النص المفهرس
صفحات 721-740
والأراضي والأشجار والحيوان والمفروشات والمخطوطات ونحوها (١). وتجب القيمة في ثلاث حالات(٢): ١ - إذا كان الشيء غير مثلي كالحيوانات والدور والمصوغات ، فلكل واحد منها قيمة تختلف عن الأخرى باختلاف الصفات المميزة لكل واحد . ٢ - إذا كان الشيء خليطاً مما هو مثلي بغير جنسه، كالحنطة مع الشعير. ٣ - إذا كان الشيء مثلياً تعذر وجود مثله، والتعذر إما حقيقي حسي كانقطاع وجود المثل في السوق بعد البحث عنه، وإن وجد في البيوت، أو حكمي : كأن لم يوجد إلا بأكثر من ثمن المثل، أو شرعي: بالنسبة للضامن كالخمر بالنسبة للمسلم يجب عليه للذمي عند أئمة المذاهب كما بينا ضمان القيمة، وإن كانت الخمر من المثليات ؛ لأنه يحرم على المسلم تملكها بالشراء. وبه يتبين أن الواجب الأصلي في الضمان (أو التعويض أو الغرامة): هو إزالة الضرر عيناً كإصلاح الحائط، ورد عين المغصوب مادام قائماً، ورد الخمر المغصوبة مادامت باقية بالنسبة للمسلم، إذ له عند الحنفية إمساكها لتصير خلاً، وجبر المتلف وإعادته صحيحاً كما كان، عند الإمكان، كإعادة المكسور صحيحاً. فإن تعذرت الإعادة وجب التعويض المثلي في المثليات ، والنقدي أو القيمة في القيميات . ٢ - وقت وجوب الضمان أو وقت تقدير التعويض : للفقهاء آراء متقاربة في وقت الضمان أو تقدير قيمة التعويض ، فقال الحنفية الدر المختار وحاشيته : ١٣٠/٥، ١٧٣/٤، اللباب والكتاب: ١٨٨/٢، تكملة الفتح: ٢٦٢/٧، تبيين الحقائق: (١) ٢٢٣/٥، بداية المجتهد: ٢١٢/٢، شرح الرسالة: ٢١٧/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٣٠، مغني المحتاج: ٢٨١/٢، ٢٨٤، كشاف القناع: ١١٦/٤ وما بعدها ، المدخل لنظرية الالتزام العامة في الفقه الاسلامي للاستاذ مصطفى الزرقا : ص ٥٠. (٢) الدر المختار ورد المختار : ١٢٩/٥. - ٧٢١ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤٦) على المختار عندهم(١) والمالكية(٢) : تقدرقيمة المغصوب يوم الغصب ؛ لأن الضمان يجب بالغصب ، فتقدر قيمة المغصوب يوم الغصب، فلا يتغير التقدير بتغير الأسعار؛ لأن سبب الضمان لم يتغير كما لم يتغير محل الضمان، لكن فرق المالكية بين ضمان الذات وضمان الغلة ، فتضمن الأولى يوم الاستيلاء عليها، وتضمن الغلة من يوم استغلالها، وأما المتعدي : وهو غاصب المنفعة فيضمن المنفعة بمجرد فواتها على صاحبها وإن لم يستعملها . وقال الشافعية(٣): الأصح أن المعتبر في الضمان هو أقصى قيمة للمغصوب من وقت الغصب في بلد الغصب إلى وقت تعذر وجود المثل. وإذا كان المثل مفقوداً عند التلف، فالأصح وجوب الأكثر قيمة من الغصب إلى التلف ، سواء أكان ذلك بتغير الأسعار، أم بتغير المغصوب في نفسه . وأما المال القيمي : فيضمن بأقصى قيمة له من يوم الغصب إلى يوم التلف . وقال الحنابلة(٤): إن كان المغصوب من المثليات ، وفقد المثل، وجبت قيمته يوم انقطاع المثل؛ لأن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل، فقُدِّرَت القيمة حينئذ كتلف المتقوم. وإن كان المغصوب من القيميات وتلف، فالواجب القيمة أكثر ما كانت من حین الغصب إلى حين الرد، إذا كان التغير في المغصوب نفسه من كبر وصغر، وسمن (١) هذا هو رأي أبي يوسف وهو الذي أخذت به المجلة م/٩٢١، وقال أبو حنيفة: تجب القيمة وقت الخصومة أي المحاكمة ، وقال محمد : تجب القيمة يوم انقطاع المثل من الاسواق . (٢) البدائع: ١٥١/٧، الدر المختار: ١٢٨/٥، تكملة الفتح: ٣٦٣/٧، المبسوط: ٥٠/١١، تبيين الحقائق: ٢٢٣/٥، اللباب مع الكتاب: ١٨٨/٢، الشرح الكبير للدردير: ٤٤٣/٣، ٤٤٨، بداية المجتهد : ٣١٢/٢ ، القوانين الفقهية : ص ٣٣٠. مغني المحتاج: ٢٨٣/٢، المهذب: ٣٦٨/١ بجيرمي الخطيب: ١٣٦/٣، نهاية المحتاج: ١١٩/٤ - ١٢١. (٣) المغني : ٢٥٧/٥ وما بعدها ، كشاف القناع: ١١٧/٤ . (٤) - ٧٢٢ - وهزال، ونحوها من المعاني التي تزيد بها القيمة وتنقص ؛ لأن هذه المعاني مغصوبة في الحال التي زادت فيها ، والزيادة لمالكها مضمونة على الغاصب . وإن كانت زيادة القيمة لتغير الأسعار، لم تضمن الزيادة ؛ لأن نقصان القيمة لهذا السبب لا يضمن إذا ردت العين المغصوبة بذاتها ، فلا يضمن عند تلفها . ٣ - ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان : يخرج الغاصب عن عهدة الضمان بأمرين(١): أحدهما - أداء الضمان إلى المالك أو من يقوم مقامه ؛ لأنه المطلوب أصالة . والثاني - الإبراء عن الضمان؟إما صراحة مثل: أبرأتك عن الضمان أو أسقطته عنك أو وهبته منك ونحوه، أو يجري مجرى الصريح: وهو أن يختار المالك تضمين أحد الغاصبين، فيبرأ الآخر؛ لأن اختيار تضين أحدهما إبراء للآخر ضمناً (دلالة). وهل يملك الغاصب الشيء المضمون بالضمان ؟ قال الحنفية(٢): يملك الغاصب الشيء المغصوب بعد ضمانه من وقت وجود الغصب ، حتى لا يجتمع البدل والمبدل في ملك المالك. وينتج عن التملك أن الغاصب لو تصرف في المغصوب بالبيع أو الهبة أو الصدقة قبل أداء الضمان ، ينفذ تصرفه، كما تنفذ تصرفات المشتري في المشترى شراء فاسداً، وكما لو غصب شخص عيناً فغيبها (أخفاها) فضمنه المالك قيمتها ، ملكها الغاصب ؛ لأن المالك ملك البدل كله ، والمبدل قابل للنقل ، فيملكه الغاصب لئلا يجتمع البدلان في ملك شخص واحد . (١) البدائع : ١٥١/٧ . المبسوط: ١٥/١٦، البدائع: ١٥٢/٧ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ١٩٣/٢. (٢) - ٧٢٣ - ولكن في رأي أبي حنيفة ومحمد(١): لا يحل للغاصب الانتفاع بالمغصوب بأن يأكله بنفسه أو يطعمه غيره قبل أداء الضمان . وإذا حصل فيه فضل (أي نماء وزيادة) يتصدق بالفضل استحساناً، وعليه، إن غلة المغصوب المستفادة من إركاب سيارة مثلاً لاتطيب له؛ لأن النبي مع له لم يبح الانتفاع بالمغصوب قبل إرضاء المالك، روى أبو حنيفة بسنده عن أبي موسى رضي الله عنه ((أن النبي ◌ُ ◌ّ كان في ضيافة قوم من الأنصار، فقدموا إليه شاة مصلية (مشوية)، فأخذ منها لقمة ، فجعل يمضغها ولا يسيغها ، فقال عليه الصلاة والسلام: إن هذه الشاة لتخبرني أنها ذبحت بغير :حق، قالوا: هذه الشاة لجارلنا، ذبحناها لنرضيه بثمنها، فقال ◌َ له: أطعموها الأسارى(٢)) فقد حرم عليهم الانتفاع بها، مع حاجتهم، ولو كانت حلالاً لأطلق لهم إباحة الانتفاع بها . وقال المالكية(٢) : يمنع الغاصب من التصرف في المغصوب برهن أو كفالة خشية ضياع حق المالك، ولا يجوز لمن وهب له منه شيء قبوله ولا الأكل منه مثلاً ولا السكنى فيه مثل أي شيء حرام، لكن لو تلف المغصوب عند الغاصب أو استهلكه ( أي فات عنده بتعبيرهم)، فالأرجح عندهم أنه يجوز للغاصب الانتفاع به؛ لأنه وجبت عليه قيمته في ذمته ، فقد أفتى بعض المحققين بجواز الشراء من لحم الأغنام المغصوبة إذا باعها الغاصب للجزارين ، فذبحوها ؛ لأنه بذبحها ترتبت القيمة في ذمة الغاصب، إلا أنهم قالوا: ومن اتقاه فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومعناه أن الغاصب يتملك بالضمان الشيء المغصوب من يوم التلف . (١) ؛ وقال أبو يوسف وزفر: يحل له الانتفاع ولا يلزمه التصدق بالفعل أن كان فيه فضل، لان المغصوب مملوك للغاصب من وقت الغصب: ((المضمونات تملك بأداء الضمان مستندا الى وقت الغصب)) أي بأثر رجعي ، وعلى هذا فإن غلة المغصوب تطيب للغاصب . (٢) رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار، وأبو داود وأحمد في مسنده والدارقطني في سننه من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار ( نصب الراية : ١٦٨/٤ ) . (٣) الشرح الكبير: ٤٤٥/٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٥٨٦/٣ . - ٧٢٤ - وقال الشافعية والحنابلة (١): لا يملك الغاصب العين المغصوبة بدفع القيمة؛ لأنه لا يصح أن يتملكه بالبيع لغيره لعدم القدرة على التسليم ، فلا يصح أن يتملكه بالتضمين ، كالشيء التالف لا يملكه بالإتلاف. وبناء عليه تحرم عندهم تصرفات الغاصب بعقد أو غيره، ولا تصح(٢)، لحديث: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))(٣) أي مردود، فلا يجوز له بيعه أو إجارته، كما لا يجوز له إتلافه واستعماله كأكل ولبس وركوب وحمل عليه وسكنى العقار، لحديث ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم)). ٤ - تغير العين المغصوبة عند الغاصب : قال الحنفية: قد يتغير المغصوب عند الغاصب بنفسه أو بفعل الغاصب، وهذا. الأخير قد يكون تغيراً في الوصف أو تغيراً في الاسم والذات(٤). وكل حالات التغير يكون المغصوب فيها موجوداً . آ- فإذا تغير المغصوب بنفسه كما لو كان عنباً فأصبح زبيباً، أو رطباً فأصبح تمراً، فيتخير المالك بين استرداد عين المغصوب ، وبين تضمين الغاصب قيمته . ب - وأما تغير وصف المغصوب بفعل الغاصب من طريق الإضافة أو الزيادة، (١) المهذب: ٣٦٨/١، مغني المحتاج: ٢٧٧/٢، ٢٧٩، كشاف القناع: ١٢٠/٤، ١٢٣ وما بعدها، المغني: ٢٥١/٥ - ٢٥٣. (٢) وكذلك قال الحنابلة خلافا للجمهور : يحرم الحج ولا يصح من المال المغصوب وسائر العبادات كالصلاة بثوب مغصوب ، أو في مكان مغصوب ، والوضوء من ماء مغصوب ، وإخراج زكاته بخلاف عبادة لا يحتاج فيها الى المغصوب كالصوم والذكر والاعتقاد ( كشاف القناع : ١٢٢/٤ وما بعدها ، وراجع للمؤلف الوسيط في أصول الفقه : ص ٧٤ وما بعدها ، طبعة ثانية ) . (٣) رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها . (٤) تكملة فتح القدير: ٣٧٥/٧، ٣٨٤، اللباب مع الكتاب: ١٩١/٢، ١٩٣، تبيين الحقائق: ٢٢٦/٥، ٢٢٩، الدر المختار: ١٣٤/٥ - ١٢٨، البدائع: ١٦٠/٧ وما بعدها . - ٧٢٥ - كما لو صبغ الثوب، أو خلط الدقيق (السويق) بسمن ، أو اختلط المغصوب بملك الغاصب بحيث يمتنع تمييزه كخلط البر بالبرأو يمكن بحرج كخلط البر بالشعير، فيوجب إعطاء الخيار للمالك : إن شاء ضمن الغاصب قيمة المغصوب قبل تغييره، وإن شاء أخذه وأعطى الغاصب قيمة الزيادة مثل مازاد الصبغ في الثوب ؛ لأن في التخيير رعاية للجانبين . وهذا مذهب المالكية أيضاً(١). وقال الشافعية(٢): إن أمكن فصل الزيادة من الصباغة أو السمن، أجبر الغاصب عليه في الأصح، وإن لم يمكن : فإن لم تزد قية المغصوب فلا شيء للغاصب فيه، وإن نقصت قيمته لزم الغاصب أرش النقص ؛ لأن النقص حصل بفعله، وإن زادت قيمة المغصوب اشترك الغاصب والمالك فيه أثلاثاً : ثلثاه للمغصوب منه، وثلثه للغاصب. فإن حدث في ملك أحدهما نقص لانخفاض سعره أو زيادة لارتفاع سعره عمل به . وقال الحنابلة(٢) كالشافعية إجمالاً: إلا أنهم قالوا: لا يجبر الغاصب على قلع الصبغ من الثوب ؛ لأن فيه إتلافاً لملكه وهو الصبغ. وإن حدث نقص ضمن الغاصب النقص ؛ لأنه حصل بتعديه، فضمنه، وإن حصلت زيادة، فالمالك والغاصب شريكان بقدر ملكيهما ، فيباع الشيء، ويوزع الثمن على قدر القيمتين . وبه يظهر أن الفقهاء متفقون على ضمان النقص ، وعلى حق الغاصب في الزيادة . جـ - وأما تغير ذات المغصوب واسمه بفعل الغاصب بحيث زال أكثر منافعه المقصودة : كما لو غصب شاة فذبحها وشواها، أو طبخها ، أو غصب حنطة فطحنها (١) الشرح الكبير : ٤٥٤/٣ . (٢) مغني المحتاج : ٢٩١/٢ وما بعدها . (٣) كشاف القناع: ٨٦/٤، ١٠٣ وما بعدها ، المغني: ٢٦٦/٥ وما بعدها . - ٧٢٦ _ دقيقاً، أو حديداً فاتخذه سيفاً، أو نحاساً فاتخذه آنية ، فإنه يزول ملك المغصوب منه عن المغصوب، ويملكه الغاصب، ويضمن بدله: المثل في المثلي، والقيمة في القيمي. ولكن لا يحل له الانتفاع به حتى يؤدي بدله استحساناً ؛ لأن في إباحة الانتفاع قبل أداء البدل فتح باب الغصب ، فيحرم الانتفاع قبل إرضاء المالك بأداء البدل أو إبرائه ، حسماً لمادة الفساد. وكذلك قال المالكية كما بينا في فرع (٣) السابق. وقال الشافعية والحنابلة(١) : لا ينقطع حق المالك في ملكه، وله أن يأخذه، وأرش نقصه إن نقص ، ولاشيء للغاصب في زيادته في الصحيح من مذهب الحنابلة . وقال أبو حنيفة(٢) مثل الشافعية والحنابلة فين غصب فضة أو ذهباً، فصكها (ضربها) دراهم أو دنانير، أو صنعها آنية، لا يزول ملك مالكها عنها، ولاشيء للغاصب؛ لأن العين باقية من كل وجه ، فاسمها باق، وأحكامها الأربعة المتعلقة بالذهب والفضة باقية، وهي (الثمنية، وكونها موزونة، وجريان الربا فيها، ووجوب الزكاة عليها ) فلم ينقطع حق المالك بها . وظل الصاحبان في ذلك على أصلهما السابق(٣): وهو أنه يملكها الغاصب، وعليه مثلها؛ لأنه أحدث فيها صنعة معتبرة، صيَّر بها حق المالك في حكم الهالك (التالف)، وتغاير الأصل مع الحادث المصنوع في الاسم والمعنى ، فكان قبل الصنع يسمى تبرأً، وبعده سمي دراهم ودنانير أو آنية . (١) المهذب: ٣٦٩/١، المغني : ٢٤٣/٥. تكملة الفتح مع العناية : ٣٧٩/٧ ، الكتاب مع اللباب : ١٩٢/٢ . (٢) (٣) واطلاق نص المجلة ( م ٨٩٩ ) يتمشى مع عموم مذهب الصاحبين . - ٧٢٧ - ٥ - نقصان المغصوب : نقص المغصوب في يد الغاصب قد يكون معنوياً أو حسياً مادياً، وهو يشمل صوراً أربعة هي ما يأتي(١) : آ - أن يحدث النقص بسبب هبوط الأسعار في الأسواق: وهذا لا يكون مضموناً إذا رد العين في مكان الغصب ؛ لأن نقصان السعر ليس نقصاً مادياً في المغصوب بفوات جزء من العين، وإنما يحدث بسبب فتور الرغبات التي تتأثر بإرادة الله تعالى، ولا صنع للعبد فيها . ب - أن يكون النقص بسبب فوات وصف مرغوب فيه، كضعف الحيوان، وزوال سمعه أو بصره، أو طروء الشلل أو العرج أو العور أو سقوط عضو من الأعضاء، فيجب على الغاصب ضمان النقص في غير مال الربا ، ويأخذ المالك العين المغصوبة ، لبقاء العين على حالها . فإن كان المغصوب من أموال الربا كتعفن الحنطة، وكسر إناء الفضة، فليس للمالك إلا أخذ المغصوب بذاته، ولا شيء له غيره بسبب النقصان ؛ لأن الربويات لا يمكنهم فيها ضمان النقصان ، مع استرداد الأصل؛ لأنه يؤدي إلى الربا . جـ ـ أن يكون النقص بسبب فوات معنى مرغوب فيه في العين ، مثل الشيخوخة بعد الشباب، والهرب، ونسيان الحرفة، فيجب ضمان النقص في كل الأحوال . د- أن يكون النقص بفوات (زوال) جزء من العين المغصوبة، كخرق الثوب، فيجب الضمان في جميع الأحوال . (١) البدائع: ١٥٥/٧، تكملة الفتح: ٣٨٢/٧، تبيين الحقائق: ٢٢٨/٥ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب: ١٩٠/٢ ، رد المحتار : ٠١٣٢/٥ - ٧٢٨ _ لكن إن كان النقص يسيراً كالخرق اليسير في الثوب ، فليس للمالك سوى تضمين الغاصب مقدار النقصان لبقاء العين بذاتها . وإن كان النقص فاحشاً كالخرق الكبير في الثوب بحيث يبطل عامة منافعه، فالمالك بالخيار بين أخذه وتضمينه النقصان ، لتعيبه، وبين تركه للغاصب وأخذ جميع قيمته ؛ لأنه أصبح مستهلكاً له من وجه . والصحيح في ضابط الفرق بين اليسير والفاحش هو مايأتي(١) : اليسير: مالا يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يدخل فيه نقصان في المنفعة . والفاحش : هو ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة، ويبقى بعض العين وبعض المنفعة . وقدرت المجلة (م ٩٠٠): اليسير بما لم يكن بالغاً ربع قيمة المغصوب. والفاحش : بما ساوى ربع قيمة المغصوب أو أزيد . وإذا وجب ضمان النقصان قوّمت العين صحيحة يوم غصبها ، ثم تقوّم ناقصة ، فيغرم الغاصب الفرق بينهما . وإذا كان العقار مغصوباً، فإنه وإن لم تضمن عينه هلاكه بآفة سماوية عند الحنفية، فإن النقص الطارئ عليه بفعل الغاصب أو بسكناه أو بسبب زراعة الأرض مضمون ، كما أشرنا سابقاً؛ لأنه إتلاف وتعد منه(٢). وقال غير الحنفية(٣): لا يضمن نقص المغصوب ولا زيادته بسبب هبوط الأسعار، أي كما قال الحنفية ؛ لأن النقص كان بسبب فتور رغبات الناس، وهي رد المحتار : ١٣٦/٥، تبيين الحقائق: ٢٢٩/٥، تكملة فتح القدير: ٣٨٣/٧. (١) تكملة فتح القدير : ٣٦٩/٧، تبيين الحقائق : ٢٢٩/٥، م ٩٠٥ من المجلة . (٢) بداية المجتهد: ٣١٢/٢ وما بعدها، الشرح الكبير مع الدسوقي : ٤٥٢/٣ وما بعدها ، القوانين الفقهية : (٣) ص ٣٣١، مغني المحتاج: ٢٨٦/٢، ٢٨٨، المهذب: ٣٦٩/١، كشاف القناع: ٩٩/٤ وما بعدها ، المغني : ٢٢٨/٥، ٢٣٢، ٢٤١ . - ٧٢٩ - لا تقابل بشيء، والمغصوب لم تنقص عينه ولا صفته(١)، لكن الشافعية وأبو ثور قالوا : إذا نقصت القيمة بسبب تغير الأسعار، يلزم الغاصب بضمان النقصان . وأما النقص الحاصل في ذات المغصوب أو في صفته، فيكون مضموناً ، سواء حصل النقص بآفة سماوية أو بفعل الغاصب. إلا أن المالكية قالوا في المشهور عندهم : إذا كان النقص بأمر من السماء ، فليس للمغصوب منه إلا أن يأخذ المغصوب ناقصاً كما هو، أو يُضمن الغاصب قيمة المغصوب كله يوم الغصب، ولا يأخذ قيمة النقص وحدها. وإن كان النقص بجناية الغاصب، فالمالك مخير في المذهب بين أن يضمن الغاصب القيمة يوم الغصب، أو يأخذه، مع ما نقصته الجناية (أي يأخذ قيمة النقص ) يوم الجناية عند ابن القاسم، ويوم الغصب عند سحنون . ولم يفرق أشهب بين نقص السماء وجناية الغاصب . ٦ - زيادة المغصوب : عرفنا أن زيادة المغصوب المتصلة أو المنفصلة لا تضمن عند شيخي الحنفية (أبي حنيفة وأبي يوسف) لعدم إزالة يد المالك عنها . وتضمن الزوائد مطلقاً عند محمد والشافعية والحنابلة لتولدها من عين مملوكة ، وتضمن الزوائد المنفصلة فقط دون المتصلة عند المالكية . ومما يتصل بزيادة المغصوب ما یأتي وهو : البناء على الأرض المغصوبة أو زرعها أو غرسها : اتفق أئمة المذاهب الأربعة - من حيث المبدأ - على أن الغاصب يلزم برد (١) لا اعتبار بتغير السعر في السوق في غصب الذوات . أما التعدي : وهو غصب المنفعة عند المالكية فيتأثر بذلك فللمالك إلزام الغاصب قيمة الشيء إن تغير سوقها ، عما كان يوم التعدي ، وله أن يأخذ عين شيئه ، ولا شيء له على المتعدي . - ٧٣٠ - المغصوب إلى صاحبه، وإزالة ما أحدثه فيه من بناء أو زرع أو غرس، لقوله محمد له ((ليس لعرق ظالم حق))(١). وتفصيل آراء المذاهب ما يأتي : ١ - قال الحنفية(٢): من غصب ساجة ( خشبة عظيمة تستعمل في أبواب الدور وبنائها) فبنى عليها أو حولها ، وكانت قيمة البناء أكثر من قيمتها ، زال ملك مالكها عنها، ولزم الغاصب قيمتها ، لصيرورتها شيئاً آخر، وفي القلع ضرر ظاهر لصاحب البناء (الغاصب) من غير فائدة تعود للمالك، وضرر المالك ينجبر بالضمان ، ولا ضرر في الإسلام. أما إذا كانت قيمة الساحة أكثر من البناء، فلم يزل ملك مالكها، لأنه يرتكب أخف الضررين وأهون الشرين ، كما هو القاعدة . وعقب القاضي زاده في تكملة الفتح على هذه التفرقة، فقال : لا فرق في المعنى بين أن تكون قيمة البناء أكثر من قيمة الساحة وبين العكس ؛ لأن ضرر المالك مجبور بالقيمة، وضرر الغاصب ضرر محض ، ولا ريب أن الضرر المجبور دون الضرر المحض ، فلا يرتكب الضرر الأعلى عند إمكان العمل بالضرر الأدنى. وهذه مسألة الساجة يعمل فيها بقاعدة ((الضرر الأشد يزال بالأخف)) (٢). وأما مسألة الساحة فهي : لو غصب غاصب أرضاً، فغرس فيها، أو بنى فيها ، رواه أبو داود والدارقطني عن عروة بن الزبير بلفظ: (( من أحيا أرضاً فهي له ، وليس لعرق ظالم حق)» (١) ( نيل الأوطار : ٢١٩/٥ ). تكملة فتح القدير : ٢٧٩/٧، ٣٨٣، الدر المختار: ١٣٥/٥ - ١٣٧، تبيين الحقائق: ٢٢٨/٥ وما بعدها ، اللباب (٢) شرح الكتاب : ١٩٢/٢ . وطبقوا هذه القاعدة أيضاً على فروع كثيرة منها : لو ابتلعت دجاجة لؤلؤة أو أدخل البقر رأسه في قدر ، أو (٣) أودع فصيلاً ( ولد الناقة إذا فصل عن أمه ) فكبر في بيت الوديع ولم يمكن إخراجه إلا بهدم الجدار، أو سقط دينار في محبرة ولم يمكن إخراجه إلا بكسرها ونحو ذلك ، يضمن صاحب الأكثر قيمة الأقل . ولو ابتلع إنسان لؤلؤة فمات ، لا يشق بطنه لأن حرمة الآدمي أعظم من حرمة المال ، وتكون قيمتها في تركته ، وهو مذهب الحنابلة أيضاً ، أي في اللؤلؤة . وجوزه الشافعي قياساً على الشق لإخراج الولد (الدر المختار: ١٣٥/٥). - ٧٣١ - وكانت قيمة الأرض (الساحة) أكثر، أجبر الغاصب على قلع الغرس، وهدم البناء، ورد الأرض فارغة إلى صاحبها كما كانت ؛ لأن الأرض لا تغصب حقيقة عندهم، فيبقى فيها حق المالك كما كان ، والغاصب جعلها مشغولة فيؤمر بتفريغها ، إذ ليس العرق ظالم حق. فإن كانت قيمة البناء أكثر، فللغاصب أن يضمن للمالك قيمة الأرض ويأخذها . وإذا كانت الأرض تنقص بقلع الغرس منها أو هدم البناء، فللمالك أن يضمن للغاصب قيمة البناء والغرس مقلوعاً (أنقاضاً) رعاية لمصلحة الطرفين ودفعاً للضرر، عنهما ، فتقوم الأرض بدون الشجر والبناء، وتقوم وبها شجر وبناء مستحق القلع والهدم ، فيضمن الفرق بينهما . وإذا زرع الغاصب الأرض، فإن كانت الأرض ملكاً: فإن أعدها صاحبها للزراعة ، فيكون الأمر مزارعة بين المالك والغاصب، ويحتكم إلى العرف في حصة كل منهما ، النصف أو الربع مثلاً، وإن كانت معدة للإيجار فالناتج للزارع، وعليه أجر مثل الأرض . وإن لم يكن شيء مما ذكر فعلى الغاصب نقصان ما نقص الزرع ، وأما إذا كانت الأرض وقفاً أومال يتيم ، اعتبر العرف إذا كان أنفع ، وإن لم يكن العرف أنفع وجب أجر المثل لقولهم: يفتى بما هو أنفع للوقف.5 ٢ - وقال المالكية(١): أ- البناء: من غصب أرضاً أو عموداً أو خشباً، فبنى فيها أو بها، فيخير المالك بين المطالبة بهدم البناء على المغصوب ، وبين إبقائه على أن يعطي الغاصب قيمة الأنقاض، بعد طرح أجرة القلع أو الهدم ، ولا يعطيه قيمة التخصيص والتزويق وشبههما مما لاقيمة له، أي أنهم يرجحون مصلحة المالك ؛ لأنه صاحب الحق . (١) القوانين الفقهية: ص ٣٣١، الشرح الكبير: ٤٤٨/٣، بداية المجتهد: ٣١٩/٢. - ٧٣٢ - ومن غصب سارية أو خشبة فبنى عليها ، فلصاحبها أخذها، وإن هدم البنيان وهو قول الشافعية . ب - الغرس : ومن غصب أرضاً، فغرس فيها أشجاراً لا يؤمر بقلعها، وللمغصوب منه أن يعطيه قيمتها بعد طرح أجرة القلع كالبنيان . فإن غصب أشجاراً ، فغرسها في أرضه أمر يقلعها . جـ - الزرع : وإن زرع في الأرض المغصوبة زرعاً : فإن أخذها صاحبها في إبان الزراعة ، فهو مخيّر بين أن يقلع الزرع أو يتركه للزارع ويأخذ الكراء. وإن أخذها بعد إبان الزراعة ، فقيل : هو مخيّر كما ذكر، وقيل : ليس له قلعه وله الكراء، والزرع لزارعه . ٣ - وقال الشافعية(١): يكلف الغاصب بهدم البناء وقلع الغراس على الأرض المغصوبة ، وأرش النقص إن حدث، وإعادة الأرض كما كانت ، وأجرة المثل في مدة الغصب إن كان لمثلها أجرة إذ ليس لعرق ظالم حق، ولو أراد المالك تملكها بالقيمة ، أو إبقاءها بأجرة ، لم يلزم الغاصب إجابته في الأصح، لإمكان القلع بلا أرش، ولو بذر الغاصب بذراً في الأرض، فللمالك تكليفه إخراج البذر منها وأرش النقص، وإن رضي المالك ببقاء البذر في الأرض لم يكن للغاصب إخراجه . كما لا يجوز للغاصب قلع تزويق الدار المغصوبة إن رضي المالك ببقائه ، والخلاصة : أن للمالك الحق في إزالة آثار الغصب بلا ضرر عليه . ٤ - وقال الحنابلة(٢): مثل الشافعية تماماً في البناء والغرس على الأرض المغصوبة مغني المحتاج: ٢٨٩/٢، ٢٩١، الميزان: ٨٩/٢ وما بعدها، المهذب : ٣٧١/١. (١) (٢) المغني: ٢٢٣/٥ - ٢٢٥، ٢٣٤، ٢٤٥، كشاف القناع: ٨٧/٤ - ٩٤ . - ٧٣٣ - عملاً بحديث ((ليس لعرق ظالم حق)). أما في حالة زرع الأرض فقالوا: يخير المالك بين إبقاء الزرع إلى الحصاد، وأخذ أجر الأرض وأرش النقص من الغاصب وبين أخذ الزرع له ودفع النفقة للغاصب عملاً بحديث ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء، وعليه نفقته))(١) وفي حديث آخر: ((خذوا زرعكم وردوا عليه نفقته)) (٢) أي للغاصب. وهذا أعدل الآراء وأكثرها قابلية للتطبيق . ٧ - ضمان غلة المغصوب ومنافعه : بينا سابقاً في بحث منافع المغصوب وغلته: أن غلة المغصوب كالأجرة المستفادة من إيجار الأعيان المغصوبة لا تطيب في رأي أبي حنيفة ومحمد للغاصب، لأن الربح حصل بسبب خبيث : وهو التصرف في ملك الغير، وسبيله التصدق به . وقال أبو يوسف وزفر: يطيب الربح للغاصب إذا دفع ضانه، لأن المغصوب صار مملوكاً له بالضمان عملاً بالقاعدة المقررة عند الحنفية: ((المضونات تملك بأداء الضمان مستندا إلى وقت الغصب)). وأما منافع المغصوب من سكنى العقار وركوب السيارة أو الدابة، ولبس الثوب ، واستعمال الشيء وزراعة الأرض، فلا تضمن كما بينا عند الحنفية، إلا في ثلاث : أن يكون المغصوب وقفاً، أومال يتيم، أو مالاً معداً للاستغلال أي الاستثمار لأن المنفعة ليست بمال متقوم عندهم، ولا تتقوم إلا بورود عقد الإجارة عليها، ولأن رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي عن رافع بن خديج ، وقال البخاري : هو حديث حسن ( نيل (١) الأوطار : ٢١٩/٥ وما بعدها ) . هذا حديث أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وغيرهم ((أن النبي تقٍ رأى زرعاً في أرض ظهير، فأعجبه ، (٢) فقال : ما أحسن زرع ظهير! قالوا: انه ليس لظهير، ولكنه لفلان، قال : فخذوا زرعكم ، وردوا عليه نفقته)» ( نيل الأوطار: ٢٢٠/٥) . - ٧٣٤ - المغصوب لو هلك يضمنه الغاصب عملاً بحديث ((الخراج بالضمان))(١) أي الغنم بالغرم. وحينئذ ليس للقاضي إلا الحكم برد المغصوب لصاحبه مادام قائماً، ورد مثله أو قيمته إذا هلك . وقال غير الحنفية كما بينا : تضمن منافع المغصوب ؛ لأن المنافع أموال متقومة كالأعيان ولأن ((الغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها » كما قال العز بن عبد (٢) السلام(٢) . إلا أن المالكية قالوا : تضمن منافع الأموال من دور وأرض بالاستعمال فقط . ولا تضمن حالة الترك ، أي تضمن بالتفويت دون الفوات. وهذا إذا غصب ذات الشيء. أما إذا غصب المنفعة فقط كأن يغلق الدار ويحبس الدابة ونحوهما، فيضمنها بمجرد فواتها على صاحبها وإن لم يستعملها .. أما الشافعية والحنابلة فقالوا : تضمن منافع الأموال التي يستأجر المال من أجلها بالغصب أو التعدي ، سواء استوفى الغاصب المنافع، أم تركها حتى ذهبت، أي تضمن بالتفويت أو بالفوات في يد عادية أي ضامنة معتدية(٣). ٨- اختلاف الغاصب والمغصوب منه : هناك مظاهر كثيرة لاختلاف الغاصب والمالك المغصوب منه، لها أثر في تحمل تبعة الضمان ، فإن صدقنا كلام الغاصب برئ من الضمان، وإن صدقنا كلام المالك تحمل الغاصب الضمان . وللفقهاء كلام مطول في هذا الشأن نلخصه فيما يأتي : (١) رواه الشافعي وأحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان، وضعفه البخاري ، والخراج: هو الغلة والكراء ( سبل السلام: ٣٠/٣). (٢) قواعد الأحكام : ١٥٢/١ وما بعدها .. المقصود بالتفويت : استيفاء المنفعة كمطالعة الكتاب وركوب الدابة وشم المك ولبس الثوب . والمقصود (٣) بالفوات في يد عادية : هو ترك المنافع تضيع سدى بدون استيفاء كإغلاق الدار دون اسكان أحد فيها ( مغني المحتاج : ٢٨٦/٢ ) . - ٧٣٥ _ أ - قال الحنفية(١): إذا قال الغاصب: هلك المغصوب في يدي (أي قضاء وقدراً) ولم يصدقه المغصوب منه، ولا بينة للغاصب، فالقاضي يحبس الغاصب مدة يظهر فيها عادة لو كان قائماً ، ثم يقضي عليه بالضمان ؛ لأن الحكم الأصلي للغصب هو - كما بينا - وجوب رد عين المغصوب؛ وأما القيمة فهي بدل (أو خلف) عنه، وإذا لم يثبت العجز عن الأصل ، لا يُقضى بالقيمة التي هي خلّف. ولو اختلف الغاصب والمالك في أصل الغصب ، أو في جنس المغصوب ونوعه، أو قدره، أو صفته ، أو قيمته وقت الغصب ، فالقول قول الغاصب بيمينه في ذلك كله؛ لأن المالك يدعي عليه الضمان، وهو ينكر، فكان القول قوله ؛ لأن اليمين في الشرع على من أنكر. ولو ادعى الغاصب رد المغصوب إلى المالك ، أو ادعى أن المالك هو الذي أحدث العيب في المغصوب، فلا يصدق الغاصب إلا ببينة؛ لأن البينة في الشرع على المدعي . ولو تعارضت البينتان ، فأقام المالك البينة على أن الدابة أو السيارة مثلاً تلفت عند الغاصب من ركوبه، وأقام الغاصب البينة على أنه ردها إلى المالك، فتقبل بينة المالك، وعلى الغاصب قيمة المغصوب ؛ لأن بينة الغاصب لا تَدْفع بينة المغصوب منه؛ لأنها قامت على رد المغصوب، ومن الجائز أنه ردها ، ثم غصبها ثانياً وركبها، فتلفت في يده . ب - والمالكية(٢) قالوا مثل الحنفية: ان اختلف الغاصب والمغصوب منه في دعوى تلف المغصوب ، أو في جنسه، أو صفته، أو قدره، ولم يكن لأحدهما بينة، فالقول قول الغاصب مع يمينه . البدائع: ١٦٣/٧ وما بعدها ، تكملة الفتح: ٣٨٧/٧، اللباب مع الكتاب : ١٩٤/٢. (١) (٢) الشرح الكبير : ٤٥٦/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٣١ .. - ٧٣٦ - جـ - وقال الشافعية والحنابلة(١): إن اختلف الغاصب والمغصوب منه في قيمة المغصوب، بأن قال الغاصب: قيمته عشرة، وقال المالك: اثنا عشر، صدق الغاصب بيمينه ؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادة، وعلى المالك البينة . وإن اختلفا في تلف المغصوب ، فقال المغصوب منه: هو باق ، وقال الغاصب : تلف ، فالقول قول الغاصب مع يمينه ؛ لأنه يتعذر إقامة البينة على التلف. وكذلك لو اختلفا في قدر المغصوب أو في صناعة فيه، ولا بينة لأحدهما ، فالقول قول الغاصب بيمينه؛ لأنه منكر لما يدعيه المالك عليه من الزيادة . وإن اختلفا في رد المغصوب ، فقال الغاصب : رددته، وأنكره المالك ، فالقول لنمالك لأن الأصل معه وهو عدم الرد، وكذا لو اختلفا في عيب في المغصوب بعد تلفه، بأن قال الغاصب: كان مريضاً أو أعمى مثلاً، وأنكره المالك، فالقول للمالك بيمينه ؛ لأن الأصل السلامة من العيوب، وهذا موافق لرأي الحنفية . وهكذا يلاحظ أن المذاهب الأربعة متفقة في دعاوى اختلاف الغاصب والمالك . ٩- غاصب الغاصب ومن في حكمه : لو غصب شخص من آخر شيئاً، فجاء آخر وغصبه منه، فهلك في يده، فالمالك باتفاق المذاهب الأربعة(٢) بالخيار: إن شاء ضمن الغاصب الأول، لوجود فعل الغصب منه : وهو إزالة يد المالك عنه، وإن شاء ضمن الغاصب الثاني، أو المتلف ، سواء علم بالغصب أم لم يعلم ؛ لأن الغاصب الثاني أزال يد الغاصب الأول الذي هو بحكم المالك مغني المحتاج: ٢٨٧/٢، المهذب: ٣٧٦/١، المغني : ٢٧٢/٥، كشاف القناع: ١٢٥/٤. (١) البدائع : ١٤٤/٧، ١٤٦، الأشباه والنظائر لابن نجيم : ٩٦/٢ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار : ١٢٦/٥ وما (٢) بعدها، ١٣٩، الشرح الكبير للدردير: ٤٥٧/٣، مغني المحتاج: ٢٧٩/٢، فتح العزيز شرح الوجيز: ٢٥٢/١١، المغني: ٢٥٢/٥، م/٩١٠ من المجلة . الفقه الإسلامي جـ٥ (٤٧) - ٧٣٧ - ! في أنه يحفظ ماله، ويتمكن من رده عليه (أي على المالك)، ولأنه أثبت يده على مال الغير بغير إذنه، والجهل غير مسقط للضمان ، ولأن المتلف أتلف الشيء. وهذا بمقتضى . ما يعرف قانوناً بالحق العيني للمالك المغصوب منه الذي من خواصه إثبات حق تتبع العين المغصوبة في أي يد وجدت فيها العين . فإن اختار المالك تضمين الأول ، وكان هلاك المغصوب في يد الغاصب الثاني، رجع الغاصب الأول بالضمان على الثاني ؛ لأنه بدفعه قيمة الضمان ، ملك - عند الحنفية - الشيء المضمون (أي المغصوب) من وقت غصبه، فكان الثاني غاصباً الملك الأول. وسبب رجوع الغاصب الأول على الثاني عند غير الحنفية هو أنه غرم المال بدون تسبب منه في هلا که . وإن اختار المالك تضمين الثاني أو المتلف، لا يرجع هذا بالضمان على أحد ، ويستقر الضمان في ذمته؛ لأنه ضمن فعل نفسه: وهو إزالة يد المالك ، أو استهلاكه، وإتلافه . وللمالك أن يأخذ بعض الضمان من شخص، وبعضه الآخر من الشخص الآخر إلا أن الحنيفة استثنوا من مبدأ تخيير المالك في هذه الحالة : الموقوف المغصوب إذا غصب، وكان الغاصب الثاني أملاً من الأول ، فإن متولي الوقف يضمن الثاني وحده . والراجح عند الحنفية أن المالك متى اختار تضمين أحدهما (الغاصب الأول، أو الثاني) يبرأ الآخر عن الضمان، بمجرد الاختيار، فلو أراد تضمينه بعدئذ، لم يكن له ذلك . وإذا رد الغاصب الثاني المغصوب على الأول، برئ من الضمان ، وإذا رده إلى المالك برئ الاثنان (١). (١) راجع المجلة: م/٩١١، الدر المختار: ١٣٨/٥. - ٧٣٨ - الغاصب الأول ومن تصرف معه بالرهن ونحوه : وكذلك للمالك عند الحنفية (١) تضمين الغاصب الأول أو المرتهن أو المستأجر أو المستعير أو المشتري من الغاصب الأول، أو الوديع الذي أودعه الغاصب الأول الشيء المغصوب، فهلك في يده، فإن ضمن الغاصب الأول استقر الضمان عليه، ولم يرجع بشيء على أحد . وإن ضمن المرتهن أو المستأجر أو الوديع أو المشتري، رجعوا على الغاصب بالضمان ، لأنهم عملوا له والمشتري إذا ضمن القيمة يرجع بالثمن على الغاصب البائع ؛ لأن البائع ضامن استحقاق المبيع ، ورد القيمة كرد العين . وأما المستعير من الغاصب أو الموهوب له، أو المتصدق عليه منه ، فيستقر الضمان عليه وإن كان جاهلاً الغصب ؛ لأنه يعمل في القبض لنفسه . أما الشافعية(٢) فقالوا: الأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان وإن جهل صاحبها الغصب ؛ لأنه (أي الواضع) وضع يده على ملك غيره بغير إذنه، والجهل ليس مسقطاً للضمان بل يسقط الإثم فقط، فيطالب المالك من شاء منهما . لكن لا يستقر الضمان على الآخذ من الغاصب إلا بعلمه بالغصب، حتى يصدق عليه معنى الغصب، أو إن جهل به وكانت يد الواضع في أصلها يد ضمان، كالمستعير والمشتري والمقترض والسائم؛ لأنه تعامل مع الغاصب على الضمان ، فلم يغرّه . أما إن جهل الواضع يده على المغصوب بالغصب، وكانت يده يد أمانة بلا اتهاب، كوديع ومضارب، فيستقر الضمان على الغاصب دون الآخذ، لأنه تعامل مع الغاصب على أن يده نائبة عن يد الغاصب. وأما الموهوب له فقرار الضمان عليه في الأظهر؛ لأنه وإن كانت يده ليست يد ضمان ، إلا أن أخذه الشيء للتلك . (١) (٢) رد المحتار : ١٣٩/٥. مغني المحتاج : ٢٧٩/٢ . - ٧٣٩ - --- - - وعلى هذا، في حالة الجهل بالغصب : يستقر الضمان عند الحنفية والشافعية على المستعير والموهوب له، والمتصدق عليه فقط . وأما الوديع والمضارب المعتبر كل منهما أميناً ، فيستقر الضمان الذي دفعه على الغاصب عند كل من الحنفية والشافعية . ولا خلاف بين الحنفية والشافعية في تضمين الغاصب أو الآخذ منه في كل الأحوال . المبحث الثاني - إتلاف المال وحكمه وفيه مطالب ثلاثة ، وملحق به، ويبحث الإتلاف المالي عادة بعد الغصب أو معه ؛ لأنه يأخذ حكمه من حيث التضين . المطلب الأول - تعريف الإتلاف وكونه سبب الضمان . المطلب الثاني - شروط إيجاب الضمان بالإتلاف . المطلب الثالث - كيفية الضمان أو ماهيته . ونبدأ بحث كل منها فيما يأتي : المطلب الأول - تعريف الإتلاف وكونه سبب الضمان . الإتلاف(١): هو إخراج الشيء من أن يكون منتفعاً به منفعة مطلوبة منه عادة(٢) وهو سبب موجب للضمان؛ لأنه اعتداء وإضرار، والله تعالى يقول: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: ((لاضرر ولا ضرار في الإسلام)) وإذا وجب الضمان بالغصب فبالإتلاف أولى؛ لأنه اعتداء وإضرار محض . الاتلاف والافساد والاستهلاك لها معان متقاربة في اصطلاح الفقهاء . وهي تدخل تحت مدلول أعم وهو (١) الضرر: وهو الحاق مفسدة بالآخرين ، أو كل نقص يدخل على الاعيان . (٢) البدائع : ١٦٤/٧ . - ٧٤٠ -