النص المفهرس
صفحات 41-60
السلام برجمه(١). وقصة الغامدية التي أقرت بالزنا فرجمها الرسول ◌ُ ل بعد أن (٢) وضعت(٢). وأجمعت الأمة على مشروعية الرجم، ولأن المعقول يوجب مثل هذا العقاب؛ لأن زنا المحصن غاية في القبح، فيجازى بما هو غاية من العقوبات الدنيوية (٣). شرط الرجم - الإحصان : يشترط لإقامة حد الرجم توافر الإحصان، والإحصان لغة: المنع، وشرعاً جاء بمعنى الإسلام والبلوغ والعقل والحرية والعفة والتزويج، ووطء المكلف الحر في نكاح صحيح. والمراد هنا هو المعنى الأخير عند الشافعية(٤). وقال الحنفية: الإحصان نوعان: إحصان الرجم وإحصان القذف، أما إحصان الرجم: فهو عبارة في الشرع عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم، وهي سبعة: العقل والبلوغ، والحرية، والإسلام والنكاح الصحيح، والدخول في النكاح الصحيح على وجه يوجب الغسل، ولو من غير إنزال، وكون الزوجين جميعاً على هذه الصفات وقت الدخول(6). فإذا اختل شرط من هذه (١) روى الحديث مسلم وأبو داود عن بريدة. ورواه أحمد والشيخان والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة . ورواه مسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي عن جابر بن سمرة ، وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه عن ابن عباس ، وأخرجه أحمد عن أبي بكر الصديق وبريدة ، وأخرجه أيضاً أبو يعلى والبزار والطبراني عن أبي بكر . وفي الجملة : إن قصة ماعز قد رواها جماعة من الصحابة وهي متواترة ( راجع جامع الأصول: ٢٧٩/٤ وما بعدها، نيل الأوطار: ٩٥/٧، ١٠٩، مجمع الزوائد: ٢٦٦/٦، نصب الراية: ٣١٤/٣ وما بعدها ، سبل السلام: ٦/٤ ، التلخيص الحبير: ص ٣٥٠ ، النظم المتناثر من الحديث المتواتر: ص ١٨). (٢) رويت القصة في صحيح مسلم عن بريدة ، كما رواها أحمد وأبو داود ( راجع المراجع السابقة ، نيل الأوطار : ١٠٩/٧ ) . العقوبات الشرعية وأسبابها لأستاذنا الشيخ علي قراءة : ص ٢٣ . (٣) مغني المحتاج : ١٤٦/٤ . (٤) البدائع : ٣٧/٤، حاشية ابن عابدين: ١٦٣/٣، فتح القدير: ١٣٠/٤، المبسوط: ٣٩/٩. (٥) - ٤١ - الشروط، وجب الجلد، لقوله تعالى: ﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾. وقد ترتب على اشتراط الشرط الأخير: أنه لو دخل الزوج البالغ العاقل الحر المسلم بزوجته وهي صبية أو مجنونة أو أمة، لا يصير محصناً مالم يوجد دخول آخر بعد زوال هذه العوارض؛ لأن اجتماع هذه الصفات في الزوجين معاً يشعر بكمال حالهما، وذا يشعر بكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين . وقد روي عن أبي يوسف: أنه لم يشترط هذا الشرط الأخير، فيصير المسلم محصناً إذا وطئ كافرة مثلاً. وهو رأي الشافعية(١)، فإنهم قالوا: لو كان أحد الشريكين في الوطء صغيراً، والآخر بالغاً، أو أحدهما مستيقظاً والآخر نائماً، أو أحدهما عاقلاً والآخر مجنوناً، أو أحدهما عالماً بالتحريم والآخر جاهلاً، أو أحدهما مختاراً والآخر مستكرهاً، أو أحدهما مسلماً والآخر مستأمناً، وجب الحد على من هو من أهل الحد، ولم يجب على الآخر؛ لأن أحدهما انفرد بما يوجب الحد، وانفرد الآخر بما يسقط الحد، فوجب الحد على أحدهما، وسقط عن الآخر. وإن كان أحدهما محصناً، والآخر غير محصن، وجب على المحصن الرجم، وعلى غير المحصن الجلد والتغريب؛ لأن أحدهما انفرد بسبب الرجم، والآخر انفرد بسبب الجلد والتغريب. اختلاف العلماء في اشتراط الإسلام للإحصان: قال أبو حنيفة ومالك: الإسلام من شروط الإحصان، فلا يرجم الذمي إذا تحاكم إلينا، ولا تحصن الذمية مسلماً؛ لأن الرجم تطهير، والذمي ليس من أهل التطهير، بل لا يطهر إلا بحرقه في الآخرة بالنار، بدليل قوله عليه السلام: ((من أشرك بالله فليس بمحصن))(٣). (١) المهذب : ٢٦٨/٢. رواه اسحق بن راهويه في مسنده عن ابن عمر، رفعه مرة فقال: عن رسول الله م ◌ّ، ووقفه مرة . ومن (٢) طريق اسحق بن راهويه رواه الدارقطني في سننه، ثم قال: ((لم يرفعه غير إسحق ، ويقال : إنه رجع عن ذلك والصواب موقوف)). (راجع نصب الراية: ٣٢٧/٣، التلخيص الحبير: ص ٣٥١). - ٤٢ - وقال ◌ُ ◌ّ لكعب بن مالك حين أراد أن يتزوج بهودية: ((دعها فإنها لا تحصنك)) (١). قالوا: وأما رجمه اليهوديين(٢) فكان بحكم التوراة قبل نزول آية الرجم (٣) ثم نسخ(٢). وقال الشافعي وأحمد وأبو يوسف(٤): ليس الإسلام من شروط إحصان الرجم، فيحد الذمي إذا ترافع إلينا، وإن تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين؛ لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي ◌ّ اتٍ أُتي بيهوديين زنيا، فأمر برجمهما، ولو كان الإسلام شرطاً لما رجم، ولعموم قوله مؤ لّ: ((الثيب بالثيب رمياً بالحجارة))(٥)، ولأن اشتراط الإسلام للزجر عن الزنا، والدين عموماً يصلح للزجر عن الزنا؛ لأن الزنا حرام في الأديان كلها . والخلاصة: أن الفقهاء اتفقوا على خمسة شروط في الإحصان المشترط للرجم، وهي البلوغ والعقل والحرية، وتغييب الحشفة، وتقدم الوطء بنكاح صحيح: وهو أن يتقدم للزاني والزانية وطء مباح في الفرج بتزويج صحیح، فلا يحصن زنا متقدم، ولا وطء بملك اليمين، ولا وطء فيما دون الفرج، ولا وطء بنكاح فاسد أو شبهة، ولا (١) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، ومن طريقه الطبراني في معجمه والدارقطني في سننه وابن عدي في الكامل من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن علي بن أبي طلحة عن كعب بن مالك أنه أراد أن يتزوج يهودية ، فقال له النبي ◌ٍَّ: ((لا تتزوجها فإنها لاتحصنك)) قال الدارقطني: وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف، وعلي بن أبي طلحة لم يدركا كعباً ( راجع نصب الراية: ٣٢٨/٣ ) . (٢) رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن عمر مختصراً، ومطولاً. ورواه أبو داود عن أبي هريرة وفيه رجل مجهول ، ورواه الحاكم من حديث ابن عباس ، ورواه البيهقي من حديث عبد بن الحارث الزبيدي ، وإسناده ضعيف، ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر (راجع نصب الراية: ٣٢٦٫٠ ، التلخيص الحبير : ص ٣٥١ ، نيل الأوطار : ٩٢/٧ ) . انظر المبسوط: ٣٩/٩، ٤٠، فتح القدير: ١٣٢/٤، البدائع: ٣٨/٧، حاشية ابن عابدين: ١٦٣/٣، الميزان: (٣) ١٥٤/٢، بداية المجتهد: ٤٢٦/٢، حاشية الدسوقي: ٣٢٠/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٥٥. (٤) مغني المحتاج: ١٤٧/٤، المهذب: ٢٦٧/٢، الميزان ١٥٤/٢، المغني: ١٦٣/٨. أخرجه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت ((الثيب بالثيب جلد مائة ورمياً بالحجارة )). (٥) - ٤٣ - وطء في صيام أو حيض أو اعتكاف أو إحرام، ولا وطء نكاح في الشرك، ولا بعد عقد نكاح دون وطء. واختلفوا في اشتراط الإسلام على رأيين، منها تحقق هذه الشروط في كلا الزوجين . صفة حد الزنا: حد الزنا حق خالص لله تعالى، أي حق للمجتمع؛ لأنه وجب صيانة للأعراض عن التعرض لها، ومحافظة على المصالح العامة، وهي دفع الفساد الراجع إليهم ، و یترتب عليه ما يلي : ١ - إنه حد لا يحتمل العفو والصلح والإبراء عنه، بعد ما ثبت بالحجة، لأنه كما بينا حق خالص لله تعالى، لاحق للعبد فيه، فلا يملك أحد إسقاطه . ٢ - إنه يجري فيه التداخل(8، حتى لو زنى مراراً لا يجب عليه إلا حد واحد؛ لأن المقصود من إقامة الحد، هو الزجر، وإنه يحصل بحد واحد، لكنه لو زنی فحد، ثم زنى ثانياً حد ثانياً؛ لأنه تبين أن المقصود وهو الزجر لم يحصل بالحد الأول، بدليل وقوعه منه ثانية، فيحد مرة أخرى، رجاء أن يحصل به الزجر المطلوب(٣). الفرق بين حق الله تعالى وحق الآدمي : حق الله: أمره ونهيه. وحق العبد: مصالحه وتكاليفه، وهو كل ما للعبد إسقاطه. أما حق الله: فهو كل ما ليس للعبد إسقاطه. وتكاليف الشريعة ثلاثة أقسام بالنسبة لهذا التقسيم (١). ١ - حق الله تعالى فقط كالإيمان وتحريم الكفر. معنى التداخل : أن الجرائم في حالة التعدد تتداخل عقوباتها بعضها في بعض بحيث يعاقب على جميع الجرائم (١) بعقوبة واحدة . (٢) انظر البدائع : ٥٥/٧ وما بعدها . الفروق: ١٤١/١ وما بعدها، وانظر قواعد الأحكام العز بن عبد السلام: ٦٦/٢ . (٣) - ٤٤ - ٢ - وحق العباد فقط كالديون وأثمان الأشياء. ٣ - وقسم اختلف فيه، هل يغلب فيه حق الله، أو حق العبد كحد القذف. قال القرافي: نعني بحق العبد المحض: أنه لو أسقطه لسقط، كما بينا، وإلا فما من حق للعبد، إلا وفيه حق لله تعالى: وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه، فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى. وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما للعبد إسقاطه فهو حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه فهو حق الله تعالى. وقد یوجد حق الله تعالی: وهو مالیس للعبد إسقاطه، و یکون معه حق العبد، كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات، فإن الله تعالى إنما حرمها صوناً لمال العبد عليه، وصوناً له عن الضياع بعقود الغرر والجهل، فلا يحصل المعقود عليه بكامله أو أغلبه، فيضيع المال، فحجر الرب تعالى برحمته على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته، ولو رضي العبد پاسقاط حقه في ذلك، لم يؤثر رضاه. وكذلك حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ماله في البحر، وتضييعه من غير مصلحة، ولو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه. وكذلك تحريمه تعالى المسكرات صوناً لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صوناً لماله، والزنا صوناً لنسبه، والقذف صوناً لعرضه، والقتل والجرح صوناً لنفسه وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك، لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه . فهذه كلها وما يلحق بها من نظائرها مما هو مشتمل على مصالح العباد: حق الله تعالى؛ لأنها لا تسقط بالإسقاط، وهي مشتملة على حقوق العباد، لما فيها من مصالحهم ودرء مفاسدهم. وأكثر الشريعة من هذا النوع كالرضا بولاية الفسقة وشهادة : - ٤٥ - الأراذل ونحوها، فحجر الرب تعالى على العبد في هذه المواطن لطفاً به ورحمة له سبحانه وتعالى. هل يجب الحد والمهر على الرجل المكرَه على الزنا ؟ : الرأي الذي استقر عليه أبو حنيفة أخيراً، ورأي الصاحبين: أنه لا يحد المستكره على الزنا، وإنما عليه الصداق . وقال مالك والحنابلة: عليه الصداق والحد جميعاً. وقال الشافعية ومحققو المالكية: عليه الصداق فقط، وليس عليه الحد لوجود الشبهة(١) ولحديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه))(٢). والخلاصة: أن الجمهور على الأرجح يرون الصداق على المستكره وليس عليه العقوبة ، وأن الحنابلة يوجبون عليه الصداق والعقوبة معاً . المبحث الرابع - إثبات الزنا عند القاضي : أجمع العلماء على أن الزنا يثبت بالإقرار أو بالشهادة، ولا تثبت حدود الله تعالى كالزنا والسرقة والمحاربة والشرب بعلم القاضي حالة القضاء أو قبل القضاء؛ لأنها تدرأ بالشبهات ويندب سترها(٢). أما الحكمة من اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة فواضحة، وهي أن من تمام حكمة الله ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة، كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم: وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان، فإن من قامت عليه شواهد الحال راجع بداية المجتهد: ٣١٩/٢، البدائع: ١٨٠/٧، المهذب : ٢٦٧/٢ (١) (٢) أخرجه الطبراني عن ثوبان . (٣) مغني المحتاج : ٣٩٨/٤، ١٤٩، الميزان للشعراني: ١٥٤/٢، المغني: ٢٠٩/٨، البدائع : ٥٢/٧ . - ٤٦ - بالجناية كرائحة الخمر وقيئها، ووجود المسروق في دار السارق، وتحت ثيابه، أولى بالعقوبة، ممن قامت عليه شهادة على إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب. وهذا متفق عليه بين الصحابة، وإن نازع فيه بعض الفقهاء. وإما أن تكون الحجة من غير الجناة: وهي البينة، واشترط فيها العدالة، وعدم التهمة. وهما شرطان توجبهما العقول والفطر السليمة ويحققان المصلحة(١). وجعل الصحابة الحمل علامة على الزنا (٢) وقد أخذ بذلك المالكية وابن القيم، أما الحنابلة فقالوا: تحد الحامل بالزنا، وزوجها بعيد عنها، إذا لم تدع شبهة، ولا يثبت الزنا بحمل المرأة وهي خلية لازوج لها. ولم يأخذ الحنفية والشافعية بإثبات الزنا بالقرائن . أما البينة: فهي شهادة أربعة رجال، ذكور، عدول، أحرار، مسلمين، على الزنا بأن يقولوا: رأيناه وطئها في فرجها، كالميل في المُكُحلة، على حد تعبير الفقهاء. يفهم مما ذكر ومما قرره الحنفية أنه يشترط في البينة شروط : بعضها وهي البلوغ والعقل والذكورة والحرية والعدالة والأصالة يعم كل الحدود، وبعضها وهو عدم التقادم يخص الزنا والسرقة وشرب الخمر. والباقي خاص بالزنا(٣). ١ - عدد الأربع في الشهود في حد الزنا لقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) وقوله عز اسمه: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ وقوله سبحانه في حد القذف: ﴿والذين يرمون المحصنات، ثم لم (١) أعلام الموقعين : ١٠٠/٢ . الطرق الحكمية : ص ٩٧ ، ٢١٤ ، الشرح الكبير للدردير، المنتقى على الموطأ: باب حد الزنا ، المهذب : (٢) ٢٦٦/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٥٦، مطالب أولي النهي : ١٩٣/٦. انظر البدائع: ٤٦/٧ وما بعدها ، فتح القدير: ١١٤/٤، ١٦١ - ١٧٧، تبيين الحقائق للزيلعي: ١٦٤/٣. (٣) - ٤٧ - يأتوا بأربعة شهداء﴾. فإذا شهد ثلاثة، وقال الرابع: رأيتها في لحاف واحد، ولم يزد عليه: يحد الثلاثة عند الحنفية حد القذف، ولا حد على الرابع؛ لأنه لم يقذف. وإن شهد شهود دون أربعة في مجلس الحكم بزنا حدوا بالاتفاق حد القذف؛ لأن عمر حد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا(١). ٢ - التكليف: أي البلوغ والعقل، فلا تقبل شهادة الصبيان والمجانين. ٣ - الذكورة: فلا تقبل شهادة النساء بحال، تكريماً لهن؛ لأن الزنا فاحشة. وأما الإحصان فيثبت بشهادة الرجال مع النساء عند الحنفية ما عدا زفر. ٤ - العدالة: فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز أن يكون فاسقاً. فإن شهد أربعة بالزنا وهم فساق، أو ظهر أنهم فساق لم يحدوا حد القذف؛ لأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل، وإن كان في أدائه نوع قصور لتهمة الفسق . ٥- الحرية : فلا تقبل شهادة العبيد. ٦ - الإسلام: فلا تقبل شهادة أهل الذمة لعدم تحقق عدالتهم. ٧ - الأصالة: فلا تقبل الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي، لتمكن الشبهة في وقوع الجريمة، والحدود لا تثبت مع الشبهات. ٨- اتحاد المشهود به: وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد، في مكان واحد وزمان واحد . ٩ - اتحاد المجلس: أي أن يكون الشهود مجتمعين في مجلس واحد وقت أداء الشهادة. فإن جاءوا متفرقين واحداً بعد واحد لا تقبل شهادتهم، ويحدون حد (١) ذكره البخاري في صحيحه - ٤٨ - القذف، لقول عمر رضي الله عنه: «لو جاؤوا مثل ربيعة ومضر فرادى جلدتهم» أي أن المراد اتحاد المجلس عند أداء الشهادة. ١٠ - أن يكون المشهود عليه الزنا ممن يتصور منه الوطء، فلو كان محبوباً لا تقبل شهادتهم، ويحدون حد القذف. ١١ - أن يكون المشهود عليه الزنا ممن يقدر على دعوى الشبهة، فإن كان أخرس، لم تقبل شهادتهم، إذ قد يدعي الشبهة لو كان قادراً. ١٢ - عدم التقادم من غير عذر ظاهر: وهو شرط في حد الزنا والسرقة وشرب الخمر كما أشرنا. ومعناه ألا تمضي مدة بعد مشاهدة الجريمة وأداء الشهادة، منعاً من التهمة وإثارة الفتنة، إذ أن أداء الشهادة بعد مضي مدة من غير عذر ظاهر، يدل على أن الضغينة هي الحاملة على الشهادة، كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: ((أيما قوم شهدوا على حد، لم يشهدوا عند حضرته، فإنما شهدوا عن ضغن، ولا شهادة لهم)). فإذا كان التقادم لعذر ظاهر، كعدم وجود حاكم في موضع أو بُعد مسافة أو خوف طريق، فلا يمنع من قبول الشهادة. ومدة التقادم متروك تقديرها إلى اجتهاد القاضي عند أبي حنيفة، لاختلاف أعذار الناس في كل زمان وبيئة. وقال الصاحبان: مدة التقادم شهر أو أكثر، فإن كان دون شهر فليس بمتقادم؛ لأن الشهر أدنى الآجل، فكان مادونه في حكم العاجل. ١٣ - بقاء الشهود على أهليتهم حتى يقام الحد: فلو ماتوا، أو غابوا، أو عموا، أو ارتدوا، أو خرسوا، أو ضربوا حد القذف قبل إقامة الحد، أو قبل أن يقضى بشهادتهم، سقط الحد؛ لأن هذه العوارض لو اقترنت بالشهادة منعت من قبولها، فكذلك إذا اعترضتها بعدئذ(١)، ويحد الباقي حد القذف؛ لأن الشهود حينئذ أقل من (١) المبسوط السرخسي : ٥٠/٩. الفقه الإسلامي جـ ٦ (٤) - ٤٩ - أربعة، ومتى كانوا أقل حدوا حد القذف. وقال الشافعية والحنابلة: لا تؤثر هذه العوارض بعد أداء الشهادة(١). ولو رجع الشهود عن شهادتهم على محصن بالزنا، بعد أن حكم القاضي عليه بالرجم فرجم، ضمنوا ديته. ولو أنكر الشاهد شهادته بعد الحكم بالرجم، لا يضمن شيئاً من الدية؛ لأن إنكار الشهادة ليس برجوع، بل الرجوع أن يقول: كنت مبطلاً في الشهادة(٣). اختلاف العلماء في بعض شروط الشهادة على الزنا: ١ - اتحاد المشهود به: قال الأئمة الأربعة: يشترط في شهادة الشهود الأربعة اتحاد المشهود به: وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد، في المكان والزمان، كما بينا عند الحنفية. فإن اختلفوا لا تقبل شهادتهم، فلو شهد اثنان أنه زنى في مكان كذا، وشهد آخران أنه زنی في مكان آخر، أو شهد اثنان أنه زنى بها في يوم كذا، وشهد اثنان آخران أنه زنى بها في يوم آخر، فإنه لا يحد المشهود عليه، ولا حد على الشهود أيضاً عند جمهور الحنفية؛ لأن المشهود به لم يختلف عند الشهود؛ لأن عندهم أن هذا زنا واحد. وعند زفر: يحدون؛ لأن عدد الشهود قد انتقص، ونقصان عدد الشهود يوجب صيرورة الشهادة قذفاً، كما لو شهد ثلاثة بالزنا . واختلفوا فيما لو شهد اثنان أنه زنى بها في هذه الزاوية من البيت، وشهد آخران أنه زنى بها في زاوية أخرى، وكان المكان ضيقاً : فقال أبو حنيفة وأحمد: تقبل هذه الشهادة، لجواز ابتداء الفعل في زاوية، (١) المغني لابن قدامة : ٢٠٧/٨ . (٢) مجمع الضمانات : ص ٣٦٠ وما بعدها . - ٥٠ - وانتهائه في زاوية أخرى، أما لو كان البيت كبيراً فلا تقبل؛ لأنه يكون بمنزلة البيتين(١). وقال مالك والشافعي: لا تقبل هذه الشهادة، ولا يثبت بها الحد؛ لأنهم لم يتفقوا على زنية واحدة(٢). ٢ - اتحاد مجلس الشهادة: قال أبو حنيفة: يشترط أن يكون الشهود مجتمعين، وأن يؤدوا الشهادة في مجلس واحد، فإن جاءوا متفرقين يشهدون واحداً بعد الآخر، لا تقبل شهادتهم، كما بينا سابقاً. وقال مالك وأحمد: يشترط اتحاد مجلس القاضي فقط، فإن جاء الشهود متفرقين، والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم، تقبل شهادتهم، وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قَذَفة وعليهم الحد(٢). وقال الشافعي: ليس ذلك بشرط، لا في مجيئهم، ولا في اجتماعهم، بل متى شهدوا بالزنى متفرقين، ولو واحداً بعد الآخر، وجب الحد، لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ ولم يذكر المجلس، ولأن المهم هو اتحاد شهادة الشهود، سواء في مجلس واحد أو في مجالس، كسائر الشهادات ) تقادم الشهادة: قال الحنفية: لا تقبل الشهادة بمضي الزمن، على الخلاف السابق الذي ذكرناه. وقال مالك والشافعي وأحمد: إن الشهادة في الزنا والقذف وشرب الخمر تقبل بعد مضي زمان طويل من الواقعة، لعموم آية الشهادة في الزنا، ولأنه حق لم يثبت (١) البدائع: ٤٩/٧، المغني: ٢٠٠/٨، فتح القدير: ١٦٧/٤ . (٢) مغني المحتاج : ١٥١/٤، بداية المجتهد: ٤٣٠/٢، الشرح الكبير: ١٨٥/٤ . (٣) المغني: ٢٠٠/٨، المنتقى على الموطأ: ١٤٤/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٦ . المغني ، المرجع السابق ، الميزان : ١٥٦/٢ . (٤) - ٥١ - لنا ما يبطله، وقد يكون التأخير لعذر أو غيبة، والحد لا يسقط بمطلق الاحتمال(١). دور القاضي مع شهود الزنا : اذا اجتمعت الشروط السابقة في الشهود، وشهدوا عند القاضي، سألهم عن ماهية الزنا، وكيفية الزنا، ومكان الزنا، وزمان الزنا، والمزني بها(٣). أما سؤاله عن ماهية الزنا : فلانه يحتمل أن یرید غیر الزنا الموجب للحد، کالزنا بالعین، أو بالید. وأما سؤاله عن كيفية الزنا: فلأنه يحتمل أن يريد الجماع فيا دون الفرج، كالمفاخذة . وأما سؤاله عن مكان الزنا: فلأنه يحتمل أنه زنى في دار الحرب، أو في دار البغي في رأي الجمهور غير الشافعية كما سيأتي في حد البغاة. وأما سؤاله عن زمان الزنا: فلأنه يحتمل أن يشهد بزنا متقادم. وأما سؤاله عن المزني بها: فلأنه يحتمل أن تكون الموطوءة ممن لا يجب الحد 5 بوطئها، كالموطوءة بشبهة . الإقرار بالزنا : هو عند الحنفية أن يقر البالغ العاقل، أربع مرات بالزنا، عند القاضي، في أربعة مواطن . (١) الميزان: ١٥٨/٢، المغني: ٢٠٧/٨، فتح القدير: ١٦١/٤ . (٢) المبسوط: ٣٨/٩، البدائع: ٤٩/٧، فتح القدير: ١١٥/٤، المغني: ٢٠٠/٨. - ٥٢ - شروط الإقرار: اشترط الحنفية شروطاً في الإقرار: منها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص بعضها . أما الشرائط التي تعم الحدود كلها، فهي(١) : ١ - البلوغ: فلا يصح إقرار الصبي في شيء من الحدود؛ لأن فعل الصبي لا يوصف بكونه جناية . ٢ - النطق: وهو أن يكون الإقرار بالخطاب والعبارة، دون الكتابة أو الإشارة، فلا يكفي الإقرار من الأخرس، لا بالكتابة ولا بالإشارة، لأن الشرع علق وجوب الحد بالبيان المتناهي، والبيان لا يتناهى الا بالصريح. وقال الشافعية: يكفي في ثبوت الحد إشارة الأخرس بالإقرار بالزنا . ٣ - الاختيار أو الطواعية: فلا يقبل إقرار المكره في الحدود والأموال. وأما الشرائط التي تخص بعض الحدود فهي : ١ - تعدد الإقرار: أي كون الإقرار مكرراً أربع مرات في حد الزنا خاصة، بأن يقر أربع مرات على نفسه مع كونه بالغاً عاقلاً، طلباً للتثبت في إقامة الحد، ولأن ماعزاً أقر أمام الرسول من القيم أربع مرات(٢). وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة(٣). وقال المالكية والشافعية(٤): يكفي في وجوب الحد إقرار واحد مرة (١) انظر البدائع: ٤٩/٧ - ٥١ ، فتح القدير: ١١٧/٤، المبسوط : ٩١/٩ . (٢) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة ، ورواه مسلم وأحمد عن بريدة ، وقد سبق تخريجه ( راجع جامع الأصول : ٢٨٣/٤ وما بعدها ، نيل الأوطار : ١٠٩/٧ ) . (٣) المغني : ١٩١/٨ وما بعدها . حاشية الدسوقي: ٣١٨/٤، المنتقى على الموطأ: ١٣٥/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٦، مغني المحتاج ١٥٠/٤. (٤) - ٥٣ - ; واحدة(١)؛ لأن من المستبعد كذب الإنسان على نفسه، واعترافه بما يوجب الحد، ولأن الإقرار إخبار، والخبر لا يزيد رجحاناً بالتكرار، وقد قال الرسول معك التّ في قصة العسيف: ((اغد ياأنيس - رجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فان اعترفت فارجمها))(٢) كما سبق ذكره. واعترفت الغامدية بالزنا، فقال لها الرسول عليه السلام: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي اليه، فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: وماذاك ؟ قالت: إنها حبلى من الزنا، قال: أنتِ ؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك))(٣) ونحوهما من الأحاديث. ٢ - تعدد مجالس الإقرار بالزنا: وهو أن يقر في أربعة مجالس متفرقة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام اعتبر اختلاف مجالس ماعز، حيث كان يخرج من المسجد في كل مرة، ثم يعود، ومجلسه عليه الصلاة والسلام لم يختلف، وهذا هو مذهب الحنفية . وقال جمهور العلماء: يكفي أن يكون الإقرار في مجلس واحد (٤). ٣- أن يكون الإقرار بين يدي الإمام أو القاضي: وإلا لم يعتبر؛ لأن إقرار ماعز كان عند رسول الله مَ التّ، فإن شهد شهود على إقرار شخص أربع مرات في مجالس مختلفة أمام من ليس له إقامة الحد، فلا يقبل القاضي هذه الشهادة؛ لأن الزاني إن (١) قال الزنجاني الشافعي في تخريج الفروع على الأصول: ص ١٨١، مبيناً وجه قصة ماعز ومقرراً قاعدة عامة وهي (( لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معين، قضى فيها رسول الله مَ لٍ بحكم، وذكر علته أيضا ، اذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة عند الشافعي رضي الله عنه)). ويتفرع عنه : سقوط اعتبار التكرار في الإقرار بالزنا عند الشافعي رضي الله عنه سلوكاً لجادة القياس ، كما في سائر الأقارير. رواه البخاري ومسلم وأحمد والموطأ وغيرهم عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ، وقد سبق تخريجه ، فقد (٢) رواه الجماعة والبيهقي . رواه مسلم والدارقطني عن سليمان بن بريدة عن أبيه ، وقال الدارقطني : هذا حديث صحيح ( راجع جامع (٣) الأصول: ٢٧٩/٤ وما بعدها، نيل الأوطار: ١١١/٧، نصب الراية : ٣١٤/٣). (٤) بداية المجتهد : ٤٣٠/٢ . - ٥٤ _ كان منكراً، فقد رجع عن الإقرار، وإن كان مقراً، فلا عبرة لشهادة مع الإقرار. ٤ - الصحو في الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر: فإذا أقر شخص وهو سكران، لم يصح إقراره. ٥ - أن يكون الإقرار بالزنا ممن يتصور منه الزنا: فان كان لا يتصور كالمجبوب لفقدان آلته، لم يصح إقراره، أما لو كانت آلته موجودة كالعنِّين والخصي، فيصح إقراره، لوجود الآلة عنده. ٦ - أن يكون المزني به ممن يقدر على ادعاء الشبهة بأن كان ناطقاً: فإن لم يقدر لأن تكون المزني بها خرساء، أو المزني به أخرس، لم يصح إقراره، جواز ادعائه وجود عقد النكاح، أو إنكار الزنا . الإقرار حجة قاصرة: إذا أقر أحد الشريكين في الوطء بالزنا وأنكر الآخر، وجب على المقر الحد(١)؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ قال في قصة العسيف: ((على ابنك جلد وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))(٢) وروى سهل بن سعد الساعدي أن رجلاً أقر أنه زنى بامرأة، فبعث النبي مؤ لفة إليها، فجحدت، فحد الرجل(٣). تقادم الإقرار: اتفق العلماء على أن التقادم لا يؤثر في الإقرار بالزنا؛ لأن الانسان غير متهم على نفسه. وعلى هذا فيقبل الإقرار بالزنا بعد مدة(4). (١) البدائع : ٥١/٧ ، المغني : ٢٠٧/٨ . (٢) المهذب : ٢٦٨/٢. رواه الجماعة والبيهقي عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني . (٣) رواه البيهقي بألفاظ متقاربة ، وأحمد وأبو داود ، وفيه عبد السلام بن حفص ، متكلم فيه . (٤) - ٥٥ _ دور القاضي مع المقر بالزنا: اذا أقر إنسان بالزنا عند القاضي، ينبغي أن يظهر له الكراهية، أو يطرده، يفعل ذلك ثلاث مرات، كما فعل الرسول مر تز مع ماعز. فإذا أقر أربع مرات عند الحنفية نظر القاضي في حاله : أهو صحيح العقل أم به آفة، كما فعل الرسول عليه السلام مع ماعز، حيث قال له : أبك خبَل أم بك جنون ؟ وبعث به الی قومه، فسألهم عن حاله. فاذا عرف أنه صحيح العقل، سأله عن ماهية الزنا، وعن كيفيته، وعن مكانه، وعن المزني بها، للأسباب التي ذكرناها في الشهادة على الزنا . فاذا بين ذلك كله سأله القاضي عن حاله: أهو محصن أم لا؟ لأن حكم الزنا يختلف بالإحصان وعدمه. فاذا قال: أنا محصّن، سأله القاضي عن الإحصان : ماهو؟ لانه عبارة عن اجتماع شرائط لا يعرفها كل واحد. فاذا فسره التفسير الشرعي المطلوب، حكم عليه بالرجم وأمر بإقامته عليه(١). الرجوع عن الإقرار: قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد : اذا اعترف شخص عند القاضي بالزنا، ثم رجع عن إقراره بعد الحكم بالحد، أو بعد إقامة بعض الحد، أو هرب، فإنه يسقط عنه الحد (٢)، عملاً بحديث ((ادرءوا الحدود بالشبهات))، والرسول عليه السلام لقن ماعزاً الرجوع بقوله: ((لعلك مسستها أو لعلك قبلتها!))(٣) وقال لأصحابه حينما هرب المبسوط: ٤٦/٩، البدائع: ٥١/٧، فتح القدير: ١٢٠/٤، تبيين الحقائق: ١٦٦/٣. (١) (٢) فتح القدير: ١٢٠/٤، مغني المحتاج: ١٥٠/٤، المهذب: ٢٧١/٢، المغني : ١٩٧/٨ . (٣) رواه الحاكم في المستدرك بلفظ «لعلك مستها أو قبلتها ؟ )) من حديث ابن عباس ، والحديث عند البخاري بلفظ: ((لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟)) وعند أحمد في مسنده بلفظ: ((لعلك قبلت أو لمست أو نظرت؟)) ( راجع نصب الراية: ٣١٦/٤، سبل السلام : ٨/٤). - ٥٦ - ماعز فاتبعوه: ((هلا تركتموه، لعله أن يتوب، فيتوب الله عليه))(١). والمشهور عند المالكية: أن الرجوع عن الإقرار لشبهة أو لا لشبهة، كقوله: كذبت على نفسي، أو وطئت زوجتي وهي محرمة، فظننت أنه زنا، يسقط الحد، وروي عن الإمام مالك أنه قال: لا يعذر الا اذا رجع لشبهة، عملا بحديث: ((لا عذر (٢). لمن أقر))(٢). والخلاصة: أن الرجوع عن الإقرار جائز بالاتفاق. المبحث الخامس - إقامة الحد على الزاني : شروط إقامة الحد: يشترط لإقامة الحد ما يلي : أولاً - هناك شرائط لإقامة الحد: منها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص حد الرجم. أما ما يعم الحدود كلها فهو الإمامة كما سيأتي، وأما ما يخص حد الرجم: فهو شرط البداية من الشهود في الرجم. وعلى هذا فالإمام أو من ينوب عنه هو مقيم الحد. فاذا كان الحد جلداً فهو الذي يقيمه أو ينيب عنه أحداً. وأما إذا كان الحد رجماً، فيشترط البداية من الشهود في الرجم، إذا ثبت الحد بالشهادة، فإذا ثبت بالإقرار، فيبدأ الإمام بالرجم(٣). اختلاف العلماء في اشتراط بداءة الشهود بالرجم : قال الحنفية والمالكية: إن ثبت وجوب الرجم بالشهادة، فيشترط بدء الشهود بالرجم استحسانا، بدليل ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((يرجم الشهود أولاً . (١) رواه أبو داود عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه. ورواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال ((حسن )) من حديث أبي هريرة بلفظ: ((هلا تركتموه)). (راجع جامع الأصول: ٢٨٧/٤ ، نيل الأوطار: ١٠٢/٧). (٢) بداية المجتهد : ٤٣٠/٢ ، حاشية الدسوقي : ٣١٨/٤ . البدائع : ٥٧/٧ وما بعدها ، فتح القدير: ١٢٢/٤، ١٢٤، حاشية الدسوقي : ٣٢٠/٤، بداية المجتهد: ٤٢٨/٢. (٣) - ٥٧ - ثم الإمام ثم الناس)) (١) وكلمة ((ثم)) للترتيب، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر أحد، فكان إجماعا، ولأن في اعتبار هذا الشرط احتياطاً في درء الحد؛ لأن الشهود إذا بدؤوا بالرجم ربما استعظموا فعله، فيحملهم هذا على الرجوع عن الشهادة، فيسقط الحد عن المشهود عليه، فإن امتنع بعض الشهود عن الرجم ، سقط الرجم عند أبي حنيفة ومحمد، وفي رواية عن أبي يوسف؛ لأن امتناعهم عن الرجم أورث شبهة الکذب في شهادتهم . هذا بخلاف الجلد، فلا يشترط ابتداء الشهودبه؛ لأنهم لا يعرفونه على وجهه الصحيح، ولأن الأثر عن علي ورد في الرجم خاصة، فيبقى أمر الجلد على أصل القياس. وقال الشافعية والحنابلة: السنة اذا ثبت الحد بالبينة أن يبدأ الشهود بالرجم، ثم الحاكم، ثم الناس؛ لأن الشهود في غير أداء الشهادة هم وسائر الناس سواء، فلا يلزم أحد بذاك. والإمام هو الذي يستوفي الحدود، ولأن الرجم أحد نوعي الحد، فيقاس على الجلد، الذي لا يشترط فيه البداية من الشهود(٢). ثانياً - لا يقيم الحدود إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، باتفاق الفقهاء؛ لأنه لم يقم حد على عهد رسول الله عَ ◌ٍّ إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء إلا بإذنهم، ولأن الحد حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد، ولا يؤمن فيه الحيف، فلم يجز بغير إذن الإمام(٣). ثالثاً - يشترط عند الحنفية وجود أهلية أداء الشهادة لدى الشهود عند إقامة (١) رواه البيهقي في سننه عن عامر الشعبي ، ورواه أحمد في مسنده عن الشعبي أيضا ، ورواه ابن أبي شيبه عن يزيد بن أبي ليلى ، وعن ابن مسعود عن علي بألفاظ مختلفة ( راجع نصب الراية: ٣١٩/٣ وما بعدها ، نيل الأوطار : ١٠٨/٧ ). البدائع ، فتح القدير ، المرجعان السابقان ، المنتقى على الموطأ : ١٣٣/٧، بداية المجتهد : ٤٢٨/٢، القوانين (٢) الفقهية: ص ٣٥٦ ، مغني المحتاج: ١٥٢/٤، المهذب: ٢٦٩/٢ وما بعدها، المغني: ١٥٩/٨. وهذا الرأي هو مقتضى القياس عند الحنفية . (٣) المهذب : ٢٦٩/٢ . - ٥٨ - الحد، فلو بطلت أهليتهم بالفسق أو الردة أو الجنون أو العمى أو الخرس أو نحوها، سقط الحد(١) كما سبق بيانه. ولم يشترط الجمهور هذا الشرط. رابعاً- يشترط بالاتفاق: ألا يكون في إقامة حد الجلد خوف الهلاك؛ لأن هذا الحد شرع زاجراً لا مهلكاً، فلا يجوز إقامة حد الجلد في الحر الشديد والبرد الشديد، والمرض والنفاس، والحمل؛ لأن الحد اذا أقيم في هذه الأحوال أدى إلى القتل، ولأنه يخشى هلاك الحامل وهلاك ولدها(٢). لكن الشافعية والحنابلة أجازوا إقامة الحد في المرض الذي لا يرجى برؤه(٣)، وقالوا في هذه الحالة أو اذا كان نضو الخلق لا يطيق الضرب : يضرب بمائة شمراخ دفعة واحدة، لما روى سهل بن حنيف أنه أمر في رجل مريض أضنى أن يأخذوا مائة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة(4)، ولأنه لا يمكن ضربه بالسوط؛ لأنه يتلف به، ولا يمكن تركه؛ لأنه يؤدي الى تعطيل الحد. أما الضمان فقال الشافعية: إن أقيم الحد في الحال التي تجوز فيها إقامته، فهلك منه، لم يضمن؛ لأن الحق قتله، وان أقيم في الحال التي لا تجوز إقامته، فإن كانت حاملاً، فتلف منه الجنين وجب الضمان؛ لأنه مضمون، فلا يسقط ضمانه بجناية غيره، وإن تلف المحدود فإذا أقيم الحد في شدة حر أو برد، فهلك لاضمان عليه. وقال الجمهور: لاضمان بهلاك المحدود. وسيأتي مزيد بيان له في بحث التعزير. وأما الرجم فلا يشترط لإقامته عدم خوف الهلاك؛ لأنه حد مهلك، إلا الحامل، فإنه لا يقام عليها الرجم وقت حملها؛ لأنه يؤدي الى إهلاك ولدها بدون (١) البدائع : ٥٩/٧ . (٢) البدائع، المرجع السابق، المبسوط: ١٠٠/٩، المهذب: ٢٧٠/٢ وما بعدها . مغني المحتاج : ١٥٥/٤، المهذب: ٢٧٠/٢ وما بعدها، حاشية الدسوقي: ٣٣٠/٤ ، القوانين الفقهية: ص ٣٥٦ ، (٣) ط، فاس، المغني : ١٧١/٨، ١٧٣ . (٤) رواه أحمد وابن ماجه . - ٥٩ - حق، وهو لا يجوز، فيؤخر رجم الحامل حتى تضع حملها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام رد المرأة الغامدية أو الجهنية حينما قالت: ((فوالله إني لحبلى)). فقال: ((إما لا، فاذهبي حتی تلدي)» ثم قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطمیه))(١). حالة المحدود : اتفق الأئمة الأربعة على أن المحدود بالرجم إذا كان رجلاً يقام عليه الحد قائماً، ولا يربط بشيء، ولا يمسك، ولا يحفر له، سواء ثبت الرجم بالبينة أم بالإقرار، كما فعل الرسول عليه السلام بماعز، فلم يحفر له (٢)، ولأن الحفر له لم يرد به الشرع في حق المحدود فوجب ألا يثبت، ولأن المرجوم قد يفر، فيكون فراره دلالة على الرجوع عن قراره، وقد هرب ماعز من أرض قليلة الحجارة الى أرض كثيرة الحجارة(٣). وإذا كان المحدود امرأة، فقال الحنفية: يخير الإمام في الحفر لها، إن شاء حفرلها وإن شاء ترك الحفر، أما الحفر فلأنه أسترلها، وقد روي أن الرسول ◌ُ لٍ حفر للمرأة الغامدية إلى ثَنْدوتها (أي ثديها)(٤). وأما ترك الحفر فلأن الحفر للستر وهي مستورة بثيابها؛ لأنها لا تجرد عند إقامة الحد. البدائع ، مغني المحتاج ، الدسوقي ، المغني ، المراجع السابقة ، وقد سبق تخريج حديث الغامدية ، وسيأتي قريبا (١) تخريج حديث الجهنية. ويظهر أن الجهنية هي الغامدية لأن ((غامداً)) بطن من جهينة. (٢) رواه مسلم وأحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري، قال: ((لما أمرنا رسول اللّه ◌ُّ أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به الى البقيع ، فوالله ما حفرنا له ، ولا أوثقناه ، ولكن قام لنا ، فرميناه بالعظام والخزف ( وهي أكسار الأواني المصنوعة من المدر) ، فاشتكى فخرج يشتد حتى انتصب لنا في عرض الحرة ( وهي أرض ذات حجارة سود) فرميناه بجلاميد ( بصخور) الجندل ( ما يقله الرجل من الحجارة ) حتى سكت)) ( راجع نصب الراية: ٣٢٥/٣، نيل الأوطار : ١٠٩/٧ ). المبسوط: ١٥/٩، بداية المجتهد: ٤٢٩/٢، المنتقى على الموطأ: ١٤٢/٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٦ ، حاشية (٣) الدسوقي : ٣٢٠/٤، مغني المحتاج: ١٥٣/٤، المغني: ١٥٨/٨، البدائع: ٥٩/٧ ، فتح القدير: ١٢٨/٤ . رواه أبو داود في سننه عن أبي بكر أن النبي ◌َّف رجم امرأة فحفر لها الى الثندوة ، قال الزيلعي : وفيه (٤) مجهول. وروى مسلم وأحمد وأبو داود قصة الغامدية، وذكر فيها: ((ثم أمر بها، فحفر لها الى صدرها وأمر الناس فرجموها)» (راجع جامع الأصول: ٢٩٤/٤، نصب الراية: ٣٢٥/٣، التلخيص الحبير: ص ٣٥٣ ، نيل الأوطار : ١٠٩/٧ ) . - ٦٠ - ما