النص المفهرس

صفحات 761-780

الاقصاص ولادية عند الشافعية والحنابلة (١)، لقوله مُّ اللّ: «لو أن رجلاً اطلع عليك بغير
إذن، فخذفته (٢) بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح)) (٣). وقوله عليه السلام:
((من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه))(٤) وفي لفظ ((من اطلع في
بیتقوم بغیر إذنهم ، ففقۇواعینە ،فلادیةلە ولاقصاص)،(٥) .
هذا إذا رماه بشيء خفيف كحصاة . أما إذا رمى صاحب الدار الناظر بما يقتله
عادة كحجر قاتل، أو حديدة ثقيلة، أو نشاب ، فيلزم بالقصاص، أو الدية عند
العفو عنه؛ لأن له ما يقلع به العين المبصرة التي حصل الأذى منها ، دون ما يتعدى
إلى غيرها .
فإن لم يندفع الناظر بالشيء اليسير، جاز - كما في الصيال ــ رميه بأشد منه، حتى
القتل، سواء أكان الناظر في الطريق، أم في ملك نفسه، أم في غيرهما. وقد بين
النبي ◌ُ قرّ الحكمة من منع الاطلاع على البيوت فقال: ((إنما جعل الاستئذان من أجل
البصر))(٦).
وقال الحنفية والمالكية(٧): يسأل جنائياً صاحب الدار في هذه الحالة، فيجب
عليه القصاص أو الدية لقوله عليه الصلاة والسلام: ((في العين نصف الدية))(٨)،
مغني المحتاج : ١٩٧/٤ وما بعدها، المهذب: ٢٢٥/٢، أعلام الموقعين: ٢٣٦/٢، المغني: ٣٣٥/٨.
(١)
الخذف : الرمي بالحصاة ، والحذف : الرمي بالعصا ، لا بالحصا .
(٢)
متفق عليه بين البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة .
(٣)
رواه أحمد .
(٤)
(٥)
رواه أحمد والنسائي .
رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد .
(٦)
تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه: ١١٠/٦، الفتاوى الهندية: ٧/٦، رد المحتار على الدر: ٣٩٠/٥، تكملة
(٧)
فتح القدير: ٢٦٩/٨، مجمع الضمانات: ص ١٦٩، القوانين الفقهية: ص ٣٥١ ، رحمة الامة بهامش الميزان
للشعراني : ١٥٩/٢ ، ط البابي الحلبي .
أخرجه أبو داود في المراسيل والنسائي وابن خزيمة ، وابن الجارود وابن حبان وأحمد (سبل
(٨)
السلام : ٢٤٤/٣ ) .
- ٧٦١ -

ولأن مجرد النظر بالعين لا يبيح الجناية على الناظر، كما لو نظر من الباب المفتوح،
وكما لو دخل منزله، ونظر فيه، أو نال من امرأته مادون الجماع، لم يجز قلع عينه،
فمجرد النظر أولى.
ويلاحظ أن الاختلاف بين الرأيين هو فيمن نظر من خارج الدار، أما لو أدخل
شخص رأسه، فرماه صاحب الدار بحجر، ففقاً عينه، فلا يضمن اجماعاً .
حكم الدفاع عن المال :
قزر جمهور الفقهاء أن الدفاع عن المال جائز، لا واجب ، سواء أكان المال قليلاً
أم كثيراً، إذا كان الأخذ بغير حق ، ولا قصاص على المدافع إن التزم الدفع بالأسهل
فالأسهل، لما رواه أبو هريرة. قال: «جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن
جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : فلا تعطه مالك (وفي لفظ: قاتل دون مالك)،
قال: أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله، قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال: فأنت شهيد،
قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار))(١) قال العلماء: فإن قتله فلا ضمان عليه،
لعدم التعدي منه عليه ، والحديث عام لقليل المال وكثيره.
S
وسبب التفرقة بين الدفاع عن المال، والدفاع عن النفس أو العرض عند
القائلين بوجوب الدفاع عن غير المال : هو أن المال مما يباح بالإباحة والإذن ، أما
النفس فلا تباح بالإباحة .
وقال بعض المالكية : لا يجوز الدفاع عن المال إذا كان شيئاً يسيراً. ولكن ظاهر
الأحاديث السابقة وعمومها يرد على التفرقة بين القليل والكثير كما بينا .
(١) رواه مسلم وأحمد ( نصب الراية: ٣٤٨/٤ وما بعدها ) قال ابن تيمية في منتهى الأخبار : فيه من الفقه أنه يدفع
بالأسهل فالأسهل ( نيل الأوطار : ٣٢٦/٥).
- ٧٦٢ -

وقال بعض العلماء: إن المقاتلة عن المال واجبة. وهذا رأي المالكية بعد الإنذار
كما أوضحنا(١).
وفرق الشافعية(٢) بين أنواع الأموال فقالوا: لا يجب الدفع عن مال لا روح فيه،
لأنه يجوز إباحته للغير. أما ما فيه روح: فيجب الدفع عنه إذا قصد إتلافه، ما لم
يخش على نفسه أو عرضه ، لحرمة الروح، حتى لو رأى أجنبي شخصاً يتلف حيوان
نفسه إتلافاً محرماً ، وجب عليه دفعه على الأصح. وكذلك يجب عليه الدفع عن مال
متعلق به حق الغير كرهن وإجارة .
لكن أضاف الشافعية: لو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها، ضمنها في
الأصح، إذ لا قصد لها ولا اختيار، حتى يحال السبب عليها ، فصار المدافع عن المال
کالمضطر إلى طعام غيره، یأکله و یضنه .
لله تعالى
الدر المختار وحاشيته: ٣٨٨/٥، مواهب الجليل: ٣٢٣/٦، الشرح الكبير: ٣٥٧/٤، نيل الأوطار: ٣٢٦/٥،
(١)
المغني : ٣٢٩/٨ وما بعدها .
(٢)
المهذب : ٢٢٤/٢ وما بعدها ، مغني المحتاج : ١٩٥/٤ وما بعدها .
- ٧٦٣ -

الفصل التاسع
اللقطة واللقيط
اللقطة لغة بسكون القاف أو فتحها : ما وجد بعد طلب أي ما يلتقط، قال
تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون﴾ وهي بهذا المعنى اللغوي العام تشمل ما يلتقطه
الإنسان من بني آدم أو الأموال، أو الحيوان. واللقَطة بفتح القاف أيضاً: الكثير
الالتقاط .
إلا أن الحنفية وغيرهم ميزوا في بحوثهم الفقهية بين اللقيط ، واللقطة، والضالة.
لذا نذكر معنى اللقيط، وأحكامه، ومعنى اللقطة وأحكامها، ونبين نوعي اللقطة:
لقطة الأموال، ولقطة الحيوان أي الضالة، ونختم البحث بمعرفة ما يصنع باللقطة .
ویکون الكلام في مبحثين :
المبحث الأول - حقيقة اللقيط وأحكامه :
اللقيط لغة: هو ما يلقط أي يرفع من الأرض، وعرفاً: هو الطفل المفقود
المطروح على الأرض عادة، خوفاً من مسؤولية إعالته، أو فراراً من تهمة الريبة أو
الزنا فلا يعرف أبوه ولا أمه ، أو لسبب آخر.
أحكامه : الالتقاط عند الحنفية مندوب إليه وهو من أفضل الأعمال؛ لأنه
يترتب عليه إحياء النفس، ويكون فرض كفاية إن غلب على الظن هلاك الولد لو
لم يأخذه، كأن وجد في مغارة ونحوها من المهالك، لحصول المقصود بالبعض وهو
صيانته .
- ٧٦٤ -

وقال باقي الأئمة : التقاط الولد فرض كفاية إلا إذا خاف هلاكه ففرض عين .
وهناك أحكام فرعية أخرى تتعلق باللقيط منها (١):
١ - إن الملتقط أولى بإمساك اللقيط من غيره : فإن شاء تبرع بتربيته
والإنفاق عليه، وإن شاء رفع الأمر إلى الحاكم، ليأمر أحداً بتربيته على نفقة المال ؛
لأن بيت المال معدّ لحوائج جميع المسلمين ... هذا إذا لم يكن للقيط مال، فإن كان له
مال، بأن وجد الملتقط معه مالاً، فتكون النفقة من مال اللقيط ؛ لأنه غير محتاج
إليه، فلا يثبت حقه في بيت المال، وهذا الحكم مجمع عليه بين العلماء(٢).
ولو أنفق عليه الملتقط من مال نفسه: فإن أنفق بإذن القاضي ، فله أن يرجع
على اللقيط بعد بلوغه، وإن أنفق بغير إذن القاضي يكون متبرعاً، ولا يرجع على
اللقيط بما أنفق عليه بعد استكماله البلوغ .
واللقيط كاللقطة أمانة في يد الملتقط .
٢ - إن الولاية على اللقيط في نفسه وماله للقاضي : أي بالنسبة للحفظ
والتعليم والتربية والتزويج والتصرف في ماله، لقوله عليه الصلاة والسلام:
((السلطان ولي من لاولي له (٣)) وليس للملتقط ولاية التزويج أو التصرف في المال.
راجع المبسوط: ٢٠٩/١٠ وما بعدها، البدائع: ١٩٧/٦ وما بعدها، فتح القدير : ٤١٧/٤ ، تبيين
(١)
الحقائق : ٢٩٧/٣، الدر المختار: ٣٤٣/٣ وما بعدها ، مختصر الطحاوي: ص ١٤١ ، مجمع الضمانات: ص ٢١١ وما
بعدها .
المغني: ٦٨٣/٥، بداية المجتهد: ٣٠٥/٢ ، مغني المحتاج: ٤٢١/٢ .
(٢)
رواه خمسة من الصحابة : عائشة، وابن عباس ، وعلي ، وعبد الله بن عمرو، وجابر ، فحديث عائشة أخرجه
(٣).
أصحاب الكتب الستة والشافعي وأحمد بلفظ: ((لانكاح إلا بولي ، وأيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ،
فنكاحها باطل ، باطل ، باطل ، فإن لم يكن لها ولي ، فالسلطان ولي من لاولي له )» وحديث ابن عباس
أخرجه ابن ماجه بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له )) وهكذا .. ( راجع تخريج وتحقيق
أحاديث تحفة الفقهاء للمؤلف مع الاستاذ الكتاني: ٥١٠/٣ ، نصب الراية: ١٦٧/٣ ) .
- ٧٦٥ -

وإذا زوج الحاكم اللقيط فالمهر يدفع من بيت المال، إلا إذا كان للقيط مال،
فيكون في ماله. كذلك يدفع للقيط من بيت المال ما يحتاج إليه من نفقة وكسوة
ودواء ونحوها ، وهو مروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما ، ولأن بيت المال معد
للصرف إلى مثله من المحتاجين، كالمقعد الذي لامال له، ولأن ميراثه لبيت المال،
والخراج بالضمان أي لبيت المال غنمه أي (ميراثه) وديته، وعليه غرمه .
٣ - إن اللقيط حر مسلم: لأن الأصل في الإنسان إنما هو الحرية، والأصل
بقاء ما كان حتى يوجد ما يغيره، ولأن الدار دار إسلام ودار حرية، فمن كان فيها
يكون حراً بمقتضى الأصل العام، إذ هو الحكم الغالب والأمر الظاهر، ويكون أيضاً
مسلماً تبعاً لدار الإسلام .
وبناء عليه، إذا وجد اللقيط مسلم في بلد إسلامي يكون مسلماً، حتى لومات
يغسل ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين ، أما إذا وجده ذمي أو مسلم في بيعة
النصارى أو كنيسة اليهود أو في قرية ليس فيها مسلم يكون ذمياً تحكياً للظاهر. ولو
وجده ذمي في بلد إسلامي يكون مسلماً ، أي أن العبرة للمكان .
وفي رواية النوادر عند ابن سماعة: ينظر إلى حال الواجد من كونه مسلماً أو
ذمياً ولا يلتفت إلى المكان ؛ لأن اليد (أي الحيازة) أقوى من المكان ، بدليل أن تبعة
الأبوين فوق تبعة الدار.
وفي رواية أخرى يكون اللقيط مسلماً بحسب حال الواجد، أو المكان .
قال الكاساني : والصحيح هذه الرواية، فإذا وجده مسلم في بلد إسلامي كان
مسلماً تبعاً للدار، وإذا وجده كافر في دار الإسلام كان مسلماً، أو وجده ذمي أو مسلم
في كنيسة كان ذمياً (١) .
(١) البدائع: ١٩٨/٦ .
- ٧٦٦ -

وإذاً تكون الأقوال ثلاثة : العبرة للمكان ، أو العبرة للواجد، أو العبرة للمكان أو
الواجد، والقول الثالث هو الأصح عند الحنفية .
وقال الشافعية والحنابلة: إذا وجد لقيط بدار الإسلام فهو مسلم، وإن وجد
بدار الكفار فكافر إن لم يسكنها مسلم كأسير وتاجر، فإن سكنها مسلم فهو مسلم في
الأصح(١) تغليباً للإسلام، بدليل ما روى أحمد والدارقطني: «الإسلام يعلو ولا يعلى
علیه )) .
٤ - حكم النسب : يعتبر اللقيط مجهول النسب ، حتى لوادعى إنسان نسبة
اللقيط تصح دعوته، ويثبت النسب منه. وبناء عليه: لو ادعى الملتقط أو غيره أن
اللقيط ابنه تسمع دعواه من غير بينة ، والقياس ألا تسمع إلا ببينة .
وجه القياس ظاهر، وهو أنه يدعي أمراً يحتمل الوجود وعدمه، فلا بد من
ترجيح أحد الجانبين على الآخر بمرجح ، وذلك بالبينة . ولم توجد .
ووجه الاستحسان : أن هذا الادعاء إقرار بما ينفع اللقيط ؛ لأنه يتشرف
بالنسب ويعير بفقده، وتصديق المدعي في مثل هذا لا يتطلب البينة. لكن لو
ادعى نسبه ذمي تقبل دعواه، ويثبت نسبه منه، لكنه يكون مسلماً؛ لأن ادعاء
النسب يقبل فيما ينفع اللقيط لا فيما يضره، ولا يلزم من كونه ابناً له أن يكون
كافراً، كما لو أسلمت أمه مثلاً، فيلحق الولد خير الأبوين ديناً، كما هو معروف.
ولو ادعاه رجلان أنه ابنهما، ولا بينة لهما، فإن كان أحدهما مسلماً، والآخر
ذمياً، فالمسلم أولى بثبوت نسبه منه؛ لأنه أنفع للقيط .
وإن كان المدعيان مسلمين حرين : فإن وصف أحدهما علامة في جسد الولد،
فهو أحق به عند الحنفية؛ لأن ذكر العلامة يدل على أنه كان في يده، فالظاهر أنه
(١) مغني المحتاج: ٤٢٢/٢، المغني: ٦٨١/٥.
- ٧٦٧ _

له، فيترجح بها ، بدليل قوله تعالى مخبراً عن أهل امرأة عزيز مصر: ﴿إن كان قميصه
قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبین ، وإن كان قميصه قدّ من دبر، فكذبت وهو من
الصادقين ﴾ .
وإن لم يصف أحدهما علامة، أو أقام كل منهما البينة، يحكم بكونه ابناً لهما ، إذ
ليس أحدهما بأولى من الآخر، وقد روي عن سيدنا عمر في مثل هذا أنه قال : إنه ابنهما
یرتها ویرثاه .
وإن ذكر أحدهما بينة، والآخر علامة، فصاحب البينة أولى ؛ لأنه ترجح
جانبه بمرجع .
وقال الشافعية : إن ادعى اللقيط اثنان ولم يكن لأحدهما بينة، عرض اللقيط
على القائف(١) فيلحق من ألحق به؛ لأن في إلحاقه أثراً في الانتساب عند الاشتباه(٢).
وإن ادعت امرأة أن اللقيط ابنها : فإن لم يكن لها زوج، لا يصح ادعاؤها؛ لأن
فيه حمل نسب شخص على الغير وهو الزوج، وهو لا يجوز. وإن كان لها زوج
فصدقها في ادعائها أو شهدت لها القابلة ، أو شهد لها شاهدان ، ثبت النسب منها .
ولو ادعته امرأتان ، وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به، وإن أقامت كل منهما
البينة ، فهو ابنهما عند أبي حنيفة. وعند أبي يوسف: لا يكون لواحدة منهما . وعن
محمد روايتان : في رواية يجعل ابنهما ، وفي رواية : لا يجعل ابن واحدة منهما .
(١) القائف جمع قافة: وهم قوم يعرفون الأنساب بالشبه ، والقائف : من عرفت منه معرفة الأنساب بالشبه ،
وتكررت منه الإصابة . والأصل في القائف : هو الذي يتبع الآثار والأشباه ويقفوها ، أي يتبعها ، فهو المتبع
للشيء .
(٢) مغني المحتاج : ٤٢٨/٢.
- ٧٦٨ -

المبحث الثاني - اللقطة وأحكامها ونوعاها وما يصنع بها :
ينقسم هذا المبحث إلى مطالب ثلاثة :
المطلب الأول - معنى اللقطة وأحكامها :
اللقطة - بضم اللام وفتح القاف أو سكونها ، وحكى ابن مالك فيها أربع لغات :
وهي لقاطة، ولقطة بضم اللام وسكون القاف، وبضم اللام وفتح القاف، ولقط
بفتح اللام والقاف بلا تاء مربوطة . وقال الخليل بن أحمد: هي بفتح القاف وصف
مبالغة لاسم الفاعل : وهو الملتقط، مثل هُمَّزة ولُمَّزة ، وبسكون القاف وصف مبالغة
الاسم المفعول: مثل ضُحْكة للذي يضحك منه، وهُزْأة للذي بهزأ به، وإنما قيل للمال
الملتقط لقطة؛ لأن طباع النفوس في الغالب تبادر إلى التقاطه ؛ لأنه مال .
وهي شرعاً كما قال ابن قدامة الحنبلي: المال الضائع من ربه يلتقطه غيره.
وبنحوه في التتارخانية من كتب الحنفية: هي مال يوجد، ولا يعرف مالكه،
وليس مباح کال الحربي .
أحكامها : للقطة أحكام من حيث الندب ومن حيث الضمان وغيرهما :
١ - أما حكمها من حيث الندب وغيره : فهو مختلف فيه عند الفقهاء : فقال
الحنفية والشافعية: الأفضل الالتقاط ؛ لأن من واجب المسلم أن يحفظ مال أخيه
المسلم: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))(١).
وقال المالكية والحنبلية بكراهية الالتقاط ، لقول ابن عمر وابن عباس، ولأنه
تعريض لنفسه لأكل الحرام ، ولما يخاف أيضاً من التقصير فيما يجب لها من تعريفها
(١) رواه مسلم عن أبي هريرة ( شرح مسلم : ٢١/١٧) .
- ٧٦٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤٩)

وردها لصاحبها وترك التعدي عليها(١).
٢
هذا هو الحكم العام ، ثم فصل علماء كل مذهب تفصيلات مذهبية يهمنا منها أن
نشير إلى مذهب الحنفية، ومثلهم الشافعية، فإنهم قالوا: يستحب الالتقاط لواثق
بأمانة نفسه إذا خاف ضياع اللقطة لئلا يأخذها فاسق ، فإن لم يخف ضياعها
فالتقاطها مباح، وإن علم من نفسه الخيانة بأن يأخذ اللقطة لنفسه، لا لصاحبها
فيحرم الالتقاط، لما روي عن رسول الله مؤتم أنه قال: ((لا يأوي الضالة إلا
(٢)
ضال))(٢).
وأما حكمها من حيث الضمان وعدمه : فقال الحنفية : اللقطة أمانة في يد
الملتقط لا يضمنها إلا بالتعدي عليها ، أو بمنع تسليمها لصاحبها عند الطلب، وذلك
إذا أشهد الملتقط على أنه يأخذها ليحفظها ويردها إلى صاحبها؛ لأن الأخذ على هذا
الوجه مأذون فيه شرعاً، قال عَ لّ: ((من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل))(٣). وهو أمر
يقتضي الوجوب، ولأنه إذا لم يشهد كان الظاهر أنه أخذها لنفسه، ويكفيه للإشهاد
أن يقول : من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه علي .
وكذلك تكون أمانة إذا تصادق صاحب اللقطة والملتقط أنه التقطها ليحفظها
للمالك .
فإن لم يشهد الملتقط ولم يتصادقا، وإنما قال الآخذ: أخذتها للمالك وكذبه
(١) راجع البدائع: ٢٠٠/٦، فتح القدير: ٤٢٣/٤، الدر المختار: ٤٠٦/٣، بداية المجتهد: ٢٩٩/٢ وما بعدها ، مغني
المحتاج : ٤٠٦/٢ ، المغني : ٦٣٠/٥ .
رواه مسلم وأحمد عن زيد بن خالد بلفظ ((لا يأوي الضالة إلا ضال مالم يعرفها)) ورواه أحمد وأبو داود وابن
(٢)
ماجه بلفظ ((لا يأوي الضالة إلا ضال)) ( نيل الأوطار: ٣٣٨/٥، ٣٤٤، سبل السلام: ٩٤/٣).
(٣) رواه أحمد وابن ماجه عن عياض بن حمار، ورواه أيضاً أبو داود والنسائي والبيهقي والطبراني وصححه ابن
خزيمة وابن الجارود وابن حبان ( نيل الأوطار : ٣٣٨/٥، نصب الراية: ٤٦٦/٣، سبل السلام: ٩٦/٣ ،
الالمام : ص ٣٧٠ ) .
- ٧٧٠ -

المالك يضمن اللقطة عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الظاهر أنه أخذ اللقطة لنفسه،
لا للمالك .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: اللقطة أمانة ولكن لا يشترط الإشهاد على
اللقطة وإنما يستحب فقط ، وإذا لم يشهد الآخذ فلا يضن عندهم وعند أبي يوسف
أيضاً؛ لأن اللقطة وديعة ، فلا ينقلها ترك الإشهاد من الأمانة إلى الضمان ، بدليل
ما جاء من حديث سليمان بن بلال وغيره أنه قال: ((إن جاء صاحبها، وإلا فلتكن
وديعة عندك))(١).
وأما عدم اشتراط الإشهاد، فلأن الرسول ◌ُ لّ أمر زيد بن خالد وأبي بن كعب
بتعريف اللقطة فقط دون الإشهاد(٢)، ومن المعلوم أنه لا يجوز تأخير البيان عن
وقت الحاجة، فلو كان الإشهاد واجباً لبينه النبي ◌ُ ◌ّ حينما سئل عن حكم اللقطة،
وحينئذ تعين حمل الأمر بالإشهاد في حديث عياض الذي استدل به الحنفية على
الندب والاستحباب فقط(٣).
أ - وبناء على رأي أبي حنيفة ومحمد: لو أخذ الشخص اللقطة ثم ردها إلى مكانها
الذي أخذها منه، لاضمان عليه في ظاهر الرواية؛ لأنه أخذها محتسباً متبرعاً
ليحفظها على صاحبها ، فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع، فصار كأنه لم يأخذها
أصلاً . هذا إذا كان المالك قد صدق الملتقط أنه أخذها ليحفظها، أو كان الملتقط قد
أشهد على ذلك ثم ضاعت. فإن كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة ومحمد .
حديث سليمان رواه مسلم ( نيل الأوطار، المرجع السابق: ص ٣٤١ ، الإلمام بأحاديث الأحكام : ص ٣٧١ ،
(١)
شرح مسلم : ٢٥/١٢ ) .
حديث زيد رواه البخاري ومسلم وأحمد كما أشرنا سابقاً ، وحديث أبي بن كعب رواه مسلم وأحمد والترمذي
(٢)
( نيل الأوطار: المرجع السابق: ص ٣٣٨ وما بعدها ) .
المبسوط: ١٢/١١، فتح القدير، المرجع السابق، البدائع: ٢٠١/٦، تبيين الحقائق: ٣٠١/٢ ، مجمع الضمانات :
(٣)
ص ٢٠٩ وما بعدها ، بداية المجتهد: ٣٠٣/٢ وما بعدها، الشرح الكبير : ١٢١/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٤٢ ،
مغني المحتاج : ٤٠٧/٢، المغني: ٦٤٤/٥، ٦٤٧ ، القواعد لابن رجب : ص ٥٣ .٠
- ٧٧١ -
=

وعند أبي يوسف : لا يجب الضمان ، سواء أشهد أم لم يشهد، ويكون القول قول
الملتقط بيمينه أنه أخذها ليحفظها لصاحبها .
وقال مالك : لاضمان على من رد اللقطة إلى موضعها ، لما روي عن عمر أنه قال
لرجل وجد بعيراً: ((أرسله حيث وجدته)). ولكن المشهور في مذهب المالكية أن
الملتقط يضمن اللقطة إذا ردها لموضعها أو لغيره بعد أخذها للحفظ .
ورأى الشافعية والحنابلة: أنه إذا أخذ اللقطة إنسان ، ثم ردها إلى موضعها
ضمنها ؛ لأنها أمانة صارت في يده، فلزمه حفظها ، فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع
الوديعة .
فصار رأي الجمهور هو وجوب الضمان برد اللقطة إلى مكانها .
ب - ويضمن الملتقط اللقطة إذا دفعها إلى غيره بغير إذن القاضي ؛ لأنه يجب
عليه حفظها بنفسه ، بالتزامه الحفظ بالالتقاط .
جـ - فإن هلكت اللقطة في يد الملتقط: فإن أشهد على اللقطة، بأن قال للناس:
((إني وجدت لقطة، فمن طلبها فدلوه علي))؛ فإنه لا يضمن . وإن لم يشهد فعند
أبي حنيفة ومحمد : يضمن. وعند أبي يوسف : لا يضمن إذا كان قد أخذ اللقطة ليردها
إلى صاحبها، ويحلف على فعله إن لم يصدقه صاحبها ، كما ذكرنا قريباً.
د - ولو أقر الملتقط أنه كان قد أخذ اللقطة ليمتلكها لنفسه، لا يبرأ عن الضمان
إلا بالرد على المالك؛ لأنه ظهر أنه أخذها غصباً، فكان الواجب عليه الرد إلى
المالك(؟) لقوله ◌ّ التّ: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه))(٢).
راجع البدائع: ٢٠١/٦، المبسوط: ١١/١١، ١٣، بداية المجتهد: ٣٠٤/٢ ، المغني: ٦٩٤/٥ ، مغني المحتاج :
(١)
٤١١/٢ .
رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن الحسن بن سمرة ، وصححه الحاكم ( نيل الأوطار : ٢٩٨/٥ ، نصب
(٢)
الراية : ١٦٧/٤ ) .
- ٧٧٢ -

المطلب الثاني - نوع اللقطة وما يصنع بها:
اللقطة نوعان : لقطة غير الحيوان : وهو المال الساقط الذي لا يعرف مالكه،
ولقطة الحيوان : وهو الضالة من الإبل والبقر والغنم من البهائم.
وحكم لقطة الحيوان : أنه يجوز التقاطها عند الحنفية والشافعية في الأصح
عندهم ، لحفظها لصاحبها صيانة لأموال الناس ومنعاً من ضياعها ووقوعها في يد
خائنة .
وقال مالك: يكره التقاط ضالة الحيوان، ولقطة المال أيضاً (١)، لما رواه
أصحاب الكتب الستة عن زيد بن خالد الجهني، قال: ((سئل رسول الله مُ اللّ عن
لقطة الذهب والورق(٢)، فقال اعرف وكاءها، وعفاصها (٣)، ثم عرفها سنة، فإن لم
تعرف فاستنفقها(٤)، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدها
إليه)). وسأله رجل عن ضالة الإبل، فقال: ((مالك ولها، دعها، فإن معها حذاءها
وسقاءها (٥) ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يجدها ربها . وسأله عن الشاة فقال : خذها
فإنما هي لك، أو لأخيك أو للذئب))(٦).
وروى أبو داود وأحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله أنه أمر بطرد بقرة
لحقت ببقرة حتى توارت، فقال: سمعت رسول الله عَ لّ يقول: ((لا يأوي الضالة إلا
(١) المبسوط: ١١/١١، البدائع: ٢٠٠/٦، فتح القدير: ٤٢٨/٤، تبيين الحقائق: ٢٠٥/٣، بداية المجتهد: ٢٩٩/٢
وما بعدها ، مغني المحتاج: ٤٠٩/٢ ، المغني : ٦٣١/٥ .
(٢)
الورق - بفتح الواو وكسر الراء هو الفضة .
الوكاء : الخيط الذي يشد به الوعاء الذي تكون فيه النفقة ، والعفاص بكسر السين وتخفيف الفاء : هو الوعاء
(٣)
الذي تكون فيه النفقة من جلد أو غيره .
أي اما أن تستهلكها وتغرم بدلها ، وأما أن تتركها عندك على سبيل الوديعة حتى يجيء صاحبها فتعطيها
(٤)
إياه .
(٥)
الحذاء : أي الخف ، والسقاء أي الجوف ، وقيل : العنق ، والمراد أنها تستغني عن الحفظ .
(٦)
راجع نصب الراية: ٤٦٨/٣، نيل الأوطار : ٣٣٨/٥، شرح مسلم: ٢٠/١٢.
- ٧٧٣ -

ضال))(١) وقال ◌ُ ◌ّ: ((إن ضالة المسلم حرق النار))(٢) أي تؤدي به إلى النار إذا
تملكها .
1
وأخرج مسلم وأحمد والترمذي عن أبي بن كعب في حديث اللقطة أن
النبي ◌ُ التّ، قال: ((عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدَّتها ووعائها ووكائها، فأعطها
إياه، وإلا فاستمتع بها)» (٣).
وأجاب الفريق الأول عن الأحاديث بأن حكمها كان في الماضي حين غلبة أهل
الصلاح والأمانة ، فلا تصل إليها يد خائنة ، أما في زماننا فنظراً لكثرة الخيانة يكون
في أخذها حفظها على صاحبها .
وهذا كله ما عدا لقطة الحج، فإن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز التقاطها لنهيه
عليه السلام عن ذلك (٤)، ولا يجوز لقطة مكة أيضاً، لقوله التر في بلد مكة يوم
الفتح: ((ولا تحل لقطتها إلا لمعرِّف)) وفي لفظ: (( ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد))(٥).
وأما ما يصنع باللقطة : فهو أن الملتقط يعرفها، لما روى البخاري ومسلم
عن زيد بن خالد الجهني، قال: ((سأل رجل رسول الله صَ لّ عن اللقطة: فقال:
(١) في رواية: ((لا يأوي)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (راجع نيل الأوطار، المرجع السابق، ص ٣٤٤ ،
سبل السلام : ٩٤/٣ ) .
رواه الطبراني في كبيره عن عصمة ، وفيه أحمد بن راشد وهو ضعيف وأخرجه أحمد وابن ماجه والطحاوي وابن
(٢)
حبان وغيرهم عن عبد الله بن الشخير ( مجمع الزوائد: ١٦٧/٤، سبل السلام: ٩٤/٣ ) .
نصب الراية: ٤٦٧/٣، نيل الأوطار: ٣٣٩/٥، الوعاء: ما يجعل فيه المتاع ، والوكاء : الخيط الذي يشد به
(٣)
الصرة والكيس ونحوهما .
رواه أحمد ومسلم عن عبد الرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله مَ ◌ّل عن لقطة الحج (شرح مسلم: ٢٨/١٢ ،
(٤)
سبل السلام : ٩٦/٣ ) .
أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس بلفظ: (ولا تلتقط لقطة إلا من عرفها)» وفي لفظ ((إلا لمعرف)»
(٥)
وأخرجها أيضاً عن أبي هريرة بلفظ: ((ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد)) (راجع نصب الراية: ٤٦٧/٣ ، نيل
الأوطار : ٢٤/٥) .
- ٧٧٤ -

عرفها سنة)) وقال عليه السلام أيضاً: ((لا تحل اللقطة، فمن التقط شيئاً فليعرِّف
سنة)) الحديث(١).
والكلام عن تعريف اللقطة يستتبع بحث كيفية التعريف، ومدة التعريف،
ومكان التعريف ، ونفقات التعريف، وما تحتاجه الضالة، وشرط ردّ اللقطة إلى
صاحبها ، وحکم تملكها :
١ - كيفية تعريف اللقطة وحكم بيان المعرِّف: المراد بتعريف اللقطة:
هو المناداة عليها ، أو الإعلان عنها حيث وجدها، وفي المجتمعات العامة كالأسواق
وأبواب المساجد، والمقاهي ، ونحوها . وتعريفها : يكون بذكر بعض أوصافها كأن
يذكر جنسها ، فيقول :
((من ضاع له نقود، أو ثياب)) ونحوه، وأن يبين وعاءها أو وكاءها الذي يربط
به كيسها ، ولا يصف أوصافها التفصيلية لأنه لو وصفها ، لعلم صفتها من يسمعها ، فلا
تبقى صفتها دليلاً على ملكها .
ويجب على الملتقط عند الجمهور تعريف اللقطة؛ لأن ظاهر أمر الرسول مع اله
لزيد بن خالد في قوله: «عرفها سنة» يقتضي الوجوب، إذ ظاهر الأمر للوجوب ،
كما هو معروف عند علماء الأصول .
وقال أكثر الشافعية : لا يجب تعريفها لمن أراد حفظها لصاحبها؛ لأن الشرع
إنما أوجب التعريف إذا كان بقصد التملك، لكن المعتمد عندهم وجوب التعريف . وبه
اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب الإعلان عن اللقطة أو تعريفها .
(١) أخرجه البزار في مسنده والدارقطني في سننه عن أبي هريرة (راجع لهذا وما قبله الذي سبق تخريجه : نصب
الراية : ٤٦٦/٣، نيل الأوطار: ٣٣٨/٥، سبل السلام: ٩٤/٣، شرح مسلم: ٢٦/١٢) .
- ٧٧٥ _

وللملتقط أن يتولى تعريفها بنفسه، أو يستنيب عنه أحداً يقوم بالتعريف(١).
٢ - مدة التعريف: اتفق العلماء على أن لواحد ضالة الغنم في المكان القفر
البعيد عن العمران أن يأكلها، لقوله مر ◌ّةٍ في الشاة: ((هي لك أو لأخيك أو
للذئب)). واختلفوا هل يضمن قيمتها لصاحبها أم لا ؟ .
قال جمهور العلماء: إنه يضمن قيمتها ، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب
(٢)
نفس منه (٢).
وقال مالك في أشهر أقواله : إنه لا يضمن أخذاً بظاهر هذا الحديث.
وأما غير ضالة الغنم : فاتفق العلماء على تعريف ما كان منها له أهمية وشأن مدة
سنة؛ لأن النبي ◌ُّ الّ أمر بتعريف اللقطة سنة واحدة كما عرفنا.
وما رواه البخاري ومسلم في حديث أبي من تعريف اللقطة ثلاثة أحوال
(أعوام) أو أربعة أو عشرة، هو غلط من بعض الرواة كما حقق ابن الجوزي، أو هو
محمول على مريد الورع عن التصرف في اللقطة (٣).
وأما الشيء الحقير: فقال الشافعية: الأصح أن الشيء الحقير أي القليل المتول
وهو بقدر الدينار أو الدرهم لا يعرَّف سنة، لقول عائشة: ((لا بأس بما دون الدرهم أن
يستنفع به)) وقدر بما لا تقطع به يد السارق وهو ربع دينار عند الجمهور، وعشرة
دراهم عند الحنفية، بل يعرف زمناً يظن أن فاقده يعرض عنه غالباً، وهذا هو
(١) الدر المختار: ٣٥٠/٣، فتح القدير: ٤٢٦/٤، الشرح الكبير للدردير: ١٢٠/٤، مغني المحتاج: ٤١١/٢، ٤١٣،
المهذب: ٤٢٩/١، المغني: ٦٣١/٥، ٦٣٣ وما بعدها، نيل الأوطار: ٣٤٠/٥، نهاية المحتاج للرملي: ٣٦٢/٤ .
(٢)
هذا حديث رواه الحاكم وابن حبان في صحيحه وأحمد والبزار بلفظ مقارب عن أبي حميد الساعدي ، ورواه
أحمد أيضاً بهذا اللفظ عن عمرو بن يثربي ، وفي معناه أحاديث كثيرة (سبل السلام: ٦٠/٣ وما بعدها، مجمع
الزوائد : ١٧١/٤ ) .
(٣) راجع نصب الراية: ٤٦٧/٣، نيل الأوطار: ٣٤٠/٥ وما بعدها .
- ٧٧٦ -

الراجح عند المالكية . وفي رواية عن أبي حنيفة : مضمونها إن كانت قيمة الشيء أقل
من عشرة دراهم أي دينار يعرفه أياماً بحسب ما يرى، وإن كانت عشرة دراهم
فصاعداً عرّفها حولاً ، إلا أن هذه الرواية ليست هي ظاهر الرواية عند الحنفية فقد
قال الطحاوي: وإذا التقط لقطة فإنه يعرفها سنة، سواء أكان الشيء نفياً أم
خسيساً في ظاهر الرواية .
وظاهر الرواية عند الحنفية هو ظاهر المذهب عند الحنابلة (١).
وأما الشيء التافه فقد قال الفقهاء: لا خلاف في إباحة أخذ اليسير من
الأشياء والانتفاع به من غير تعريف كالتمرة والكسرة والخرقة؛ لأن النبي صَ لّه لم
ينكر على واجد التمرة حيث أكلها بل قال له: ((لو لم تأتها لأتتك)) ورأى النبي مُ لّع
تمرة فقال: ((لولا أني أخاف أنْ تكون من الصدقة لأكلتها)) (٢) ويلاحظ أن الأمر
يا كمال مدة التعريف إذا كانت اللقطة مما لا يتسارع إليها الفساد، فإن كانت مما
يتسارع بها تصدق بها أو أنفقها على نفسه عند الحنفية .
وعند الشافعية : يتخير الملتقط بين أن يبيعها ليمتلك ثمنها بعد التعريف، أو
يتملكها في الحال ويأكلها ويغرم قيمتها .
٣ - مكان التعريف: تعرّف اللقطة في الأسواق وأبواب المساجد ومجامع
الناس؛ لأن المقصود إشاعة خبرها واظهارها ليعلم بها صاحبها، ولا ينشدها في
المسجد؛ لأن المسجد لم يبن لهذا، قال النبي ◌ُ له: ((من سمع رجلاً ينشد ضالة في
(١) بداية المجتهد: ص ٣٠١، ٣٠٣، الشرح الكبير: ١٢٠/٤، المغني: ٦٣٢/٥، ٦٣٤، المهذب: ٤٣٠/١، مغني
المحتاج : ٤١٥/٢، البدائع: ٢٠٢/٦، تبيين الحقائق: ٣٠٢/٣ وما بعدها، فتح القدير : ٤٢٤/٤ وما بعدها ،
مختصر الطحاوي : ص ١٣٩ .
ذكر ابن قدامة الحنبلي هذين الحديثين ( راجع المغني: ٦٣٤/٥) روى الثاني منها البخاري ومسلم عن أنس
(٢)
( سبل السلام: ٩٣/٣ ، الالمام: ص ٣٧٣ ) .
- ٧٧٧ -

المسجد، فليقل: لا ردَّها الله إليه، فإن المساجد لم تبن لهذا (١))) وأمر سيدنا عمر واجد
اللقطة بتعريفها على باب المسجد .
وقد بين الشافعية طريق التعريف في أثناء السنة ، فقالوا: يعرّف اللقطة، في
أول السنة كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم يعرف في كل يوم مرة ، ثم كل أسبوع مرة
أو مرتين، ثم كل شهر مرة تقريباً(٢).
٤ - نفقات التعريف وما تحتاجه الضالة: إذا احتاج تعريف اللقطة إلى
نفقة كأجور الإعلان في الصحف في عصرنا الحاضر مثلاً، فقد قال الحنفية والحنابلة:
تكون تلك النفقة على الملتقط ؛ لأن هذا أجر واجب على المعرف نفسه، فكان عليه
كما لو قصد تملك اللقطة، ولأنه لو تولى الملتقط تعريف اللقطة بنفسه لم یکن له أجر
على صاحبها ، فكذلك إذا استأجر على التعريف لا يلزم صاحبها بشيء.
وقال المالكية : إن أنفق الملتقط على اللقطة شيئاً من عنده، فيخير صاحبها بين
أن يفتديها من الملتقط بدفع نفقتها، أو يسلم اللقطة لملتقطها مقابل نفقتها (٣).
وقال الشافعية: بما أن تعريف اللقطة واجب على الملتقط، على ماهو المعتمد،
فإن الملتقط لا يلزم بمؤنة التعريف إن أخذ اللقطة بقصد حفظها لمالكها، وإنما
يرتبها القاضي من بيت المال(٤)، أو يقترض على المالك.
أما إن أخذ اللقطة لتملكها ، فيلزمه مؤنة التعريف، سواء أتملكها أم لا . وهذا
هو الرأي المعقول .
(١) رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة ورواه البزار عن سعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وابن مسعود (راجع
مجمع الزوائد: ١٧٠/٤، التاج: ٢١٥/١) .
(٢)
البدائع: ٢٠٢/٦، رد المحتار على الدر المختار: ٣٥٠/٣، مغني المحتاج: ٤١٣/٢، المغني: ٦٣٢/٥، الشرح الكبير
للدردير: ١٢٠/٤، نيل الأوطار: ٣٤٠/٥.
(٣)
الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ١٢٣/٤ .
مغني المحتاج : ٤١٣/٢ وما بعدها .
(٤)
- ٧٧٨ _

أما ما تحتاجه الضالة أو اللقطة من نفقة : فقال الجمهور: ملتقط اللقطة متطوع
بحفظها ، فلا يرجع بشيء من النفقة على صاحب اللقطة ، إلا أن الشافعية قالوا : فإن
أراد الرجوع استأذن الحاكم، فإن لم يجده أشهد على النفقة .
وكذلك قال الحنفية : ان أنفق الملتقط على اللقطة بغير إذن الحاكم فهو متبرع،
لأنه لا ولاية له على ذمة المالك في أن يشغلها بالدين بدون أمره، وإن أنفق عليها
بإذن الحاكم، كان ما ينفقه ديناً على المالك ؛ لأن للقاضي ولاية في مال الغائب رعاية
لمصالحه، فإذا رفع الأمر إلى القاضي ينظر في الأمر: فإن كان للبهيمة منفعة، وهناك
من يستأجرها أجرها وأنفق عليها من أجرتها ؛ لأن في إجارتها رعاية لمصلحة المالك ،
وإن كانت البهيمة لا منفعة لها بطريق الإجارة وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها ، أمر
القاضي الملتقط ببيعها وحفظ ثمنها.
وإن رأى الأصلح ألا يبيعها ، بل ينفق عليها ، أذن له في النفقة وجعل النفقة
ديناً على مالكها ، فإذا حضر المالك فللملتقط أن يحبس اللقطة عنده حتى يحضر
النفقة ، وإن أبى أن يؤدي النفقة باعها القاضي، ودفع للملتقط قدر النفقات التي
أنفقها(١).
٥ - شرط رد اللقطة إلى صاحبها: يشترط لرد اللقطة إلى صاحبها أن
يذكر علامة يميزها عن غيرها ، أو يثبت أنها له بالبينة ، أي بشهادة شاهدين، فإذا
أثبت كونها له أو ذكر علامة تميزها، كأن يصف عفاصها (وعاءها) ووكاءها
(ما تربط به من الخيول وغيرها) ووزنها وعددها ، فيحل حينئذ للملتقط أن يدفعها
إليه، وإن شاء أخذ منه كفيلاً؛ لأن ردها إليه بالعلامة مما قد ورد به الشرع. وهذا
باتفاق العلماء، لكن هل يجبر الملتقط قضاء على رد اللقطة بمجرد وصف العلامة
(١) بداية المجتهد: ٢٠٤/٢، مغني المحتاج: ٤١٠/٢، البدائع: ٢٠٣/٦، فتح القدير: ٤٢٨/٤ وما بعدها ، تبيين
الحقائق: ٣٠٥/٣ ، المهذب: ٤٣٢/١، المبسوط: ٩/١١، المغني: ٦٢٣/٥ وما بعدها .
- ٧٧٩ _

----
المميزة لها ، أم لا بد من البينة ؟ خلاف بين العلماء(١).
قال الحنفية، والشافعية على المذهب عندهم: لا يجبر الملتقط على تسليم اللقطة
إلى من يدعيها بلا بينة، لأنه مدع، فيحتاج إلى بينة كغيره، لقوله مد ل: ((لو
يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ، لكن البينة على المدعي ،
واليمين على من أنكر))(٢). ولأن اللقطة مال للغير، فلا يجب تسليمه بالوصف
كالوديعة، لكن يحل للملتقط دفع اللقطة لمن يدعيها عند إصابة العلامة عند الحنفية ،
أو إذا غلب على ظن الملتقط صدق المدعي عند الشافعية، عملا بقول الرسول ما الر:
((فإن جاء صاحبها، وعرف عفاصها ، ووكاءها ، وعددها فأعطها إياه، وإلا فهي
لك».
وقال المالكية والحنابلة : يجبر الملتقط على تسليم اللقطة لصاحبها إذا وصفها
بصفاتها المذكورة ، سواء غلب على ظنه صدقه أم لم يغلب ، ولا يحتاج إلى بينة، عملاً
بظاهر قول النبي ◌ُّ: «فإن جاء أحد يخبرك بعددها، ووعائها، ووكائها ، فادفعها
إليه)).
وفي حديث زيد السابق: ((اعرف وكاءها وعفاصها ، ثم عرفها سنة فإن لم
تعرف، فاستنفقها، وإن جاء طالبها يوماً من الدهر، فأدّها إليه)) يعني إذا ذكر
صفاتها؛ لأن هذا هو المذكور في صدر الحديث، ولم يذكر البينة في شيء من
الحديث، ولو كانت شرطاً للدفع لم يجز الإخلال به، ولا أمر بالدفع بدونه، ولأن
إقامة البينة على اللقطة متعذر؛ لأنها ضاعت حال الغفلة والسهو. وقول النبي عد له:
(١) فتح القدير: ٤٣١/٤، المبسوط: ٨/١١، البدائع: ٢٠٢/٦، تبيين الحقائق: ٣٠٦/٣، الدر المختار: ٣٥٣/٣،
بداية المجتهد : ٣٠٢/٢ ، مغني المحتاج: ٤١٦/٢، المهذب: ٤٣١/١، المغني: ٦٤٤/٥ وما بعدها .
(٢)
حديث حسن رواه البيهقي وأحمد هكذا ، وهو في الصحيحين بلفظ آخر من حديث ابن عباس ( نصب
الراية: ٩٥/٤، نيل الأوطار: ٣٠٥/٨، سبل السلام: ١٣٢/٤، الإلمام: ص ٥٢١ ، شرح مسلم: ٢/١٢).
- ٧٨٠ -