النص المفهرس

صفحات 701-720

تصير معلومة إلا ببيان زمان معلوم ، ولأن هذه المهايأة مقدرة بالزمان ، أما المهايأة
المكانية فمقدرة مجموعة بالمكان، ومكان المنفعة معلوم(١). وقد رتبت المادة السابقة
(١١٧٨) من المجلة على كون هذه المهايأة نوع مبادلة، فقررت: ((وبناء على ذلك
ذكر المدة وتعيينها في المهايأة ، مثلاً كذا يوماً، أو كذا شهراً: لازم)).
:
وفصل المالكية(٢) في مقدار المدة بعد اشتراطهم تعيين الزمن ، وانتفاء الغرر،
فقالوا : تجوز المهايأة في المنقولات في المدة اليسيرة، ولا تجوز في المدة الكثيرة ، فلا
تصح لزمن طويل في الحيوان ونحوه كالثوب . وتجوز المهايأة في العقارات كالدار
والأرض المأمونة (بأن كانت ملكاً) لمدة بعيدة، فيسكن أحدهما في الدار مدة معينة،
ويسكن الآخر مدة أخرى، ويزرع أحدهما الأرض عاماً، والآخر عاماً مثله. أما
الأرض غير المأمونة (غير المملوكة) كالمعارة، فلا يجوز قسمها مهايأة ، وإن قلت
المدة ، إذ قد يرجع المستعير في إعارته، فيفوت على الآخر الذي لم تأت نوبته حقه من
الانتفاع .
خامساً - انتهاؤها: لا تبطل المهايأة بموت أحد العاقدين، ولا بموتهما؛ لأنها
- كما أشرنا سابقاً - لو بطلت لاستأنفها الحاكم، ولا فائدة في الاستئناف. وإنما تنقضي
باتفاق الطرفين على إنهائها ، ببيع المال المشترك (٣).
٢ - المهايأة المكانية :
أولاً - تعريفها : هي أن يخصص كل واحد من الشريكين ببعض المال المشترك
بنسبة حصته(٤)، فيتم الانتفاع معاً في وقت واحد. ففي المهايأة في دار تجمع منفعة
أحدهما في جزء من الدار، ومنفعة الآخر في جزء آخر.
(١)
البدائع : ٣٢/٧
الشرح الكبير مع الدسوقي : ٤٩٩/٣ ، الشرح الصغير: ٦٦١/٣، بداية المجتهد : ٢٦٦/٢
(٢)
(٣)
الدر المختار : ١٨٩/٥، تبيين الحقائق: ٢٧٦/٥، تكملة الفتح : ٢٧/٨
(٤)
انظر المادة ( ١١٧٩ ) من المجلة .
- ٧٠١ -

ثانياً - مشروعيتها : المهايأة المكانية جائزة ؛ لأنها نوع من القسمة ، مثل
قسمة الأعيان ، فلوتهاياً على أن يأخذ أحد الشريكين في الأبنية الطابقية السفل ،
والآخر العلو، جاز، فتكون قسمة المنفعة بالمهايأة المكانية جائزة أيضاً(١).
وبما أن المهايأة الزمانية جائزة للحاجة عند تعذر اجتماع الشريكين على
الانتفاع بالعين الواحدة ، فكذلك المكانية .
ثالثاً - محلها : تجري المهايأة المكانية في المال المشترك الذي يقبل القسمة كالدار
الكبيرة . أما ما لا يقبل القسمة كالسيارة والحيوان والكتاب والبيت الصغير، فلا
تمكن فيه المهايأة المكانية ، وإنما تتعين فيه المهايأة الزمانية .
المهاياة في الدور :
وبناء عليه تجوز في ظاهر الرواية المهايأة في الدور، سواء أكانت زمانية أم
مكانية ، للاستعمال الشخصي أو للاستغلال (الانتفاع بواسطة الغير بالأجرة
ونحوها)؛ لأن الظاهر عدم التغير في العقار، ولأن المهايأة المكانية إفراز لجميع
الأنصباء، والمهايأة الزمانية تتم بالمناوبة أو التعاقب في الانتفاع، فكانت كالقرض،
ويعتبر كل واحد في نوبته وكيلاً عن الآخر(٢).
المهايأة في الحيوان :
وأما المهايأة في الحيوان كدابتين مثلاً، يركب أحدهما إحداهما مدة، والآخر
مدة أخرى، لا تجوز عند أبي حنيفة لا استعمالاً ولا استغلالاً؛ لأن الظاهر التغير في
الحيوان، ولأن الاستعمال يتفاوت بتفاوت الراكبين حذقاً وخرقاً .
وتجوز المهايأة استعمالاً عند الصاحبين في الحيوان والحيوانين ، كما تجوز
تبيين الحقائق: ٢٧٦/٥، البدائع: ٣١/٧، تكملة الفتح : ٢٧/٨ .
(١)
(٢) تبيين الحقائق: ٢٧٦/٥ وما بعدها، تكملة الفتح: ٣٠/٨، الدر المختار: ١٨٩/٥، م (١١٧٦ ) مجلة.
- ٧٠٢ -

للاستغلال في الحيوانين ، ولا تجوز في الحيوان الواحد؛ لأن المعادلة تمكن بين
الحيوانين ، لاتحاد وقتها، ولا تمكن المعادلة في الحيوان الواحد؛ لأن الظاهر التغير في
الحيوان ، لتوالي أسباب التغير عليه ، إذ يكون جهد الحيوان في الزمان الثاني أقل منه
في الزمان الأول(١).
وقد نصت المادة (١١٧٧) مجلة : على جواز المهايأة الاستعمالية في الحيوان
المشترك وفي الحيوانين المشتركين، على أن يستعمل أحدهما هذا والآخر الآخر، وهو
رأي الصاحبين ، وهذا يتفق مع رأي المالكية في قسمة المنافع بالأعيان .
رابعاً - تكييفها الفقهي :
المهايأة المكانية: إفراز لجميع الأنصبة، وليست مبادلة، إذ لو كانت مبادلة لما
صحت؛ لأن المبادلة في الجنس الواحد نسيئة، لا تجوز لتوافر ربا النسيئة فيها،
باعتبار أن اتحاد الجنس وحده كاف عند الحنفية في وجود هذا النوع من الربا(٢).
خامساً - مدتها :
لا يشترط في المهايأة المكانية ذكر المدة وتعيينها ، بخلاف المهايأة الزمانية؛ لأن
الزمانية تحتاج إلى بيان الوقت لتصير المنافع معلومة ، وأما المكانية فلا تحتاج لبيان
الوقت ؛ لأن مكان المنفعة معلوم، فصارت المنافع معلومة بمكانها (٣). ولكن المالكية
قالوا : في قسمة المنافع بالأعيان يشترط أن تكون المدة محدودة .
سادساً - انقضاؤها :
لا تنقضي المهايأة المكانية كالزمانية بموت أحد الشريكين، ولا تنقضي بموتها، إذ
تبيين الحقائق : ٢٧٧/٥، تكملة الفتح: ٢٠/٨ وما بعدها، البدائع: ٣٢/٧ الدر المختار: ١٩٠/٥.
(١)
(٢)
تبيين الحقائق : ٢٧٦/٥ ، المادة ( ١١٧٩ ) مجلة .
البدائع : ٣٢/٧ ، المادة ( ١١٧٩ ) مجلة .
(٣)
- ٧٠٣ -
٧٠

لو بطلت لاستؤنفت ولا فائدة في الاستئناف؛ لأن لكل شريك فسخها متى شاء،
إنما تنقضي بالتراضي على إنهائها ، ببيع المال المشترك (١).
المبحث الخامس - ما يملكه كل شريك من التصرف بعد المهايأة :
إذا تم الاتفاق على المهايأة، ملك كل واحد من المتهايئين استعمال الشيء كما
يريد، سواء أكانت المهايأة مكانية أم زمانية. ففي الزمانية: يجوز السكنى والركوب
ونحوهما، وفي المكانية : يجوز السكنى ونحوها .
ويملك كل متهايئ في المهايأة المكانية حق استغلال (استثمار) الشيء المتهايا
فيه، بالإجارة والإعارة ونحوهما ، سواء أكان ذلك مشروطاً في العقد، أم غير
مشروط ، وسواء تهاياً في دار واحدة أو دارين ؛ لأن كل متهايئ ملك المنفعة ، فيلك
التصرف فيها بالتمليك وغيره ؛ لأن المهايأة المكانية ليست إعارة .
وأما في المهايأة الزمانية : فلا يملك كل من المتهايئين في نوبته استغلال حصته،
باتفاق الحنفية ، إذا لم يشترطا ذلك. فإن شرطا في المهايأة حق الاستغلال، ففيه
اختلاف عند الحنفية :
أ- قال القدوري: لا يملك، لأن المهايأة الزمانية في معنى الإعارة، والعارية
لا تؤجر. وهذا هو الراجح .
ب - وقال محمد في الأصل: يجوز التهايؤ في الدار الواحدة على السكنى والغلة،
فلكل متهايئ إيجار غيره ما في يده. وتأول الحنفية هذا المنقول في (الأصل) وهو
الغلة بأنه غير الاستغلال ؛ لأن الغلة أي الناتج عين، والتهايؤ: قسمة المنافع دون
الأعيان(٢).
نصت المادة ١١٩١ مجلة على أنه: (( بموت أحد أصحاب الحصص أو كلهم ، لاتبطل المهايأة )).
(١)
(٢)
البدائع : ٣٢/٧ وما بعدها .
- ٧٠٤ -

الفصل السّابع
الغصب والإتلاف
قال الكاساني(١) : الجناية في الأصل نوعان: جناية على البهائم والجمادات،
وجناية على الآدمي . أما الجناية على البهائم والجمادات فنوعان أيضاً : غصب
وإتلاف.
وهذان النوعان أو ما يدل عليهما : وهو وضع اليد عدواناً أحد أسباب الضمان أو
التعويض المالي على الاعتداء على مال الغير أو حقه . ويلحق بها بحث دفع الصائل لما
يترتب على الصيال من إتلاف وضمان . فيكون الكلام في مبحثين : الأول - في
الغصب وأحكامه ، والثاني - في الإتلاف وأحكامه.
المبحث الأول - الغصب وأحكامه :
وفيه مطلبان
المطلب الأول: تحريم الغصب ، وتعريفه، وأثر اختلاف الفقهاء في ضابطه .
المطلب الثاني : أحكام الغصب الأخروية والدنيوية .
الأول : التأثيم والمؤاخذة .
(١) البدائع : ٢٣٣/٧.
- ٧٠٥ _
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤٥)

الثاني - رد المغصوب مادام موجوداً .
الثالث - ضمان المغصوب حال هلاكه . وفيه الموضوعات التالية :
١ - كيفية الضمان .
٢ - وقت وجوب الضمان .
میی.
٣ - ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان .
٤ - تغير العين المغصوبة أو خلطها بغيرها .
٥ - نقضان المغصوب .
٦ - زيادة المغصوب، وحكم البناء والغرس والزرع في الأرض المغصوبة .
٧ - منافع المغصوب أو غلته؟
٨- اختلاف الغاصب والمغصوب منه ٢٠)
٩ - غاصب الغاصب.
لله تعالى
المطلب الأول- تحريم الغصب، وتعريفه، وأثر اختلاف الفقهاء في
ضابطه :
أولاً - تحريم الغصب : ثبت تحريم الغصب في القرآن والسنة والإجماع(١). أما
القرآن: فقول الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا
أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى
الحكام، لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم، وأنتم تعلمون ﴾.
وأما السنة: فقوله مُ التّ: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا،
(١) المغني: ٢٢٠/٥، كشاف القناع: ٨٣/٤.
- ٧٠٦ -

في شهركم هذا، في بلدكم هذا))(١) وقوله: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه))(٢)
((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً، فإنه يطّوقه يوم القيامة من سبع أرضين))(٣) ((على
اليد ما أخذت حتى تؤديه))(٤) ونحوها من الأحاديث .
وأجمع المسلمون على تحريم الغصب. وهو معصية كبيرة وإن لم يبلغ المغصوب
نصاب سرقة .
ثانياً - تعريف الغصب: الغصب لغة: أخذ الشيء ظلماً، أو قهراً جهاراً.
وشرعا : له عند الفقهاء في الجملة حقيقتان تختلفان جذرياً عند الحنفية وغيرهم .
١ - فعند الحنفية(٥): الغصب: هو أخذ مال متقوم محترم بغير إذن المالك، على
وجه یزیل يده .
فأخذ المال: يشمل المغصوب وغيره، وقولهم ((متقوم)) لإخراج غير المتقوم كالخمر
والخنزير، وقولهم (محترم)) احتراز عن مال الحربي فانه غير محترم .
والمراد بغير إذن المالك : لإخراج المأذون فيه كالموهوب وغيره مما يتم المبادلة عليه
بعقد من العقود. والقيد الأخير: ((إزالة يد المالك)) لا بد منها لتصور معنى الغصب عند
الحنفية ، فلا تعتبر زوائد المغصوب كالولد والثمرة مضمونة عندهم. وبناء عليه يعتبر
الاستخدام والتحميل غصباً؛ لأنه تصرف بالمال ، ولا يعتبر الجلوس على البساط مثلاً
غصباً؛ لأن البسط فعل المالك ، والجلوس استعمال لم يزل يد المالك عنه .
ولا بد من زيادة قيدين آخرين على التعريف: وهما: أولاً ((على سبيل
رواه البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه، ورواه مسلم عن جابر، أن النبي ملفّ قال في خطبته يوم
(١)
النحر بمنى ( سبل السلام: ٧٣/٣ ) .
رواه أبو اسحاق الجوزجاني، ورواه الدارقطني عن أنس، وعن عمرو بن يثربي ( نيل الأوطار: ٣١٦/٥ ،
(٢)
نصب الراية : ١٦٩/٤ ) .
(٣)
متفق عليه بين أحمد والشيخين عن سعيد بن زيد ( نيل الأوطار: ٣١٧/٥ ).
(٤)
رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الحاكم عن سمرة بن جندب ( سبل السلام: ٦٧/٣ ).
(٥)
تكملة فتح القدير مع العناية : ٣٦١/٧ وما بعدها ، الكتاب مع اللباب : ١٨٨/٢ .
- ٧٠٧ -

المجاهرة)) لإخراج السرقة التي تكون على سبيل الخفية. وثانياً: ((أو يقصر يده إن لم
يكن في يده)) فيصبح التعريف: ((أخذ مال متقوم محترم على سبيل المجاهرة بغير
إذن المالك على وجه يزيل يد المالك إن كان في يده، أو يقصر يده إن لم يكن في
يده)) ليشمل الأخذ من المستأجر أو من المرتهن أو من الوديع ؛ لأن الأخذ من هؤلاء،
وإن لم يكن في يد المالك ؛ إلا أنه يترتب عليه أن الغاصب قصر يد المالك عن ماله،
أي أنه قيد يده في التصرف بماله، فلم يعد قادراً على التصرف.
٢ - وعرف المالكية(١) الغصب بأنه ((أخذ مال قهراً تعدياً بلا حرابة)) فكلمة:
((أخذ المال)) أي الاستيلاء عليه جنس يشمل الغصب وغيره كأخذ إنسان ماله من
وديع أو مدين أو غيرهما. وكلمة ((المال)) يراد بها الذوات أي الأعيان المادية، فخرج
بها «التعدي)): وهو الاستيلاء على المنافع كسكنى الدار وركوب الدابة مثلاً.
و((قهراً)) لإخراج السرقة ونحوها إذ لاقهر فيها حال الأخذ، وإن أعقبها القهر
بعدها، كما أنها أيضاً لإخراج المأخوذ اختياراً كالمستعار والموهوب، و((تعدياً)) خرج
به المأخوذ قهراً بحق كالدين المأخوذ من مدين مماطل أو من غاصب، وأخذ الزكاة
كرهاً من ممتنع عن أدائها، ونحوه، والمقصود بقوله « بلا حرابة)) أي بدون مقاتلة،
لإخراج المأخوذ بالحرابة ؛ لأن حقيقتها غير حقيقة الغصب.
من هذا التعريف يتبين أن الغصب عند المالكية أخص، والتعدي أعم؛ لأن
التعدي يكون في الأموال والفروج والنفوس والأبدان، والتعدي في النفوس والأبدان
يدخل تحت باب الجنايات أو الدماء والقصاص. فالغصب : هو أخذ ذات الشيء،
والتعدي : أخذ المنفعة(٢).
(١) الشرح الكبير للدردير: ٤٤٢/٣، ٤٥٩.
(٢)
وهناك فروق أخرى بينهما منها أن الفساد اليسير من الغاصب يوجب للمالك أخذ قيمة المغصوب ان شاء ،
والفساد اليسير من المتعدي لا يوجب الا أخذ ارش النقص الحاصل به . ومنها : ان المتعدي لا يضمن الآفة
السماوية ، والغاصب يضمنها . ومنها أن المتعدي يضمن غلة ما عطل كدار أغلقها وأرض بورها ، ودابة حبسها
بخلاف الغاصب انما يضمن غلة ما استعمل ( حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٤٥٩/٣ وما بعدها ) .
- ٧٠٨ -

والتعدي في الأموال أربعة أنواع(١):
الأول - أخذ الرقبة أي ذات الشيء وهو الغصب.
والثاني - أخذ المنفعة ، دون الرقبة، وهو نوع من الغصب ، يجب فيه الكراء
مطلقاً .
والثالث - الاستهلاك بإتلاف الشيء كقتل الحيوان، أو تحريق الثوب كله أو
تخريقه، وقطع الشجر، وكسر الزجاج، وإتلاف الطعام والدنانير والدراهم ، وشبه
ذلك .
والرابع - التسبب في التلف، من فتح حانوتاً لرجل ، فتركه مفتوحاً ، فسرق ،
أو فتح قفص طائر فطار، أو حل رباط دابة فهربت ، أو أوقد ناراً في يوم ريح،
فأحرقت شيئاً، أو حفر بئراً تعدياً، فسقط فيه إنسان أو بهيمة، أو مزق وثيقة،
فضاع ما فيها من الحقوق .
فمن فعل شيئاً مما ذكر فهو ضامن لما استهلكه، أو أتلفه، أو تسبب في إتلافه،
8
سواء تم الفعل عمداً أو خطأ .
٣ - وعرف الشافعية والحنابلة(٢) الغصب بأنه: الاستيلاء على حق الغير (من مال
أو اختصاص) عدواناً ، أي على وجه التعدي أو القهر بغير حق .
وهذا التعريف يشمل أخذ الأموال المتقومة والمنافع وسائر الاختصاصات كحق
التحجر ( أي إحياء الأرض الموات بوضع الأحجار على حدودها)، والأموال غير
المتقومة كخمر الذمي، وما ليس بمال، كالكلب والسرجين وجلد الميتة .
القوانين الفقهية : ص ٣٣١ وما بعدها .
(١)
مغني المحتاج: ٢٧٥/٢، كشاف القناع: ٨٣/٤، المغني: ٢٢٠/٥.
(٢)
- ٧٠٩ -
٠

-
ثالثاً - أثر اختلاف الفقهاء في ضابط الغصب :
اختلف الفقهاء في ضابط الغصب الذي يتحقق به على رأيين :
١ - فقال أبو حنيفة وأبو يوسف(١): الغصب: هو إزالة يد المالك عن ماله
المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة ، بفعل في المال، أي أن الغصب لا يتحقق إلا
بأمرين هما : إثبات يد الغاصب (وهو أخذ المال) وإزالة يد المالك أي بالنقل
والتحويل . وعبارتهم فيه : الغصب يتحقق بوصفین :
إثبات اليد العادِيَة، وإزالة اليد المحقة(٣) ..
٢ - وقال جمهور الفقهاء ومنهم المذاهب الثلاثة، ومحمد وزفر من الحنفية(٣):
يتحقق الغصب بمجرد الاستيلاء، أي إثبات اليد على مال الغير بغير إذنه، ولا
يشترط إزالة يدة المالك . وليس المقصود من الاستيلاء أو أخذ مال الغير: هو الأخذ أو
الاستيلاء الحسي بالفعل، وإنما يكفي الحيلولة بين المال وصاحبه، ولو أبقاه بموضعه
الذي وضعه فيه .
ويظهر أثر الاختلاف بين الرأيين في غصب العقار وفي زوائد المغصوب وفي
منافعه. كما يظهر أثر الاختلاف بين الحنفية وغيرهم باشتراط تقوم المال في غصب المال
غير المتقوم .
آ - غصب العقار: لا يتصور الغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا في غصب
(١)
البدائع: ١٤٣/٧، تكملة الفتح : ٣٦٨/٧، تبيين الحقائق : ٢٢٤/٥ .
(٢)
المراد باليد : هو القدرة على التصرف . وعدم اليد: عدم القدرة على التصرف ( تبيين الحقائق ، المكان
السابق ) . والعادية : بتخفيف الياء لا بتشديدها ، وهي الضامنة لا المعتدية .
الشرح الكبير: ٤٤٢/٣، مغني المحتاج: ٢٧٥/٢، كشاف القناع: ٨٣/٤. ويفتى برأي محمد وزفر في الوقف ،
(٣)
وبرأي الشيخين في غير الوقف .
- ٧١٠ -

المنقول فقط(١)؛ لأن إزالة يد المالك بالنقل والتحويل التي يتحقق بها معنى الغصب
عندهما ، لا تتحقق إلا في المنقولات . وأما العقار كالأرض والدار، فلا يتصور وجود
الغصب فيه ، لعدم إمكان نقله وتحويله، فمن غصب عقاراً فهلك في يده بآفة سماوية
كغلبة سيل، لم يضمنه عندهما ، لعدم تحقق الغصب بإزالة اليد ؛ لأن العقار في محله لم
ينقل، فصار كما لو حال بين المالك وبين متاعه، فتلف المتاع. أما لو كان الهلاك
بفعل الغاصب كأن هدمه، فيضمنه؛ لأن الغصب إذا لم يتحقق في العقار، فيعتبر
الإتلاف .
وقال محمد وزفر من الحنفية وأئمة المذاهب الثلاثة(٢): يتصور غصب العقار من
الأراضي والدور، ويجب ضمانها على غاصبها؛ لأنه يكفي - عند غير الحنفية - لتوافر
معنى الغصب : إثبات يد الغاصب على الشيء بالسكنى ووضع الأمتعة وغيرها ،
ويترتب عليه ضمناً بالضرورة إزالة يد المالك، لاستحالة اجتماع اليدين على محل
واحد في حالة واحدة، ويتحقق أيضاً عند محمد وزفر مبدؤهما: وهو إزالة يد المالك
وإثبات يد الغاصب، وتحقق هذين الوصفين هو معنى الغصب، فصار العقار
كالمنقول في تحقيق الوصفين المطلوبين لتصور الغصب.
ولأن ما يضمن في الإتلاف يجب أن يضمن في الغصب، فالعقار والمنقول
مضمونان على السواء؛ وما يضمن في البيع يضمن أيضاً في الغصب؛ ولأن الغاية
المطلوبة من الغصب وهي الانتفاع على وجه التعدي توجد في العقار، كما توجد في
المنقول .
ويؤكد ما سبق كله قوله مُ ؤ له: ((من ظلم شبراً من الأرض طوقه الله من سبع
البدائع : ٤٥/٧ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب : ١٨٩/٢، تكملة الفتح وتبيين الحقائق ، المكان السابق .
(١)
(٢)
الشرح الكبير: ٤٤٣/٣، بداية المجتهد: ٣١١/٢، مغني المحتاج: ٢٧٥/٢ وما بعدها، المغني: ٢٢٣/٥، كشاف
القناع : ٨٣/٤ وما بعدها .
- ٧١١ -

أرضين)) (١) وفي لفظ ((من غصب شبراً من الأرض)) فإنه يدل على تحقق الغصب في
العقار؛ لأنه سماه غصباً .
وهذا الرأي هو الأرجح .
ب - زوائد المغصوب أو النماء السماوي: لا تضمن زوائد المغصوب إذا
هلكت بلا تعدّ، وإنما هي أمانة في يد الغاصب في رأي أبي حنيفة وأبي يوسف(٢)،
سواء أكانت منفصلة كالولد واللبن والثمرة، أم متصلة كالسمن والجمال؛ لأن الغصب
عندهما هو إثبات يد الغاصب على مال الغير على وجه يزيل يد المالك كما بينا، ويد
المالك لم تكن ثابتة على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب، أي أن عنصر ((إزالة يد
المالك)) لم يتحقق هنا، كما لم يتحقق في غصب العقار.
فإن تعدّى الغاصب على الزيادة ، بأن أتلفها أو أكلها أو باعها، أو طلبها مالكها
فمنعها عنه، ضمنها ؛ لأنه بالتعدي أو المنع صار غاصباً.
وقال المالكية في الأرجح عندهم(٢) : إذا كانت الزيادة التي بفعل الله متصلة
كالسمن والكبر فلا تكون مضمونة على الغاصب. وأما إذا كانت الزيادة منفصلة ولو
نشأت من غير استعمال الغاصب كاللبن والصوف وثمر الشجر، فهي مضمونة على
الغاصب إن تلفت أو استهلكت، ويجب ردها مع المغصوب الأصلي على صاحبها .
وقال محمد من الحنفية، والشافعية والحنابلة(٤): تضمن زوائد المغصوب في يد
الغاصب سواء أكانت متصلة كالسمن ونحوه، أم منفصلة كثمرة الشجرة وولد الحيوان،
متفق عليه بين أحمد والشيخين من رواية عائشة رضي الله عنها .
(١)
البدائع: ١٤٣/٧، ١٦٠، الدر المختار: ١٤٣/٥، تكملة الفتح: ٣٨٨/٧، اللباب شرح الكتاب : ١٩٤/٢ .
(٢)
بداية المجتهد : ٣١٣/٢، الشرح الصغير للدردير: ٥٩٦/٣، الشرح الكبير للدردير: ٤٤٨/٣، شرح الرسالة
(٣)
لابن أبي زيد القيرواني : ٢٢٠/٢.
(٤)
البدائع: ١٤٥/٧، الدر المختار: ١٤٤/٥ - ١٤٥، تكملة الفتح: ٣٩٤/٧، اللباب شرح الكتاب: ١٩٥/٢.
- ٧١٢ -

متى تلف شيء منه في يد الغاصب، لتحقق إثبات اليد العادية (الضامنة)، لأنه
بإمساك الأصل تسبب في إثبات يده على هذه الزوائد، وإثبات يده على الأصل
محظور.
جـ- منافع المغصوب وغلته :
لا يضمن الغاصب عند الحنفية (١) منافع ما غصبه من ركوب الدابة، وسكنى
الدار، سواء استوفاها أم عطلها ؛ لأن المنفعة ليست بمال عندهم ؛ ولأن المنفعة الحادثة
على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك ، فلم يتحقق فيها معنى الغصب ، لعدم
إزالة يد المالك عنها .
وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع يجب فيها أجر المثل ، في اختيار متأخري الحنفية ،
وعليه الفتوى، وهي أن يكون المغصوب وقفاً، أو ليتيم ، أو معداً للاستغلال بأن بناه
صاحبه أو اشتراه لذلك الغرض .
وإن نقص المغصوب أي ذاته باستعمال الغاصب غرم النقصان ، لاستهلاكه بعض
أجزاء العين المغصوبة ، كما سنبين .
وأما غلة المغصوب كما سنبين : فلا تطيب في رأي أبي حنيفة ومحمد للغاصب؛
لأنه لا يحل له الانتفاع بملك الغير. وقال أبو يوسف وزفر: تطيب له .
وقال المالكية في المشهور(٢): يضمن الغاصب غلة مغصوب مستعمل ، أي أنه
يضمن غلة المغصوب ذاته الذي استعمله الغاصب ، سواء أكان المغصوب عقاراً من دور
أو أرض سكنها أو زرعها أو كراها، أم منقولاً : حيواناً أو غيره، كراه أو استعمله،
ولا يضمن ما نشأ من غير استعمال، ولو عطّله على صاحبه .
(١)
المراجع السابقة .
(٢)
الشرح الكبير : ٤٤٨/٢، الشرح الصغير: ٥٩٥/٢ وما بعدها، بداية المجتهد : ٣١٥/٢ شرح الرسالة: ٢٤٠/٢.
- ٧١٣ -

هذا في حالة غصب الذات ، أما إن قصد الغاصب غصب المنفعة (وهي حالة
التعدي عندهم كما بينا)، فيلزمه كراء المثل .
والخلاصة : أن الغاصب يضمن فقط غلة ما استعمل، والمتعدي يضمن غلة
ماعطل كدار أغلقها ، وأرض بورها، ودابة حبسها ، كما بينا سابقاً .
وقال الشافعية والحنابلة(١): يضمن الغاصب منفعة المغصوب، وعليه أجر المثل،
سواء استوفى المنافع، أم تركها تذهب، وسواء أكان المغصوب عقاراً كالدار، أم منقولاً
كالكتاب والدابة ونحوهما ؛ لأن المنفعة مال متقوم، فوجب ضمانه كالعين المغصوبة
ذاتها . وهذا الرأي هو المتفق مع العدالة، ومع ظروف العصر الحاضر المتجه إلى
المادية، وتقويم كل الأشياء، حتى النواحي الأدبية أو الذهنية .
د- غصب غير المتقوم :
قال الحنفية(٢): لا يضمن الغاصب خمر المسلم أو خنزيره إذا غصبه وهلك في يده
أو استهلكه أو خلل الخمر، سواء أكان الغاصب مسلماً أم ذمياً؛ لأن الخمر ليست بمال
متقوم في حق المسلم ويجب إراقتها ، وكذا الخنزير غير متقوم، لكن لوقام الغاصب
بتخليل خمر المسلم ثم استهلكها يضمن خلاً مثلها لاخمراً؛ لأن الغصب حين وجوده لم
ينعقد سبباً لوجوب الضمان ، فإن استهلكه فقد وجد منه سبب الضمان ، وهو إتلاف
خل مملوك للمغصوب منه، فيضمن . وكذلك يضن الغاصب جلد الميتة إذا دبغه ،
ويجب عليه فقط مازاد الدباغ فيه ؛ لأنه بالدبغ صار مالاً متقوماً .
ويضمن المسلم أو الذمي خمر الذمي أو خنزيره إذا استهلكه؛ لأن كلاً منهما مال
(١) مغني المحتاج: ٤٨٦/٢، المهذب: ٣٦٧/١، فتح العزيز: ٢٦٢/١١، المغني: ٢٧٠/٥ القواعد لابن رجب : ص
٢١٣.
(٢)
البدائع: ١٤٧/٧ وما بعدها، ١٦٢ وما بعدها، الدر المختار: ١٤٧/٥ - ١٤٩، تكملة فتح القدير: ٣٩٦/٧ -
٤٠٥، اللباب: ١٩٥/٢، تبيين الحقائق : ٢٢٢/٥.
- ٧١٤ -

عند أهل الذمة، فالخمر عندهم كالخل عندنا ، والخنزير عندهم كالشاة عندنا؛ لأن لهم
ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون (١)، وبه يقرون
على بيعهما . لكن تجب على المسلم قيمة الخمر، وإن كان من المثليات ؛ لأن المسلم ممنوع
من تملكه، وغير المسلم يجوز له تسليم المثل ؛ لأنه يجوز له تملك الخمر وتمليكها بالبيع
وغيره .
أما الميتة والدم ولو لدمي فلا يضمنان بالغصب ؛ لأنهما ليسا بمال، ولا يدين
أحد من أهل الأديان تمولهما. كما لا يضمن متروك التسمية عمداً ولو كان مملوكاً لمن
يبيحه ، وهم الشافعية .
وكذلك يضمن المسلم قيمة صليب غصبه من نصراني فهلك في يده ؛ لأنه مقر على
ذلك .
وقال أبو حنيفة: ومن كسر لمسلم آلة من آلات اللهو والطرب كالطبل والمزمار
والدف ونحوها ، فهو ضامن ؛ لأنها أموال لصلاحيتها لما يحل من وجوه الانتفاع لغير
اللهو، وإن استعملت فيما لايحل، كالمغنية إذا اعتدي عليها، وتضمن قيمة هذه الآلات
خشباً منحوتاً صالحاً لغير اللهو، أي تضمن قيمتها قبل التصنيع .
أما الصاحبان فقالا: لا تضمن آلات الملاهي ؛ لأن هذه الأشياء أعدت للمعصية،
فبطل تقومها كالخمر، ولأنه يجب شرعاً إتلافها، وقد فعل المتلف ما أمر به الشرع،
فلا ضمان عليه ، كما إذا فعل أمراً بإذن الإمام .
وقال المالكية(٢) مثلما قال الحنفية: لا تضمن خمر المسلم أو خنزيره، ولا آلات
الملاهي والأصنام، لقوله صل اته: ((إن الله تعالى ورسوله حرم بيع الخمر والميتة
(١) هذا مروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث قال: ((انما بذلوا الجزية لتكون دماؤه كدمائنا ،
وأموالهم كأموالنا)). ((وأمرنا بتركهم وما يدينون)) ( نصب الراية: ٣٦٩/٤، تكملة فتح القدير: ٣٩٨/٧).
(٢)
الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ٢٠٤/٢، ٤٤٧/٣، الشرح الصغير: ٥٩٢/٣ وما بعدها .
- ٧١٥ -

والخنزير والأصنام)) (١)، ولأنه لاقيمة لها، ومالا قيمة له لا يضمن .
لكن يضمن الغاصب خمر الذمي لتعديه عليه، ولأنها مال محترم عند غير
المسلمين يتمولونها. وإذا تخللت الخمر، وكانت لمسلم خير صاحبها بين أخذها خلاً، أو
مثل عصيرها إن علم قدرها، وإلا فقيتها . أما خمر غير المسلم فيخير صاحبها بين أخذ
قيمتها يوم الغصب، أو أخذ الخل ، على المفتى به عند المالكية .
وإن كان المغصوب جلد ميتة لم يدبغ أو دبغ، أو كلباً مأذوناً في اتخاذه، مثل
كلب صيد أو ماشية أو حراسة ، فأتلفه الغاصب، فإنه يغرم القيمة، ولو لم يجز بيع
الجلد أو الكلب .
وقال الشافعية والحنابلة(٢): لا تضمن الخمر والخنزير، سواء أكان متلفها مسلماً أم
ذمياً، وسواء أكانت لمسلم أم لذمي، إذ لاقيمة لها كالدم والميتة وسائر الأعيان النجسة،
وما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل عنه؛ لأن الرسول عَ ل حرم بيعها، وأمر
پاراقتها ، فما لا يحل بيعه ولا تملكه ، لاضان فيه .
كذلك لاضمان عندهم باتلاف الأصنام وآلات الملاهي ، إلا أن الشافعية أجازوا
ضمانها خشباً منحوتاً فقط(٢) كما قال أبو حنيفة، إذا كانت صالحة لمنفعة مباحة، فإن لم
تصلح لذاك لم يلزم المتلف شيء، لأنه لم يتلف ما له قيمة .
لكن إذا كانت خمر الذمي مازالت باقية عند الغاصب، فيجب ردها عليه؛ لأنه
يقر على شربها. فإن غصبها من مسلم لم يلزم عند الحنابلة ردها، ويجب إراقتها؛ لأنه
لا يقر على اقتنائها، ويحرم ردها إلى المسلم إذا لم يكن صانع خل (خلالاً) لأنه إعانة
له على ما يحرم عليه .
(١)
أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر يوم الفتح .
مغني المحتاج: ٢٨٥/٢، ٢٩١، فتح العزيز شرح الوجيز: ٢٥٨/١١، المغني: ٢٥٦/٥، ٢٧٦. المهذب: ٢٧٤/١ ،
(٢)
كشاف القناع : ٨٤/٤ وما بعدها ، الميزان : ٩٠/٢.
عبارة الشافعية في هذا : ان المتلف يلزمه الفرق مابين قيمة الآلة مفككة ( مفصلة ) ومكسورة .
(٣)
- ٧١٦ -

وفصل الشافعية فقالوا: ترد الخمر المحترمة(١) المغصوبة من مسلم إليه، ولا ترد
الخمر غير المحترمة بل تراق .
ولو غصب غاصب عصيراً، فتخمر، ثم تخلل ، فالأصح عند الشافعية أن الخل
للمالك، وعلى الغاصب أرش مانقص من قيمة العصير، إن كان الخل أنقص قيمة من
العصير، لحصوله في يده. وقال الحنابلة : إنه يجب عليه مثل العصير.
ولو غصب جلد ميتة فدبغه، فالأصح عند الشافعية أيضاً أن الجلد للمغصوب.
منه كالخمر التي تخللت، فإذا تلفا في يده ضمنهما . وقال الحنابلة : ان غصب جلد ميتة
نجسة لم يلزم الغاصب رده ولو دبغه؛ لأنه لا يطهر بدبغه عندهم، ولا قيمة له ؛ لأنه
لا یصح بيعه .
المطلب الثاني - أحكام الغصب :
للغصب أحكام ثلاثة : الإثم لمن علم أنه مال الغير، ورد العين المغصوبة مادامت
قائمة ، وضمانها إذا هلكت(٢).
الحكم الأول - الإثم : وهو استحقاق المؤاخذة في الآخرة، إذا فعل الغصب عالماً
أن المغصوب مال الغير؛ لأن ذلك معصية ، وارتكاب المعصية عمداً موجب
للمؤاخذة(٣)، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من غصب شبراً من أرض، طوقه الله
تعالى من سبع أرضين يوم القيامة)).
الخمر المحترمة : هي التي عصرت من غير قصد الخمرية ، سواء عصرت بقصد الخلية أو عصرت بغير قصد شيء .
(١)
الدر المختار: ١٢٦/٥، القوانين الفقهية: ص ٣٣٠، مغني المحتاج: ٢٧٧/٢ ، المغني: ٢٥٩/٥ وما بعدها .
(٢)
أن أخذ أموال الناس بالباطل له عشرة أنواع كلها حرام ، والحكم فيها مختلف : الأول - الحرابة ، والثاني -
(٣)
الغصب ، والثالث - السرقة، والرابع - الاختلاس، والخامس - الخيانة، والسادس - الاذلال، والسابع -
الفجور في الخصام بانكار الحق أو دعوى الباطل ، والثامن - القمار، كالشطرنج والفرد ، والتاسع - الرشوة ، فلا
يحل أخذها ولا عطاؤها ، والعاشر - الغش والخلابة في البيوع ( القوانين الفقهية: ص ٣٢٩) والحرام : لا يجوز
قبوله ولا الاكل منه ولا السكنى فيه ، لكن يجوز أخذ العوض عن التالف عند الغاصب ؛ لأن دفع العوض
واجب مستقل .
- ٧١٧ -

ويؤدب بالضرب والسجن عند الحنفية والمالكية(١) غاصب مميز صغير أو كبير
لحق الله تعالى، ولوعفا عنه المغصوب منه، باجتهاد الحاكم لدفع الفساد، وإصلاح
حاله، وزجره هو وأمثاله . أما غير المميز من صغير ومجنون فلا يعزر. كذلك نص
الشافعية(٢) على أنه يعزر الغاصب لحق الله تعالى، واستيفاؤه للإمام.
فإن حدث الغصب لا عن علم بأن ظن أن الشيء ملكه، فلا إثم ولا مؤاخذة
عليه ؛ لأنه خطأ، والخطأ لا مؤاخذة عليه شرعاً لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه))(٣).
ولكن في هذه الحالة يبقى الحكمان الأخيران وهما : رد العين مادامت قائمة،
والغرم إذا صارت هالكة .
الحكم الثاني - رد العين المغصوبة مادامت قائمة: والكلام فيه في مواضع
هي : سبب وجوب الرد، وشرط الرد ومكانه ومؤنته، وما يصير به المالك مسترد(٤):
اتفق الفقهاء على أنه يجب رد العين المغصوبة إلى صاحبها حال قيامها ووجودها
بذاتها لقوله ◌ُ ◌ّ: ((على اليد ما أخذت حتى تؤديه)) (( لا يأخذن أحدكم متاع أخيه
جاداً، ولا لاعباً، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه، فليردها عليه))(٥) وترد إلى مكان
الغصب لتفاوت القيم باختلاف الأماكن .
ومؤنة الرد ( نفقته) على الغاصب ؛ لأنها من ضرورات الرد، فإذا وجب عليه
الرد، وجب عليه ماهو من ضروراته كما في رد العارية .
الشرح الكبير : ٤٤٢/٣؛ القوانين الفقهية: ص ٣٣٠ .
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ٢٧٧/٤ .
رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس بلفظ ((ان الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ... )) الحديث.
(٣)
(٤)
البدائع : ١٤٨/٧، الدر المختار: ١٢٨/٥، تكملة الفتح: ٣٦٧/٧، الميزان: ٨٨/٢.
رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن السائب بن يزيد عن أبيه ( نيل الأوطار: ٣١٦/٥).
(٥)
- ٧١٨ -

ويصير المالك مسترداً للمغصوب: بإثبات يده عليه، لأنه صار مغصوباً
بتفويت يده عنه . فإذا أثبت يده عليه ، فقد أعاده إلى يده، وزالت يد الغاصب
عنه ، إلا أن يغصبه مرة أخرى .
ويبرأ الغاصب من الضمان بالرد، سواء علم المالك بحدوث الرد أم لم يعلم؛ لأن
إثبات اليد على الشيء أمر حسي لا يختلف بالعلم أو الجهل بحدوثه .
الحكم الثالث - ضمان المغصوب إذا هلك : والكلام فيه يتناول عدة مواضع
هي ما يأتي :
١ - كيفية الضمان :
إذا هلك المغصوب عند الغاصب، وكان من المنقولات عند الحنفية(١)، أو من
العقارات أو المنقولات عند غير الحنفية(٣)، بفعله أو بغير فعله، فعليه ضمانه ، أي
غرامته أو تعويضه. لكن إن كان الهلاك بتعد من غيره، لا بآفة ساوية، رجع
الغاصب عليه بما ضمن ؛ لأنه يستقر عليه ضمان الشيء الذي كان يمكنه أن يتخلص
منه برده إلى من كان في يده. وعبارتهم فيه: ((الغاصب ضامن لما غصبه، سواء تلف
5
بأمر الله ، أو من مخلوق)) (٣).
وكيفية الضمان أو قاعدته : أنه يجب ضمان المثل باتفاق العلماء إذا كان المال
مثلياً، وقيمته إذا كان قيمياً ، فإن تعذر وجود المثل وجبت القيمة للضرورة .
المبسوط: ٥٠/١١، البدائع: ١٥٠/٧، ١٦٨، الدر المختار: ١٢٨/٥، تبيين الحقائق: ٢٢٣/٥، ٢٣٤، تكملة
(١)
الفتح: ٣٦٣/٧ ، اللباب والكتاب : ١٨٨/٤ وما بعدها .
الشرح الكبير للدردير: ٤٤٣/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٣٠ وما بعدها، بداية المجتهد: ٣١٢/٢ ، مغني
(٢)
المحتاج: ٢٨١/٢، ٢٨٤، فتح العزيز شرح الوجيز: ٢٤٢/١١ بهامش المجموع، المغني: ٢٢١/٥، ٢٥٤، ٢٥٨،
كشاف القناع : ١١٦/٤ وما بعدها .
(٣)
القوانين الفقهية : ص ٣٣١ .
- ٧١٩ -

أما ضمان المثل فلقوله تعالى: ﴿ فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل مااعتدى
عليكم ﴾ ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾
ولأن المثل تماماً أقرب إلى الأصل التالف، فكان الإلزام به أعدل وأتم لجبران الضرر،
والواجب في الضمان الاقتراب من الأصل بقدر الإمكان تعويضاً للضرر.
وأما ضمان القيمة فلأنه تعذر الوفاء بالمثل تماماً صورة ومعنى، فيجب المثل
المعنوي وهو القيمة ؛ لأنها تقوم مقامه ، ويحصل بها مثله ، واسمها ينبئ عنه .
والمال المثلي : هو ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به. أو هو
ما تماثلت آحاده أو أجزاؤه بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق يعتد به .
والأموال المثلية أربعة : هي المكيلات والموزونات، والعدديات المتقاربة،
وبعض أنواع الذرعيات .
والمكيلات : هي التي تباع بالكيل كالقمح والشعير، وكبعض السوائل التي
تباع الیوم باللیتر کالبترول والبنزين .
:
والموزونات : هي التي تباع بالوزن كالسمن والزيت والسكر.
والذرعيات : هي التي تباع بالذراع ونحوه كالقطع الكبرى من المنسوجات
الصوفية أو القطنية أو الحريرية .
والعدديات المتقاربة : هي التي لا تتفاوت آحادها إلا تفاوتاً بسيطاً كالبيض
والجوز. وكالمصنوعات المتماثلة من صنع المعامل كالكؤوس وصحون الخزف والبلور
ونحوها من الدفاتر والأفلام والمطبوعات .
والقيمي : هو ماليس له مثل في الأسواق ، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به
في القيمة . أو هو ماتفاوتت أفراده، فلا يقوم بعضها مقام بعض بلا فرق كالدور
- ٧٢٠ -