النص المفهرس

صفحات 121-140

وقال مالك: يقطع لعموم الكتاب (١) أي عموم الآية القرآنية الدالة على وجوب
قطع أي سارق .
٨- ألا يكون السارق مأذوناً له بالدخول في الحرز، أو فيه شبهة
الإذن :
إذا سرق إنسان من ذوي الرحم المحرم(٣)، أو من زوجه، فلا تقطع يده؛ لأنه
يدخل عادة بدون إذن، وجرت العادة بالتبسط بين الزوجين في الأموال، فكان له
شبهة الإذن، فيختل معنى توفر الحرز، وهذا شرط متفق عليه في الجملة.
وكذلك لاقطع على خادم قوم سرق متاعهم، ولا على ضيف سرق متاع
مضيفه، ولا على أجير سرق من موضع أذن له في دخوله؛ لأن الإذن في الدخول
أخرج الموضع من أن يكون حرزاً في حقه(٣). وهذا متفق عليه في المذاهب الأربعة،
إلا أن الإمام مالك اشترط في الخادم حتى يدرأ عنه الحد أن يلي الخدمة بنفسه.
ووافق الإمام أحمد أبا حنيفة في رواية عنه في ألا قطع بالسرقة من أحد
الزوجين .
وقال الشافعي في الأظهر: يجب القطع في السرقة من الأقارب وأحد الزوجين
من الآخر، ما عدا قرابة الأصل والفرع، إذا سرق المال المحرز عنه، لعموم آية السرقة
فتح القدير: ٢٣٥/٤، المغني: ٢٧٧/٨، غاية المنتهى : ٣٤١/٣، المهذب: ٢٨١/٢، المبسوط: ١٨٨/٩، حاشية
(١)
ابن عابدين على الدر المختار: ٢٢٠/٣، مغني المحتاج: ١٦٣/٤ ويلاحظ أن الشافعية تفصيلاً رجحه النووي في
السرقة من بيت المال ، فقال : ومن سرق مال بيت المال : إن فرز لطائفة كذوي القربى والمساكين ، ليس هو
منهم ، قطع إذ لا شبهة له في ذلك ، وإن لم يفرز لطائفة فالأصح أنه إن كان له حق في المسروق كمال المصالح
العامة وكصدقة وهو فقير مثلاً ، فلا يقطع ، وإن لم يكن له فيه حق ، قطع لانتفاء الشبهة .
(٢)
ذو الرحم المحرم من الشخص: هو الذي لو كان أحدهما رجلاً ، والآخر امرأة ، لم يجز له أن يتزوجها من أجل
الرحم التي بينهما .
البدائع: ٧٠/٧، ٧٥، المبسوط: ١٥١/٩، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٢٠/٣، ٢٢٢، الدر المختار: ٢٢١/٣،
(٣)
المهذب : ٢٨٠/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٥٩ .
٠٠
- ١٢١ -

والأخبار الواردة فيها، وإلحاقاً للقرابة القريبة، كالأخت والعمة بالقرابة البعيدة،
ولأن النكاح عقد على منفعة، فلا يؤثر في درء الحد، كالإجارة لا يسقط بها الحد عن
الأجير أو المستأجر إذا سرق أحدهما من الآخر المال المحرز عنه(١). ووافق الإمام مالك
الشافعي في القطع بالسرقة بين الزوجين، والمعقول هو الرأي الأول، لوجود التسامح
في أخذ المال عادة بين الأقارب .
٩ - أن يكون المسروق مقصوداً بالسرقة لا تبعاً المقصود:
فلو سرق إنسان كلباً أو هراً في عنقه طوق ذهب أو فضة، أو مصحفاً مرصعاً
بالذهب والياقوت، أو سرق صبياً حراً عليه حلي أو ثياب ديباج، أو إناء من ذهب
أو فضة فيه شراب أو ماء أو طعام: لا يجب القطع عند أبي حنيفة ومحمد وأحمد وفي
وجه للشافعية؛ لأن المقصود بالسرقة هو الكلب أو الصبي، والطعام وغيره تابع له،
وإذا كان الأصل المقصود لا يجب فيه القطع لقصور في ماليته، فلا يجب بالتابع.
وقال أبو يوسف وفي وجه آخر للشافعية : ليس هذا بشرط ؛ لأنه قصد سرقة
ما عليه من مال، ولأن الطعام الذي في الإناء، ونحوه، إذا كان مما لا يقطع فيه،
التحق بالعدم، فيعتبر أخذ الإناء على الانفراد، فيقطع فيه(٢)، ويظهر لي أن هذا هو
المعقول، لولا وجود الشبهة في اشتمال السرقة على ما يقطع من أجله وما لا يقطع.
(١) مغني المحتاج: ١٦٢/٤. ويلاحظ أن الشافعية نبهوا على أن وجوب قطع يد الزوجة بالسرقة من مال زوجها:
هو فيما إذا لم تستحق على الزوج شيئاً حين السرقة ، أما إذا كانت تستحق النفقة والسكنى في تلك الحالة ،
فالمتجه أنه لاقطع إذا أخذت بقصد الاستيفاء كما في حق رب الدين الحال إذا سرق نصاباً من المديون . وربما
كان الإمام الشافعي في الام (١٣٩/٦) أميل لعدم القطع مطلقاً بسبب الشبهة. وقال الإمام مالك (الموطأ:
٥٢/٣ ): إذا سرق أحد الزوجين من حرز يختص به الآخر كأن كان في بيت لا يسكنان معاً فيه ، أو سرق
شيئاً أحرزه عنه ، يقطع . وعن الإمام أحمد روايتان في ذلك ( المغني: ٢٨٦/٨ ) : احداهما - لا قطع عليه
كمذهب أبي حنيفة ، والثانية - يقطع كمذهب مالك .
(٢)
البدائع : ٧٩/٧ ، المهذب : ٢٨١/٢ .
- ١٢٢ -

شروط المسروق منه :
يشترط في المسروق منه أن تكون له يد صحيحة، واليد الصحيحة ثلاثة أنواع:
١ - يد الملك.
٢ - يد الأمانة، كيد الوديع والمستعير ويد الشريك المضارب.
٣ - يد الضمان، كيد الغاصب ويد القابض على سوم الشراء، ويد المرتهن.
فيجب القطع على السارق من هؤلاء. ولا يجب القطع على السارق من
السارق؛ لأن يد السارق ليست بيد صحيحة، فكان الأخذ منه كالأخذ من
الطريق(١).
شروط المسروق فيه :
المسروق فيه: هو مكان السرقة. يشترط أن تكون السرقة في دار العدل، فلو
سرق في دار الحرب أو في دار البغي : لا يقطع؛ لأنه لاولاية للإمام على غير دار
العدل، فلم تنعقد السرقة موجبة للقطع (١).
المبحث الثالث - إثبات السرقة :
تثبت السرقة عند القاضي بأحد أمرين : البينة أو الإقرار.
شروط البينة:
يشترط لقبول البينة شروط عامة تعرف في باب الشهادات، وشروط خاصة في
الحدود والقصاص، وهي(٣) :
٠٠
(١)
المرجع السابق: ص ٨٠ .
(٢)
المرجع السابق .
المبسوط: ١٦٩/٩، فتح القدير: ٢٢٣/٤، ٢٥٢، البدائع: ٨١/٧، تبيين الحقائق: ٢١٣/٣ ، حاشية ابن
(٣)
عابدين: ٢١٣/٣، غاية المنتهى : ٣٤٢/٣ .
- ١٢٣ -

١ - الذكورة: فلا تقبل فيها شهادة النساء.
٢ - العدالة: فلا تقبل فيها شهادة الفساق.
٣ - الأصالة: فلا تقبل فيها الشهادة على الشهادة، لوجود الشبهة .
٤ - عدم تقادم العهد، إلا في حد القذف والقصاص: فلو شهدوا بالسرقة بعد
حين، لم تقبل شهادتهم، للشبهة .
٥ - الخصومة أو الدعوى ممن له يد صحيحة : بأن كان صاحب ملك أو صاحب
يد أمانة، أو يد ضمان، كما بينا سابقاً. فلو شهدوا أنه سرق مال فلان الغائب من غير
خصومة من المسروق منه، لم تقبل شهادتهم، ولكن يحبس السارق؛ لأن إخبارهم
أورث تهمة، ويجوز الحبس بالتهمة.
ويلاحظ أن حق الخصومة ثابت لمن له يد صحيحة في حق ثبوت ولاية استرداد
المسروق وإعادته إلى أيديهم، وفي حق القطع عند جمهور الحنفية؛ لأن يد المالك أو
الأمين أو الضامن يد صحيحة، والخصومة مظهرة للسرقة، وإذا ظهرت السرقة
بخصومة هؤلاء يقطع السارق، لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديها﴾.
وقال زفر: لا تعتبر خصومة غير المالك في حق القطع، ولا يقطع السارق
بخصومة الأمين أو الضامن؛ لأن يد غير المالك ليست بيد صحيحة في الأصل، وإنما
تثبت لهم ولاية الخصومة لإمكان الرد إلى المالك، فكان ثبوتها لهم بطريق الضرورة،
والثابت بالضرورة يكون عدَماً فيما وراء محل الضرورة، لانعدام علة الثبوت، وهي
الضرورة .
وأما السارق الأول فلا تعتبر خصومته باتفاق الحنفية في حق القطع بالنسبة
للسارق الثاني بالاتفاق؛ لأن يده ليست يد ملك، ولا يد ضمان، ولا يد أمانة، فصار
الأخذ من يده كالأخذ من الطريق. وأما في حق الاسترداد ففيه روايتان: رواية
- ١٢٤ -

تقرر أن للسارق الأول الاسترداد، إذ من الجائز أن يختار المالك الضمان، ويترك
القطع، فيحتاج إلى أن يسترد المسروق من السارق الثاني، ليدفعه إلى المالك،
فيتخلص من الضمان. ورواية: ليس له الاسترداد، إذ ليس له يد صحيحة(١).
ويلاحظ أن مذهب الشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين كالحنفية في افتقار
حد القطع إلى مطالبة المسروق منه؛ لأن المغلب عندهم في القطع حق المخلوق(٢).
وقال مالك: إنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق منه صيانة لحق المجتمع، ومحافظة
على أموالهم(٣).
ولا تثبت السرقة عند القاضي بالنكول عن الحلف من المدعى عليه، ولا تثبت
أيضاً بعلم القاضي، في زمان القضاء أو قبله.
شروط الإقرار:
تظهر السرقة عند القاضي بالإقرار؛ لأن الإنسان غيرمتهم في الإقرار على نفسه
بالإضرار بها. ويكفي لوجوب القطع الإقرار مرة واحدة عند أبي حنيفة ومحمد
وجمهور العلماء.
وقال أبو يوسف والحنابلة: لا يقطع إلا بالإقرار مرتين، كما أن عدد الشهود
اثنان .
ويشترط عند أبي حنيفة ومحمد إقامة دعوى من المسروق منه، فإذا أقر السارق
أنه سرق مال فلان الغائب لم يقطع، ما لم يحضر المسروق منه ويخاصمه، كما هو المقرر
في البينة .
انظر البدائع: ٨٣/٧ - ٨٤، فتح القدير: ٢٥٥/٤ وما بعدها ، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٢٨/٣.
(١)
(٢)
المهذب: ٢٨٢/٢ وما بعدها، المغني: ٢٧٣/٨، غاية المنتهى : ٣٤٢/٣.
بداية المجتهد : ٤٤٣/٢ .
(٣)
- ١٢٥ -

وقال أبو يوسف: الدعوى في الإقرار بالسرقة ليست بشرط لوجوب القطع؛
لأن الإنسان غير متهم على نفسه(١).
المبحث الرابع - ما يسقط الحد بعد وجوبه :
يسقط الحد بأنواع هي(٣) :
١ - تكذيب المسروق منه السارق في إقراره بالسرقة، بأن يقول له: لم تسرق
مني.
٢- تکذیب المسروق منه بينته، بأن یقول: شهد شهودي بزور.
٣ - رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة، فلا يقطع، ويضمن المال؛ لأن الرجوع
عن الإقرار يقبل في الحدود، ولا يقبل في المال؛ لأنه يورثَ شبهة في الإقرار، والحد
يسقط بالشبهة، ولا يسقط المال.
٤ - رد السارق المسروق إلى مالكه قبل المرافعة في السرقة عند أبي حنيفة ومحمد،
وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. وفي رواية أخرى عنه: إن الرد قبل المرافعة
لا يسقط الحد؛ لأن السرقة انعقدت موجبة للقطع، فرد المسروق بعدئذ لا يخل
بالسرقة الموجودة .
5
ودليل الطرفين: أن الخصومة شرط لظهور السرقة عند القاضي، ولما رد
المسروق على المالك، فقد بطلت الخصومة، بخلاف ما بعد المرافعة؛ لأن المطلوب هو
وجود الخصومة لا استمرارها. وعلى هذا، رد المسروق بعد المرافعة وسماع البينة:
لا يسقط القطع، سواء أكان الرد قبل القضاء أم بعده.
المراجع السابقة عند الحنفية، المبسوط:١٨٢/٩، المهذب: ٢٨٢/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٦١ ، غاية
(١)
المنتهى : ٣٤٢/٣.
(٢)
البدائع : ٨٨/٧ وما بعدها ، فتح القدير: ٢٥٥/٤ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٢٩/٣ وما بعدها .
- ١٢٦ -

٥ - ملك السارق المال المسروق قبل رفع الأمر إلى القضاء بلا خلاف، فإن
ملكه بعدئذ قبل إمضاء الحكم، فاختلف فيه الفقهاء: فقال أبو حنيفة ومحمد: يسقط
الحد، كما إذا وهب أو باع المسروق منه المال المسروق للسارق قبل القضاء أو بعده
قبل إصدار الحكم.
وقال أبو يوسف والشافعي وأحمد ومالك: إذا وهبه بعد القضاء أي بعد ما رفع
إلى الحاكم، لم يسقط القطع، لما روي أن النبي ◌ُ تلٍ أمر في سارق رداء صفوان أن تقطع
يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله لاقٍ: «فهلا قبل
أن تأتيني به؟))(١).
ودليل الطرفين: أن الملك في الهبة يثبت من وقت القبض، فيظهر الملك له من
ذلك الوقت، أي أن له أثراً رجعياً. وكون المسروق ملكاً للسارق على الحقيقة أو مع
الشبهة، يمنع من القطع، ولهذا لم يقطع قبل القضاء، فكذلك بعده؛ لأن القضاء في
باب الحدود إمضاؤها، فما لم يمض الحد (أي ينفذ فعلاً بأن يقام على المحدود)، فكأنه لم
يقض. ولو كان لم يقض لا يقطع، فكذلك إذا لم يمض أي لم ينفذ الحد، أي أنهم
اعتبروا الحد قبل استيفائه، كما لو كان قبل القضاء به.
(١) المهذب: ٢٨٢/٢، البدائع المرجع السابق: ص ٨٩، غاية المنتهى: ٣٢٧/٣ ، المنتقى على الموطأ: ١٦٢/٧،
والحديث رواه أصحاب السنن من حديث ابن عباس .
- ١٢٧ -

الفصل الرابع
حَدّ الحرابة أو قطع الطريق، وحكم البغاة
تمهيد :
هذا هو الحد الرابع من أنواع الحدود، ونتكلم فيه عن حكم البغاة لوجود التشابه
بين جريمتي قطع الطريق والبغي ، فقطاع الطرق: هم محاربون على غير التأويل،
والبغاة محاربون على التأويل.
وقد ألحق الحنفية حد الحرابة بحد السرقة؛ لأن قطع الطريق يسمى سرقة
كبرى، إلا أنه ليس بسرقة مطلقة، فإن السرقة هي الأخذ خفية كما يتبادر إلى
الذهن، وإنما يطلق عليه اسم السرقة مجازاً بسبب الإخفاء عن الإمام أو عن حراسه
لحفظ الطريق.
فيسمى سرقة بسبب أخذ المال سراً عن الحارس أو الإمام، وتسميتها ((كبرى))؛
لأن فيه ضرراً على أصحاب الأموال وعامة الناس، ولذا غلظ الحد فيه، وخفف في
السرقة العادية المسماة بالسرقة الصغرى؛ لأن ضررها يخص الملاك بأخذ مالهم وهتك
(١)
حرزم(١).
والكلام على حد الحرابة يكون في المباحث الخمسة الآتية:
المبحث الأول- تعريف قطاع الطرق أو المحاربين، وركن قطع الطريق.
(١) فتح القدير مع العناية بحاشيته : ٢٦٨/٤ .
- ١٢٨ -

المبحث الثاني - شروط قطع الطريق.
المبحث الثالث - إثبات قطع الطريق.
المبحث الرابع - أحكام قطاع الطرق.
المبحث الخامس - ما يسقط حكم القطع، وما يترتب على عدم وجوب الحد. ثم
نتكلم عن تعريف البغاة وأحكامهم .
المبحث الأول - تعريف قطاع الطرق وركن قطع الطريق :
قاطع الطريق أو المحارب: هو كل من كان دمه محقوناً قبل الحرابة وهو
المسلم أو الذمي. والأصل في مشروعية حد قطع الطريق هو قوله تعالى: ﴿إنما جزاء
الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبُوا، أو
تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾ (المائدة: ٣٣).
وقد اتفق العلماء على أن من قتل وأخذ المال، وجب إقامة الحد عليه، ولا
يسقط العقاب بعفو ولي المقتول، والمأخوذ منه المال، خلافاً للقتل العادي.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم(١).
فالحرابة إذاً: هي كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستعانة
.(٢)
عادة(٢).
ركن قطع الطريق :
ركنه: هو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة
عن المرور وينقطع الطريق، سواء أكان القطع من جماعة أم من واحد، بعد أن
(١) الميزان: ١٦٨/٢، بداية المجتهد: ٤٤٥/٢، حاشية الدسوقي: ٣٥٠/٤، المهذب: ٢٨٤/٢، مغني المحتاج:
١٨٣/٤، المغني : ٢٩٠/٨ .
(٢) تبصرة الحكام في أصول الأقضية والأحكام لابن فرحون : ٢٧١/٢ .
- ١٢٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٩)

يكون له قوة القطع، وسواء أكان القطع بسلاح أم غيره من العصا والحجر والخشب
ونحوها، وسواء أكان بمباشرة الكل، أم التسبب من البعض بالإعانة والأخذ؛ لأن
القطع يحصل بكل ما ذكر كما في السرقة، ولأن هذا من عادة قطاع الطرق (١). وبه
يظهر أن قطاع الطرق قوم لهم منعة وشوكة، بحيث لا تمكن للمارة مقاومتهم،
يقصدون قطع الطريق ، بالسلاح أو بغيره.
المبحث الثاني - شروط قطع الطريق :
هناك شروط في القاطع، والمقطوع عليه، وفيهما معاً، وفي المقطوع له، وفي
المقطوع فيه .
شروط القاطع:
يشترط في القاطع أن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان صبياً مجنوناً لاحد عليهما؛
لأن الحد عقوبة تستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية.
ويشترط أيضاً أن يكون ذكراً في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ولو كان بين
القطاع امرأة لا يقام الحد عليها في الرواية المشهورة؛ لأن ركن القطع وهو (الخروج
على المارة على وجه المحاربة والمغالبة) لا يتحقق من النساء عادة، لرقة قلوبهن
وضعف بنيتهن، فلا يكنَّ من أهل الحرب .
وقال الطحاوي: النساء والرجال في قطع الطريق سواء؛ لأن هذا حد يستوي
في وجوبه الذكر والأنثى كسائر الحدود. وسيأتي بيان المذاهب الأخرى.
وأما الرجال الذين مع المرأة، فلا يقام عليهم الحد عند أبي حنيفة ومحمد، سواء
البدائع: ٩٠/٧ وما بعدها، فتح القدير: ٢٦٨/٤، المبسوط : ١٩٥/٩.
(١)
والمحارب عند المالكية : هو الذي شهر السلاح وقطع الطريق وقصد سلب الناس ، سواء أكان في مصر أو
قفر. ومن دخل داراً بالليل وأخذ المال بالكره ، ومنع من الاستغاثة ، فهو محارب ، والقاتل غيلة محاربٍ ،
ومن كان معاوناً للمحاربين كالكمين والطليعة فهو في حكم المحارب عندهم ( القوانين الفقهية: ص ٣٦٢)
- ١٣٠ -
٠٠

و
باشروا معها أو لم يباشروا؛ لأن سبب وجوب الحد شيء واحد، وهو قطع الطريق،
وقد حصل ممن يجب عليه، ومن لا يجب عليه، فلا يجب أصلاً كما إذا كان فيهم صبي أو
مجنون .
وفرق أبو يوسف بين الصبي وبين المرأة، فقال: إذا باشر الصبي لاحد على من لم
یباشر من المكلفین .
وإذا باشرت المرأة يحد الرجال؛ لأن امتناع وجوب الحد على المرأة ليس لعدم
الأهلية؛ لأنها من أهل التكليف، بل لعدم المحاربة منها، أو نقصانها عادة، وهذا لم
یوجد في الرجال، فلا يمتنع وجوب الحد علیھم(١).
ولم يفرق الجمهور بين الرجل والأنثى، فيقام حد الحرابة على جميع المكلفين
الملتزمين ولو أنثى، الذين يعرضون للناس بسلاح أو غيره، فيغصبون مالاً محترماً
(٢)
مجاهرة(٣).
الله تعالى
و
شروط المقطوع عليه :
يشترط في المقطوع عليه أمران :
١ - أن يكون مسلماً أو ذمياً: فإن كان حربياً مستأمناً، لاحد على القاطع؛ لأن
عصمة مال المستأمن ليست عصمة مطلقة، وإنما فيها شبهة الإباحة.
٢ - أن تكون يده صحيحة: بأن كانت يد ملك أو يد أمانة أو يد ضان، فإن لم
تكن كذلك كيد السارق، لم يجب الحد على القاطع(٣).
البدائع : ٩١/٧ ، المبسوط : ١٩٧/٩ ، مختصر الطحاوي: ص ٢٧٧ .
(١)
غاية المنتهى : ٣٤٤/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٦٢، المهذب: ٢٨٤/٢ .
(٢)
البدائع ، المرجع السابق .
(٣)
- ١٣١ -

شروط القاطع والمقطوع عليه جميعاً:
يشترط ألا يكون في القطاع ذو رحم محرم من المقطوع عليهم، فإن كان أحدهم
ذا رحم من المقطوع عليهم لا يجب الحد على القطاع؛ لأنه يوجد بينهم قريب
للمقطوع عليهم. والسبب في منع الحد: هو أنه يكون عادة بين هذا القريب وبين
المقطوع عليه تبسط في المال والحرز، لوجود الإذن بالتناول عادة.
وقد اختلف الحنفية مع بقية المذاهب في هذا الشرط، وفي اشتراط الذكورة في
القاطع، وفي اشتراك الصبي أو المجنون مع القطاع.
فقال الحنفية كما بينا: يشترط كون القطاع كلهم أجانب مكلفين ذكوراً، حتى
إذا كان أحدهم ذا رحم محرم أو صبياً أو مجنوناً، لا يجب عليهم القطع عند أبي حنيفة
ومحمد؛ لأن الحد عقوبة، فتستدعي جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه
جناية، كما سبق بيانه، وأما المرأة: فلا يتحقق منها قطع الطريق لضعفها.
وقال أبو يوسف: العبرة بمباشرة القطع، فإذا باشرت المرأة القطع حد الرجل كما
بينا، ولا تحد المرأة، فإن قتلت أحداً تقتل قصاصاً، لا حداً، فيجوز لولي القتيل
العفو عن القصاص.
وإذا باشر الصبي أو المجنون القطع لا يحد أحد، وإن كانت المباشرة من غيرهما،
فيحد العقلاء البالغون، ولا يحد الصبي أو المجنون. ودليله ن القطع هو الأصل في
قطع الطريق، والإعانة كالتابع، فإذا وليه الصبي، فقد أتى بالأصل، فإذا لم يجب
القطع بالأصل، فكيف يجب بالتابع، فإذا وليه البالغ فقد حصل الأصل منه(١).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا يسقط حد القطع عن قطاع الطرق إذا
كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه؛ لأن وجود هؤلاء شبهة اختص
(١) البدائع: ٦٧/٧، ٩١، فتح القدير: ٢٧٣/٤، تبيين الحقائق: ٢٣٩/٣، المبسوط: ٢٠٣/٩.
- ١٣٢ -

بها واحد، فلم يسقط الحد عن الباقين، كما لو اشتركوا في وطء المرأة. وعلى هذا فلا حد
على الصبي والمجنون وإن باشر القتل وأخذ المال؛ لأنها ليسا من أهل الحدود، وعليهما
ضمان ما أخذا من المال في أموالهما، ودية قتيلهما على عاقلتها، أي أقاربها من
العصبات.
وأما المرأة إذا كانت مشتركة مع القطاع، فيثبت في حقها حكم المحاربة؛ لأنها
تحد في السرقة، فيلزمها حكم المحاربة كالرجل، وتقتل حداً إن قتلت، وأخذت
المال(١).
حكم الردء:
واختلف العلماء أيضاً في الردء، أي العون:
فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: إذا اجتمع محاربون، فباشر بعضهم القتل
والأخذ، وكان بعضهم ردءاً، كان للردء حكم المحاربين في جميع الأحوال، اكتفاء
بوجود المحاربة، سواء باشر بعضهم القتل أم لم يباشر(3).
وقال الشافعية: لا يجب على الردء بأن كثّر جمعهم فقط، ولم یزد على ذلك، غير
التعزير بالحبس والتغريب ونحوهما؛ لأن المدار في المحاربة على المباشر، لاعلى من
کان ردءاً له(٣).
شروط المقطوع له :
المقطوع له: أي من أجله وهو المال: يشترط فيه نفس الشروط التي ذكرناها في
المسروق، وموجزها: أن يكون المأخوذ مالاً، متقوماً، معصوماً، ليس لأحد فیه حق
حاشية الدسوقي: ٣٤٨/٤، مغني المحتاج: ١٨٠/٤، الميزان: ١٦٩/٢، المغني: ٢٩٧/٨ .
(١)
(٢)
المراجع السابقة ، فتح القدير: ٢٧١/٤ ، القوانين الفقهية : ص ٣٦٢ .
مغني المحتاج : ١٨٢/٤، المهذب : ٢٨٥/٢ .
(٣)
- ١٣٣ -

الأخذ، ولا تأويل التناول، ولا تهمة التناول، مملوكاً لا ملك فيه للقاطع، ولا تأويل
الملك، ولا شبهة الملك، محرزاً مطلقاً، ليس فيه شبهة الإباحة، نصاباً كاملاً: عشرة
دراهم، أو مقدراً بها، لكل من القاطعين(١).
شروط المقطوع فيه :
المقطوع فيه وهو المكان، يشترط فيه ثلاثة شروط :
١ - أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب لا يجب
الحد، لعدم ولاية الإمام في دار الحرب، فلا قدرة له على إقامة الحد.
٢- أن يكون القطع عند متقدمي الحنفية خارج المصر. واختلف العلماء في
تحقق قطع الطريق في داخل المصر. فقال أبو حنيفة ومحمد: لا يثبت حكم القطع إلا
أن يكون خارج المصر؛ لأن القطع لا يحصل بدون الانقطاع، والطريق لا ينقطع في
الأمصار وفيما بين القرى؛ لأن الناس يغيثون المقطوع عليه في كثير من الأحيان،
فكان القطع في المصر بالغصب أشبه، فعليه التعزير ورد ما أخذ من مستحقه، وهذا
أخذ بمقتضى الاستحسان(٢). وهو ظاهر الرواية عند الحنفية، لكن المفتى به خلافه كما
سنبین .
وقال أبو يوسف والمالكية والشافعية والحنابلة: يثبت حكم قطع الطريق
داخل المصر، وخارجه على حد سواء. استدل أبو يوسف بمقتضى القياس: وهو أن
سبب وجوب الحد قد تحقق وهو قطع الطريق، فيجب الحد، کما لو کان في غير مصر.
قال ابن عابدين: أفتى المشايخ برواية أبي يوسف التي تقتضي بأن الحرابة تقع في
المصر ليلاً أو نهاراً بسلاح أو بدونه دفعاً لشر المتغلبة المفسدين(١).
(١)
البدائع : ٩٢/٧ .
(٢)
المرجع السابق ، المبسوط : ٢٠١/٩ ، الهداية مع فتح القدير : ٢٧٤/٤
(٣)
رد المحتار: ٢٣٢/٣، وانظر أيضاً: ٨١٥/١ .
- ١٣٤ _

واستدل الجمهور بنحوه، فقالوا : إن محاربة شرع الله عز وجل وتعدي حدوده
لا يختلف تحريمها بكونها خارج المصر، أو داخله كغيرها من سائر المعاصي من زنا
وشرب خمر وغيرهما (١).
إلا أن الشافعية قالوا: يشترط في قاطع الطريق أن يكون له شوكة، أي قدرة
وقوة مغالبة لغيره، ولا يشترط العدد. والمغالبة: إنما تتأتى بالبعد عن العمران،
بحيث لو قال الشخص: يا غوثاه، أغاثه الناس، وتوجد المغالبة في المصر أيضاً حال
ضعف السلطان .
٣ - أن يكون بينهم وبين المصر مسيرة سفر، فإن كان أقل منه لم يكونوا قطاع
طرق، وهذا الشرط عند أبي حنيفة ومحمد، وأما عند أبي يوسف فليس بشرط. وقد
بينا في الشرط السابق دليل كل منهم(٢) وأن المفتى به هو رأي أبي يوسف.
المبحث الثالث - إثبات قطع الطريق :
يثبت قطع الطريق عند القاضي، إما بالبينة، وإما بالإقرار، بعد خصومة
صحيحة أي (رفع الدعوى ممن له يد صحيحة)، ولا يثبت بعلم القاضي، ولا
بالنكول (٣)، على حسب ما ذكرنا في السرقة. ويشترط عند الحنابلة وأبي يوسف
5
تكرار الإقرار مرتین(٤) .
المبحث الرابع - أحكام قطاع الطرق (عقوباتهم):
اختلف العلماء في عقوبة قطع الطريق، هل العقوبات المذكورة في آية المحاربة
على التخيير، أو مرتبة على قدر جناية المحارب.
حاشية الدسوقي: ٣٤٨/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٦٢، بداية المجتهد: ٤٤٥/٢، مغني المحتاج: ١٨١/٤،
(١)
المغني : ٢٨٧/٨، المهذب : ٢٨٤/٢ .
(٢)
البدائع : ٩٢/٧ .
: المرجع السابق : ص ٩٣ ، والنكول : استنكاف الخصم عن حلف اليمين الموجهة إليه من القاضي .
(٣)
غاية المنتهى : ٣٤٤/٣ .
(٤)
- ١٣٥ -

فقال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن حد قطاع الطريق على الترتيب المذكور
في الآية الكريمة السابق ذكرها؛ لأن الجزاء يجب أن يكون على قدر الجناية،
ولكنهم اختلفوا في كيفية الترتيب:
فقال الحنفية: إن أخذوا المال، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ وإن قتلوا
فقط قتلوا؛ وإن قتلوا وأخذوا المال كان الإمام بالخيار: إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم
من خلاف، ثم قتلهم، أو صلبهم، وإن شاء لم يقطع، وإنما يقتل أو يصلب.
وإن أخافوا الطريق فقط دون قتل، ولا أخذ للمال، ينفوا من الأرض، أي
يحبسوا ويعزروا (١).
وما ذكرناه في الصورة الثالثة وهو (القتل وأخذ المال) هو رأي أبي حنيفة
وزفر.
وقال الصاحبان: يقتل الإمام القاطع أو يصلبه، ولكن لا يقطعه؛ لأن
الجناية وهي قطع الطريق واحدة، فلا توجب حدين، ولأن مادون النفس في
الحدود يدخل في النفس كحد السرقة والرجم إذا اجتمعا كما سنبين، فيقام حد الرجم
فقط .
ورد أبو حنيفة وزفر على ذلك بأن هذه الجناية وإن كانت واحدة، فإن القطع
والقتل أيضاً عقوبة واحدة، ولكنها مغلظة لتغلظ سببها، حيث إن قطع الطريق
يخل بالأمن على النفس والمال معاً.
وقال الشافعية والحنابلة: إن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من
خلاف، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا.
(١) المبسوط: ١٩٥/٩، البدائع: ٩٣/٧، فتح القدير: ٢٧٠/٤، تبيين الحقائق: ٢٣٥/٣، مختصر الطحاوي :
ص ٢٧٦ ، حاشية ابن عابدين : ٢٣٣/٣ وما بعدها .
- ١٣٦ -

وإن قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا.
وإن أخافوا، ينفوا من الأرض(١).
ودليلهم على هذا الترتيب: ما روي عن ابن عباس من قصة أبي بُرْدة الأسلمي
بهذه الكيفية(٢). فهم يخالفون الحنفية في الصورة الثالثة فقط.
وقال الإمام مالك(٣): الأمر في عقوبة قطاع الطرق راجع إلى اجتهاد الإمام
ونظره ومشورة الفقهاء بما يراه أتم للمصلحة وأدفع للفساد، وليس ذلك على هوى
الإمام.،
١ - فإن أخاف القاطع السبيل فقط كان الإمام مخيراً بين قتله أو صلبه أو قطعه
من خلاف أو نفيه وضربه، على التفصيل الآتي :
فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير والقوة، فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه؛
لأن القطع لا يدفع ضرره. وإن كان لا رأي له، وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من
خلاف. وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر عقاب فيه وهو
الضرب والنفي .
٢ - وأما إذا قتل، فلا بد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه، ولا في نفيه،
وإنما التخيير في قتله أو صلبه .
المهذب : ٢٨٤/٢، مغني المحتاج: ٨١/٤ وما بعدها ، المغني: ٢٨٨/٨ ، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص ٧٨ .
(١)
(٢)
هذا أثر عن ابن عباس رواه الشافعي في مسنده وفي إسناده إبراهيم بن محمد أبي يحيى ، وهو ضعيف ، وأخرجه
البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ) الآية، ورواه أحمد بن
حنبل في تفسيره عن أبي معاوية عن حجاج عن عطية به نحوه. قال الشافعي: (( واختلاف حدودهم باختلاف
أفعالهم على ماقال ابن عباس إن شاء الله)) (راجع التلخيص الحبير: ص ٣٥٨ وما بعدها ، نيل الأوطار:
١٥٢/٧ ) .
(٣)
المنتقى على الموطأ: ١٧٢/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٦٣.
- ١٣٧ -

٣ - وأما إن أخذ المال، فلم يقتل، فالإمام مخير بين قتله أو صلبه أو قطعه أو
نفيه، يفعل مما ذكر ما يراه نظراً ومصلحة ولا يحكم فيه بالهوى.
ودليله: أن حرف ((أو)) المذكور في آية المحاربة يقتضي التخيير، مثل قوله
تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم،
أو تحرير رقبة﴾(١).
ويلاحظ أن الجمهور قالوا: إن ((أو)) للتنويع، فتكون العقوبة بحسب نوع
الجنایة کما بینا.
كيفية الصلب ووقته ومدته :
قال أبو يوسف والكرخي وهو الأصح في مذهب الحنفية، والراجح عند
المالكية أيضاً: يصلب قاطع الطريق حياً، على خشبة تغرز في الأرض، بأن يربط
جميعه بها بعد وضع قدميه على خشبة عريضة من الأسفل، وربط يديه على خشبة
عريضة من الأعلى. ثم يقتل مصلوباً قبل نزوله بأن يطعن بالحربة؛ لأن الصلب
عقوبة مشروعة تغليظاً، وإنما يعاقب الحي، أما الميت فليس من أهل العقوبة.
وليس صلبه من قبيل المثلة المنهي عنها؛ لأن المراد بها قطع بعض الجوارح(٣).
وقال أشهب من المالكية والشافعية والحنابلة والطحاوي من الحنفية: الصلب
يكون بعد القتل؛ لأن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظاً، وفي صلبه حياً
تعذيب له وتمثيل به(٢)، وقد نهى النبي ◌ُ ◌ّ عن المثلة وعن تعذيب الحيوان، فقال:
راجع حاشية الدسوقي : ٣٤٩/٤، بداية المجتهد: ٤٤٥/٢ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص ٣٦٣ .
(١)
(٢)
المبسوط: ١٩٦/٩، فتح القدير: ٢٧١/٤، البدائع: ٩٥/٧ ، والمراجع السابقة في أحكام القطاع .
(٣)
المراجع السابقة في بيان مذهب الشافعية والحنابلة ، المنتقى على الموطأ : ١٧٢/٧.
- ١٣٨ -

((إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبْحة))(١). والغرض من صلبه بعد
قتله هو التنكيل به، وزجر غيره ليشتهر أمره.
ومدة الصلب عند الجمهور: ثلاثة أيام، ولا يبقى أكثر من ذلك.
وقال الإمام أحمد: يصلب بقدر ما يقع عليه اسم الصلب. قال ابن قدامة:
والصحيح توقيته بما ذكر الخرقي، وهو بقدر ما يشتهر أمره.
النفي :
النفي عند الحنفية: معناه الحبس؛ لأن فيه نفياً عن وجه الأرض، وخروجاً
عن الدنيا مع قيام الحياة، إلا عن الموضع الذي حبس فيه، ومثل هذا في عرف الناس
يسمى نفياً عن وجه الأرض، وخروجاً عن الدنيا، كما قال بعض المحبوسين:
فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها(٢))
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة
عجبنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا
وأما التغريب ففيه إضرار ببلد آخر، وتمكين له من الهرب إلى دار الحرب،
وتعريض للكفر(٣).
وقال المالكية : النفي أن يخرج من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر ويسجن
فيه، إلى أن تظهر توبته. والمسافة بين البلدين: أقل ما تقصر فيه الصلاة(٤).
أخرجه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن شداد بن أوس بلفظ ((إن الله تعالى كتب الإحسان على كل
(١)
شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته )) ( راجع
الجامع الصغير : ٧١/١ ، الأربعين النووية: ص ٤١ ، نيل الأوطار: ١٤١/٨).
بتخفيف همزة ((أهلها)) بحيث تقرأ همزة وصل ، لضرورة الشعر.
(٢)
المبسوط: ١٣٥/٩ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٣٦/٣، فتح القدير: ٢٧٠/٤ ، البدائع: ٩٥/٧.
(٣)
(٤)
حاشية الدسوقي : ٣٤٩/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٦٣ ، بداية المجتهد: ٤٤٦/٢، المنتقى على الموطأ: ١٧٣/٧.
- ١٣٩ -

وقال الشافعية: النفي معناه أن يحبسهم الإمام مدة حتى تظهر توبتهم ، أو
يعزِرُ هم بما يراه رادعاً لهم(١).
وقال الحنابلة: النفي أن یشردوا، فلا یترکون یاوون إلى بلد. ودليلهم ماروي
عن الحسن والزهري: أن النفي هو تشريدهم عن الأمصار والبلدان، فلا يتركون
یأوون بلداً(٢).
صفة حكم قطع الطريق :
حد الحرابة من حقوق الله الخالصة له، فيجري فيه التداخل ولا يحتمل العفو
والإسقاط والإبراء والصلح عنه، على نحو ما بينا في حد السرقة. وأما اجتماع الغرم
والقطع ففيه خلاف بين العلماء :
اتفق الفقهاء على أنه إذا أخذ المحاربون المال وأقيت فيهم حدود الله تعالى، فإن
كانت الأموال موجودة ردت إلى مالكها. وإن كانت تالفة أو معدومة، فقال الحنفية:
لا يجمع بين الحد والضمان ؛ لقوله عليه السلام: «إذا أقيم الحد على السارق فلا غرم
عليه))(٣) ولأن التضمين يقتضي التمليك، والملك يمنع الحد، فلا يجمع بينهما (٤)
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يجتمع الحد والضمان كما في السرقة؛ لأن المال
عين يجب ضمانها بالرد، لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقم
عليه الحد، ولأن الحد والغرم حقان يجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة
في الصيد الحرمي المملوك(٥) .
مغني المحتاج : ١٨١/٤، المهذب : ٢٨٤/٢ .
(١)
(٢)
المغني : ٢٩٤/٨ .
اللفظ الصحيح لهذا الحديث المرسل هو: (( لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد )) وقد سبق تخريجه .
(٣)
(٤)
البدائع : ٩٥/٧ ، فتح القدير : ٢٧١/٤ .
حاشية الدسوقي : ٣٥٠/٤ ، مغني المحتاج : ١٨٢/٤، المغني: ٢٩٥/٨، ٢٩٨.
(٥)
- ١٤٠ -