلى الجملة
الأخيرة وهي الفسق. والخلاف راجع إلى مسألة أصولية مشهورة وهي: هل
الاستثناء عقب الجمل المتعاطفة يعود للجميع أم يعود للجملة الأخيرة ؟
قال الحنفية: لا تقبل شهادة المحدود في القذف أبداً، لاختصاص الاستثناء
بالجملة الأخيرة؛ لأنها جملة مستأنفة بصيغة الإخبار، منقطعة عما قبلها جيء بها لدفع
ما عساه يخطر بالبال من أن القذف لا يصلح أن يكون سبباً لهذه العقوبة.
ونوقش قولهم بأن العلة في هذه العقوبة هو فسقهم، والفسق علة في رد
الشهادة، فإذا ارتفع الفسق بالتوبة، فيلزم منه ارتفاع رد الشهادة الذي هو معلوله؛
لأن الحكم یزول بزوال علته.
وقال الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: تقبل شهادة المحدود في القذف
- ١٧٣ -

بالتوبة؛ لأن الاستثناء يرجع إلى الجمل الثلاث المتعاطفة بالواو، فيرتفع رد الشهادة
كما ارتفع الفسق بالتوبة. لكن لم يسقط الحد بالتوبة، للإجماع على أنه لا يسقط
بالتوبة، لما فيه من حق العبد أو الآدمي، فلا يسقط باستيفائه، لا لخلل في اقتضاء
صيغة الاستثناء التي أعقبت الجمل السابقة أن تعم كل تلك الجمل، فبقي الاستثناء في
ظاهره عائداً إلى رد الشهادة والتفسيق، وهذا ما قرره الزمخشري، وهو رأي أكثر
التابعين وفقهاء الأمصار غير الحنفية(١).
واختلف الفقهاء في وقت رد شهادة القاذف، فقال أبو حنيفة ومالك: لا ترد
شهادته إلا بعد جلده، لأن الواو وإن لم تقتض الترتيب، لكن الظاهر من الترتيب في
الذكر أنه على وفق الترتيب في الحكم. وقال الشافعي : لا يتوقف رد الشهادة على حد
القذف؛ لأن ظاهر الآية أنه متى قذف وعجز عن البينة استحق العقوبات الثلاث:
الحد، ورد الشهادة، والتفسيقْ.
هل التوبة مسقطة للقصاص والدية ؟
إذا ثبت القتل وجب على القاتل إما القصاص، وإما الدية. ولا يسقط
القصاص إلا بعفو أولياء المقتول على أن يأخذوا الدية أو بدون شيء، فلا يسقط
القصاص أو الدية إذاً بالتوبة لتعلق الحق الشخصي به لأولياء الدم. وبناء عليه
لا تصح توبة القاتل حتى يسلم نفسه للقود (القصاص) أو يؤدي الدية حين العفو، أو
حالة القتل الخطأ. وتوبة القاتل لا تكون بالاستغفار والندامة فقط، بل تتوقف على
إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمداً لابد من أن يمكنهم من القصاص منه، فإن
شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا عفوا عنه مجاناً، فإن عفوا عنه كفته التوبة. وبالعفو عنه
يبرأ من العقوبة الدنيوية.
(١) تخريج الفروع على الأصول: ص ٢٠٧ وما بعدها، تفسير آيات الأحكام بالأزهر: ١٣١/٣ وما بعدها،
ط ١٩٥٣، المحرر في الفقه الحنبلي: ٢٥١/٢ وما بعدها .
- ١٧٤ -

وهل يبرأ فيا بينه وبين الله تعالى ؟
استظهر ابن عابدين أن الظلم المتقدم لا يسقط بالتوبة لتعلق حق المقتول به،
فيخاصم القاتل يوم القيامة. وأما ظلم القاتل لنفسه بإقدامه على المعصية، فيسقط
.. (١)
بالتوبة(١).
وقال الإمام النووي وأكثر العلماء: إن ظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في
الآخرة بالعقوبة عن القاتل إذا تاب. فقد دلت أحاديث نبوية على أنه لا يطالب،
من أشهرها الحديث المروي في الصحيحين الذي ذكر فيه توبة القاتل مائة نفس في
الأمم السابقة، وقبول الله توبته(٢).
إسقاط التعازير بالتوبة:
وبمناسبة بحث أثر التوبة في العقوبات المقدرة (الحدود والقصاص)، نتكلم عن
أثر التوبة أيضاً على العقوبات غير المقدرة وهي التعازير.
يظهر مما ذكره الفقهاء في إسقاط الحدود بالتوبة ضرورة التفرقة في التعزيرات
بين حقوق الله وحقوق الأفراد (٣)؛ لأن ضابط التعزير: هو كل من ارتكب منكراً أو
آذى غيره بغير حق بقول أو فعل أو إشارة. فقد يكون التعزير حقاً لله، أو حقاً
للإنسان، أو يشترك فيه الحقان وأحدهما غالب على الآخر.
فإن كان التعزير حقاً خالصاً للإنسان، أو الغالب فيه حقه كالشتم والسب
والمواثبة والضرب بغير حق، والتزوير وشهادة الزور ونحوها مما يتوقف على الادعاء
(١) رد المحتار: ٣٨٩/٥.
رواه أبو سعيد الخدري (راجع رياض الصالحين: ص ١٤، كتاب التوابين لابن قدامة: ص ٨٥ ،
(٢)
ط دمشق ) .
(٣) رد المحتار: ١٩٠/٣، ١٩٨، ٢٠٤ وما بعدها، و٢٠٩، نهاية المحتاج: ١٧٥/٧ ، رسالة التعزير للدكتور عبد
العزيز عامر : ص ٤١، ٤٣٦ - ٤٤١ .
- ١٧٥ -

الشخصي، فلا يسقط بالتوبة، كما لا يسقط بعفو القاضي، إلا أن يصفح المعتدى عليه.
وأما إن كان التعزير حقاً لله تعالى كتعزير مفطر رمضان عمداً بدون عذر،
وتارك الصلاة، وآكل الربا ظاهراً، ومن يحضر موائد الخمر ومجالس الفسق، أو كان
حق الله فيه غالباً کمباشرة امرأة أجنبية فیما دون الجماع، کتقبیل وعناق وخلوة بها
ونحوها، فيسقط بالتوبة، كما يسقط بعفو القاضي.
وهذا التفصيل في الواقع هو رأي الحنفية والشافعية .
ولكن وردت عبارات لبعض الفقهاء يفهم منها بعمومها أن التعزير مطلقاً
يسقط بالتوبة باتفاق الفقهاء.
قال القرافي المالكي: إن التعزير يسقط بالتوبة، ما علمت في ذلك خلافاً(١).
وقال صاحب البحر الزخار الزيدي: يسقط التعزير بالتوبة، ويقرب أنه
إجماع المسلمين الآن، لكثرة الإساءات فيما بينهم، ولم يعلم أن أحداً طلب تعزير من
اعتذر إليه واستغفر، ولا من أقر بأنه قارف ذنباً خفيفاً، ثم تاب منه، ولاستلزامه
تعزير أكثر الفضلاء، إذ لم يخل أكثرهم عن مقارفة ذنب، وظهوره في فعل أو قول(٣).
ولعل المراد من هذه العبارات: التعزير الواجب حقاً لله تعالى؛ لأن الخلاف
بين التعزير والحد هو في حقوق الله تعالى. أما الحقوق الشخصية فلا تسقط إلا
بمسامحة أو إسقاط أصحابها كما هو معروف، فقد قرر الفقهاء أن حقوق الآدميين
لا تسقط بالتوبة ما لم ترد المظالم لأصحابها، كما أنه لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة
صاحبها، ولا يسقطها إلا بإسقاطه(٣).
(١)
الفروق : ١٨١/٤ .
البحر الزخار ، ملخصاً منه : ٢١١/٥ .
(٢)
أحكام القرآن لابن العربي: ٦٠٠/٢، تفسير القرطبي: ٢٠٠/١٨.
(٣)
- ١٧٦ -

ثالثاً - هل الحدود زواجر أم جوابر؟
إن المقصود الأصلي من مشروعية الحدود والتعزيرات هو زجر الناس وردعهم
عن ارتكاب المحظورات وترك المأمورات، دفعاً للفساد في الأرض ومنعاً من إلحاق
الضرر بالأفراد والمجتمعات(١). ولكن الفقهاء اختلفوا في أمر آخر وهو أنه: هل تتكرر
العقوبة على الجاني في الآخرة، مع أن العقوبة استوفيت منه في الدنيا ؟
فقال الحنفية: إن الحدود والتعزيرات شرعت فقط زجراً لأرباب المعاصي من
إفساد العلاقات الزوجية، وإضاعة الأنساب، وإتلاف الأعراض والأموال والعقول
والنفوس، ولا يحصل التطهر من الذنب في الآخرة إلا بتوبة الجاني. واستدلوا بعموم
آيات العقاب التي تدل على أن المذنب يستحق العقاب في النار، مثل قوله تعالى:
﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) ومثل قوله سبحانه في قطاع
الطرق بعد أن ذكر عقابهم المعروف: ﴿ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة
عذاب عظيم﴾ فقد أخبر الله تعالى أن لهم عقوبة دنيوية، وعقوبة أخروية إلا من
تاب، فإن التوبة تسقط عنه العقوبة الأخروية(٢)
وقال أكثر العلماء: إن العقوبات الشرعية فضلاً عن أنها أصلاً للزجر في الدنيا،
تعتبر تبعاً بالنسبة للمسلم جوابر لسقوط عقوبتها في الآخرة، إذا استوفيت في الدنيا،
وفي الكافر زواجر، فإذا نفذت العقوبة على المسلم في الدنيا، فذلك يقيه عذاب
الآخرة، فإذاً يكون الهدف منها مزدوجاً، للحديث السابق: ((الله أعدل من أن يثني
على عبده العقوبة في الآخرة ... )) وفي رواية له: ((من أذنب ذنباً فعوقب به في الدنيا
لم يعاقب به في الآخرة ... )) ولقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم في صحيحه
راجع الأحكام السلطانية للماوردي: ص ٢١٣ ، فتح القدير: ١١٢/٤، تبيين الحقائق للزيلعي: ١٦٣/٣.
(١)
(٢)
فتح القدير، والزيلعي ، المرجعان السابقان ، البحر الرائق : ٣/٥ ، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:
١٥٤/٣، أحكام القرآن للجصاص : ٤١٢/٢ .
الفقه الإسلامي جـ٦ (١٢)
- ١٧٧ -
٢
٠٠

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: ((كنا مع رسول الله ◌َّ في مجلس، فقال:
تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي
حرم الله إلا بالحق، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئاً من ذلك،
فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من ذلك، فستره الله عليه فأمره إلى الله :
إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه))(١).
قاعدة الزواجر والجوابر في الشريعة :
قال العز بن عبد السلام والقرافي وصاحب تهذيب الفروق (٢): الجوابر:
مشروعة لجلب مافات من المصالح. والزواجر مشروعة لدرء المفاسد. والغرض من
الجوابر: جبر مافات من مصالح حقوق الله، وحقوق عباده. ولا يشترط أن يكون
من وجب عليه الجبرآثماً .
ويفرق بينهما من أربعة وجوه :
١ - إن الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة. والجوابر مشروعة لاستدراك
المصالح الفائتة.
٣ - إن معظم الزواجر مقرر على العصاة، زجراً لهم عن المعصية، وزجراً لمن
يقدم بعدهم على المعصية. وقد تكون مع عدم العصيان، كما في تأديب الصبيان
والمجانين، فإنا نزجرهم ونؤديبهم، لالعصيانهم، بل لدرء مفاسدهم واستصلاحهم.
وكقتال البغاة درءاً لتفريق الكلمة، مع عدم التأثيم؛ لأنهم متأولون.
(١) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت (جامع الأصول: ١٦١/١، شرح مسلم
للنووي: ٢٢٣/١١ وما بعدها، القسطلاني شرح البخاري: ٣٨٠/٧، مغني المحتاج: ٣٥٩/٣، ٢/٤، حاشية
البجيرمي على الخطيب الشربيني على المنهاج ، باب الحدود ، الأم للشافعي ، باب الحدود ، الشرح الكبير
للدردير: ١٣٦/٤، قواعد الأحكام العز بن عبد السلام: ١٥٠/١، غاية المنتهى: ٣١٥/٣).
(٢) قواعد الأحكام: ١٥٠/١ وما بعدها، الفروق: ٢١٣/١، تهذيب الفروق: ٢١١/١.
- ١٧٨ -

ومعظم الجوابر تقرر على من لا يكون آثماً، بدليل أنه شرع الجبر في حالات
الخطأ والعمد والجهل والعلم والنسيان والتذكر، وعلى المجانين والصبيان، بخلاف
الزواجر، فإن معظمها لا يجب إلا على عاص زجراً له عن المعصية.
٣ - إن معظم الزواجر إما حدود مقدرة، وإما تعزيرات غير مقدرة، فهي
ليست فعلاً للمزجورين، بل يفعلها الأئمة بهم، وإنما الجوابر فعل لمن خوطب بها .
وقد اختلف في بعض الكفارات: هل هي زواجر، لما فيها من مشاق تحمل
الأموال وغيرها، أو هي جوابر؛ لأنها عبادات لا تصح إلا بنيات، وليس التقرب إلى
الله تعالى زجراً، بخلاف الحدود والتعزيرات، فإنها ليست قربات؛ لأنها ليست فعلاً
للمزجورين كما علم. والظاهر أنها جوابر؛ لأنها عبادات وقربات لا تصح إلا بالنية.
٤ - إن الجوابر تقع في النفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والعبادات
والأموال والمنافع، بخلاف الزواجر، فإنها إنما تقع في الجنايات والمخالفات، ففي بداية
المجتهد لابن رشد (١) : الجنايات التي لها حدود مشروعة خمس:
أحدها: جنايات على الأبدان أو النفوس والأعضاء، وهو المسمى قتلاً وجرحاً.
وثانيها : جنايات على الفروج وهو المسمى زنا وسفاحاً.
وثالثها: جنايات على الأموال، وهذه ما كان منها مأخوذاً بحراب سمي حرابة
إذا كان بغير تأويل، وإن كان بتأويل سمي بغياً. وما كان منها مأخوذاً على وجه
المغافصة (٢) من حرز يسمى سرقة. وما كان منها مأخوذاً بعلو مرتبة وقوة سلطان
سمي غصباً.
ورابعها: جناية على الأعراض، وهو المسمى قذفاً.
(١)
(٢)
انظر حـ ٣٨٧/٢ .
غافصه مغافصة : فاجأه وأخذه على غرة منه .
- ١٧٩ -

وخامسها: جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الشرع من المأكول
والمشروب. وهذه إنما يوجد فيها حد في هذه الشريعة في الخمر فقط، وهو حد متفق
عليه بعد صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه.
وأمثلة الجوابر فيما ذكر هي ما يأتي:
أما جوابر العبادات: فكالتيم مع الوضوء، وسجود السهو للسنن، وجبر
مافات مصلي النوافل من الاتجاه نحو القبلة بالاتجاه جهة السفر أثناء الصلاة، واتجاه
الخائف في صلاة الخوف جهة العدو إذا ألجأته الضرورة إلى ذلك، وجبر الصوم
بالفدية بمد من الطعام في حق الشيخ الكبير، وجبر ارتكاب محظور من محظورات
الحج والعمرة بالصيام، والإطعام، وذبح شاة (وهو النسك). ويلاحظ أن الصلاة
لا تجبر إلا بعمل بدني. والأموال لا تجبر إلا بجابر مالي، والحج والعمرة يجبران تارة
بعمل بدني كالصيام، وتارة يجبران بجابر مالي كذبح النسك والإطعام، والصوم تارة
يجبر بمثله في حق من مات وعليه صيام، وتارة يجبر بالمال كالفدية للشيخ الكبير.
وأما جوابر المال : فالأصل رد الحقوق بأعيانها عند الإمكان. فإذا ردها كاملة
الأوصاف برئ من عهدتها، وإن ردها ناقصة الأوصاف، جبر أوصافها بالقيمة؛ لأن
الأوصاف ليست من الأموال المثلية.
وأما المنافع فنوعان: أحدهما - منفعة محرمة كمنافع الملاهي والفروج المحرمة
واللمس والمس والتقبيل والضم المحرم، فلا تجبر احتقاراً لها، كما لا تجبر الأعيان النجسة
لحقارتها .
والثاني - أن تكون المنفعة مباحة متقومة، فتجبر في العقود الفاسدة والصحيحة
وفي حالة التلف في يد معتد عليها كالغاصب؛ لأن الشرع قد قومها ونزلها منزلة
الأموال، فلا فرق بين جبرها بالعقود كالإيجارات، وجبرها بالتلف والإتلاف ومنع
صاحبها عن الانتفاع بها؛ لأن المنافع هي الغرض الأظهر من جميع الأموال، فمن
- ١٨٠ -
فقه الإسلام وأدلته — pages 161-180 | ScribeTools Library