النص المفهرس
صفحات 821-840
جديد في حق شخص ثالث ، لوجود معنى البيع ( وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي ) والشفيع هنا هو الثالث(١). وقال المالكية والشافعية(٢): يكفي أن يكون العقد عقد معاوضة، سواء أكانت بمال أم غيرمال ، فتثبت الشفعة بالمعاوضة على غيرمال ؛ لأن الغرض من الشفعة دفع ضرر الدخيل، وهذا متحقق هنا، ولأنه عقار مملوك بعقد معاوضة، فأشبه البيع ، ويطالب الشفيع حينئذ بدفع قيمة البدل، كما لو باعه بعرض تجاري ؛ لأن هذه الأعواض أموال متقومة عندهم، فيؤخذ الشيء بقيمته عند تعذر الأخذ بالمثل، فيدفع الشفيع مهر المثل ، وعوض الخلع . الشرط الثالث - أن يكون العقد صحيحاً : اتفق الفقهاء على هذا الشرط(٣)، لأن المطلوب هو زوال حق البائع في المبيع، فلا تثبت الشفعة في المشترى شراء فاسداً؛ لأن هذا العقد يجب ديناً نقضه، ورد المبيع إلى ملك بائعه، للتخلص من الفساد، فلا يكون البيع لازماً، لاحتمال فسخه من كل العاقدين ، وفي إثبات الشفعة تقرير الفساد . لكن لو سقط حق فسخ البيع الفاسد بأسباب مسقطة للفسخ، كزيادة المبيع، وزوال ملك المشتري بالتصرف في المشترى إلى غيره، كان للشفيع عند الحنفية والمالكية(٤) أن يأخذ بالشفعة؛ لأن المانع قيام احتمال الفسخ ولقد زال المانع، كما لو باع شخص بشرط الخيار له، ثم أسقط الخيار، وجبت الشفعة لزوال المانع من ثبوت الحق ، وهو الخيار، فكذا هذا . اللباب : ١٢٠/٢ وما بعدها ، كشاف القناع: ١٥٢/٤ وما بعدها . (١) (٢) بداية المجتهد : ٢٥٥/٢ ، القوانين الفقهية: ص ٢٨٧ ، مغني المحتاج : ٢٩٨/٢ البدائع: ١٣/٥، تبيين الحقائق: ٢٥٤/٥، اللباب: ١١٤/٢، الشرح الصغير: ٦٤٠/٣، - مغني (٣) المحتاج: ٢٩٨/٢ ، المغني : ٢٩١/٥ البدائع ، والشرح الصغير ، المكان السابق . (٤) - ٨٢١ - وفي حالة بيع المشتري الشيء المشترى شراء فاسداً، يكون الشفيع عند الحنفية بالخيار، إن شاء أخذ الشفعة بالبيع الأول، وإن شاء أخذها بالبيع الثاني؛ لأن حق الشفيع ثابت عند كل من البيعين ، غير أنه إن أخذ بالبيع الثاني أخذ بالثمن ، وإن أخذ بالبيع الأول، أخذ بقيمة المبيع يوم القبض ؛ لأن البيع الفاسد يفيد الملك بقيمة المبيع لا بالثمن . وإنما تقدر القيمة يوم القبض ؛ لأن المبيع بيعاً فاسداً مضمون بالقبض ، كالمغصوب . ورأي المالكية قريب من هذا، كما بينا في مبدأ الكلام عن المبحث الرابع . الشرط الرابع - ملك الشفيع المشفوع به وقت البيع : اتفق الفقهاء على شرط كون الشفيع مالكاً ما يشفع به قبل البيع ، واختلفوا في استمرار الملك حتى القضاء بالشفعة على رأيين : فقال الحنفية(١): يشترط استمرار ملك الشفيع حتى يقضى له بالشفعة، فلو بيع عقار، فطلبه الشريك أو الجار بالشفعة ، ثم باع ما يشفع به، سقط حقه فيها؛ لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشفيع (الشريك أو الجار عندهم)، ولا ضرر يصيبه من المشتري بعد بيع ملكه . وكذا لو باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة ، سقط حقه ، سواء أكان عالماً ببيع الدار المشفوع فيها ، أم لم يعلم . وقال جمهور الفقهاء (غير الحنفية)(٢): يشترط ثبوت ملك الشفيع وقت البيع فقط ، ولا يشترط استمرار الملك إلى وقت القضاء بالشفعة. وعليه نص الشافعية البدائع : ١٤/٥، تكملة الفتح: ٤٤٦/٧، الكتاب مع اللباب: ١١٣/٢، الدر المختار ورد المختار: ١٥٧/٥، ١٧٠ (١) بداية المجتهد: ٢٦٠/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٨٧، مغني المحتاج: ٢٩٨/٢، ٣٠٣، ٣٠٨ وما بعدها ، نهاية (٢) المحتاج: ٣٠٨/٤، المهذب: ٣٨٣/١، المغني: ٣١٧/٥، ٣٤٦، غاية المنتهى : ٢٦٣/٢، كشاف القناع : ١٥٣/٤، ١٥٨، ١٧٦، الشرح الصغير للدردير: ٦٤٥/٣، الشرح الكبير: ٤٧٤/٣، ٤٨٧ - ٨٢٢ - فقالوا: لو باع الشفيع حصته، أو أخرجها عن ملكه بغير البيع كالهبة ، جاهلاً بالشفعة ، فالأصح بطلانها ، لزوال سببها ، وهو الشركة أي حين البيع . أ- ويترتب على هذا الشرط بالاتفاق أنه لا شفعة لشخص بدار يسكنها بالإِجارة، أو الإعارة، ولا بدار باعها قبل بيع المشفوع فيه، ولا بدار جعلها مسجداً، ولا بدار جعلها وقفاً، فلا شفعة للوقف أي ليس لناظر الوقف أن يطلب تملك العقار المبيع بجوار الأراضي الموقوفة، إذ لا مالك للوقف. أما إذا بيع الوقف عند الحنفية القائلين بجواز الاستبدال بالعين الموقوفة للضرورة أو للحاجة والمصلحة، فيثبت حق الشفعة للجار؛ لأنه بالبيع يصبح غير موقوف ، فيجوز أخذه بالشفعة كذلك تثبت الشفعة عند الحنفية في حالة بيع العقار الموقوف غير المحكوم به (١)، كما تثبت في بيع الأراضي العشرية والخراجية لأنها مملوكة، بخلاف الأراضي السلطانية ، فإنه لا شفعة فيها . وأجاز المالكية(٢) للسلطان الأخذ بالشفعة لبيت المال، كما إذا مات أحد الشريكين، ولا وارث له، فأخذ السلطان نصيبه لبيت المال، ثم باع الشريك الآخر حصته، فللسلطان الأخذ بالشفعة لبيت المال. وكما لو مات إنسان عن بنت مثلاً، فأخذت النصف، ثم باعته، فللسلطان الأخذ من المشتري لبيت المال . ب - ويتفرع على الخلاف السابق بين الفقهاء في شرط استمرار ملك المشفوع به : إرث حق الشفعة . (١) يرى أبو حنيفة أن الوقف لا يلزم ويزول ملك الواقف عنه إلا إذا حكم به الحاكم، أو علقه الواقف بموته ( الهداية: ١٠/٣ ) . (٢) الشرح الصغير: ٦٢٢/٣، الشرح الكبير: ٤٧٤/٣. - ٨٢٣ - فقال الحنفية : لا يثبت للوارث حق الأخذ بالشفعة إذا مات الشفيع بعد طلب الشفعة قبل القضاء، فليس للوارث الشفعة في عقار بيع في حياة مورثه؛ لأن الوارث لم يكن مالكاً ما ورثه وقت العقد . وقال الجمهور: يثبت حق الشفعة للوارث ، إذا طالب به الشفيع المورث بعد البيع قبل موته، بخلاف ما إذا مات قبل الطلب؛ لأن الوارث خليفة المورث ، فله كل حقوق مورثه ، ومنها حق الشفعة ، دفعاً لضرر الدخيل عن نفسه . ومنشأ الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في إرث خيار الشرط : هو هل تورث الحقوق كما تورث الأموال ؟ فعند أبي حنيفة : لا تورث، وعند الجمهور: تورث(١). الشرط الخامس - عدم رضا الشفيع بالبيع وحكمه : اتفق الفقهاء على اشتراط ألا يصدر من الشفيع ما يدل على رضاه ببيع العقار المشفوع فيه ، فإن رضي بالبيع أو بحكمه قولاً، أو فعلاً بأن باع الشفيع المشفوع به أوسكت مدة طويلة من غير عذر، سقط حقه في طلب الشفعة ؛ لأن الشفيع بالخيار بين الأخذ والترك ؛ لأن الشفعة حق ثبت له لدفع الضرر عنه،فخیر بین أخذه وتركه . وقدر المالكية مدة السكوت فقالوا: ألا يظهر من الشفيع ما يدل على إسقاط الشفعة من قول أو فعل أو سكوت مدة سنة كاملة بعد العقد فأكثر بلا مانع، مع علمه وحضوره . لكن يشترط لسقوط هذا الحق : ألا يكون هناك تدليس أو خديعة للشفيع لإسقاط الشفعة، من طريق المشتري، أو الثمن ، أو قدر المبيع نفسه (٢). (١) المبسوط : ١١٦/١٤ . البدائع: ١٥/٥، ١٩ - ٢٠، المبسوط: ١٠٥/١٤، ١١١، الدر المختار ورد المختار: ١٧٣/٥، اللباب: ١١٨/٢، (٢) الشرح الصغير: ٦٤٣/٣ وما بعدها، نهاية المحتاج: ١٥٩/٤، المهذب: ٣٧٩/١ ، مغني المحتاج : ٣٠٨/٢ ، المغني : ٣٠٢/٥، القوانين الفقهية: ص ٢٨٦ . - ٨٢٤ - فإذا أخبر أن المشتري فلان ، وكان المشتري بالفعل غيره ؛ أو أن الثمن كذا، وكان الثمن بالفعل أقل أو من جنس أو نوع أو وصف آخر، أو أن المبيع جزء معين، وكان المبيع بالفعل جزءاً أو أكثر أو كل المبيع، فسلم الشفعة أي أعرض عنها ، ثم تبين الحقيقة والواقع ، بقي حقه، وكان له الشفعة ؛ لأنه إنما تركها لغرض بان خلافه ولم يتركه رغبة عنه . لكن لو كان الأمر على عكس بعض هذه الحالات الثلاثة السابقة، كأن أخبر بأن الثمن ألف، فبان أكثر من ألف، أو أن المبيع كله، فبان بعضه، أو أن الثمن مؤجل، فبان حالاً نقداً، سقط حقه في الشفعة، لأنه إذا لم يرغب فيه بالأقل ، أو بالمؤجل، فبالأكثر، أو المعجل أولى. ومن رغب عن شراء الكل ، رغب عن شراء البعض بالأولى، خوف ضرر الشركة. والحالة الأخيرة هي الرواية المشهورة (ظاهر الرواية) عند الحنفية، وهي مذهب المالكية، أي أن الشفعة تسقط إذا أخبر الشفيع أن شريكه باع الكل، فترك الشفعة، ثم تبين أنه لم يبع إلا النصف مثلاً . وقال أبو يوسف والحنابلة : إن للشفيع الشفعة في الحالة الأخيرة؛ لأنه قد يعجز عن ثمن الكل ويقدر على ثمن النصف مثلاً، وقد تكون حاجته إلى النصف لإتمام مرافق ملكه، ولا يحتاج إلى الكل . والخلاصة عند الجمهور: أن الشفيع إذا أخبر بما هو الأنفع له، فترك الأخذ بالشفعة ، بطل حقه، وإلا فلا . الاحتيال لإسقاط الشفعة : اتفق الحنفية على كراهية الحيلة تحريماً لإسقاط الشفعة بعد ثبوتها أي بعد البيع ، أما الحيلة لدفع ثبوت الشفعة قبل البيع، فيروى عن أبي يوسف ، وبقوله يفتى : أنه لا تكره، إذا كان الجار غير محتاج للمشفوع فيه ؛ لأنها منع عن إثبات الحق، - ٨٢٥ _ فلا يعد ضرراً. وتكره عند محمد ؛ لأن الشفعة إنما وجدت لدفع الضرر، ولو أبحنا الحيلة لما تحقق دفع الضرر (١) . والخلاصة : أن المقرر عند الحنفية ومثلهم الشافعية: أنه يجوز الاحتيال لإسقاط الشفعة ، كأن يقرله ببعض الملك ثم يبيعه الباقي. أما الحنابلة والمالكية : فقد حرموا صراحة الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط ؛ لأنها شرعت لدفع الضرر، فلو سقطت بالتحيل لترتب الضرر(٣). المبحث السادس - إجراءات الشفعة بما أن الشفعة حق ضعيف كما يقول الفقهاء، فلا تكون سبيلاً للتملك بها إلا باتخاذ إجراءات خاصة بطلبها من الشفيع بمجرد العلم بالبيع ، حتى يحكم له بها . وقد قال الحنفية : يلزم في الشفعة طلبات ثلاثة : هي طلب المواثبة، وطلب التقرير والإشهاد، وطلب الخصومة والتملك). ويحسن قبل الكلام عن هذه الإجراءات بيان اختلاف الفقهاء حول وقت وجوب الشفعة . وقت وجوب الشفعة : اشترط الحنفية طلب الشفعة فور العلم بالبيع ؛ لأنها حق ضعيف ، فيتقوى بالطلب الفوري حسب المعتاد . ولم يشترط الإمام مالك المطالبة بالشفعة على الفور، وإنما وقت وجوب الأخذ بالشفعة عنده متسع ، وهو في حدود السنة بعد العقد ، على أشهر الأقوال عنه(٤). (١) الهداية مع تكملة الفتح: ٤٥٠/٧، الدر المختار ورد المختار: ١٧٣/٥، اللباب: ١١٨/٢. (٢) المغني : ٣٢٦/٥ وما بعدها ، كشاف القناع: ١٤٩/٤ وما بعدها، الإفصاح: ص ٢٧٦ . م ١٠٢٨ مجلة، البدائع: ١٧/٥، مختصر الطحاوي: ص ١٢٠ وما بعدها، تكملة الفتح: ٤١٦/٧، ٤١٨ وما (٣) بعدها، تبيين الحقائق: ٢٤٢/٥، الدر المختار: ١٥٧/٥ وما بعدها، اللباب : ١٠٧/٢، ١١٢. الشرح الكبير : ٤٨٧/٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٦٣٩/٣، ٦٤٥، بداية المجتهد : ٢٥٩/٢. (٤) - ٨٢٦ - واشترط الشافعية على الأظهر(١): المبادرة إلى طلب الشفعة على الفور أي بعد علم الشفيع بالبيع ؛ لأنها حق ثبت لدفع الضرر، فكان على الفور كالرد بالعيب، فإذا علم الشفيع بالبيع، فليبادر على العادة، فلو كان الشفيع في الصلاة أو في الحمام أو في حال قضاء الحاجة، لم يكلف قطع ما هو فيه ، وإنما له التأخير إلى الفراغ مما هو فيه . والضابط فيه : أن ماعد توانياً في طلب الشفعة أسقطها ، وإلا فلا. وإن كان مريضاً أو غائباً عن بلد المشتري، أو خائفاً من عدو، فليوكل إن قدر، وإلا بأن عجز عن التوكيل ، فليشهد على الطلب للشفعة رجلين عدلين أو عدلاً وامرأتين . فإن ترك الشفيع المقدور عليه من التوكيل والإشهاد، بطل حقه في الأظهر. والحنابلة كالشافعية قالوا (٢): يشترط المطالبة بالشفعة على الفور بمجرد العلم بالبيع، بأن يشهد الشفيع على طلب الشفعة، حين يعلم بالبيع، إن لم يكن له عذر يمنعه من الطلب. ثم إذا أشهد على الطلب له أن يخاصم المشتري، ولو بعد أيام أو أشهر أو سنين . وبه يتبين أن الجمهور يقولون: إن الشفعة على الفور، للحديث النبوي : ((الشفعة كحل العقال)) (٣)، ولأن ثبوتها على التراخي ربما أضر بالمشتري لعدم استقرار ملكه . وأما المالكية : فلم يشترطوا الفورية، فلو سكت الشفيع بلا مانع سنة كاملة بعد العقد، فما دونها، أو غاب وعاد في أثناء السنة، ثم طلب الشفعة، أخذها؛ لأن المهذب : ٣٨٠/١، مغني المحتاج: ٣٠٧/٢، حاشية الباجوري: ١٩/٢، المحلي على المنهاج مع حاشية قليوبي (١) وعميرة : ٥٠/٣ . (٢) كشاف القناع: ١٥٦/٤، المغني : ٢٩٩/٥ ، ٣٠٦ وما بعدها . ويروى (( كنشطة العقال)) رواه ابن ماجه، والبزار وابن عدي من حديث ابن عمر، وهو ضعيف (نصب (٣) الراية : ١٧٦/٤ وما بعدها ) . - ٨٢٧ - السكوت لا يبطل حق امرئ مسلم مالم يظهر من قرائن الأحوال ما يدل على إسقاطه . لكن يحق للمشتري المطالبة عند الحاكم للشفيع بعد الشراء بأن يحدد موقفه، إما بالأخذ بالشفعة أو الترك ، فإن أجاب بواحد منهما فظاهر، وإلا أسقط الحاكم شفعته . 1 ٠ مراحل طلب الشفعة : يبدأ الشفيع بطلب الشفعة عند الحنفية كما يلي : ١ - طلب المواثبة: أي المبادرة والسرعة، وهو أن يطلب الشفيع في مجلس علمه بالبيع الأخذ بالشفعة ، بلفظ يفهم منه طلبها مثل : أطلب الشفعة أو أنا طالبها، أو أنا شفيع المبيع وأطلبه بالشفعة ونحوه (١)، لقوله ماقال: ((الشفعة لمن واثبها)) (٢) ولا يلزم الإشهاد من الشفيع على هذا الطلب، وإنما هو أفضل، لمخافة جحود أو إنكار الخصم (المشتري) الطلب في ساحة القضاء. فالمعتبر هو الطلب، وإنما الإشهاد ليثبت الطلب بالشهادة عند الإنكار، كالطلب والإشهاد لهدم الحائط المائل، لا يشترط الإشهاد للضمان ، وإنما لإثبات سبب الضمان . ويلاحظ أن أصح الروايتين عند الحنفية: هو بقاء الحق في الطلب مادام الشفيع في مجلس العلم بالبيع ، مهما امتد . والأظهر عند الشافعية كما بينا أن هذا الطلب على الفور. وكذلك قال الحنابلة: الشفعة بالمواثبة ساعة العلم بالبيع أي على الفور. وأما المالكية : فوقت الطلب عندهم كما بينا على التراخي ، لمدة سنة، على أشهر أقوال مالك . (١) م (١٠٢٩) مجلة. . (٢) رواه الفقهاء في كتبهم، وهو كما قال الزيلعي عنه: غريب، وأخرجه عبد الرزاق من قول شريح: ((إنما الشفعة لمن واثبها)) فهو أثر، وليس بحديث ( نصب الراية : ١٧٦/٤ ). - ٨٢٨ - ٢ - طلب التقرير: وهو أن يتقدم الشفيع بطلب آخر يؤكد به طلبه الأول. إذ قد يكون الطلب الأول عن رغبة عارضة من الشفيع ، ثم يتبين أمره وظروفه وإمكاناته المادية، فلا بد من هذا الطلب لتأكيد وتقرير الطلب الأول(١). ويشترط في هذا الطلب: أن يكون على فور الطلب الأول، والإشهاد عليه، بأن يشهد الشفيع على رغبته بالشفعة رجلين أو رجل وامرأتين، ومدة هذا الطلب ليست على فور المجلس في الأكثر، بل هي مقدرة بمدة التمكن من الإشهاد. والإشهاد يكون على البائع إن كان المبيع في يده، أو على المشتري، وإن لم يكن قد تسلم المبيع ؛ لأنه مالك؛ أو عند العقار المبيع لتعلق الحق به. وصورة الإشهاد والطلب: أن يقول الشفيع: إن فلاناً اشترى هذه الدار، وأنا شفيعها، وقد كنت طلبت الشفعة ، وأطلبها الآن ، فاشهدوا على ذلك، أو نحوه . ويلاحظ أن الإشهاد على هذا الطلب ليس بشرط لصحته، كما ليس بشرط لصحة طلب المواثبة، وإنما هو لتوثيقه عند إنكار الخصم . وإن كان الشفيع في محل بعيد ، ولم يمكنه طلب التقرير والإشهاد بهذا الوجه، 5 يوكل آخر، وإن لم يجد وكيلاً أرسل مكتوباً . وإذا كان الشفيع قد تقدم بطلب المواثبة أمام شهود، عند البائع إذا كان المبيع في يده، أو عند المشتري، أو عند المبيع نفسه، كفاه ذلك عن طلب التقرير، لحصول المقصود، وهو إظهار كونه مصراً على طلب الشفعة . حكم الطلب : إذا فعل الشفيع طلب التقرير، استقرت شفعته أي حقه، ولم تسقط بعده بالتأخير عند أبي حنيفة وفي رواية عن أبي يوسف، وهو ظاهر المذهب البدائع: ١٨/٥ - ١٩، تكملة الفتح: ٤١٩/٧ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ١٥٨/٥، تبيين الحقائق: (١) ٢٤٣/٥ وما بعدها، اللباب : ١٠٨/٢ - ١٠٩، م (١٠٢٠ ) مجلة . - ٨٢٩ - وعليه الفتوى ؛ لأن الحق متى ثبت واستقر لا يسقط إلا بالإسقاط . وقال محمد: إن تركها شهراً بعد الإشهاد من غير عذر، بطلت شفعته ، لئلا يتضرر المشتري بالتأخير. وقد قال بعض الحنفية: والفتوى اليوم على قول محمد، لتغير أحوال الناس في قصد الإضرار. وقد أخذت المجلة بهذا الرأي في المادة (١٠٣٤). وقال الحنابلة: إذا حدث الإشهاد على الطلب ، فللشفيع مخاصمة المشتري ولو بعد سنين . وحدد المالكية لطلب الشفعة الأول مدة سنة تامة ، فإذا سكت بلا مانع سنة كاملة بعد العقد، أوسكت بلا مانع مع علمه بهدم أو بناء سقطت شفعته، لأن سكوته دليل الإعراض عن أخذه بالشفعة . ٣ - طلب الخصومة والتملك: وهو أن يقدم الشفيع طلباً للقضاء يطلب فيه الحكم بالشفعة وتسليم المبيع، بأن يقول: اشترى فلان دار كذا، وأنا شفيعها بدار كذا لي، أو أنا شريكه فيها، فأطلب منه تسليم الدار إلي(١). جزاء التأخر في هذه الطلبات : لو أخر الشفيع طلب المواثبة عن مجلس علمه بالبيع بدون عذر، كأن اشتغل بأمر آخر، أو بحث في أمر آخر، أوقام من المجلس من دون أن يطلب الشفعة ، سقط حقه في الشفعة. فإن وجد عذر مانع من المبادرة بالطلب كوجود حائل مخيف من وحش أوسيل مثلاً، لا تبطل شفعته حتى يزول المانع (٢). ولو أخر الشفيع طلب التقرير والإشهاد، مدة يمكن إجراؤها فيها، ولو بإرسال مكتوب ، يسقط حق شفعته (م ١٠٣٣ ) مجلة . الدر المختار : ١٥٨/٥ وما بعدها . (١) (٢) البدائع : ١٨/٥، م (١٠٣٢ ) مجلة . - ٨٣٠ - ولو أخر الشفيع طلب الخصومة بعد طلب التقرير والإشهاد شهراً، من دون عذر شرعي ، ككونه في ديار أخرى، يسقط حق شفعته (م ١٠٣٤) مجلة . طالب الشفعة للمحجور: للصغير الأخذ بالشفعة عند أكثر الفقهاء. ويطلب الولي حق شفعة الصغير ونحوه من المحجورين، فاعلاً ما يراه المصلحة للصغير في الأخذ بها، مثل كون ثمن المبيع رخيصاً أو بثمن المثل، وللصغير مال لشراء العقار. فإذا أخذ الولي بالشفعة لم يملك الصغير نقضها بعد البلوغ باتفاق المذاهب الأربعة . وإن لم يطلب الولي حق شفعة الصغير، فلا تبقى له عند أبي حنيفة وأبي يوسف صلاحية طلب حق الشفعة بعد البلوغ ؛ لأن من ملك الأخذ بها ، ملك العفو عنها، کالمالك . وقال المالكية والشافعية : ليس للصغير إذا بلغ المطالبة بالشفعة إذا عفا عنها وليه لمصلحة رآها للصغير، أو لم يكن للصغير ما يأخذها به، فتسقط الشفعة؛ لأن الولي فعل ماله فعله، فلم يجز للصبي نقضه كالرد بالبيع، ولأنه فعل ما فيه الحظ للصبي. فإن أسقط الولي الشفعة بلا نظر ولا تقدير للمصلحة، لم تسقط، ويكون للصغير الحق فيها إذا بلغ . وقال الحنابلة، وزفر ومحمد من الحنفية: للصغير إذا بلغ المطالبة بالشفعة، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء أكان في الأخذ بها أم في تركها مصلحة ، أم لا؛ لأن المستحق للشفعة يملك الأخذ بها ، سواء أكان له فيها الحظ، أم لم يكن ، فهي حق ثابت للصغير، لا يملك الولي إبطاله، فلم يسقط بترك غير الصغير له، كالغائب إذا ترك وكيله الأخذ بها(١) ٨ تكملة الفتح : ٤٣٦/٧، ٤٥١، تبيين الحقائق: ٢٦٣/٥، م (١٠٣٥) مجلة، الشرح الصغير: ٦٤٥/٣ ، الشرح (١) الكبير : ٤٨٦/٣، المغني: ٣١٣/٥ - ٢١٤، كشاف القناع: ١٦١/٤ وما بعدها . - ٨٣١ - نظر القاضي في طلب الشفعة وإثبات الدعاوى : إذا تقدم الشفيع ليأخذ بالشفعة ، وادعى شراء الدار المشفوعة ، سأل القاضي(١) أولاً الشفيع عن موضع الدار وحدودها، لدعواه فيها حقاً. ثم هل قبض المشتري الدار؛ إذ لو لم يقبض لم تصح دعواه على المشتري ما لم يحضر البائع . ثم يسأل القاضي عن سبب شفعة الشفيع وحدود ما يشفع به ، إذ قد تكون دعواه بسبب غير صالح، ثم يسأل عن طلب التقرير كيف كان وعند من أشهد. فإذا تحقق ذلك کله صحت الدعوى . ثم سأل القاضي المدعى عليه عن مالكية الشفيع لما يشفع به، فإن أقر بملكية الشفيع ما يشفع به، فبها، وإن أنكر تلك الملكية، كلف القاضي الشفيع إقامة البينة على ملكه ؛ لأن ظاهر اليد (أو الحيازة) لا يكفي لإثبات الاستحقاق. فإن عجز الشفيع عن البينة ، استحلف - بطلب الشفيع - المشتري، بالله ما يعلم أن الشفيع مالك لما ذكره، مما يشفع به . فإن نكل المشتري عن اليمين ، أو قامت بينة للشفيع، ثبت ملكه الدار التي يشفع بها، وثبت له حق الشفعة . ثم يسأل القاضي المدعى عليه أيضاً: هل اشترى (ابتاع) الدار المشفوعة، أم لا؟ فإن أقرفبها، وإن أنكر الابتياع، قيل للشفيع: أم البينة على شرائه؛ لأن الشفعة لا تثبت إلا بعد ثبوت البيع بالحجة . فإن عجز عنها ، استحلف المشتري بالله، ما ابتاع هذه الدار، أو بالله، ما يستحق عليَّ في هذه الدار شفعة، من الوجه الذي ذكره الشفيع . (١) الدر المختار ورد المختار: ١٥٩/٥، تكملة الفتح: ٤٢١/٧، اللباب: ١١١/٢، تبيين الحقائق: ٢٤٤/٥ وما بعدها . - ٨٣٢ - فإن نكل المشتري عن اليمين ، أو أقر بالشراء، أو بَرْهن الشفيع، قضي له بها، إذا لم ينكر المشتري طلب الشفيع الشفعة؛ فإن أنكر، فالقول له (للمشتري) بيمينه(١). فإن أنكر طلب المواثبة حلف على العلم أي ما يعلم به؛ وإن أنكر طلب التقرير، حلف على البتات أي الجزم بأنه لم يحصل . ويلاحظ أن الخصم للشفيع : هو المشتري مطلقاً ، سواء تسلم المبيع أم لا؛ لأنه مالك ، والبائع قبل التسليم لقيام يده ( حيازته). لكن لا تسمع البينة على البائع، حتى يحضر المشتري ؛ لأنه المالك، ويفسخ بحضوره. فإن سلم المبيع للمشتري، لا يلزم حضور البائع ، لزوال الملك واليد عنه(٢). المبحث السابع - ما يطرأ على المشفوع فيه بيد المشتري : قد يطرأ على المشفوع فيه في يد المشتري قبل القضاء بالشفعة للشفيع بعض التغيرات من عقود وتصرفات ناقلة للملكية كالبيع والهبة، أو مرتبة لحق انتفاع وغيره كالإجارة والإعارة، أو حدوث زيادة كبناء وغرس، أو نقص كهلاك وهدم أو نقض . فما أثر هذه التغيرات الطارئة على حق الشفيع، وهل تسقط شفعته ؟ 5 أولاً - العقود والتصرفات : قد تصدر تصرفات من المشتري في الشيء المشترى قبل أن يقضى للشفيع بالشفعة . وتلك التصرفات : إما ناقلة للملكية كالبيع والهبة مع التسليم والوقف، وجعل المبيع مهراً في زواج . (١) هذا محمول على ما إذا قال الشفيع: علمت أمس بالبيع، وطلبت الشفعة، فيكلف إقامة البينة، فإن عجز قبلت يمين المشتري . أما لو قال الشفيع : طلبت حين علمت ، فالقول قوله بيمينه ( رد المحتار : ١٥٨/٥، ١٦٠ ) (٢) الدر المختار : ١٦٠/٥ - ٨٣٣ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (٥٣) وإما مرتبة لحق انتفاع، أو حبس كالإجارة والإعارة ، والرهن. وقد اتفقت المذاهب الأربعة (١) على جواز نقض بعض التصرفات الناقلة للملكية وهو البيع ، بعد حكم القاضي بالشفعة لمستحقها ، لتعلق حق الغير في المبيع . كما اتفقوا على جواز نقض الرهن والإجارة والإعارة، مما لا شفعة فيه ابتداء . وفي حالة البيع : يخير الشفيع بين أن يأخذ العقار المبيع بالثمن الذي تم به الشراء الأول ، أو الثاني ؛ لأن كل واحد من العقدين سبب تام لثبوت حق الأخذ له بالشفعة كما قال السرخسي ، ولأن حق الشفيع سابق على هذا التصرف، فلا يبطل به . واتفق الحنفية والشافعية والمالكية على جواز نقض ما لا شفعة فيه ابتداء ، كالوقف وجعله مسجداً أو مقبرة، والهبة له ، والوصية به . وقال الحنابلة : تسقط الشفعة إذا تصرف المشتري بالمبيع قبل طلب الشفعة بهبة أو صدقة، أو وقف على معين كمسجد كذا، أو على الفقراء أو المجاهدين، أو جعله عوضاً عن طلاق أو خلع أو صلح عن دم عمد ونحوه، مما لا شفعة فيه ابتداء ؛ لأن في الشفعة إضراراً بالموقوف عليه ، والموهوب له، والمتصدق عليه ونحوه لأن ملكه يزول عنه بغير عوض ؛ لأن الثمن إنما يأخذه المشتري ، والضرر لا يزال بالضرر. ولا يصح عند الحنابلة تصرف المشتري بعد طلب الشفيع الشفعة ، لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصح. ولو أوصى المشتري بالشقص المشترى (الحصة المبيعة)، فإن أخذه الشفيع قبل القبول بطلت الوصية ، واستقر الأخذ للشفيع ، لسبق حقه على حق الموصى له ، والوصية قبل القبول بعد الموت جائزة ، لا لازمة . المبسوط : ١٠٨/١٤ وما بعدها، الدر المختار: ١٦٤/٥، الشرح الصغير: ٦٥٢/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٨٧ ، (١) الشرح الكبير: ٤٩٣/٣، مغني المحتاج: ٣٠٣/٢ وما بعدها، المهذب: ٣٨٢/١ ، كشاف القناع: ١٦٩/٤ وما بعدها . - ٨٣٤ _ ثانياً - نماء المشفوع فيه وزيادته : قد يَحْدث نموطبيعي في العقار المشفوع فيه ، وقد يُحدث المشتري فيه زيادة بالبناء أو الغرس ، قبل الحكم بالشفعة لصاحبها ، فمن هو الأحق بذلك، الشفيع أم المشتري، وإذا كان المستحق هو المشتري ، فهل يعوض عن حقه ، وما هو التعويض ؟ ١ - النماء الطبيعي : إذا نما المبيع في يد المشتري، كأن أثمر الشجر في يده بعد الشراء : فقال الحنفية (١) : القياس ألا يكون للشفيع، لأنه نما على ملك المشتري وبعمله . والاستحسان أنه للشفيع؛ لأن الثمر متصل خلقة بالشجر، فكان تبعاً له، ولأنه متولد من المبيع، فيسري إليه الحق الثابت في الأصل (الشجر) الحادث قبل الأخذ، كالمبيعة إذا ولدت قبل القبض ، فإن المشتري يملك الولد تبعاً للأم . والخلاصة : أنه يأخذه الشفيع؛ لأنه مبيع تبعاً لأصله . وقال المالكية(٢): الغلة قبل الشفعة للمشتري ؛ لأن الضمان عليه ، والغلة (أو الخراج ) بالضمان . 5 وقال الشافعية والحنابلة(٢): للماء حالتان: أ - إذا كان نماء متصلاً، كالثمرة غير الظاهرة ، والشجر إذا تكاثر، فهو للشفيع، يأخذ المبيع مع زيادته، لأن ما لا يتميز يتبع الأصل في الملك، كما يتبعه في حالة الرد بالعيب أو الخيار أو الإقالة . تبيين الحقائق : ٢٥١/٥، تكملة الفتح: ٤٣٤/٧، الكتاب مع اللباب: ١١٩/٢ ، الدر المختار ورد (١) المختار : ١٦٤/٥ _ ١٦٥ (٢) الشرح الصغير : ٦٥٤/٣ المهذب: ٣٨٢/١، المغني: ٣١٩/٥ وما بعدها ، كشاف القناع: ١٧٤/٤ (٣) - ٨٣٥ _ ب - وإذا كان نماء منفصلاً، كالثمرة الظاهرة، والطلع المؤبر، والغلة والأجرة ، فهي للمشتري لاحق للشفيع فيها عند الحنابلة ، وفي المذهب الجديد للشافعي ؛ لأنها حدثت في ملك المشتري ، فلا تتبع المبيع ، فلا يؤخذ به إلا ما دخل بالعقد ، ولا يستحق شيء بغير تراض . والخلاصة : أن هذين المذهبين يلتقيان مع مقتضى القياس عند الحنفية . ٢ - الزيادة المحدثة : إذا أحدث المشتري زيادة في المبيع، بالبناء أو الغرس أو الزرع . أ - ففي حالة الزرع الذي له نهاية معلومة: اتفق الفقهاء على أن للشفيع الأخذ بالشفعة ، ويكون الزرع للمشتري على أن يبقى في الأرض إلى أوان الحصاد، وعليه الأجرة عند الحنفية عن المدة التي تضي بين القضاء بالشفعة وبين الحصاد (١). وقال الشافعية والحنابلة: يبقى الزرع بلا أجر على المشتري ، لأنه زرعه في ملكه(٢). ب - وأما في حالة البناء والغرس: فللشفيع الأخذ بالشفعة أيضاً، لكن الفقهاء اختلفوا فيما يجب عليه من دفع قيمة البناء والغراس . فقال الحنفية في ظاهر الرواية(٣): إذا بنى المشتري أو غرس فيا اشتراه، ثم قضي للشفيع بالشفعة، كان للشفيع الخيار: إن شاء كلف المشتري بالقلع وتخلية الأرض مما أحدث فيها ؛ لأنه وضعه في محل تعلق به حق متأكد للغير من غير إذن ، وتكون الأنقاض للمشتري ، لا للشفيع ، لزوال التبعية بالانفصال . المبسوط: ١١٥/١٤، البدائع: ٢٧/٥ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ١٦٤/٥، تبيين الحقائق: ٢٥٠/٥ (١) (٢) المغني: ٣١٩/٥ ، نهاية المحتاج: ١٥٤/٤، مغني المحتاج: ٣٠٤/٢، كشاف القناع: ١٧٤/٤ البدائع: ٢٩/٥، تبيين الحقائق: ٢٥٠/٥، المبسوط: ١١٤/١٤، الدر المختار: ١٦٤/٥، اللباب: ١١٨/٢ وما (٣) بعدها . - ٨٣٦ - وإن شاء أخذ الأرض بالثمن الذي دفعه المشتري، على أن يدفع قيمة البناء والغرس مقلوعاً أي مستَحَق القلع أنقاضاً . وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة)(١)، ورأيهم هو الأعدل: إن اختار المشتري قلع الغراس والبناء، لم يمنع إذا لم يكن فيه ضرر إذ لاضرر ولا ضرار؛ لأنه ملكه، فيملك إزالته ونقله ، ولا يلزمه تسوية الأرض ؛ لأنه غير متعد . وإن لم يختر المشتري القلع ، فالشفيع بالخيار بين ترك الشفعة، وبين دفع قيمة البناء والغراس مستَحَق البقاء. وهذا هو رأي أبي يوسف أيضاً . والسبب في اختلاف الرأيين كما قال ابن رشد الحفيد الفيلسوف في بداية المجتهد : تردد تصرف المشفوع عليه ، العالم بوجوب الشفعة عليه بين شبهة تصرف الغاصب ، وتصرف المشتري الذي يطرأ عليه الاستحقاق، عندما بنى في الأرض أو غرس . فمن غلب على فعله شَبَه الاستحقاق وهم الجمهور، قرر أنه لابد للمشتري من أن يأخذ القيمة. ومن غلب على فعله شَبَه التعدي قال وهم الحنفية : للشفيع أن يعطي قيمة 5 البناء والغراس منقوضاً . ثالثاً - نقص المشفوع فيه : للفقهاء حول هذا الموضوع رأيان متعارضان : رأي الحنفية وقريب منه مذهب المالكية ، ورأي الشافعية والحنابلة . (١) بداية المجتهد: ٢٦٠/٢، نهاية المحتاج، ومغني المحتاج: المكان السابق، المغني: ٣١٧/٥ وما بعدها ، كشاف القناع : ١٧٥/٤ - ٨٣٧ - قال الحنفية(١): قد يكون النقص جزءاً من توابع الأرض، أو متصلاً بالأرض ، أو بعضاً من الأرض نفسها . أ- فإن كان النقص جزءاً من توابع الأرض، مثل قطف الثمر، وهلاك الآلات الزراعية أو الصناعية، ثم حكم بالشفعة للشفيع ، سقط من الثمن قيمة هذه الثمار والآلات ، سواء أكان النقص بفعل المشتري ؛ لأنها مقصودة بالبيع، وقد أخذها المشتري، أم كان الهلاك بآفة سماوية؛ لأنها كانت بعض المعقود عليه، ودخلت في البيع مقصودة ، فيقابلها حصتها من الثمن . ب - وإن كان النقص جزءاً متصلاً بالأرض، مثل يبس الشجر أو جفافه، وانهدام البناء، واحتراقه، ونقضه، ثم قضي للشفيع بالشفعة، فإن كان ذلك بصنع المشتري أو غيره، نقص من الثمن قيمة ما زال، كالحالة الأولى، فتقوم الأرض بدون شجر وبناء، وتقوم وفيها البناء والشجر، ويسقط عن الشفيع مقدار التفاوت أو الفرق بينهما، لوجود التعدي والإتلاف، فيقابله شيء من الثمن. وتكون الأنقاض حينئذ للمشتري . وأما إن حدث ذلك بلا تعد من أحد، وإنما بآفة سماوية، كزلزال أو صقيع أو ريح عاتية، كان على الشفيع دفع الثمن كله، ولا يسقط منه شيء مقابل الجزء التالف أو الضائع؛ لأن النقص ليس بجناية أحد، ولأن الشجر والبناء تابعان للأرض، حتى إنها يدخلان في عقد البيع بدون ذكر، فلا يقابلهما شيء من الثمن ؛ لأن الأصل أن الثمن يقابل الأصل لا الوصف . وأما مصير الأنقاض من أحجار وأخشاب : فإن لم يبق منها شيء ، فلا إشكال . (١) المبسوط: ١١٥/١٤، تبيين الحقائق: ٢٥١/٥ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ١٦٤/٥ وما بعدها، تكملة الفتح: ٤٢٤/٧ ، اللباب : ١١٩/٢، الأموال ونظرية العقد في الفقه الإسلامي لاستاذنا المرحوم الدكتور محمد يوسف موسى : ص ٢٣٦ وما بعدها . - ٨٣٨ - وإن بقي منها شيء، وأخذه المشتري لانفصاله من الأرض وعدم تبعيته لها ، سقطت حصته من الثمن ، بقيمته يوم الأخذ. وأما الدار فتقوم يوم العقد، ويوزع الثمن بين الدار والأنقاض بحسب قيمتها على النحو المذكور. وإن لم يأخذ المشتري الأنقاض، كأن هلكت بعد انفصالها، لم يسقط شيء من الثمن، لعدم حبس الأنقاض من قبله، ولأنها من التوابع، والتوابع لا يقابلها شيء من الثمن ، وبالأخذ بالشفعة تحولت الصفقة إلى الشفيع . جـ- وأما إن كان النقص في الأرض نفسها، لا فيما عليها من شجر أو بناء، كأن أغرقها السيل ، فأزال بعضها، كان للشفيع الخيار بين ترك الشفعة، وبين أخذ الباقي بحصته من الثمن ؛ لأن حقه ثابت في الكل ، وقد تمكن من أخذ البعض، فيأخذه بحصته من الثمن ، لهلاك بعض الأصل. ومذهب المالكية إجمالاً كالحنفية، فإنهم قالوا (١): لا يضمن المشتري نقص الشقص (الجزء المشفوع فيه) إذا طرأ عليه بسبب سماوي، أو بسبب من المشتري لمصلحة، كأن هدم ليبني أو لأجل توسعة . فإن كان النقص بسبب من المشتري، كأن هدم لا لمصلحة ، ضمن . فإن هدم وبنى ، فللمشتري قيمته يوم البناء على الشفيع قائماً ، لعدم تعديه . وتحسب للشفيع من الثمن قيمة الأنقاض يوم الشراء، فيحط عنه من الثمن، ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائماً . وقال الشافعية والحنابلة (٢): إن تلف الشقص (الجزء المشفوع فيه) أو بعضه، في يد المشتري ، فهو من ضمانه ، لأنه ملكه ، تلف في يده . (١) الشرح الصغير : ٦٥٤/٣، الشرح الكبير : ٤٩٤/٣ (٢) المغني : ٣٢٠/٥ - ٨٣٩ - ثم إن أراد الشفيع الأخذ بعد تلف بعض المشفوع فيه ، أخذ الموجود بحصته من الثمن، سواء أكان التلف بفعل الله تعالى، أم بفعل آدمي ، وسواء تلف باختيار المشتري كنقضه البناء، أو بغير اختياره كانهدام البناء نفسه . والأنقاض إن كانت موجودة أخذها الشفيع مع الأرض بحصتها من الثمن ، وإن كانت معدومة أخذ الأرض وما بقي من البناء. المبحث الثامن - مسقطات الشفعة : تعرف الأسباب التي تؤدي إلى إسقاط حق الشفعة، عند الكلام على شروط الأخذ بالشفعة ، لذا نوجز في بيان ما تسقط به الشفعة فيما يأتي ، مع ملاحظة أن بعض الحالات متفق عليها ، وبعضها مختلف فيها : ١ - بيع الشفيع ما يشفع به من عقار قبل أن يقضى له بالشفعة : إذا باع الشفيع ما يشفع به قبل العلم بالشفعة، أو بعد العلم بالشفعة، وقبل الحكم بها، سقطت شفعته ، باتفاق الفقهاء ما عدا ابن حزم الظاهري ، لزوال السبب الذي يستحق به الشفعة ، وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه. فبطلان هذه الشفعة أمر منطقي بدهي ، لانتفاء الضرر عن الشفيع الذي شرعت الشفعة من أجل دفعه عن الشريك باتفاق الفقهاء، أو عن الجار عند الحنفية(١). ٢ - تسليم الشفعة أو الرغبة عنها بعد البيع: سواء أكان عالماً بحقه فيها ، أم غير عالم، صراحة، أم دلالة وضمناً ؛ لأن الشفعة حق ضعيف يسقط بأوهى الأسباب ، (١) الهداية مع تكملة الفتح: ٤٤٦/٧، تبيين الحقائق: ٢٥٨/٥، الدر المختار: ١٧٠/٥، الكتاب مع اللباب: ١١٣/٢، المهذب: ٣٨١/١، كشاف القناع: ١٦٩/٤، المحلى: ١١٦/٩، م ١٦٠١، الشرح الصغير : ٦٤٢/٣ - ٨٤٠ _