النص المفهرس

صفحات 21-40

باختلاف جسامة الجريمة، بدليل تسوية الشرع في السرقة بين سرقة القليل كدينار،
وسرقة الكثير كألف دينار، وفي شرب الخمر سوَى الشرع في الحد بين شارب القطرة،
وشارب الجرة مثلاً. وفي القصاص سوى بين قتل الرجل العالم الصالح التقي الشجاع
البطل وقتل الوضيع، وهكذا.
٤ - وصف الجريمة بالمعصية وعدمها: إن التعزير تأديب يتبع المفاسد، وقد
لا يصحبها العصيان في كثير من الصور كتأديب الصبيان والبهائم والمجانين استصلاحاً
لهم، مع عدم المعصية .
أما الحدود المقدرة فلم توجد في الشرع الا في معصية، عملاً بالاستقراء.
٥ - سقوط العقوبة: إن التعزير قد يسقط، وإن قلنا بوجوبه، كما إذا كان الجاني
من الصبيان، أو المكلفين إذا جنى جناية حقيرة، لا تحقق العقوبة فيها المقصود، لعدم
كون العقوبة الخفيفة رادعة، ولعدم إيجاب العقوبة الشديدة، أما الجد فلا يسقط بعد
وجوبه بأي حال .
٦ - أثر التوبة: إن التعزير يسقط بالتوبة، دون أن يعلم فيه خلاف. أما الحدود
كما سنبين فلا يسقط بالتوبة على الصحيح عند جمهور العلماء غير الحنابلة، إلا الحرابة
لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾.
٧ - التخيير: التخيير يدخل في التعازير مطلقاً، ولا يدخل في الحدود، إلا في
الحرابة .
٨ - مراعاة الظروف المخففة: إن التعزير يختلف باختلاف الفاعل والمفعول
معه، والجناية، أي أنه يختلف باختلاف الأشخاص والجريمة، فلا بد في عقوبة
التعزير من اعتبار مقدار الجناية والجاني والمجني عليه. أما الحدود فلا تختلف
باختلاف فاعلها، وليس للظروف المخففة أي أثر على جرائم الحدود والقصاص.
ويلاحظ أن هذا متم للفرق الأول.
- ٢١ -

٩ - مراعاة مكان الجريمة وزمانها: إن التعزير يختلف باختلاف الأعصار
والأمصار، فرب تعزير في بلاد يكون إكراماً في بلد آخر.
١٠ - حق الله وحق العبد: يتنوع التعزير نوعين: فمنه ما هو مقرر، رعاية لحق
الله تعالى، كالاعتداء على الصحابة أو القرآن ونحوه من انتهاك الحرمات الدينية.
ومنه ما هو مقرر رعاية لحق العبد، أي الحق الشخصي، كشتم فلان وضربه ونحوه.
أما الحدود فكلها عند أئمة المذاهب حق لله تعالى، إلا القذف ففيه خلاف، كما
سنبين. ومن الفروق عند الشافعي بين الحد والتعزير: أن ما يحدث عن الحد من
التلف هدر، لكن إن حصل تلف من التعز ير فانه یوجب الضمان بدلیل فعل عمر
حينما استدعى امرأة حاملاً فخافت منه فألقت جنيناً ميتاً، فشاور علياً في الأمر
فألزمه بدية الجنين: قيل: على عاقلة ولي الأمر. وقيل : إنها تكون في بيت المال.
وأما عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، فلا ضمان مطلقاً، فمن حده الإمام أو عزره
فمات من ذلك، فدمه هدر؛ لأن الإمام في الحالتين مأمور بالحد والتعزير، وفعل
المأمور لا يتقيد بشرط السلامة(١) .
(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي: ٣٥٥/٤، رد المحتار لابن عابدين: ١٩٦/٣ وراجع رسالة التعزير:
ص ٥١ وما بعدها .
- ٢٢ -

الفصل الأول
حَدّ الزنا
تمهيد :
الزنا حرام وفاحشة عظيمة، وهو من الكبائر العظام، واتفق أهل الملل على
تحريمه ولم يحل في ملة قط، ولهذا كان حده أشد الحدود؛ لأنه جناية على الأعراض
والأنساب، قال الله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى، إنه كان فاحشة وساء سبيلاً﴾ وقال
سبحانه: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا
بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة
ويخلد فيه مهاناً ﴾.
والأصل في مشروعية حد الزنا للبكر قوله عز وجل: ﴿الزانية والزاني،
فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة). وأما الرجم للمحصن فقد ثبت في السنة، فإن
الرسول مَ اّ رجم ماعزاً وامرأة من بني غامد، بأخبار بعضها متواتر، كما أثبتنا في
تخريج أحاديث تحفة الفقهاء(١)، وأجمع الصحابة على مشروعية الرجم.
وحد الزنا من حقوق الله تعالى الخالصة له، أي من حقوق المجتمع، لما يترتب
على الزنا من اعتداء على الأسرة والنسل ونظام المجتمع.
واتفق أئمة المذاهب على أنه لا يجب الحد على الصبي والمجنون، لقوله مح له (( رفع القلم
(١) راجع تحفة الفقهاء : ١٨٨/٣، ١٩٢ وسيأتي تخريج الحديث بإيجاز.
- ٢٣ -

عن ثلاث: عن الصبي حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق))(١).
وكما أن الزنا حرام، اللواط محرم أيضا، بل هو أفحش من الزنا، لقوله عز
وجل: ﴿ولوطاً إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة، ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾
فسماه الحق تعالى فاحشة، وقال ﴿ولا تقربوا الفواحش ماظهر منها وما بطن﴾.
وقد عذب الله عز وجل قوم لوط بما لم يعذب به أحداً من الناس. وقال مح له: ((من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به))(٢).
والسحاق: (وهو فعل النساء بعضهن ببعض) حرام أيضا، ويعزر فاعل
المساحقة ولو كان ذلك بين رجل وامرأة، أو بين رجلين. روى البيهقي عن أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه أن النبي ◌ُّ قال: ((إذا أتى الرجلُ الرجل فهما زانيان، واذا
أتت المرأة المرأة فهما زانيتان))(٣). وعن واثلة قال: قال رسول الله ◌ُ له: ((سحاق
النساء بينهن زنا))(٤).
أخرجه البزار في مسنده بهذا اللفظ عن أبي هريرة . قال الهيثمي وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن
(١)
حفص وهو متروك أ هـ الا أنه روي عن صحابة آخرين بألفاظ مختلفة : منها - ما رواه أحمد وأصحاب السنن
الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم ، وأخرجه ابن حبان ، ولفظه: ((رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى
يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر ، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق )» وروي أيضا عن علي بن أبي طالب
وأبي قتادة وثوبان وشداد بن أوس .
( راجع نصب الراية: ١٦١/٤ وما بعدها ، جامع الأصول : ٢٧١/٤ ، ٣٤٩ ، مجمع الزوائد : ٢٥١/٦ ، سبل
السلام : ١٨٠/٣ ) .
أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم والبيهقي عن ابن عباس ، ورواه البزار في مسنده وابن
(٢)
ماجه والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وأسناده أضعف من الأول ( راجع نصب الراية : ٣٣٩/٣ وما بعدها ،
جامع الأصول: ٢٠٥/٤ ، ٢٧١ ، التلخيص الحبير: ص ٣٥١).
رواه البيهقي عن أبي موسى. قال ابن حجر: ((وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري كذبه أبو حاتم ، ورواه أبو
(٣)
الفتح الأزدي في الضعفاء والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى ، وفيه بشر بن الفضل البجلي ، وهو
مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه)). (راجع التلخيص الحبير: ص ٣٥٢).
(٤)
رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، ورواه الطبراني أيضا بلفظ ((السحاق بين النساء زنا بينهن)). (راجع مجمع
الزوائد : ٢٥٦/٦ ) .
- ٢٤ -

وفي الجملة: إن العين بريد الزنا، قال النبي صَ لّ: ((العينان تزنيان واليدان
تزنيان، والرجلان تزنيان، ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه))(١) مما يدل على أن
غض البصر واجب شرعاً، قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم ويحفظوا
فروجهم﴾ ﴿وقل للمؤمنات: يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ فمن
حرمت مباشرته في الفرج بحكم الزنا أو اللواط، حرمت مباشرته فيما دون الفرج
بشهوة، لقوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت
أيمانهم، فإنهم غير ملومين ﴾.
ويحرم الاستمناء لقوله عز وجل: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على
أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين)، ولأنها مباشرة تفضي إلى قطع
النسل، فإن فعل عزر ولم يحد؛ لأنها مباشرة محرمة من غير إيلاج، فأشبهت مباشرة
الأجنبية فيما دون الفرج.
ويحرم إتيان الميتة والبهيمة للآية السابقة(٢). وسنعرف حكم الحد فيه .
تعـ
رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّ قال: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة ،
(١)
فالعينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، واليدان تزنيان ، وزناهما البطش ،
والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه)) وأخرجه البخاري
ومسلم عن ابن عباس بلفظ آخر، ورواه أحمد وأبو يعلى ، والبزار والطبراني وإسنادهما جيد عن ابن مسعود
بلفظ (( العينان تزنيان والرجلان تزنيان واليدان تزنيان والفرج يزني)). (راجع نصب الراية ١ ٢٤٨/٤ ،
التلخيص الحبير: ص ٣٢٤، مجمع الزوائد : ٢٥٦/٦) والمقصود من كتابة الزنا على ابن آدم : تقرير الواقع من
الإنسان بحسب علم الله المحيط بكل الأحداث والتصرفات ، لا بمعنى الفرض والإلزام ، ولا بد من أن يقع تصرف
الإنسان مطابقاً لما في علم الله ؛ لأن علمه لا يتغير.
حاشية ابن عابدين: ١٧١/٣، المهذب : ٢٦٨/٢ وما بعدها، حاشية الدسوقي: ٣١٦/٤، المغني: ١٨٧/٨ ، غاية
(٢)
المنتهى : ٣٣٤/٣.
- ٢٥ -

خطة الموضوع :
الكلام في حد الزنا في المباحث الخمسة الآتية:
المبحث الأول- سبب حد الزنا ((الجريمة)) وتعريف الزنا .
المبحث الثاني - شروط الحد.
المبحث الثالث- عقوبة الزنا ((الحد)).
المبحث الرابع - إثبات الزنا عند القاضي.
المبحث الخامس - إقامة الحد. ( كيفيته، حالة المحدود، مكان الإقامة).
ويلحق بها بيان حكم اللواط، ووطء البهيمة، ووطء الميتة.
المبحث الأول - سبب حد الزنا وتعريف الزنا:
إن سبب حد الزنا هو ارتكاب جريمة الزنا ، ولكن الفقهاء وضعوا ضوابط دقيقة
لتحقق هذه الجريمة ؛ لأن الحدود عموماً مبنية على الدرء والإسقاط، صيانة للمجتمع من
سماع وقوع هذه الفاحشة، فضلاً عن انتشارها والخوض في مساوئها ، فإذا لم تتوافر هذه
الضوابط سقط الحد. ويجب التعزير أو المهراذا كان الوطء بشبهة؛ لأن كل وطء حرام
لا يخلو عن عَقر (أي عقوبة أو حد زاجر) أو عُقْر(١) (أي مهر جابر في حالة الشبهة).
تعريف الزنا (٢):
الزنا في اللغة والشرع بمعنى واحد: وهو وطء الرجل المرأة في القُبُل في غير
الملك وشبهته(٣).
الكتاب مع اللباب : ٢٢/٣، ٢٨.
(١)
(٢)
الزنا تكتب بالقصر في لغة أهل الحجاز ، وبالمد في لغة أهل نجد .
حاشية ابن عابدين : ١٥٤/٣، فتح القدير: ١٣٨/٤، تبيين الحقائق للزيلعي: ١٦٤/٣، وقال في المهذب :
(٣)
٢٦٦/٢: إذا وطئ رجل من أهل دار الإسلام امرأة محرمة عليه ، من غير عقد ولا شبهة عقد ، وغير ملك ولا
شبهة ملك ، وهو عاقل بالغ مختار ، عالم بالتحريم ، وجب عليه الحد . فإن كان محصناً وجب عليه الرجم .
- ٢٦ -

وقد ذكر الحنفية تعريفاً مطولاً يبين ضوابط الزنا الموجب للحد، فقالوا: هو
الوطء الحرام في قُبل المرأة الحية المشتهاة في حالة الاختيار في دار العدل، ممن التزم
أحكام الاسلام، الخالي عن حقيقة الملك، وحقيقة النكاح، وعن شبهة الملك، وعن
شبهة النكاح، وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح جميعاً(١).
شرح التعريف وبيان محترزات قيوده:
الوطء: فعل معلوم وهو إيلاج فرج في فرج بقدر الحشفة. فالوطء الذي يجب
به الحد أن يغيب الحشفة في الفرج، فلا يجب الحد بأدنى من ذلك كالمفاخذة
والتقبيل.
الحرام: أي الوطء الحاصل من الشخص المكلف (أي العاقل البالغ). أما وطء
غير المكلف كالصبي والمجنون فلا يعتبر زنا موجباً للحد؛ لأن فعلهما لا يوصف
بالحرمة، لكونها غير مكلفين، بقوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع القلم عن ثلاث:
عن الصبي حتى يبلغ (٢)، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفيق)» السابق
ذكره.
في قبل : أخرج بذلك الوطء في الدبر في الأنثى أو الذکر، فإنه لا یسمی زنا
عند الإمام أبي حنيفة، بخلاف الصاحبين والشافعية والحنابلة والمالكية.
المرأة: أخرج وطء البهيمة؛ لأنه أمر نادر ينفر منه الطبع السليم كما قلنا.
الحية: أخرج وطء الميتة؛ لأنه أمر نادر، كما قلنا.
البدائع: ٣٣/٧ ، العناية شرح الهداية : ١٣٨/٤ .
(١)
هذا اللفظ أخرجه أبو داود عن علي بن أبي طالب. وهناك روايات أخرى مثل ((حتى يحتلم)) أو (( حتى
يكبر)» وقد تقدم تخريج الحديث ( انظر نصب الراية : ١٦٣/٤ ).
(٢)
- ٢٧ -

المشتهاة: لا يحد واطئ غير المشتهاة كالصغيرة التي لم تبلغ حداً يشتهى؛ لأن
الطبع السليم لا يقبل هذا .
حالة الاختيار: يجب أن يكون الواطئ مختاراً، سواء أكان رجلاً أم امرأة
موطوءة، فلا يحد المكرَه على الزنا. وقد اتفق العلماء على أنه لا حد على المرأة المكرهة
على التمكين من الزنا، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه))(١).
وأما الرجل المكرَه على الزنا، فلا حد ولا تعزير عليه أيضا عند الشافعية، وهو
المختار عند محققي المالكية، للحديث السابق ولقيام عذره بالإكراه.
وقال الحنابلة: يحد؛ إذ أنه ما دام قد حصل الانتشار منه، دل على انتفاء
الإِكراه.
وقال أبو حنيفة أولاً: إن أكرهه السلطان فلا حد عليه، وان أكرهه غير
السلطان حد استحساناً؛ لأن الإكراه لا يتحقق في رأيه الا من السلطان.
وأما وقوع الزنا ياكراه غير السلطان، فانه يدل على عدم تحقق معنى الإكراه،
لوجود الطواعية والرضا من الفاعل، بدلالة الحال وحصول الانتشار والشهوة.
ثم استقر رأي أبي حنيفة على أنه لا يحد المستكره؛ لأن الانتشار قد يكون دليل
الفحولية لا دليل الاختيار.
(١) أخرجه الطبراني عن ثوبان بلفظ: ( ان الله تجاوز عن أمتي ثلاثة: الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه ) قال
النووي : حديث حسن ، وصححه السيوطي ، وهو غير صحيح ، فقد تعقبه الهيثمي بأن فيه يزيد بن ربيعة
الرحبي وهو ضعيف ، ورواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي والحاكم في المستدرك من
حديث الأوزاعي، واختلف عليه، فقيل: عن ابن عباس بلفظ: ((إن الله وضع)) وللحاكم والدارقطني
والطبراني بلفظ: ((تجاوز)). (راجع التلخيص الحبير: ص ١٠٩، الجامع الصغير: ٢٤/٢، فيض القدير:
٣٤/٤، مجمع الزوائد : ٢٥٠/٦) .
- ٢٨ -

وقال الصاحبان: لا يحد المكره في الحالتين. وقال زفر: يحد فيهما جميعاً (١).
في دار العدل : أي في دار الاسلام؛ اذ لا ولاية لولي الأمر على دار الحرب أو
دار البغي .
ممن التزم أحكام الاسلام: أي المسلم أو الذمي وهو احتراز عن الحربي، فإنه لم
يلتزم أحكام الإسلام.
الخالي عن حقيقة الملك : هذا القيد لإخراج وطء المملوكة بملك اليمين، مثل
وطء الجارية المشتركة والمجوسية(٢) والمرتدة والمكاتبة والمحرمة برضاع أو صهرية أو
جمع(٣)، حتى وان كان الوطء حراماً وعلم بالحرمة(٤). والصحيح عند الشافعية أن من
ملك ذات رحم محرم، فوطئها، لا حد عليه؛ لأنه وطء في ملك، فلم يجب به الحد،
كوطء أمته الحائض. وكذا من وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، لا يجب عليه
الحد.
الخالي عن حقيقة النكاح: هذا قيد آخر لإخراج وطء المرأة بملك النكاح،
مثل وطء الزوجة الحائض أو النفساء، أو الصائمة، أو المحرمة في الحج، أو التي ظاهر
منها زوجها أو آلى منها، فلا يجب الحد وإن كان الوطء حراماً، لقيام ملك
(٥)
النكاح (٥).
(١) راجع البدائع: ٣٤/٧، ١٨٠، مغني المحتاج: ١٤٥/٤، المهذب: ٢٦٧/٢، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
الدردير: ٣١٨/٤، بداية المجتهد: ٤٣١/٢، المغني لابن قدامة: ١٨٧/٨، ٢٠٥ .
من المعلوم أنه لا يجوز نكاح المجوسية ( عابدة النار) ولا الوثنية ، ولا وطؤها بملك يمين ( حاشية ابن
(٢)
عابدين : ٣٩٨/٢ ) .
لا يعتق بالملك الا عمود النسب : وهم الآباء والأمهات وإن علوا، والأولاد وان سفلوا .
(٣)
(٤)
فتح القدير: ١٤٠/٤، البدائع : ٣٥/٧.
البدائع : ٣٥/٧ ، فتح القدير : ١٤٠/٤.
(٥)
- ٢٩ -

شبهة الملك: إذا قامت شبهة في ملك أو نكاح، فلا يجب الحد؛ لقوله عليه
السلام: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات))(١) وهذا الحديث وإن كان موقوفاً، فله حكم
المرفوع، ولأن الحد عقوبة كاملة فتستدعي جناية كاملة، ووجود الشبهة ينفي
تكامل الجناية، مثل وطء الأب جارية ابنه، فإن فيه شبهة ملك أو حق، لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((أنت ومالك لأبيك))(٣)؛ ووطء جارية العبد المكاتب؛ لأن
المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فيملك السيد الرقبة، فيورث ملكها شبهة في ملك
الكسب؛ ووطء جارية العبد المأذون، سواء أكان عليه دين أم لم يكن، فإذا لم يكن
عليه دين، فتكون الجارية ملك السيد، وإن كان عليه دين، فتكون رقبة المأذون
مملوكة للسيد، وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب، لكن توجد شبهة بسبب كون
المكاتب والمأذون يملكان التصرف في الجارية.
قال الزيلعي: غريب بهذا اللفظ ورواه البيهقي عن علي موقوفاً، وتمامه ((ولا ينبغي للإمام أن يعطل
(١)
الحدود)) إلا أن فيه المختار بن نافع قال البخاري عنه: وهو منكر الحديث ، قال : وأصح مافيه حديث
سفيان الثوري عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: ((أدرؤوا الحدود بالشبهات ، أدفعوا القتل
عن المسلمين ما استطعتم )) أخرجه ابن عدي ومسدد في مسنده موقوفاً على ابن مسعود ، وهو حسن ، وأخرجه
آخرون مرفوعاً ومرسلاً . وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضاً موقوفاً، وروي منقطعاً وموقوفاً على عمر .
وفي مسند أبي حنيفة عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ) ورواه ابن ماجه بإسناد ضعيف
عن أبي هريرة بلفظ: ( ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً) وأخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة
بلفظ: ((ادرؤوا الحدود عن المسلمين مااستطعتم)) ولكن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كما قال
الترمذي ، ورواه الدارقطني ثم البيهقي في سننيها مرفوعاً، وقال البيهقي: «الموقوف أقرب إلى الصواب)).
( راجع نصب الراية: ٣ / ٣٠٩، ٣٣٣، التلخيص الحبير: ص ٣٥٢، نيل الأوطار: ٧ / ١٠٤ ، سبل السلام:
٤ / ١٥، جامع الأصول: ٤ / ٣٤٣، مجمع الزوائد: ٦ / ٢٤٨، فيض القدير: ١ / ٢٢٧) .
،
(٢)
روي من حديث جابر وعائشة وسمرة بن جندب ، وعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عمر ، فحديث جابر
رواه ابن ماجه وإسناده صحيح . وحديث عائشة رواه ابن حبان في صحيحه ، وحديث سمرة أخرجه البزار
والطبراني ، وحديث عمر أخرجه البزار ، وحديث ابن مسعود أخرجه الطبراني ، وحديث ابن عمر رواه أبو
يعلى الموصلي. (راجع نصب الراية: ٣ / ٣٣٧ وما بعدها ) . إلا أن الملك هنا على سبيل الأدب والبر، لا على
سبيل الحقيقة ؛ لأن ملك الأب مستقل عن ملك الابن .
- ٣٠ -

ومثل وطء الجارية من المغنم في دار الحرب أو بعد الإحراز في دار الإسلام،
ولكن قبل القسمة لثبوت حق الاستيلاء.
فلا يجب الحد في هذه الحالات لوجود شبهة الملك وإن علم أن الوطء حرام(١).
شبهة النكاح: أي شبهة العقد بأن وطئ الرجل امرأة تزوجها بغير شهود أو
بغير ولي، أو بنكاح مؤقت وهو نكاح المتعة، فلا يجب الحد وإن كان الواطئ يعتقد
التحريم، لاختلاف العلماء في جواز عقد النكاح بغير شهود، أو بغير ولي، أو تأقيت
العقد، والاختلاف يورث شبهة. وإذا تزوج إنسان من محارمه بسبب نسب أو
رضاع أو صهارة موجبة لتحريم مؤبد، أو جمع بين أختين أو عقد على خمس أو تزوج
معتدة الغير، وحصل وطء بموجب العقد، فلا حد عليه عند أبي حنيفة والثوري وإن
علم بالحرمة، لكن عليه التعزير؛ لأنه وطء تمكنت الشبهة منه بسبب وجود صورة
المبيح، وهو عقد النكاح، فلم يوجب الوطء حداً.
وقال جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبين من الحنفية:
يجب الحد في كل وطء حرام على التأبيد؛ لأن النكاح باطل بالإجماع، ولا عبرة
بشبهته؛ لأنها شبهة فاسدة، وما ليس بحرام على التأبيد، كالمحرم بالصهرية مثل أخت
الزوجة، أو المختلف في تحریمه، کالنكاح بغیر شهود : لا یوجب الحد.
لكن قيد المالكية وجوب الحد بوطء ذات الرحم المحرم أو ذات الرضاع أو
الزوجة الخامسة بأن كان الواطئ عالماً بالحرمة، فإن لم يعلم بالحرمة ، فلا يحد.
وكذلك لا يحد عند الشافعية حال الجهل بالتحريم أو بكون المرأة من المحارم.
ومنشأ الخلاف: أن الأصل عند أبي حنيفة أن النكاح إذا وجد من أهل له، في محل
قابل لمقاصد النكاح، يمنع وجوب الحد، سواء أكان هذا النكاح حلالاً أم حراماً، وسواء
أكان التحريم مختلفاً فيه أم مجمعاً عليه، وسواء ظن الحل فادعى الاشتباه أو علم بالحرمة.
(١) البدائع: المرجع السابق، فتح القدير: ٤ / ١٤١ .
- ٣١ -

والأصل عند الصاحبين والجمهور: أن النكاح إذا كان محرماً على التأبيد، أو كان
تحريمه مجمعاً عليه، يجب الحد؛ لأن الوطء فيه صادف محلاً ليس فيه شبهة، وهو
مقطوع بتحريمه. وإن لم يكن محرماً على التأبيد أو كان تحريمه مختلفاً فيه لا يجب
الحد(١) .
وقول الصاحبين هو الأظهر، وعليه الفتوى عند الحنفية، لكن قال صاحب
الدر المختار: ((لكن المرجح في جميع الشروح قول الإمام، فكان الفتوى عليه أولى))(٢).
وذكر الشافعية أن من استأجر امرأة ليزني بها فزنى بها، أو تزوج ذات رحم محرم
وهو يعتقد تحريمها، وجب عليه الحد؛ لأنه لا تأثير للعقد في إباحة وطئها، فكان
وجوده کعدمه.
شبهة الاشتباه :
الشبهة: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت، وهي إما شبهة في الفعل، وتسمى
شبهة اشتباه، أي أنها شبهة في حق من اشتبه عليه، وليست بشبهة في حق من لم
يشتبه عليه، حتى لو قال: علمت أنها تحرم علي، حد،
أو شبهة في المحل، وتسمى شبهة حكمية، وهي تتحقق بقيام دليل على نفي
الحرمة، سواء ظن الحل أو علم الحرمة .
وشبهة في الفاعل، وسيأتي بيانها(٢).
راجع البدائع: ٧ / ٣٥ وما بعدها، مغني المحتاج: ٤ / ١٤٥، ١٤٦، المهذب: ٢ / ٢٦٨، الميزان للشعراني :
(١)
٢ / ١٥٧، حاشية الدسوقي: ٣ / ٢٥١، ٤ / ٣١٤، المغني: ٨ / ١٨٢، الفروق: ٤ / ١٧٤، رحمة الأمة :
٢ / ١٣٦ ٠
حاشية ابن عابدين : ٣ / ١٦٨ .
(٢)
راجع فتح القدير مع العناية: ٤ / ١٤٠ وما بعدها، ١٤٧، البدائع: ٧ / ٣٦ ، حاشية ابن عابدين :
(٣)
٣ / ١٦٥ وما بعدها .
- ٣٢ -

أما شبهة الفعل: فتثبت في ثمانية مواضع إذا ظن الواطئ الحل، أما لوقال:
علمت أنها حرام علي، فيحد.
وهذه المواضع هي :
١ - المرأة المطلقة ثلاثاً ما دامت في العدة، فإذا وطئها زوجها لم يحد إذا ظن بقاء
حلها، نظراً لبقاء النكاح في حق إلحاق النسب به: (وهو ما يعبرون عنه بقيام أثر
الفراش) وحرمة زواجها بآخر، ولوجوب النفقة والسكنى على الرجل.
٢ - المطلقة طلاقاً بائناً على مال، أو المختلعة، ما دامت في العدة، للأسباب
السابقة في المطلقة ثلاثاً(١).
وأما شبهة المحل فتتحقق في ستة مواضع، سواء ظن الواطئ الحل، أوقال:
علمت أنها علي حرام، وهذه المواضع هي :
١ - المرأة المطلقة طلاقاً بائناً بالكنايات، مثل: أنت بائن، أنت بتة، أنت
بتلة ، فلا يحد الواطئ ، لاختلاف الصحابة في كون هذه المرأة رجعية أو بائنة(٢).
وأما المواضع الستة الباقية فهي ((جارية الأب وجارية الأم وجارية الزوجة؛ لأن الرجل يتبسط في مال
(١)
أبويه وزوجته ، وينتفع به من غير استئذان وحشمة عادة . وأم الولد إذا أعتقها مولاها مادامت تعتد منه ،
لقيام أثر الفراش ، والعبد إذا وطئ جارية مولاه ؛ لأن العبد يتبسط في مال مولاه عادة بالانتفاع . والجارية
المرهونة إذا وطئها المرتهن في الرواية المذكورة في كتاب الحدود ، وهي الرواية الصحيحة ، لأن ملك المال في
الجملة ، أي حالة الهلاك سبب لملك المتعة .
وقال الحنابلة: ( المغني: ٦ / ٧٤٩ ): إذا كان الصداق جارية، فوطئها الزوج عالماً بزوال ملكه وتحريم
الوطء عليه ، فعليه الحد ؛ لأنه وطء في غير ملكه ، وعليه المهر لسيدتها ، سواء أكرهها أو طاوعته ؛ لأن المهر
لمولاتها ، فلا يسقط ببذلها ومطاوعتها .
أما وطء المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن وادعى أنه جهل تحريمه ، ففيه وجهان عند الشافعية ( المهذب :
٢ / ٢٦٨): أحدهما - أنه لا يقبل دعواه إلا إذا كان ممن يعذر بالجهل بالأحكام، والثاني - أنه يقبل قوله؛
لأن معرفة ذلك تحتاج إلى فقه .
وبقية المواضع هي: ١ - جارية الابن وإن سفل ، لقيام المقتضي للملك وهو قوله عليه الصلاة والسلام : =
(٢)
- ٣٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٦ (٣)

وأما شبهة الفاعل: فتظهر فيما لو رأى إنسان ليلاً على فراشه امرأة، فظنها
زوجته، فوطئها، أو نادى أعمى زوجته فأجابته امرأة أجنبية فوطئها، وهو يظنها
زوجته، ثم بانت الموطوءة أنها أجنبية، فلا حد عليه عند المالكية والشافعية وزفر من
الحنفية، لقيام عذره بالظن المجوز للإقدام على الوطء في الجملة. وذلك مثل المرأة التي
زفت إلى الرجل، وقالت النساء: إنها زوجتك مع أنها لم تكن امرأته، فوطئها، فلا
حد عليه، وعليه المهر(١).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والحنابلة: يحد الشخص في الحالتين؛ لأن الظن
لا يسوغ له الإقدام على الوطء، فكان الواجب عليه التربص حتى يعلم أنها زوجته،
ولا شبهة هنا سوى وجود المرأة على فراش الرجل، وهو لا يصلح شبهة مسقطة
(٢)
للحد(٢).
وقال محمد: إذا دعا الزوج الأعمى امرأته فقال: يا فلانة، فأجابته امرأة بقولها:
(أنا فلانة امرأتك)) فوطئها، لاحد عليه؛ لأنه لا سبيل للأعمى إلى أن يعرف أنها
امرأته إلا بذلك الطريق، فكان معذوراً.
أما إذا أجابته ولم تقل: ((أنا فلانة)) فيجب الحد؛ لأنه في وسعه أن يتثبت بأكثر
( أنت ومالك لأبيك، ٢ - والجارية المبيعة إذا وطئها البائع قبل القبض ( أو التسليم) ؛ لأن ملك اليد قائم
۔
فيورث شبهة ، وإن زال ملك الرقبة بالبيع .
٣ - الجارية التي جعلت مهراً في عقد زواج، ثم وطئها ا .وح قبل التسليم ؛ لأن ملك اليد قائم فيورث شبهة ،
وإن زال ملك الرقبة بالنكاح .
٤ - الجارية بين الشريكين ، لقيام الملك في النصف .
٥ - الجارية المرهونة في الرواية المذكورة في كتاب الرهن ؛ لأنه انعقد له فيها سبب الملك ، فلا يجب عليه
الحد ، اشتبه عليه أو لم يشتبه ، قياساً على مالو وطئ جارية اشتراها على أن البائع بالخيار ( راجع العناية
على الهداية في فتح القدير : ٤ / ١٤٢ ) .
(١)
راجع فتح القدير : ٤ / ١٤٦ .
البدائع: ٧ / ٣٧ ، فتح القدير: ٤ / ١٤٧، المغني : ٨ / ١٨٤ .
(٢)
- ٣٤ -

من هذا الجواب، فلا يصير شبهة (١).
وقال الشافعية والمالكية(٢): الشبهات دارئة للحدود، وهي ثلاثة:
١ - شبهة في الفاعل: وهو ظن حل الوطء إذا وطئ امرأة يظنها زوجته أو
مملو کته.
٢ - شبهة في الموطوءة: كوطء الشركاء الجارية المشتركة.
٣ - شبهة في السبب المبيح للوطء، كالنكاح المختلف فيه، كنكاح المتعة والشغار
والتحليل والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها البائن، ونكاح
الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية. قال ابن قدامة الحنبلي: وهذا قول
أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات(٣).
وقد وافق الحنابلة على اعتبار الشبهة الثانية والثالثة دارئة الحد، أما شبهة
الفاعل فلا تدرأ الحد(٤).
أما الشبهة الأولى عند الشافعية والمالكية فدرأت الحد؛ لأن الفاعل غير آثم
لاعتقاده الإباحة، والنسب لاحق به، والعدة واجبة على الموطوءة، والمهر واجب
عليه.
وأما الشبهة الثانية: فدرأت الحد؛ لأن مافيها له من ملك يقتضي الإباحة، وما
فيها من ملك غيره يقتضي التحريم، فلا تكون المفسدة فيه كمفسدة الزنا المحض،
(١)
المرجعان السابقان .
قواعد الأحكام العز بن عبد السلام: ٢ / ١٣٧، الفروق : ٤ / ١٧٢ .
(٢)
(٣)
المغني : ٨ / ١٨٤ .
المغني : ٨ / ١٨١ - ١٨٤ .
(٤)
- ٣٥ -

فيحصل الاشتباه بسبب عدم وجود مقتض للحد في حقه، وإن وجد موجب الحد
بسبب ملك غيره .
وأما الشبهة الثالثة، فليس اختلاف العلماء هو الشبهة، وإنما الشبهة ناجمة عن
التعارض بين أدلة التحريم والتحليل، فإن الحلال ماقام دليل تحليله، والحرام ماقام
دليل تحريمه، وليس أحدهما أولى من الآخر، كما أن ملك أحد الشريكين يقتضي
التحليل، وملك الآخر يقتضي التحريم.
وإنما غلب درء الحدمع تحقق الشبهة ؛ فلأن المصلحة العظمى في استيفاء الإنسان
لعبادة الله الديان، والحدود أسباب محظرة لا تثبت إلا عند كمال المفسدة وتمحضها .
هذه الشبهات الثلاث هي ضابط الشبهة المعتبرة في إسقاط الحدود عند هؤلاء
الفقهاء، وبه يظهر أن مبدأ الحدود هو الدرء والإسقاط بالشبهات.
الجهل بتحريم الزنا: يعذر الجاهل بالتحريم إن كان قريب العهد بالإسلام،
أو نشأ في بادية بعيدة عن العلماء، أو كان مجنوناً فأفاق وزنى قبل أن يعلم الأحكام(١).
المبحث الثاني - شروط حد الزنا:
لاحد على الزاني والزانية إلا بشروط، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه،
وهي عشرة(٢):
الأول - أن يكون الزاني بالغاً، فلا يحد الصبي غير البالغ بالاتفاق.
الثاني - أن يكون عاقلاً، فلا يحد المجنون بالاتفاق، وإن زنى عاقل بمجنونة أو
مجنون بعاقلة، حد العاقل منهما .
(١)
المهذب : ٢ / ٢٦٨.
القوانين الفقهية: ص ٣٥٣ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ٣ / ١٩٠ - ١٩٣، المهذب: ٢ / ٢٦٣، ٢٦٦،
(٢)
٢٦٩، غاية المنتهى: ٣ / ٣١٩ وما بعدها .
- ٣٦ -

الثالث- أن يكون مسلماً، في رأي المالكية، فلا يحد الكافر إن زنى بكافرة
ولكنه يؤدب إن أظهره، وإن استكره مسلمة على الزنا قتل، وإن زنى بها طائعة
نكِّل به وعزر. وقال الجمهور: يحد الكافر حد الزنا، لكنه لا يرجم المحصن عند
الحنفية، وإنما يجلد. ولا حد للزنا وشرب الخمر عند الشافعية والحنابلة على المستأمن؛
لأنه حق لله تعالى، ولم يلتزم بالعهد حقوق الله تعالى.
الرابع - أن يكون طائعاً مختاراً، واختلف الفقهاء في أنه هل يحد المكره على
الزنا، فقال الجمهور: لا يحد، وقال الحنابلة: يحد، كما بينا في التعريف. ولا تحد المرأة
إذا استكرهت على الزنا أو اغتصبت.
الخامس - أن يزني بآدمية، فإن أتى بهيمة فلا حد عليه باتفاق المذاهب الأربعة
في الأصح عند الشافعية، ولكنه يعزر، ولا تقتل البهية ولا بأس بأكلها عند الجمهور،
وتقتل بشهادة رجلين على فعله بها، ويحرم أكلها ويضمنها عند الحنابلة.
السادس - أن تكون المزني بها ممن يوطأ مثلها، فإن كانت صغيرة لا يوطأ
مثلها، فلا حد عليه ولا عليها . ولا تحد المرأة إذا كان الواطئ غير بالغ.
السابع - ألا يفعل ذلك بشبهة (انتفاء الشبهة)، فإن كان الوطء بشبهة، سقط
الحد، مثل أن يظن بامرأة أنها زوجته أو مملوكته، فلا حد عند الجمهور، ويجب الحد
عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهذه هي شبهة الفاعل. وكذلك لا يحد بالاتفاق من
وطئ بعد وجود نکاح فاسد مختلف فیه، کالزواج دون ولي أو بغیر شهود، إذا
استفاض واشتهر عند المالكية، وذلك بسبب شبهة العقد. فإن كان الزواج فاسداً
بالاتفاق، كالجمع بين الأختين، ونكاح خامسة، ونكاح ذوات المحارم من النسب أو
الرضاع، أو تزوج في العدة، أو ارتجاع من طلاق ثلاث دون أن تتزوج غيره، أو شبه
ذلك، فيحد فيما ذكر كله، إلا أن يدعي الجهل بتحريم المذكور كله ففيه قولان عند
المالكية.
٠١٠
- ٣٧ -

الثامن - أن يكون عالماً بتحريم الزنا، فإن ادعى الجهل به، وهو ممن يظن به
الجهل، ففيه قولان عند المالكية لابن القاسم وأصبغ.
التاسع - أن تكون المرأة غير حربية، فإن كانت حربية حد عند ابن القاسم
المالكي، خلافاً لابن الماجشون، وكذلك إن كانت من المغنم، حد عند ابن القاسم
خلافاً لأشهب، وقد وافق فقهاء المذاهب الآخرون على رأي أشهب، للشبهة .
العاشر - أن تكون المرأة حية، فلا يحد عند الجمهور واطئ الميتة ويحد في
المشهور عند المالكية، کما سيأتي بيانه.
ويشترط أيضاً تحقيق معنى الزنا وهو تغييب حشفة أصلية في قبل امرأة كما
بينا، أما الوطء في الدبر أو اللواط، فلا يوجب الحد وإنما يوجب التعزير عند أبي
حنيفة، ويوجب الحد عند سائر المذاهب ومنهم الصاحبان، وأما من وطئ أجنبية
غير محرم فيما دون الفرج، كتفخيذ وتبطين، فيعزر اتفاقاً؛ لأنه فعل منكر ليس فيه
شيء مقدر شرعاً. ويشترط كذلك أن يكون الوطء في دار الإسلام، فلا حد على من
وطئ في دار الحرب، كما بينا.
المبحث الثالث - عقوبة الزنا:
الى
الزاني إما محصن فيجب عليه حد الرجم، أو غير محصن، فيجب عليه حد الجلد.
١ - حد الزاني البكر غير المحصن :
حد الزاني البكر هو الجلد، لقوله تعالى: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد
منهما مائة جلدة). واختلف العلماء في النفي، فهل يجمع بين الجلد والتغريب على
الزاني البكر (١)؟.
(١) راجع المبسوط السرخسي: ٩ / ٤٤، البدائع: ٧ / ٣٩، فتح القدير: ٤ / ١٣٤، ١٣٦، مختصر الطحاوي
ص ٢٦٢، مغني المحتاج: ٤ / ١٤٧، المهذب: ٢ / ٢٦٧، ٢٧١، حاشية الدسوقي: ٤ / ٣٢٢ ، بداية المجتهد :
٢ / ٤٢٧، المنتقى على الموطأ: ٧ / ١٣٧، القوانين الفقهية: ص ٣٥٤، المغني لابن قدامة: ٨ / ١٦٦.
- ٣٨ -

مــ
قال الحنفية: لا يضم التغريب أي النفي إلى الجلد؛ لأن الله تعالى جعل الجلد
جميع حد الزنا، فلو أوجبنا معه التغريب. كان الجلد بعض الحد، فيكون زيادة على
النص، والزيادة عليه نسخ، ولا يجوز نسخ النص بخبر الواحد، ولأن التغريب
تعريض للمغرَّب على الزنا، لعدم استحيائه من معارفه وعشيرته.
فالنفي عندهم ليس بجد، وإنما هو موكول إلى رأي الإمام، إن رأى مصلحة في
النفي فعل، کما أن له حبسه حتى يتوب.
وقال الشافعية والحنابلة: يجمع بين الجلد والنفي أو التغريب عاماً، لمسافة
تقصر فيها الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً:
البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم))(١) إلا أن
الشق الثاني من هذا الحديث غير معمول به عند هؤلاء وغيرهم ، بل الواجب على
المحصن الرجم فقط للأحاديث الآتية الواردة في الرجم ، ولكن لا تغرب المرأة وحدها
بل مع زوج أو محرم لخبر: ((لا تسافر المرأة إلا ومعها زوج أو محرم))(٣).
ويؤكده قصة العسيف التي رواها الجماعة عن أبي هريرة وزيد بن خالد، والتي
قضى فيها النبي صَ لّ على الولد الأجير بجلد مائة وتغريب عام، وعلى المرأة بالرجم.
وقال المالكية: يغرب الرجل سنة، أي يسجن في البلد التي غرب إليها، ولا
تغرب المرأة خشية عليها من الوقوع في الزنا مرة أخرى بسبب التغريب.
(١) رواه أحمد والموطأ وأصحاب الكتب الستة إلا البخاري والنسائي عن عبادة بن الصامت (راجع جامع
الأصول: ٢٦٤/٤، مجمع الزوائد: ٢٦٤/٦، نصب الراية: ٣٣٠/٣، نيل الأوطار : ٨٧/٧ ، سبل السلام:
٤٥/٤ ، التلخيص الحبير: ص ٣٥٠ ).
(٢)
أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ( لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم
منها ) وفي لفظ مسلم: ((ثلاثاً)) وفي لفظ ((فوق ثلاث)) وفي لفظ له ((ثلاثة أيام فصاعداً)) وأخرجه
الدارقطني عن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً: ((لاتسافر امرأة سفر ثلاثة أيام، أو تحج إلا ومعها زوجها)) ورواه
البخاري ومسلم بألفاظ أخرى عن ابن عمر وأبي هريرة ( راجع نصب الراية: ١١/٣ ، سبل السلام: ١٨٣/٢،
الجامع الصغير: ٢٠٠/٢، التلخيص الحبير: ص ٣٥١).
- ٣٩ -

قال الشوكاني(١): والحاصل أن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة
المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائداً عن القرآن، فليس لهم معذرة عنها
بذلك، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل.
وبهذا يظهر أنه لا يجمع بين الجلد والرجم بالاتفاق بين المذاهب الأربعة.
وقال الطاهرية: يجمع بين الجلد والرجم لظاهر حديث: ((والثيب بالثيب
جلد مائة، ورجم بالحجارة)).
٢ - حد الزاني المحصن :
اتفق العلماء على أن حد الزاني المحصن هو الرجم، بدليل ماثبت في السنة
المتواترة وإجماع الأمة، والمعقول(٢).٥
أما السنة فكثير من الأحاديث: منها قوله عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم
إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق
للجماعة))(٣) ومنها قصة العسيف الذي زنى بامرأة، فقال الرسول عليه السلام لرجل
من أسلم: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))(٤).
وقصة ماعز التي وردت من جهات مختلفة ، فقد اعترف بالزنا فأمر الرسول عليه
(١)
نيل الأوطار : ٨٩/٧ .
المبسوط: ٣٧/٩، مغني المحتاج: ١٤٦/٤، فتح القدير: ١٢١/٤، المنتقى على الموطأ: ١٣٢/٧ وما بعدها ، نيل
(٢)
الأوطار : ٨٦/٧، القوانين الفقهية : ص ٣٥٤ وما بعدها .
رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود ، وروي بألفاظ أخرى عن عثمان وعائشة وأبي هريرة وجابر وعمار بن
(٣)
ياسر (راجع نصب الراية: ٣١٧/٣، ومجمع الزوائد: ٢٥٢/٦، الأربعين النووية: ص ٣٨).
أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني
(٤)
( راجع نصب الراية: ٣١٤/٣ ، جامع الأصول: ٢٩٦/٤ ، التلخيص الحبير: ص ٥٢٢ ، سبل السلام : ٢/٤ وما
بعدها ) . والعسيف : الأجير .
- ٤٠ -