النص المفهرس

صفحات 781-800

((البينة على المدعي)) يعني إذا كان هناك منكر، ولا منكرههنا. وهذا هو الرأي
الأرجح حقاً .
٦ - حكم تملك اللقطة: اختلف فقهاؤنا في حكم اللقطة بعد تعريفها سنة على
رأيين : رأي يجيز تملكها للفقير فقط دون الغني ، ورأي يجيز تملكها مطلقاً .
فقال الحنفية(١): إذا كان الملتقط غنياً لم يجزله أن ينتفع باللقطة، وإنما
يتصدق بها على الفقراء سواء أكانوا أجانب أم أقارب، ولو أبوين أو زوجة أو ولداً،
لأنه مال الغير، فلا يجوز الانتفاع به بدون رضاه، لإطلاق النصوص من قرآن
وسنة، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، وقوله: ﴿ولا
تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا يحل مال امرئ
مسلم إلا بطيب نفس منه)).
ولقوله ◌َّ من حديث أبي هريرة: ((لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرِّف
سنة، فإن جاء صاحبها، فليردها عليه، وإن لم يأت فليتصدق))(٢).
وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي: ((من وجد لقطة فليشهد عليها ذا عدل
أو ذوي عدل، ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها إليه، وإلا فهي مال
الله يؤتيه من يشاء)).
وأما إذا كان الملتقط فقيراً فيجوز له الانتفاع باللقطة بطريق التصدق ، لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((فليتصدق به)).
المبسوط: ٤/١١ وما بعدها، فتح القدير: ٤٣٢/٤ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٠٧/٣، البدائع: ٢٠٢/٦ ،
(١)
الدر المختار : ٣٥١/٣.
(٢)
أخرجه البزار والدارقطني عن أبي هريرة ( نصب الراية : ٤٦٦/٣) ورواه الطبراني من حديث يعلى بن مرة
مرفوعاً، وفيه ضعيف، بلفظ: ((فإن جاء صاحبها، وإلا فليتصدق بها)) ( نيل الأوطار: ٣٣٧/٥).
- ٧٨١ -

فإن عرف صاحبها بعد التصدق بها أو الانتفاع بها، فهو بالخيار: إن شاء أمضى
الصدقة ، وله ثوابها ، وإن شاء ضمن الملتقط ، وإن شاء أخذها من الفقير المتصدق
عليه بها إن وجده؛ وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه .
وقال جمهور الفقهاء: يجوز للملتقط أن يتملك اللقطة، وتكون كسائر أمواله
سواء أكان غنياً أم فقيراً؛ لأنه مروي عن جماعة من الصحابة كعمر وابن مسعود
وعائشة وابن عمر، وهو ثابت بقوله ◌ُ لّ في حديث زيد بن خالد: ((فإن لم تعرف
فاستنفقها)» وفي لفظ (( وإلا فهي كسبيل مالك)) وفي لفظ: ((ثم كلها)» وفي لفظ
((فانتفع بها)) وفي لفظ ((فشأنك بها)) وفي حديث أبي بن كعب: ((فاستنفقها))، وفي
لفظ «فاستمتع بها)» وهو حديث صحيح .
وحديث الحنفية عن أبي هريرة لم يثبت ، ولا نقل في كتاب يوثق به، ودعواهم
في حديث عياض أن ما يضاف إلى الله لا يتملكه إلا من يستحق الصدقة ، لا برهان لها
ولا دليل عليها ، وبطلانها ظاهر، فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله تعالى خلقاً
وملكاً، قال الله تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ .
أما طريق التملك عند الجمهور فمختلف فيه: قال الحنابلة: تدخل اللقطة في
ملك الملتقط عند تمام التعريف حكماً كالميراث، لقول النبي ع اله: ((فإذا جاء
صاحبها، وإلا فهي كسبيل مالك)) ولقوله: ((فاستنفقها)) ولو توقف ملكها على
تملكها لبين الرسول له المطلوب .
وقال المالكية : يملكها الملتقط بأن ينوي تملكها ، أي تجديد قصد التملك ، لعدم
الإيجاب من الغير.
وقال الشافعية : يملكها الملتقط باختياره التلك بلفظ من ناطق يدل عليه
مثل : تملكت ما التقطته ؛ لأن تملكها تمليك ببدل ، فافتقر إلى اختيار التلك ، كما
يتملك الشفيع بالشفعة .
- ٧٨٢ -

واتفق العلماء إلا أهل الظاهر على أن الملتقط إذا أكل اللقطة، ضمنها
لصاحبها(١) .
لقطة الحل والحرم : رأى جمهور الفقهاء أن الأحكام المذكورة في تعريف
اللقطة تنطبق على ما إذا كانت اللقطة في مكة وغيرها من البلدان ؛ لأن اللقطة
أمانة ، فلم يختلف حكمها بالحل والحرم كالوديعة ، ولأن الأحاديث الواردة في اللقطة
لم تفرق بين الحل والحرم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((اعرف عفاصها
ووكاءها ، ثم عرفها سنة)) وغيره .
وأما الحديث الوارد بتخصيص تعريف لقطة مكة ، فالمقصود به دفع توهم بعض
الناس أنه لاحاجة لتعريف لقطة مكة، لعدم الفائدة باعتبارها مكان الغرباء(٢).
وقال الشافعية على الصحيح المنصوص عندهم : يجب تعريف لقطة الحرم أبداً،
إذ لا تحل لقطة الحرم للتلك، بل للحفظ أبداً، لخبر الصحيحين: ((إن هذا البلد
حرمه الله، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها)).
وفي رواية للبخاري ((لا تحل لقطة الحرم إلا لمنشد)) قال الشافعي رضي الله
عنه: أي لمعرف، ففرق عّ لّ بينها وبين غيرها، وأخبر أنها لا تحل إلا للتعريف ولم
يؤقت التعريف بسنة غيرها ، فدل على أنه أراد التعريف على الدوام ، وإلا فلا فائدة
من التخصيص ، والمعنى فيه : أن حرم مكة شرفه الله تعالى مثابة للناس يعودون
إليه، المرة بعد الأخرى، فربما يعود مالكها من أجلها، أو يبعث في طلبها ، فكأنه
جعل ماله به محفوظاً عليه ، كما غلظت الدية فيه .
الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه : ١٢١/٤، بداية المجتهد: ٣٠١/٢ ، مغني المحتاج: ٤١٥/٢ ،
(١)
المهذب: ٤٣٠/١ ، المغني: ٦٣٦/٥ وما بعدها .
فتح القدير: ٤٣٠/٤، تبيين الحقائق: ٣٠١/٣، البدائع: ٢٠٢/٦، الشرح الكبير للدردير: ١٢١/٤، المغني
(٢)
لابن قدامة : ٦٤٢/٥ ٠
- ٧٨٣ -

الفصل العاشر
المفقود
نتكلم عن معنى المفقود، وكيفية اعتبار حاله، وما يقوم به القاضي نحو ماله
وأهله ووقت الحكم بموته وأثر ذلك(١) .
من هو المفقود ؟ هو الشخص الذي غاب عن بلده بحيث لا يعرف أثره، ..
ومضى على فقده زمان بحيث لا يعرف أنه حي أو ميت.
كيف نعتبر حال المفقود حياة أو موتاً؟ يعتبر المفقود حياً في حق
نفسه، ميتاً في حق غيره، فتثبت له عند الحنفية الحقوق السلبية دون الإيجابية،
فبالنسبة له لا يورث ماله، ولا تبين منه امرأته، كأنه حي. وبالنسبة لغيره: لا يرث
أحداً من أقاربه كأنه ميت ، وكذلك لو أوصى أحد للمفقود ومات الموصي لا يستحق
الموصى به، وإنما يوقف نصيبه من الإرث أو الوصية إلى أن يظهر حاله أنه حي أو
ميت. ووافقهم الشافعية في أن الزوجة لا يحق لها فسخ الزواج، وتنتظر حتى يعلم
موت زوجها .
وقال الإمامان مالك وأحمد : إذا مضى أربع سنوات يفرق القاضي بين المفقود
وبين امرأته، وتعتد عدة الوفاة، ثم تتزوج من شاءت ؛ لأن عمر رضي الله عنه قضى
بذلك في مفقود .
(١) راجع البدائع: ١٩٦/٦، فتح القدير: ٤٤٠/٤، تبيين الحقائق: ٣١٠/٣، الدر المختار: ٣٦٠/٣، الشرح
الصغير : ٦٩٤/٢ وما بعدها ، المهذب: ١٤٦/٢، كشاف القناع : ٤٨٧/٥ وما بعدها .
- ٧٨٤ -

صلاحيات القاضي في مال المفقود وأهله : للقاضي صلاحيات على مال
المفقود وأهله وهي عند الحنفية ما يلي :
١ - يعين القاضي أميناً يحفظ مال المفقود، ويشرف على شؤونه ويستثمره،
ويستوفي حقوقه العائدة إليه، كالقيِّم على مال الصبي والمجنون .
٢ - يبيع من ماله ما يتسارع إليه الفساد ويحفظ ثمنه؛ لأن البيع من مقتضيات
الحفظ. وإذا كان له ودائع يتركها في يد الوديع ليحفظها؛ لأن يده يد نيابة عن
المفقود في الحفظ .
٣ - ينفق من مال المفقود على زوجته إن كان يعلم ببقاء الزوجية ، وكذا ينفق من ماله
على أولاده الصغار الذكور والإناث، وعلى أولاده الفقراء الزمنى من الذكور والاناث.
وإن لم يكن له مال وله ودائع، فإنه ينفق منها ، إذا كانت من الطعام والثياب
والدراهم والدنانیر.
فإن كان مال المفقود من غير الدراهم والدنانير أو الطعام والثياب، كأن كان له
عروض تجارة أو عقارات، فلا ينفق منه القاضي على هؤلاء؛ لأنه لا يمكن الإنفاق إلا
بالبيع، وليس للقاضي أن يبيع العقار والعروض على الغائب؛ ولكن للأب أن يبيع
العروض في نفقته؛ لأن للأب ولاية التصرف في مال الابن في الجملة ، بخلاف القاضي ،
أما العقار فليس للأب أن يبيعه في نفقة الغائب إلا بإذن القاضي.
متى يحكم بموت المفقود وما أثر ذلك ؟ إذا مضت مدة طويلة على المفقود من
وقت ولادته ، بحيث لا يعيش مثله إلى تلك المدة يقيناً أو غالباً، يحكم بموته، وتقع الفرقة
بينه وبين نسائه، ويقسم ماله بين ورثته الأحياء ، ولا يرث هو من أحد .
والمدة التي نقدرها لحياة المفقود ليس في ظاهر الرواية تقدير محدد فيها، وإنما
يقدر بموت الأقران . وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قدر تلك المدة بمائة
وعشرين سنة من وقت الولادة. والأرفق أن يقدر بتسعين عاماً .
الفقه الإسلامي جـ٥ (٥٠)
- ٧٨٥ _

الفصل الحادي عشر
السّبق
نتكلم عن السَّبْق(١) أو المسابقة أو الرهان في مبحثين:
المبحث الأول - تعريف المسابقة ومشروعيتها .
المبحث الثاني - شروط جواز المسابقة .
المبحث الأول - تعريف المسابقة ومشروعيتها :
السبق : بسكون الباء مصدر سبق أي تقدم ، وبتحريك الباء : المال الموضوع
بين أهل السباق ، أي الجائزة أو الرهن ، أو الخطر في اصطلاح المتقدمين: وهو الشيء
الذي يسابق علیه، فمن سبق أخذه .
والسباق : هو أن يسابق الرجل صاحبه في الخيل أو الإبل ونحوها .
والمسابقة جائزة بالسنة والإجماع. أما السنة فهو أن النبي صل اته سابق بين الخيل
المضَّرة وبين التي لم تضمَر (٢). وأجمع المسلمون على جواز المسابقة .
والمسابقة مستثناة من ثلاثة أمور ممنوعة : هي القمار، وتعذيب الحيوان لغير
السبق : بسكون الباء بمعنى المسابقة ، والسبق بفتح الباء : الجعل أو العوض المخصص في المسابقة .
(١)
(٢)
رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ( سبل السلام: ٧٠/٤، الالمام: ص ٣٥٨ ) .
- ٧٨٦ -

الأكل، وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد، وذلك إذا قدم العوض كلا
المتسابقين ليأخذه السابق(١).
وهي نوعان : مسابقة بغير عوض ، ومسابقة بعوض . أما المسابقة بغير عوض :
فتجوز مطلقاً من غير تقييد بشيء معين كالمسابقة على الأقدام والسفن والطيور
والبغال والحمير والفيلة . وكذلك تجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشد، بدليل
ما قالت عائشة رضي الله عنها: ((سابقني رسول الله صَ لّ فسبقته، فلبثنا حتى إذا
أرهقني اللحم سابقني ، فسبقني ، فقال: هذه بتلك))(٢) وسابق سلمة بن الأكوع رجلاً
من الأنصار بين يدي النبي ◌ُ ◌ّ، فسبقه سلمة (٣)، وصارع النبي ◌ُ ◌ّ رُكانة، فصرعه
النبي ◌ُ ◌ّ(٤). ومر الرسول عَّ الله بقوم يرفعون حجراً ليعرفوا الأشد منهم، فلم ينكر
عليهم . وتقاس بقية أنواع المسابقة على المذكور.
وأما المسابقة بعوض : فلا تجوز عند الحنفية إلا في أربعة أشياء : في النصل،
والحافر، والخف(٥)، والقدم؛ لأن الثلاثة الأولى آلات الحرب المأمور بتعلمها، لقوله
تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ وقد فسر النبي ◌ُ ◌ّ القوة بالرمي(٢).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((ليس من اللهو إلا ثلاث : تأديب الرجل فرسه،
وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، فإنهن من الحق))(١).
(١)
الدسوقي : ٢٠٩/٢.
رواه أحمد وأبو داود والشافعي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن عروة عن أبيه عن عائشة ( نيل
(٢)
الأوطار : ٩١/٨ وما بعدها ) .
رواه مسلم وأحمد عن سلمة بن الأكوع ( نيل الأوطار ، المرجع السابق ) .
(٣)
(٤)
رواه أبو داود عن محمد بن علي بن ركانه ( نيل الأوطار ، المرجع نفسه ) .
المراد بالنصل : السهم ذو النصل أو الرمح، والحافر: الفرس والحمار والبغل، وبالخف : البعير والبقر ونحوها .
(٥)
(٦)
رواه مسلم وأحمد عن عقبة بن عامر ( نيل الأوطار ، المرجع السابق: ص ٨٥ ، سبل السلام : ٧١/٤ ) .
رواه أبو داود والترمذي عن عقبة بن عامر ( راجع تخريج أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع الاستاذ الكتاني :
(٧)
٥٠٠/٣ ) .
- ٧٨٧ ..

ودليل المسابقة على الأقدام والمصارعة، ماذكرناه أن النبي ◌ُ ◌ّ سابق عائشة،
وصارع رُكَانة ، ولأن المشي بالقدم والمصارعة مما يحتاج للكر والفر في الجهاد وضرب
العدو.
وقال الجمهور غير الحنفية: لا يجوز السباق بعوض إلا في النصل والخف والحافر،
أي في التدرب على حمل السلاح وفي أعمال الفروسية، لقول الرسول مُ له: (( لا سبق
إلا في خف أو حافر أو نصل))(١) والسبق بفتحتين: (هو ما يجعل للسابق على السبق
من جعل) ولأن هذه الأمور آلات القتال، فيجوز التسابق اذاً على كل ما هو نافع في
الحرب .
أما المسابقة على الأقدام والمصارعة ، فلا تجوز بعوض ؛ لأنها لا تنفع في الحرب
وكانت مصارعة الرسول لرُكَانة على شياه، كما روى أبو داود في مراسيله، أو أن
الغرض من مصارعته أن يريه شدته ليسلم، وقد أسلم فعلاً(٢).
فإن كانت المسابقة بغير عوض جازت مطلقاً في الخيل وغيرها من الدواب
والسفن وبين الطير لإيصال الخبر بسرعة، وتجوز هذه المسابقة على الأقدام وفي رمي
الأحجار والمصارعة .
المبحث الثاني - شروط جواز المسابقة :
يشترط لجواز المسابقة والرمي بعوض شروط أهمها ما يأتي :
١ - أن تكون المسابقة في الأنواع النافعة في الجهاد وهي الأنواع الأربعة عند
الحنفية : النصل والخف والحافر والقدم. وعند الجمهور: الأنواع الثلاثة الاولى .
(١) رواه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والشافعي والحاكم وابن ماجه وأحمد وابن حبان وصححه هو وابن
القطان وابن دقيق العيد عن أبي هريرة رضي الله عنه ( تخريج أحاديث التحفة ، المرجع السابق ، نيل
الأوطار : ٧٧/٨، سبل السلام: ٧١/٤، مجمع الزوائد: ٢٦٣/٥).
راجع البدائع : ٢٠٦/٦ ، المهذب: ٤١٢/١ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٣١١/٤ وما بعدها ، المغني : ٦٥١/٨ وما
(٢)
بعدها ، ١٧٢/٩، الشرح الكبير: ٢٠٩/٢، شرح الرسالة : ٤١٧/٢ .
- ٧٨٨ -

٢ - أن يكون العوض من أحد الجانبين المتسابقين أو من شخص ثالث، كأن
يقول أحدهما لصاحبه : إن سبقتني فلك علي كذا، وإن سبقتك فلا شيء عليك ، أو
يقول ولي الأمر أو شخص ثالث : من سبق منكما فله في بيت المال أو فله علي كذا؛
لأنه في هذه الحالات لا يوجد قمار محرم؛ وإنما يكون دفع العوض على سبيل المكافأة
أو الجعالة والتحريض على الاستعداد لإتقان فنون الجهاد .
فإن كان العوض من الجانبين وهو الرهان: فلا يصح الرهان إلا بمحلل(١) كأن
يتفقا على أن يخصص كل منهما عشر ليرات(٣) أو أحدهما عشرة والآخر ثمانية، يدفعها
كل منهما لشخص آخر يكون فرسه أو بعيره مكافئاً لفرسيهما أو بعيرهما مثلاً ، وذلك
إذا سبقهما ، فإن سبقهما جميعاً أخذ الغنم، وإن سبق أحدهما لم يغرم هو شيئاً، ولا
يأخذ أحدهم شيئاً، بدليل ما روي أن النبي ◌ُّ لّ قال: ((من أدخل فرساً بين فرسين،
وهو لا يأمن أن يُسبَق ، فليس بقمار. ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يَسبق
فهو قمار))(٣) أي أنه يشترط أن يكون فرس المحلل مكافئاً لفرسي الشخصين اللذين
جعل العوض منهما ، فلو كان ضعيفاً عنهما أو أقوى منهما، فإنه لا يصح؛ لأن الواضح
من الحديث أنه جعل القمار متحققاً إذا أمن الثالث أن يسبق، وإذا لم يأمن أن يَسبق
لم یکن قماراً .
وأما إن كان العوض من الجانبين بدون محلل، فيحرم السباق، كما إذا قال
شخصان : من سبق منا فله على الآخر كذا ؛ لأن هذا من القمار المحرم.
المحلل - بكسر اللام - مشتق من أحل : جعل الممتنع حلاً ، لأنه يحل العقد ويخرجه عن صورة القمار المحرم ،
(١)
فهو قد حلل الجُعْل بدخوله بين المتسابقين .
(٢)
هذا المبلغ هو المسمى بالسبق بتحريك الباء أو الخطر أو الندب أو القرع أو الرهن .
رواه أبو أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة ، وإسناده ضعيف، ولأئمة الحديث في صحته إلى أبي هريرة كلام كثير
(٣)
( نيل الأوطار: ٨٠/٨، سبل السلام: ٧١/٤، الإلمام: ص ٣٦٠ ).
- ٧٨٩ -

------ ---- --
وهكذا تكون صور السباق أربعة : ثلاثة منها حلال، وواحدة منها حرام ، أما
الصور الحلال :
فأولها: أن يكون العوض من السلطان أو أحد الرؤساء أو شخص ثالث،
يأخذه السابق، وهذا جائز اتفاقاً .
وثانيها: أن يكون العوض من أحد الجانبين يؤخذ منه إذا سبقه الآخر،
وهذا جائز اتفاقاً .
وثالثها : أن يكون العوض من المتسابقين أو من الجماعة، ومعهم محلل يأخذ
العوض إن سبق ، ولا يغرم إن سبقه غيره؛ لأنها لم يقصدا القمار، وإنما قصدا التقوي
على الجهاد، وهذا جائز عند الجمهور. ومنعه الإمام مالك لجواز عود الجعل لمن قدمه
إذا سبق .
وأما الصورة الحرام اتفاقاً: فهي أن يكون العوض من كل واحد، على أنه إن
سبق فله العوض ، وإن سبق فيغرم لصاحبه مثله .
٣ - أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق أحدهما، ويسبق الآخر، فإن كانت
فيما يعلم غالباً أنه يسبق غيره، فلا يجوز، لأن معنى التحريض في هذه الصورة
لا يتحقق ، فصار الرهان التزام المال للغير بشرط لا منفعة له فيه .
٤ - العلم بالمال المشروط ، ومعرفة نقطة البدء والنهاية، وتعيين الفرسين مثلاً،
... (١)
كما قرر الشافعية(١).
تبين من هذا أن السباق الذي يجري الآن على رهان من المتسابقين لا من طرف
ثالث محايد هو حرام ؛ لأنه قمار.
(١) راجع البدائع، المرجع السابق، مغني المحتاج: ٢١٣/٤ وما بعدها، المهذب: ٤١٥/١ وما بعدها ، المغني :
٦٥٤/٨ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ١٥٧ وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٢٠٨/٢ - ٢١١ .
- ٧٩٠ -

الفصل الثاني عشر
الشفعة
تبحث الشفعة في المباحث الثمانية الآتية :
المبحث الأول - تعريف الشفعة، ودليلها وحكمتها، وركنها وعناصرها،
وسببها ، وحكمها وصفتها .
المبحث الثاني - محل الشفعة (المشفوع فيه ، أو ما تجب فيه الشفعة وما لا تجب)
المبحث الثالث - الشفيع، مراتب الشفعة (أو أسباب استحقاقها)، تزاحم
الشفعاء (أي تعددهم)، غيبة بعض الشفعاء ، إسقاط بعض الشفعاء حقه .
المبحث الرابع - أحكام الشفعة .
5
المبحث الخامس - شروط الشفعة .
المبحث السادس - إجراءات الشفعة (طلب الشفعة)
المبحث السابع - ما يطرأ على المشفوع فيه بيد المشتري من تصرفات أو ماء أو
نقص .
المبحث الثامن - مسقطات الشفعة .
ونبحثها على ترتيبها المذكور.
- ٧٩١ -

المبحث الأول - تعريف الشفعة، ودليلها وحكمتها، وركنها
وأطرافها، وحكمها وصفتها :
أولاً - تعريف الشفعة : الشفعة لغة: مأخوذة من الشفع بمعنى الضم أو
الزيادة والتقوية، تقول : شفعت الشيء : ضممته، سميت شفعة؛ لأن الشفيع يضم
ما يتملكه بهذا الحق إلى نصيبه أو ملكه، فيزيده عليه ، ويتقوى به، فقد كان الشفيع
منفرداً في ملكه، فبالشفعة ضم المبيع إلى ملكه، فصار شفعاً ضد الوتر.
وفي الاصطلاح الفقهي : هي حق تملك العقار المبيع جبراً عن المشتري، بما قام
عليه، من ثمن وتكاليف ، (أي النفقات التي أنفقها ) لدفع ضرر الشريك الدخيل أو
الجوار. وهذا عند الحنفية(١)؛ لأن الشفعة تثبت عندهم للشريك والجار.
وعرفها الجمهور غير الحنفية: بأنها استحقاق شريك أخذ ما عاوض به شريكه،
من عقار، بثمنه أو قيمته، بصيغة. وبعبارة أخرى : هي حق تملك قهري يثبت
للشريك القديم على الحادث، فيما ملك بعوض(٢). وهذا لأن الشفعة حق للشريك
فقط دون الجار عند الجمهور.
ويلاحظ أن المذاهب الأربعة حصروا الشفعة في العقار. أما الظاهرية فقد
أجازوها أيضاً في المنقول، كالحيوان ونحوه(٣).
ثانياً - دليلها وحكمة مشروعيتها :
الدليل على مشروعية الشفعة هو السنة والإجماع :
أما السنة، فأحاديث كثيرة منها: حديث جابر رضي الله عنه: ((قضى
الدر المختار : ١٥٢/٥، تكملة الفتح: ٤٠٦/٧، تبيين الحقائق: ٢٣٩/٥، اللباب: ١٠٦/٢
(١)
(٢)
الشرح الصغير: ٦٣٠/٣، الشرح الكبير: ٤٧٣/٣، مغني المحتاج: ٢٩٦/٢، كشاف القناع: ١٩٦/٤ ،
المغني : ٢٨٤/٥
(٣)
المحلى : ١٠١/٩، م ١٥٩٤
- ٧٩٢ -

رسول لله مؤتمر بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرفت الطرق، فلا
شفعة)(١) وفي رواية ((في أرض، أو رَبْع)، أو حائط)» والربع: المنزل، والحائط:
البستان .
ومنها حديث آخر لجابر: ((الجار أحق بشفعة جاره يُنتظر بها، وإن كان
غائباً، إذا كان طريقهما واحداً))(٢)
ومنها حديث سمرة: ((جار الدار أحق بالدار من غيره))(٣).
ومنها حديث أبي رافع: ((الجار أحق بسقبه)) أو ((بصقبه))(٤) أي أحق بقربه
وبشفعته ؛ لأن السقب أو الصقب : ما قرب من الدار.
وأما الإجماع : فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك
الذي لم يقاسم، فيما بيع من أرض أو دار أو حائط .. ولا نعلم أحداً خالف هذا إلا
الأصم ، فإنه قال : لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضراراً بأرباب الأملاك، فإن
المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء،
فسيتضر المالك ؛ أي أن الشفعة تصادم مبدأ حرية المتعاقد في التصرف . ورد عليه :
بأن قوله ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله (٥).
وحكمتها : دفع ضرر الدخيل الأجنبي الذي يأتي على الدوام ، بسبب سوء
المعاشرة والمعاملة ، في استعمال أو استحداث المرافق المشتركة، أو إعلاء الجدار، أو
(١) رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه، وهو صحيح. وصرفت: بتخفيف الراء، وقيل بتشديدها، أي
بينت مصارفها .
(٢)
رواه الخمسة ( أحمد وأصحاب السنن ) إلا النسائي .
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ، والبيهقي والطبراني والضياء ، لكن في إسناده كلام واضطراب .
(٣)
أخرجه البخاري ( راجع الأحاديث في نصب الراية: ١٧٢/٤ - ١٧٥، نيل الأوطار: ٣٣١/٥ - ٣٣٦)
(٤)
المغني : ٢٨٤/٥
(٥)
- ٧٩٣ -

إيقاد النار، أو منع ضوء النهار، وإثارة الغبار، وإيقاف الدواب، ولعب الأولاد،
لاسيما إذا كان خصماً أو ضداً.
وقد تكون الحكمة : دفع ضرر مؤنة القسمة، كما قال المالكية والشافعية
والحنابلة .
وكل ما ذكر مظاهر للضرر، والمقرر في الإسلام أنه ((لاضرر ولا ضرار))
كما أن حسن العشرة يقتضي رعاية مصلحة الشريك أو الجار، ورعاية المصلحة
أمر مطلوب شرعاً أيضاً(١).
وهذه المعاني كما هي متوقعة بين الناس بسبب الشركة ، أو الخلطة في المنافع ،
كذلك هي متوقعة - في رأي الحنفية - بسبب الجوار.
ثالثاً - ركنها وعناصرها وسببها ( سبب الأخذ ):
قال الحنفية(٢): ركن الشفعة: أخذ الشفيع من أحد المتعاقدين عند وجود
سببها وشرطها . ويسمى العقار الذي بسببه تطلب الشفعة : المشفوع به، والعقار
الذي يتملك بالشفعة : المشفوع فيه، ومشتري العقار: هو المشفوع عليه، والمطالب
بالشفعة : هو الشفيع .
وسببها : اتصال ملك الشفيع بالمشترى بشركة أو جوار.
وشرطها: أن يكون المحل المبيع عقاراً، سفلاً كان أو علواً. وقال المالكية (٢):
للشفعة أركان أربعة :
تبيين الحقائق: ٢٣٩/٥، مغني المحتاج: ٢٩٦/٢، أعلام الموقعين: ١٢٠/٢، المغني: ٢٨٤/٥ ، حاشية الدسوقي
(١)
على الدردير : ٤٧٦/٣
(٢)
الدر المختار : ١٥٢/٥ وما بعدها ، تبيين الحقائق ، المكان السابق .
(٣)
الشرح الصغير: ٦٣٠/٣ وما بعدها ، بداية المجتهد : ٢٥٣/٢
- ٧٩٤ _

آخذ (شافع)، ومأخوذ منه (مشفوع عليه)، ومشفوع فيه، وصيغة. والمراد
بالصيغة : ما يدل على الأخذ ، لفظاً أو غيره .
وقال الشافعية والحنابلة(١): أركان الشفعة ثلاثة: آخذ، ومأخوذ منه،
ومأخوذ . وأما الصيغة فتجب في التمليك، فيشترط لفظ من الشفيع ، مثل تملكت ، أو
أخذت بالشفعة .
رابعاً - حكمها وصفتها : أن الأخذ بها بمنزلة شراء مبتدأ (جديد)، قال
الحنفية(٢): حكمها: جواز الطلب عند تحقق السبب، ولو بعد سنين، أي إذا لم يعلم
بها. وصفتها : أن الأخذ بها بمنزلة شراء مبتدأ، يستحقها الشفيع بعد البيع ، فيثبت بها
ما يثبت بالشراء، كالرد بخيار الرؤية ، والعيب .
المبحث الثاني - محل الشفعة (المشفوع فيه، أو ما تجب فيه الشفعة
وما لا تجب ): اتفق المسلمون على أن الشفعة حق في العقار من دور وأرضين
وبساتين وبئر، وما يتبعها من بناء وشجر، واختلفوا فيما عداها .
فقررت المذاهب الأربعة أنه لا شفعة في منقول كالحيوان والثياب والعروض
التجارية للحديث السابق: ((قضى رسول الله عَ لّ بالشفعة في أرض أو ربَعْ أو
حائط .. )) ورواية الحديث عند مسلم والنسائي وأبو داود: ((أن النبي ◌ُّرِّ قضى
بالشفعة في كل شركة لم تقسم ، ربعةٌ أو حائط .. )) ولأن الشفعة شرعت لدفع ضرر
سوء الشركة بالاتفاق، أو الجوار عند الحنفية، بسبب الاستمرار والدوام، والمنقول
لا يدوم، بخلاف العقار، فيتأبد فيه ضرر المشاركة؛ ولأن الشفعة تملك بالقهر، فهي
كما بينا ((استحقاق الشريك - عند غير الحنفية - انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه، من
(١)
مغني المحتاج: ٢٩٦/٢، ٣٠٠ ، المغني: ٢٩٧/٥، كشاف القناع: ١٥٨/٤
(٢)
الدر المختار : ١٥٣/٥ وما بعدها ، تبيين الحقائق ، المكان السابق .
- ٧٩٥ -

يد من انتقلت إليه))، فناسب أن تكون عند شدة الضرر، وإطلاقاً لحرية التصرف
(١)
والبيع (١).
الِعُلْوُ والسُفْل: وألحق الحنفية بالعقار: ما في حكمه كالعلو، وإن لم يكن
طريقه في السفل ؛ لأنه التحق بالعقار بماله من حق القرار، فلا فرق في العقار بين
كونه سفلاً أو علواً(٢)، وهذا هو المعقول .
ولم يجز الشافعية في الأصح والحنابلة الشفعة في العلو، لأن البناء يرتكز على
السقف، والسقف الذي هو أرض البناء لاثبات له، فكان كالمنقولات(٢).
وسواء عند الحنفية أكان العقار مما يحتمل القسمة ، أم لا يحتملها، كالدار الصغيرة
وَالحمام والطاحون والبئر؛ لأن علة الشفعة عندهم دفع ضرر الشركة أو الجوار مطلقاً،
وهو يتحقق فيما لا يقبل القسمعني ..
واشترط الجمهور عند الحنفية، في المشهور عند المالكية، وفي ظاهر مذهب
. الحنابلة، وفي الأصح عند الشافعية: أن يكون العقار قابلاً للقسمة، استدلالاً بدليل
الخطاب في حديث جابر السابق: ((الشفعة فيما لم يقسم .... )) فكأنه قال : الشفعة فيما
تمكن فيه القسمة ، مادام لم يقسم . وقد أجمع عليه في هذا الموضوع فقهاء الأمصار، مع
اختلافهم في صحة الاستدلال به ؛ ولأن علة مشروعية الشفعة عندهم هو دفع ضرر
القسمة، وما لا ينقسم لا تتيسر القسمة فيه، فلا حاجة للشفعة فيه، فلا يترتب فيه
ضرر الشريك بعدم الشفعة (4).
(١) الدر المختار: ١٥٣/٥، تكملة الفتح: ٤٣٥/٧، تبيين الحقائق: ٢٣٩/٥، البدائع: ١٢/٥، اللباب: ١٠٩/٢،
بداية المجتهد : ٢٥٤/٢، الشرح الكبير: ٤٨٢/٣، الشرح الصغير: ٦٣٤/٣، مغني المحتاج: ٢٩٦/٢،
المهذب: ٣٧٦/١، المغني: ٢٨٧/٥، كشاف القناع: ١٥٣/٤ - ١٥٥
الدر المختار واللباب ، المكان السابق ، تكملة الفتح : ٤٣٥/٧
(٢)
(٣)
مغني المحتاج : ٢٩٧/٢، كشاف القناع : ١٥٥/٤
بداية المجتهد : ٢٥٥/٢ ، حاشية الدسوقي على الدردير: ٤٧٦/٣، الشرح الصغير: ٦٣٤/٣ وما بعدها ، مغني
(٤)
المحتاج: ٢٩٧/٢، المهذب: ٣٧٧/١ ، المغني : ٢٨٩/٥
- ٧٩٦ -

حقوق الارتفاق: وتثبت الشفعة عند الحنفية(١) في حقوق العقار، كالشّرْب
(النصيب من الماء في نوبة مالك الأرض)(٢) والطريق الخاصين. فإن لم يكونا
خاصين، فلا يستحق بها الشفعة. والطريق الخاص : أن يكون غير نافذ، فإن كان
نافذاً فلیس بخاص .
فلو كان هناك شِرُب نهر صغير مشترك بين قوم، تسقى أراضيهم منه، فبيعت
أرض منها ، فلكل أهل الشِّرْب من ذلك النهر الخاص الشفعة . أما لو كان النهر عاماً ،
فالشفعة فقط للجار الملاصق . ومثله الطريق الخاص ، فكل أهله شفعاء .
وقال المالكية (٣) : لا شفعة في الطريق ( أي المجاز الذي يتوصل منه إلى ساحة
الدار) إذا قسم بين الشريكين أو الشركاء متبوعُهما من البيوت إذا بقي الممر مشتركاً
بينهما ؛ لأنه لما كان تابعاً لما لا شفعة فيه ، وهو البيوت المنقسمة ، كان لا شفعة فيه.
وكذلك العَرْصة ( ساحة الدار التي بين بيوتها ، تسمى في عرف العامة بالحوش)
لا شفعة فيها إذا قسم متبوعها ، كالطريق ..
وقال الشافعية(٤): لا شفعة قطعاً في ممر الدار المبيعة من الدرب النافذ؛ لأنه غير
مملوك. وأما الدرب غير النافذ، فالصحيح ثبوت الشفعة في الممر، بما يخصه من
الثمن ، إن كان لمشتري الممر الخاص المشترك طريق آخر لداره، أو أمكن من غير مؤنة
وضرر عليه الوصول لداره من طريق آخر، بفتح باب إلى شارع عام مثلاً، وإلا ، فلا
تثبت الشفعة في الممر، لما فيها من ضرر المشتري ، والشفعة شرعت لدفع الضرر، فلا
يزال ضرر بآخر ؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
(١)
تبيين الحقائق: ٢٣٩/٥ وما بعدها ، الدر المختار: ١٥٤/٥، اللباب : ١٠٦/٢
الشرب : هو نوبة الانتفاع بسقي الحيوان والزرع ( م ١٢٦٢ ) مجلة .
(٢)
(٣)
الشرح الكبير: ٤٨٢/٣، الشرح الصغير: ٦٤٠/٣، بداية المجتهد: ٢٥٥/٢
نهاية المحتاج : ١٤٥/٤ ، مغني المحتاج : ٢٩٨/٢
(٤)
- ٧٩٧ _

والحنابلة كالشافعية قالوا (١): إذا بيعت الدار، ولها طريق في شارع أو درب
نافذ، فلا شفعة في تلك الدار، ولا في الطريق ؛ لأنه لا شركة لأحد فيهما .
وإن كان الطريق في درب غير نافذ، ولا طريق للدار سوى تلك الطريق،
فلا شفعة أيضاً؛ لأن إثباتها يضر بالمشتري ؛ لأن الدار تبقى لا طريق لها .
وإن كان للدار باب آخر يستطرق منه، أو كان لها موضع يفتح منه باب لها
إلى طريق نافذ ، نظرنا في الطريق المبيع مع الدار:
فإن كان ممراً لا تمكن قسمته ، فلا شفعة فيه .
وإن كان تمكن قسمته ، وجبت الشفعة فيه ؛ لأنه أرض مشتركة ، تحتمل القسمة ،
فوجبت فيه الشفعة كغير الطريق .
الشفعة في السفن : لا تثبت الشفعة في السفن عند فقهاء المذاهب(٢) لأنها
كالعروض التجارية من المنقولات، والشفعة مشروعة في الأرض التي تبقى على
الدوام، ويدوم ضررها .
ونقل الكاساني(٣) عن الإمام مالك: أنه يرى الشفعة في السفن؛ لأن السفينة
أحد المسكنين، فتجب فيها الشفعة، كما تجب في المسكن الآخر، وهو العقار، لكن
هذا لم يصح عن مالك، كما حقق ابن عبد السلام. وبه يتبين أن المذاهب الأربعة
متفقة على عدم الشفعة في السفن .
(١)
كشاف القناع: ١٥٤/٤، المغني : ٢٩٠/٥
الكتاب مع اللباب : ١٠٩/٢، المهذب: ٣٧٦/١، مغني المحتاج: ٢٩٦/٢، كشاف القناع : ١٥٥/٤
(٢)
(٣)
البدائع : ١٢/٥. ولم أر في كتب المالكية التي اطلعت عليها تصريحاً لهم بالشفعة في السفينة، وإنما يوجبونها في
العقار فقط . قال ابن عبد السلام من المالكية: ما نقله بعض الحنفية عن مالك في السفينة: لا يصح ( شرح
التنوخي الرسالة القيرواني: ١٩٣/٢ )
- ٧٩٨ _

الشفعة في الزرع والثمر والشجر: لا شفعة عند الجمهور (غير المالكية)(١) فيما
ليس بعقار كالبناء والشجر المفرد عن الأرض، فإن كان تبعاً في البيع للأرض،
وجبت الشفعة فيه(٣) .
ومما يتبع الأرض عند الشافعية في الأصح: ثمرلم يؤبر؛ لأنه يتبع الأصل في
البيع ، فيتبعه في الأخذ ، قياساً على البناء والغراس .
واقتصر الحنابلة على اتباع الغراس والبناء للأرض ؛ لأنهما يؤخذان تبعاً
للأرض ، ففيهما الشفعة تبعاً. ولم يتبعوا الزرع والثمرة للأرض ؛ لأن من شروط
وجوب الشفعة أن يكون المبيع أرضاً؛ لأنها هي التي تبقى على الدوام، ويدوم
ضررها .
وأجاز المالكية(٣) الشفعة في البناء والشجر إذا بيع أحدهما مستقلاً عن الأرض ؛
لأن كلاً منهما عندهم عقار، والعقار: هو الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر، فلا
شفعة في حيوان أو عرض تجاري إلا إذا بيع تبعاً للأرض .
مثاله : الشجر أو البناء في أرض موقوفة (محبّسة) أو معارة: بأن اقتضت
المصلحة إجارة الأرض الموقوفة، سنين ، ثم بنى فيها المستأجر أو غرس پاذن ناظرها ،
على أن ذلك له ، فإذا كان المستأجر متعدداً، وباع أحدهم ، فللآخر الشفعة .
وأجاز المالكية أيضاً الشفعة في الثمار(٤) (الفاكهة) والخضر، كالقِّاء، والبطيخ
بنوعيه الأخضر والأصفر، والخيار، والباذنجان والفول الأخضر، ونحوه مما له أصل
تكملة الفتح : ٤٣٥/٧، مغني المحتاج: ٢٩٦/٢ وما بعدها ، كشاف القناع : ١٥٥/٤
(١)
(٢)
نصت المادة (١٠١٩ ) مجلة على أنه لا تجري الشفعة في الأشجار والأبنية في أرض الوقف.
الشرح الكبير: ٤٧٩/٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٦٣٤/٣، ٦٣٨ - ٦٣٩، بداية المجتهد: ٢٥٤/٢ وما بعدها ،
(٣)
القوانين الفقهية: ص ٢٨٦ ، شرح الرسالة : ١٩٢/٢ .
قال مالك عن الشفعة في الثمرة : ما علمت أحداً من أهل العلم قاله قبلي ، ولكني استحسنته ( شرح التنوخي
(٤)
لرسالة ابن أبي زيد القيرواني : ١٩٢/٢ ) .
- ٧٩٩ -

تجنى ثمرته، ويبقى في الأرض وقتاً ما، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه منها ، ولو
مفرداً عن أصله، فللآخر أخذه بالشفعة .
واشترطوا في الثمرة المأخوذة بالشفعة منفردة: أن تكون موجودة حين الشراء،
بشرط كونها مؤبرة .
ولم يجز المالكية الشفعة في زرع كقمح وكتان وبرسيم ، ولا في بَقْل مما ينزع أصله
كفجل وجزر وبصل وقلقاس، وملوخية. فلو بيع الزرع أو البقل مع أرضه، فلا
شفعة فيه، وإنما هي في الأرض فقط، بما ينوبها من الثمن .
وأما الظاهرية : فقد توسعوا في إيجاب حق الشفعة للشفيع أكثر من سائر
المذاهب الأخرى، فأجازوا الشفعة في كل مبيع، عقاراً أو منقولاً ، سواء أكان المنقول
متصلاً بالعقار أم لا ، وسواء أكان الشيء المبيع مما ينقسم، أم مما لا ينقسم، من أرض أو
شجرة واحدة فأكثر، أو ثوب ، أو سيف أو طعام أو حيوان ، أو أي شيء بيع ، فلا يحل
لمن له الجزء، أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه (١) .
المبحث الثالث - الشفيع
أولاً - من هو الشفيع ؟
للفقهاء رأيان فيمن يحق له الأخذ بالشفعة : رأي للحنفية : في أن الشفيع: هو
الشريك، أو الجار. ورأي للجمهور: في أن الشفيع هو الشريك فقط.
قال الحنفية(٢): تثبت الشفعة للشريك (الخليط) في المبيع نفسه، أو في حق من
حقوق الارتفاق الخاصة، كالشِّرْب (النصيب من الماء)، والطريق الخاصين، كما
المحلى : ١٠١/٩، م ١٥٩٤ .
(١)
البدائع : ٤/٥، تكملة الفتح: ٤٠٦/٧، ٤١٤، ٤٣٦، تبيين الحقائق: ٢٣٩/٥ - ٢٤١، اللباب: ١٠٦/٢، الدر
(٢)
المختار : ١٥٥/٥ .
- ٨٠٠ -