النص المفهرس

صفحات 681-700

وينبغي ألا يدع القاسم حقاً بين شريكين غير مقسوم من الطريق والمسيل
والشّرب إلا إذا لم يمكن .
وينبغي ألا يضم القاسم نصيب بعض الشركاء إلى بعض ، إلا إذا رضوا بالضم،
لأنه يحتاج إلى القسمة ثانياً .
٤ - أن يقرع بين الشركاء بعد الفراغ من القسمة ، تطييباً للنفوس ولورود السنة
بها (١)، ولأن القرعة أنفى للتهمة .
واشترط الشافعية والحنابلة في القاسم المعين من قبل القاضي سبعة شروط
(٢)
وهي(٢) :
الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والعدالة، وعلم المساحة
والحساب؛ لأن علمهما آلة القسمة . وأضاف الشافعية اشتراط السمع والبصر والنطق
والضبط ، إذ لا بد مما ذكر.
وكيلـ
فإن كان القاسم كافراً أو فاسقاً أو جاهلاً بالقسمة، لم تلزم القسمة إلا بتراضي
الشركاء بها ، كما لو اقتسموا بأنفسهم .
هذا إذا كان القاسم معيناً من قبل القاضي ، فإن تراضى الشركاء بمن يقسم بينهم لم
تشترط الشروط السابقة ، إلا التكليف، لأنه و کیل عنهم .
ثالثاً - تعدد القسّام :
يصح إجراء القسمة بقاسم واحد أو أكثر، وقال المالكية : يكفي في قسمة القرعة
قاسم واحد ؛ لأن مهمته الإخبار عن نتيجة الاقتراع، كالقائف والطبيب والمفتي .
(١) روى أحمد والشيخان عن عائشة: ((أن النبي ◌ُّم كان إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج
سهمها ، خرج بها معه)) ( نيل الأوطار: ٢١٧/٦ ) .
(٢)
بجيرمي الخطيب: ٣٣٨/٤ وما بعدها، حاشية الباجوري: ٣٥١/٢، كشاف القناع: ٣٧٢/٦ ،
المغني : ١٢٦/٩ .
- ٦٨١ -

ويكتفى بقاسم واحد عند المالكية والشافعية والحنابلة إن لم يكن في القسمة
تقويم ؛ لأنه في قسمه کالحاكم في حكمه .
فإن كان في القسمة تقويم : أي تقدير قيمة السلع المشتركة، فلا بد فيها من التعدد
عند هؤلاء الفقهاء، فلا تجوز بأقل من اثنين ؛ لأن التقويم شهادة بالقيمة، ولا بد في
الشهادة من اثنين(١) .
رابعاً - أجرة القاسم .
اتفق الفقهاء على أنه إذا كان القاسم معيناً من قبل القاضي ، فأجره (أو رزقه)
من بيت مال المسلمين ، إذا كان فيه سعة، لأن القسمة من جنس عمل القضاء، ولأن
منفعته تعم الناس كما بينا سابقاً.
وأما إن كان القاسم باختيار الشركاء في مقابل أجر، فالأجر على الشركاء.
ويتم توزيع الأجرة عند أبي حنيفة ومالك على الشركاء بحسب العدد، أو
الرؤوس ؛ لأن الأجرة في مقابل العمل، وهو تمييز الحصص ، والتمييز عمل واحد؛ لأن
تمييز القليل من الكثير هو بعينه تمييز الكثير من القليل ، فيتعلق الحكم بأصل التمييز،
وتعب القاسم في تمييز النصيب اليسير كتعبه في تمييز الكبير، وإذا لم يتفاوت العمل ،
لا تتفاوت الأجرة .
.----
--
وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة: يتم توزيع الآجرة بقدر الحصص أو
الأنصباء؛ لأن العمل في الكثير أكثر منه في القليل، ولأن الأجرة كالنفقة التي
يحتاجها الملك، فتقدر بقدر الملك، ويؤيده أن أجرة الكيال والوزان بقدر الأنصباء
(١) الشرح الكبير: ٥٠٠/٣، الشرح الصغير: ٦٦٥/٣، بجيرمي الخطيب: ٣٣٩/٤، كشاف القناع: ٣٧٣/٦ وما
بعدها .
- ٦٨٢ -
٤

إجماعاً ، وكذا سائر المؤن كأجرة الراعي والحمل والحفظ وغيرها (١). وهذا في تقديري
هو الأولى والأصح ؛ لأنه أعدل وأرفق بالناس .
المبحث السادس - أحكام القسمة
للقسمة أحكام عامة ، وأحكام خاصة في الاثبات .
المطلب الأول - أحكام القسمة العامة :
القسمة الأعيان أحكام عامة ، أهمها ما يأتي :
أولاً - لزوم القسمة :
القسمة من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء(٢)، لا يجوز نقضها، ولا الرجوع فيها
إلا بالطوارئ كما سنبين في حكم نقض القسمة . ولكن لبعض المذاهب تفصيل في مبدأ
اللزوم :
قال الحنفية(٣) : تلزم قسمة التراضي وقسمة التقاضي بعد تمامها، فلا يجوز
الرجوع عنها إذا تمت .
أما قبل التمام ، فكذلك تلزم قسمة التقاضي ، فلو قسم القاضي المال المشترك بين
قوم ، فخرجت السهام كلها بالقرعة، لا يجوز لهم الرجوع، وكذا لا رجوع إذا لم تتم
القسمة ، كأن خرج بعض السهام دون بعض .
وأما قسمة التراضي: فيجوز للشركاء الرجوع عنها قبل تمامها؛ لأن قسمة
(١)
البدائع : ١٩/٧، تكملة الفتح : ٥/٨، تبيين الحقائق: ٢٦٥/٥، الدر المختار: ١٧٩/٥ وما بعدها ، اللباب :
٩٢/٤، الشرح الكبير: ٥٠٠/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٨٦ ، بجيرمي الخطيب: ٣٤٠/٤ ، كشاف القناع:
٣٧٢/٦، المغني : ١٢٦/٩ .
البدائع: ٢٨/٧، بداية المجتهد: ٢٦٧/٢، المهذب: ٣٠٩/٢، المغني: ١٢٥/٩، الشرح الصغير: ٦٧٦/٣، رد
(٢)
المختار : ١٨٤/٥، م ( ١١٥٧ ) مجلة .
البدائع ، رد المحتار، المكان السابق، م ( ١١٥٨ ) مجلة .
(٣)
- ٦٨٣ -

التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها ، كما هو الشأن في كل عقد كالبيع مثلاً ، يجوز
الرجوع عنه قبل تمامه .
إلا أنه إذا خرج جميع السهام إلا واحداً، لم يجز الرجوع في قسمة التقاضي،
الصيرورة السهم متعيناً لمن بقي من الشركاء أو لتعيين نصيب ذلك الواحد.
وأطلق المالكية القول باللزوم فقالوا : ولزم ما خرج بالقسمة، فليس لأحدهم
نقضها، وكذا يلزم الشريك في قسمة التراضي، فمن أراد الفسخ لم يكن منه (١).
وقال الشافعية(٢): تلزم قسمة الإجبار من غير تراضٍ، ومن المعلوم أن قسمة
الإفراز والتعديل فيهما الإجبار، وأما قسمة التراضي قسمة رد دون غيرها، فالأرجح
عندهم أن لابد من الرضا بها بعد خروج القرعة، ولا يلزم حكم القاسم إلا برضا
الشركاء؛ لأنه لما اعتبر الرضا بالقسمة ابتداء، اعتبر بعد خروج القرعة .
والحنابلة(٣) قالوا: تلزم عندهم قسمة الإجبار فهم كالشافعية، وفي قسمة التراضي
عندهم وجهان كالشافعية، لكن الأرجح عندهم أنه إذا خرجت القرعة لزمت القسمة؛
لأن القاسم كالحاكم، وقرعته كالحاكم، لأنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في
5
طلب الحق ، فوجب أن تلزم قرعته .
ثانياً - ثبوت حق الخيار في القسمة :
قال الحنفية(٤): القسمة ثلاثة أنواع: قسمة لا يجبر الآبي، كقسمة الأجناس
المختلفة ، وقسمة يجبر الآبي، في ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات، وقسمة يجبر
الآبي، في غير المثليات المتحدة الجنس، كالثياب من نوع واحد، والبقر والغنم .
(١)
الشرح الصغير ، المكان السابق .
(٢)
بجيرمي الخطيب : ٣٤٤/٤ ، المهذب ، المكان السابق .
(٣)
المغني ، المكان السابق ، كشاف القناع: ٣٧٣/٦ .
حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: ٢٦٥/٥، انظر البدائع: ٢٨/٧، م ( ١١٥٣ _ ١١٥٥) مجلة.
(٤)
- ٦٨٤ _

والخيارات ثلاثة : خيار شرط ، وخيار عيب، وخيار رؤية .
١ - ففي قسمة الأجناس المختلفة، حيث لا يجبر الآبي بها : تثبت الخيارات كلها؛
لأنها مبادلة من كل وجه ، فهي كالبيع .
٢ - وفي قسمة ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات، حيث يجبر الآبي عليها،
يثبت خيار العيب ، دفعاً للضرر والجور، دون خيار الشرط والرؤية، إذ لا فائدة في
اثباتها ، لعدم الضرر.
٣ - وفي قسمة القيميات، غير المثليات، كالثياب من نوع واحد، وكالبقر والغنم ،
حيث يجبر الآبي في متحد الجنس ، ولا يجبر في غير متحد الجنس ، كالغنم مع الإبل :
يثبت خيار العيب دفعاً للضرر.
أما خيار الشرط والرؤية ، ففي ثبوتها روايتان، والصحيح منهما والذي عليه
الفتوى : أنه يثبت .
والخلاصة : تثبت هذه الخيارات الثلاثة في تقسيم الأجناس المختلفة، وفي قسمة
القيميات المتحدة الجنس أو المختلفة الجنس، ويثبت خيار العيب دون خيار الشرط
والرؤية في قسمة المثليات المتحدة الجنس .
وقال المالكية في الأرجح(١): يثبت خيار العيب في قسمة المراضاة : (بأن
يتراضيا على أن كل واحد يأخذ شيئاً مما هو مشترك بينهم، يرضى به بلا قرعة) لأنها
كالبيع .
وقال الحنابلة(٢): إذا ظهر في نصيب أحد الشريكين عيب لم يعلمه قبل القسمة،
الشرح الصغير: ٦٦٢/٣ وما بعدها، بداية المجتهد : ٢٦٧/٢.
(١)
(٢)
المغني: ١٢٨/٩ وما بعدها ، كشاف القناع: ٣٧٦/٦ .
- ٦٨٥ -

فله فسخ القسمة، أو الرجوع بأرش العيب ؛ لأنه نقص في نصيبه، فملكه كالمشتري.
واكتفى الشافعية بالنص على أن قسمة الإفراز تنقض في حال الحيف أو الغلط.
وأما قسمة الرد أو التعديل فهي بيع (١)، أي يثبت فيها خيار العيب.
ثالثاً - آثار القسمة :
يترتب على القسمة الأحكام التالية (٢):
١ - يتعين نصيب كل شريك مستقلاً عن نصيب غيره، فيملك حصته مستقلاً
بعد القسمة .
٢ - يملك الشريك المقسوم له جميع التصرفات الثابتة لصاحب الملكية المطلقة،
من بيع وإيجار ورهن ، وبناء وهدم ، ونحوها .
٣ - لا تثبت الشفعة في القسمة؛ لأن حق الشفعة في المبادلة المحضة، والقسمة
مبادلة من وجه واحد ، فلا تحتمل الشفعة .
والظاهر أن هذا الحكم متفق عليه في المذاهب"
5
رابعاً - نقض القسمة :
تنقض القسمة بالإقالة أو بالتراضي على فسخها .
ويجب نقض القسمة بعد وجودها، وبالرغم من لزومها في حالات هي عند
الحنفية ما يأتي :
(١)
بجيرمي الخطيب : ٣٤٤/٤ .
(٢)
البدائع : ٢٨/٧، مادة ( ١١٦٢ ) مجلة .
المهذب: ٣٠٦/٢ ، المغني : ١٢١/٩ .
(٣)
- ٦٨٦ -

١ - ظهور دين على الميت : إذا وقعت القسمة ، ثم ظهر دين على الميت يحيط
بالتركة المقسومة، تفسخ القسمة ، إذا لم يكن للميت مال سواه، إلا إذا قضى الورثة
الدين ، أو أبرأ الغرماء الدائنون ذمم الورثة، أو بقي من التركة ما يفي بالدين
لزوال المانع من لزوم القسمة ، فتمضي القسمة على ما هي عليه .
والدليل على مسوغ الفسخ لهذا السبب: قوله تعالى: ﴿ من بعد وصیة یوصي بها
أودين﴾، ولأن الدين إذا كان محيطاً بالتركة (مستغرقاً)، تبين أنه لا ملك
للورثة فيها ، بل هي ملك للميت يتعلق بها حق الغرماء، وقيام ملك الغير في المحل
المقسوم ، يمنع صحة القسمة .
وإذا لم يكن الدين محيطاً بالتركة، بقي للغرماء حق الاستيفاء ثابتاً في قدر
الدين من التركة، على الشيوع ، فيمنع نفاذ القسمة (١).
۔۔۔
وهذا الرأي عندي هو الأرجح ، رعاية لحقوق الدائنين .
وقال الحنابلة(٢): لا تبطل القسمة بظهور دين على الميت؛ لأن تعلق الدين
بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها ، لأنه تعلق بها بغير رضا الورثة .
وقال الشافعية(٢): إذا ظهر دين على الميت، فإن قالوا: القسمة: تمييز الحقين لم
تنقض القسمة ، وإن قالوا: إنها بيع : ففي نقضها وجهان : في وجه إنها تنقض لتعلق
حق الغير بالمال . وفي وجه : لا تنقض إذا قضى الوارث الدين .
٢ - ظهور وارث آخر أو موصى له في قسمة التراضي: إذا تمت القسمة ، ثم
ظهر وارث آخر، أو موصى له بالثلث أو الربع مثلاً، نقضت القسمة ؛ لأن الوارث ،
والموصى له شريك الورثة .
البدائع: ٣٠/٧، الدر المختار: ١٨٧/٥، تكملة الفتح: ٢٦/٨، م ( ١١٦١) مجلة .
(١)
(٢)
المغني : ١٢٩/٩.
(٣)
المهذب : ٣١٠/٢، وانظر: ٣٢٧/١.
- ٦٨٧ -
٠

ولا تنقض قسمة التقاضي في الأصح؛ لأن القسمة حينئذ محل اجتهاد، وقضاء
القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ينقض(١).
٣ - ظهور غبن فاحش :
إذا حدثت القسمة ، ثم تبين فيها غبن فاحش : وهو الذي لا يدخل تحت تقويم
المقومين، كأن قوّم المال بألف وهو لا يساوي خمسمائة ، فسخت قسمة التقاضي باتفاق
الحنفية؛ لأن تصرف القاضي مقيد بالعدل ولم يوجد، والغبن حصل بغير رضا المالك
فصار كبيع الأب والوصي ، ينقض بالغبن الفاحش. وتفسخ أيضاً قسمة التراضي في
الأصح؛ لأن شرط جوازها المعادلة، ولم توجد، فوجب نقضها . وهذا هو الصحيح
المعتمد المفتى به عند الحنفية كما ذكر ابن عابدين ، أي أن قسمة التراضي تفسخ بالغبن
الفاحش كقسمة التقاضي .
وتسمع دعوى الغبن الفاحش إن لم يقر المدعي باستيفاء حقه ، فإن أقر باستيفاء
حقه لا تسمع دعوى الغبن ، أو الغلط للتناقض بين الإقرار والادعاء .
ولا تسمع دعوى الغبن اليسير الذي يدخل تحت تقويم المقومين ، ولا تقبل
(٢)
بینته(٢).
ونقض القسمة بالغبن الفاحش أو الجور متفق عليه بين الفقهاء(٢)، إلا أن
الشافعية فصلوا في الأمر، كما سنبين في حالة الغلط.
٤ - وقوع غلط في المال المقسوم:
إذا ادعى أحد الشركاء بعد القسمة أن شيئاً من نصيبه وقع في يد صاحبه غلطاً،
(١)
البدائع: ٣٠/٧، رد المحتار : ١٨٧/٥.
(٢)
الدر المختار ورد المختار: ١٨٧/٥، تبيين الحقائق: ٢٧٣/٥ وما بعدها ، م ( ١١٦٠ ) مجلة .
(٣)
الشرح الصغير : ٦٧٧/٣، بجيرمي الخطيب: ٣٤٤/٤ ، المغني: ١٢٧/٩.
- ٦٨٨ -
---
...----

وكان قد أقر أو أشهد على نفسه باستيفاء حقه(١)، لم يصدق على الذي يدعيه ، إلا ببينة
(إقرار الخصم أو نكوله)؛ لأنه يدعي فسخ القسمة بعد وقوعها، فلا يصدق إلا
بحجة، ولا يكون متناقضاً لأنه اعتمد على فعل الأمين ، ثم ظهر غلطه .
فإن لم يكن له بينة ، استحلف الشركاء، فمن نكل منهم ، جمع بين نصيبه
ونصيب المدعي ، فيقسم بينهما على قدر أنصبائهما ؛ لأن النكول حجة في حقه خاصة ،
فیعاملان علی زعمها .
وإن لم يكن قد أقر بالاستيفاء، تحالف الشركاء (حلف كل منهم يميناً)
وفسخت القسمة ؛ لأن الاختلاف في مقدار ما حصل له بالقسمة ، فصار كالاختلاف في
مقدار المبيع .
وإن قال: (أصابني إلى موضع كذا، فلم تسلم إلي) ولم يشهد على نفسه
بالاستيفاء، وكذبه شريكه، تحالفا ، وفسخت القسمة، لاختلافهما في نفس القسمة،
فإنها اختلفا في قدر ما حصل بالقسمة ، فأشبه الاختلاف في قدر المبيع .
وإن قال ((استوفيت حقي)). ثم قال ((أخذت بعضه)) فالقول قول خصمه مع
يمينه، لأنه يدعي عليه الغصب، وهو منكر، فالقول قول المنكر (٣).
والقول بنقض القسمة في حال ادعاء الغلط ، وإثباته بالبينة ، محل اتفاق أيضاً
بين الفقهاء(٢) . إلا أن الشافعية قالوا:
لو ثبت بحجة (شاهدي عدل أو رجل وامرأتين ، أو شاهد ويمين) غلط أو حيف
في قسمة إجبار أو قسمة تراض، وهي بالإفراز (أو الأجزاء)، نقضت القسمة بنوعيها .
الاستيفاء : عبارة عن قبض الحق بكامله .
(١)
(٢)
تكملة الفتح: ٢٠/٨ وما بعدها، الدر المختار : ١٨٦/٥، تبيين الحقائق: ٢٧٣/٥، اللباب : ١٠٣/٤ وما بعدها،
البدائع : ٢٦/٧ .
المراجع السابقة .
(٣)
- ٦٨٩ -
الفقه الإسلامي جـ٥ (٤٤)

فإن لم تكن بالأجزاء بأن كانت بالتعديل أو الرد، لم تنقض؛ لأنها بيع. وإن لم يثبت
ذلك، فللمدعي تحلیف شريكه .
٥- استحقاق بعض المال المقسوم:
إذا ظهر مستحق في المال المقسوم، أي تبين وجود شريك آخر في المال ، فله
صور ثلاثة عند الحنفية(١) علماً بأن الاستحقاق : هو أن يدعي شخص ملكية شيء أو
بعضه، ويثبت دعواه، ويقضي له القاضي ملكيته وانتزاعه من يد آخر كالمشتري أو
المقسوم له .
أ - لو كان المستحق بعضاً شائعاً في كل المقسوم ، كالخمس أو الربع، فسخت القسمة
باتفاق الحنفية ، لعدم تحقق معنى الإفراز والتمييز.
ب- ولو كان المستحق بعضاً معيناً من نصيب أحد الشركاء، لم تفخ القسمة
باتفاق الحنفية؛ لأن الاستحقاق، لما ورد على جزء معين ، لم يظهر أن المستحق كان
شريكاً في المال، فلا تبطل القسمة، لكن يرجع المستحق منه على صاحبه بقدر
ما يخصه من الجزء المستحق ، إذ تبين أنه لم يكن ملكه ، فيرده .
i
جــ ولو كان المستحق بعضاً شائعاً في أحد النصيبين ، لم تفسخ القسمة جبراً على
المستحق منه عند أبي حنيفة ومحمد، وإنما يخير المستحق منه ، بين أن يرجع بحصة
البعض في نصيب صاحبه، وبين أن يفسخ؛ لأنه بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح
في القدر المستحق فقط .
وقال أبو يوسف : تفسخ القسمة؛ لأنه بالاستحقاق تبين أن للشركاء شريكاً
i
(١) تكملة الفتح: ٢٣/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٧٤/٥، الدر المختار: ٥-١٨٦ وما بعدها، اللباب: ١٠٦/٤،
م ( ١١٢٥ ) مجلة .
- ٦٩٠ -

آخر، ولو كان هناك شريك، لم تصح القسمة ، كما في استحقاق بعض شائع في
النصيبين .
أما الشافعية والحنابلة، فقالوا (١) : إن استحق من حصة أحد الشريكين شيء
معين لغيرهما ، بأن اختص به أحدهما ، أو أصابه منه أكثر من نصيب الآخر، بطلت
القسمة، لاحتياج أحدهما إلى الرجوع على الآخر بسبب عدم تحقق التعديل بين
الأنصباء .
وإن كان البعض المستحق مقسوماً بين الشريكين بالسوية، كأن اقتسما أرضاً ،
فاستحق من حصتهما معاً قطعة معينة على السواء في الحصتين ، لم تبطل القسمة فيما
بقي من الأرض ؛ لأن القسمة إفراز حق كل واحد منهما ، وقد أفرز.
وإن استحق بعض المال المقسوم شائعاً في الحصتين أو إحداهما ، بطلت القسمة
فيه، لا في الباقي عند الشافعية في الأصح ، عملاً بمبدأ تفريق الصفقة .
وبطلت القسمة في الجميع عند الحنابلة ؛ لأن المستحق شريك ثالث، وقد اقتسم
المال من غير حضوره، ولا إذنه، وذلك سواء في قسمة التراضي أو الإجبار، ولأن
القصد من القسمة تمييز الحقين ، ولم يحصل .
المطلب الثاني - الأحكام الخاصة بالإثبات :
هناك أحكام خاصة بالقسمة متعلقة بكيفية فض النزاع بين المتقاسمين إذا
اختلفوا في بعض الأمور، مثل الاختلاف حول الحدود، أو تقويم الغبن، أو بقاء
بعض الحق في يد الشريك الآخر، حيث تعارضت أدلة الاثبات .
(١) المهذب: ٣٠٩/٢، بجيرمي الخطيب: ٣٤٤/٤، المغني: ١٢٨/٩، كشاف القناع: ٣٧٦/٦ .
- ٦٩١ -

أولاً - الاختلاف في الحدود :
إذا اختلف المتقاسمان في الحدود، فادعى كل واحد منهما بيتاً في يد صاحبه
لدخوله في حده ، بعد القسمة، وأقام كل منهما البينة على دعواه، قضي لكل واحد
بالجزء الذي في يد صاحبه ؛ لأنه خارج، وبينة الخارج ترجح على بينة ذي اليد .
وإن أقام أحدهما بينة على أن بيتاً له في يد صاحبه أصابه بالقسمة وأنكر الآخر
قضي له بالبينة. وإن لم تقم لأحدهما بينة، تحالفا، وترادا كما في البيع(١). وتفسخ
.. (٢)
القسمة(٢).
ثانياً - الاختلاف في تقويم الغبن :
إذا اختلف المتقاسمان في تقويم الغبن ، فإما أن يكون يسيراً أو فاحشاً .
أ- فإن كان الغبن يسيراً : وهو الذي يدخل تحت تقويم المقومين ، لم يلتفت
للادعاء، سواء أكانت القسمة بالتراضي، أم بقضاء القاضي، لأن الاحتراز عن مثله
عسير جداً. ومثال الغبن اليسير: أن يكون ثمن السلعة عشرة ، فيقدره أهل الخبرة
بعضهم بعشرة وبعضهم بتسعة ، فالواحد يعتبر غبناً يسيراً .
ب - وإن كان الغبن فاحشاً: وهو الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين(٣)، كأن
يقدر أهل الخبرة سعر السلعة ذات العشرة بثمانية أو سبعة، ولا يقدرها أحد بعشرة.
فإن كانت القسمة بقضاء القاضي ، فسخت؛ لأن الرضا لم يوجد بين المتخاصمين ،
وتصرف القاضي مقيد بالعدل، ولم يوجد. وإن كانت القسمة بالتراضي ، لم يلتفت
(١) روى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده حديثاً بلفظ ((إذا اختلف
المتبايعان، والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما، تحالفا )) ( نيل الأوطار : ٢٢٤/٥).
(٢)
البدائع : ٢٦/٧، تكملة الفتح: ٢٢/٨ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ٢٧٤/٥، الدر المختار: ١٨٦/٥.
حدد متأخرو الحنفية الغبن الفاحش بما يعادل نصف عشر القيمة في المنقولات ( أي ٥٪) والعشر (١٠٪ ) في
(٣)
الحيوان ، والخمس ( ٢٠٪ ) في العقارات .
- ٦٩٢ -

للادعاء عند بعض الحنفية ؛ لأن القسمة في معنى البيع، ودعوى الغبن فيه من المالك
لا توجب نقضه(١).
أما البيع من غير المالك كبيع الأب والوصي، فإنه ينقض بالغبن الفاحش(٢).
والأصح كما قدمنا أنه تسمع دعواه وتفسخ قسمة التراضي كقسمة التقاضي بالغبن
الفاحش؛ لأن شرط جواز القسمة المعادلة ، ولم توجد ، فوجب نقضها .
ثالثاً - الاختلاف في استيفاء النصيب :
إذا اختلف المتقاسمان بعد القسمة ، فأنكر بعض الشركاء استيفاء نصيبه ، وادعى
أن بعضه في يد صاحبه ، وأنكر الآخر.
أ- فإن شهد قاسمان أو أكثر باستيفاء المدعي حقه ، تقبل شهادتها عند أبي حنيفة
وأبي يوسف؛ لأنهما شهدا على فعل غيرهما، وهو القبض، لا على فعل أنفسهما ؛ لأن
فعلهما هو التمييز، ولا حاجة للشهادة عليه .
وقال محمد : لا تقبل شهادتها ؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما ؛ لأن فعلهما
التمييز.
ب - وإن شهد قاسم واحد باستيفاء الحق ، لا تقبل شهادته ؛ لأن شهادة الفرد
الواحد لا تقبل على غيره(٣).
الغبن الفاحش وحده لا يعيب في معظم الاجتهادات الرضا مالم يصاحبه شيء من الخلابة أو التدليس أي أن
(١)
يخدع أحد العاقدين الآخر بوسيلة موهمة قولية أو فعلية تحمله على الرضا بالعقد ، ومنه كتمان عيب المبيع ،
ودليلهم حديث « دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)).
(٢)
تكملة الفتح والعناية: ٢٢/٨ ، تبيين الحقائق : ٢٧٣/٥ وما بعدها .
الدر المختار ورد المختار : ١٨٥/٥ وما بعدها .
(٣)
- ٦٩٣ -

النوع الثاني
قسمة المنافع أو المهايأة
فيه مباحث خمسة :
المبحث الأول - تعريف قسمة المهايأة ، ومشروعيتها .
المبحث الثاني - محل المهايأة .
المبحث الثالث - صفة المهايأة.
المبحث الرابع - أنواع المهايأة
المبحث الخامس - ما يملكه كل شريك من التصرف بعد اتفاق المهايأة .
المبحث الأول - تعريف المهايأة ومشروعيتها :
أولاً - تعريف المهايأة : المهايأة في اللغة: مفاعلة من الهيئة، وهي الحالة
الظاهرة للمتهيء للشيء، فكل من الشريكين يرضى بهيئة واحدة، ويختارها . أو أن
الشريك الثاني ينتفع بالعين على الهيئة التي ينتفع بها الشريك الأول، فهي لغة : أن
يتواضع الشريكان على أمر، ويتراضيا به. والمهايأة فقهاً: هي عبارة عن قسمة
المنافع(١) .
وعرفها المالكية(٢): بأنها اختصاص كل شريك عن شريكه في شيء متحد
كدار، أو متعدد كدارين ، بمنفعة شيء متحد أو متعدد في زمن معلوم. وبناء عليه :
العناية على شرح الهداية بهامش تكملة الفتح: ٢٧/٨، رد المحتار: ١٨٩/٥، م (١١٧٤ ) مجلة .
(١)
(٢) الشرح الصغير: ٦٦٠/٣ .
- ٦٩٤ -

تعين الزمن شرط ، إذ به يعرف قدر الانتفاع، وإلا فسدت المهايأة .
ثانياً - مشروعيتها : المهايأة جائزة استحساناً للحاجة إليها ، إذ قد يتعذر
الاجتماع على الانتفاع. ومحلها : منافع الأعيان المشتركة التي يمكن الانتفاع بها مع
بقاء عينها . ولا تبطل بموت الشريكين ولا بموت أحدهما . ولو طلب أحدهما القسمة
أعياناً بطلت(١) .
وقسمة الأعيان أقوى من المهايأة؛ لأن الأولى جمع المنافع في زمان واحد على
الدوام، والتهايؤ جمع المنافع على التعاقب بصفة وقتية(٢). فإذا طلب أحد الشريكين
القسمة، والآخر المهايأة، يجيب القاضي الأول ويقسم. واستدلوا على مشروعيتها
بالقرآن والسنة .
أما القرآن : فقوله تعالى حكاية عن قسمة مها يأة ناقة صالح عليه السلام:
﴿ هذه ناقة لها شِرْب ، ولكم شِرْب يوم معلوم﴾ وهو المهايأة بعينها .
وأما السنة: فوقائع منها: أنه ◌ُ ◌ّ قسم في غزوة بدر كل بعير من الأبعرة
السبعين بين ثلاثة نفر، وكانوا يتعاقبون على ركوبه(7).
المبحث الثاني - محل المهايأة :
محل المهايأة : المنافع دون الأعيان ، لأنها قسمة المنفعة دون العين ، فكان محلها
المنفعة دون العين .
وعلى هذا: لو اتفق اثنان على أن يسكن أحدهما في قسم من دار، والآخر في
القسم الباقي، أو على أن يسكن أحدهما العلو، والآخر السفل، صح، وله إجارته
وأخذ غلته. وكذا تجوز المهايأة في الأراضي المشتركة .
رد المحتار ، المكان السابق ، اللباب : ١٠٦/٤ .
(١)
(٢)
الهداية مع تكملة الفتح : ٢٧/٨ .
(٣)
سيرة ابن هشام : ٦١٣/١.
- ٦٩٥ -

أما لو تهاياً في نخل أو شجر بين شريكين، على أن يأخذ كل واحد منهما جزءاً
يستثمره، لا يجوز؛ أوتهاياً في الغنم المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهما عدداً معيناً
منها ، وينتفع بألبانها ، لا يجوز؛ لأن المهايأة عقد يرد على قسمة المنافع، والثمر واللبن
عين، فلا يصلح محلاً للمهايأة ، وهذا متفق عليه بين الفقهاء(١).
وقال الشافعية : ولا تصح قسمة الديون في الذمم ولو بالتراضي ، وكل من أخذ
منها شيئاً لا يختص به. ونصت المادة (١١٧٥) من المجلة على أن ((المهايأة لا تجري في
المثليات ، بل في القيميات، ليكون الانقطاع بها ممكناً حال بقاء عينها)).
المبحث الثالث - صفة المهاياة :
للفقهاء رأيان في لزوم المهايأة ، رأي للجمهور غير المالكية بأنها غير لازمة،
ورأي للمالكية بأنها لازمة . وعباراتهم ما يأتي :
قال الحنفية(٢) : المهايأة بالتراضي زماناً أو مكاناً عقد غير لازم، فلو طلب أحد
الشريكين من الحاكم المهايأة ، والآخر القسمة ، يجاب الثاني؛ لأن قسمة العين أقوى من
قسمة المنفعة؛ لأن في الأولى تجتمع المنافع في وقت واحد على الدوام، وفي الأخرى
تجتمع على التعاقب(٣).
وبناء عليه تكون المهايأة عقداً جائزاً محتملاً للفسخ، كسائر العقود الجائزة،
تفسخ ولو بغير عذر، ولا تبطل المهايأة بموت أحد الشريكين أو بموتهما ، بخلاف
الإجارة، لأنها لو بطلت أي المهايأة أعادها القاضي للحال أي استأنفها حالاً، ولا
(١) البدائع: ٣٢/٧، تبيين الحقائق: ٢٧٧/٥، القوانين الفقهية: ص ٢٨٥، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير:
٤٩٨/٣، الشرح الصغير: ٦٦٠/٣ وما بعدها، بجيرمي الخطيب: ٣٤٥/٤، المغني: ١٢٠/٩، كشاف القناع:
٣٦٧/٦ .
البدائع: ٣٢/٧، الدر المختار ورد المختار : ١٨٤/٥، ١٨٩، تبيين الحقائق : ٢٧٦/٥ .
(٢)
أنظر المادة ( ١١٨٢ ) مجلة الآتي نصها في الحاشية التالية .
(٣)
- ٦٩٦ -

فائدة من الاستئناف، كما لافائدة في الانقضاء والإبطال ؛ لأنه يجوز لكل واحد
فسخها ، بغير رضا الآخر.
أما المهايأة بالتقاضي : فهي عقد لازم، كما أوضح ابن عابدين ، فلا يجوز لكل
من الشريكين نقضها بلا عذر، ما لم يصطلحا .
وقال الشافعية(١): المهايأة عقد غير لازم، لكل من الشريكين الرجوع عنها متى
شاء، ولا إجبار فيها من القاضي.
وكذلك قال الحنابلة(٢): لا تلزم المهايأة، فمتى رجع أحد الشريكين عنها ،
انقضت المهايأة، والمهايأة معاوضة لا يجبر عليها كالبيع كما قال الشافعية. ولو طلب
أحدهما القسمة كان له ذلك ، وانتقضت المهايأة ، أي كما قال الحنفية .
أما المالكية فقالوا (٣) : وتلزم المهايأة كالإجارة، فهي من العقود اللازمة، فليس
لأحدهما فسخها، فإذا تراضيا على شيء وقعت صحيحة، لا تفسخ إلا برضاهما أو
برضاهم إن كانوا جماعة .
المبحث الرابع - أنواع المهايأة :
للمهايأة تقسيمان - الأول من حيث التراضي والجبر، والثاني - من حيث الزمان
والمكان .
التقسيم الأول - المهايأة من حيث الرضا والجبر:
تقسم المهايأة بهذا الاعتبار إلى نوعين : مهايأة بالتراضي، ومهايأة بالتقاضي .
١ - المهايأة بالتراضي : هي أن يتفق شخصان على كيفية الانتفاع بالشيء
بجيرمي الخطيب : ٣٤٥/٤ .
(١)
(٢)
المغني : ١٣٠/٩ .
بداية المجتهد : ٢٦٦/٢ ، القوانين الفقهية: ص ٢٨٥ .
(٣)
- ٦٩٧ -

المشترك بينهما ، على طريق التعاقب أو التناوب زماناً أو مكاناً. وهي جائزة باتفاق
الفقهاء .
٢ - المهايأة بالتقاضي : هي التي تتم بواسطة القاضي جبراً بناء على طلب أحد
الشريكين. فيهايئ القاضي بينهما جبراً إما بالمناوبة الزمانية مدة معينة بنسبة حصة
كل منهما ، وإما بالمهايأة المكانية بالاختصاص بمنفعة بعض المال المشترك بنسبة
الحصص .
وهي جائزة عند الحنفية(١)، تحقيقاً للعدل بين الشركاء، وتوفيراً لمصلحتهم(٢)،
فللقاضي جبرهم في الأصح، لاحتياج الناس إلى ما هو أعدل وهو القسمة بالقضاء.
وقد نصت المادة (١١٨١ ) مجلة على ما يأتي لبيان أحوال المهايأة الجبرية :
((إذا طلب المهايأة أحد أصحاب الأشياء المشتركة المتعددة، وامتنع الآخر: فإن
كانت الأعيان المشتركة متفقة المنفعة، فالمهايأة جبرية . وإن كانت مختلفة المنفعة فلا
جبر.
مثلاً : داران مشتركتان طلب أحد الشريكين المهايأة على أن يسكن إحداهما،
والأخرى للآخر. أو حيوانان على أن يستعمل أحدهما واحداً، والآخر الآخر،
وامتنع شريكه، فالمهايأة جبرية .
أما لو طلب أحدهما المهايأة على سكنى الدار، وللآخر إيجار الحمام، أو على
سكنى أحدهما في الدار وزراعة آخر الأراضي ، فالمهايأة بالتراضي ، وإن لم تكن
جائزة ، إلا أنه إذا امتنع الآخر لا يجبر عليها(٣)).
بداية المجتهد ، المكان السابق ، المادة ( ١١٧٦ ) من المجلة .
(١)
(٢)
تبيين الحقائق : ٢٧٦/٥ .
وانظر تبيين الحقائق: ٢٧٦/٥، تكملة الفتح : ٣٠/٨ .
(٣)
- ٦٩٨ -
-----

ولا يجبر على المهايأة من أباها عند المالكية والشافعية والحنابلة (١) (الجمهور)،
لأنها معاوضة، فلا يجبر عليها كالبيع، ولأن حق كل واحد في المنفعة شيء عاجل ، فلا
يجوز تأخيره بغير رضاه، كالدين ، أي فلا تجوز المهايأة بالتقاضي عند الجمهور.
وقال المالكية : لا تجوز قسمة المنافع بالقرعة. وقال الشافعية : إذا اتفقوا عليها ،
وتنازعوا في البداءة ( بدء المناوبة) أقرع بينهم .
التقسيم الثاني - المهايأة من حيث الزمان والمكان :
تنقسم المهايأة بهذا الاعتبار إلى نوعين : مهايأة زمانية ، ومهايأة مكانية .
فالأولى ترجع للزمان ، والثانية ترجع للمكان . والمهايأة عند المالكية(٢) قسمان:
المهايأة بالأزمان، والمهايأة بالأعيان. والأولى: هي أن ينتفع كل واحد من
الشريكين بالعين (الشيء المشترك كله) مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه كأن يسكن
أحدهما الدار شهراً، ويسكنها الآخر شهراً آخر. والثانية : هي أن يقسما الرقاب على
أن ينتفع كل واحد منهما بما حصل له مدة محدودة، كأن يسكن أحدهما داراً،
ويسكن الآخر داراً أخرى مدة من الزمان، أو يركب أحدهما فرساً والآخر فرساً
أخرى مدة معينة .
5
١ - المهايأة الزمانية :
أولاً - تعريفها: هي أن ينتفع كل واحد من الشريكين على التعاقب بجميع
العين المشتركة مدة مساوية لمدة انتفاع صاحبه، أو بنسبة حصته(٢). كأن يتهايا
اثنان على أن يزرع الأرض المشتركة بينهما، هذا سنة، والآخر سنة أخرى. أو على
القوانين الفقهية: ص ٢٨٥، بجيرمي الخطيب: ٣٤٥/٤، المغني: ١٣٠/٩ .
(١)
(٢)
بداية المجتهد : ٢٦٦/٣ ، القوانين الفقهية: ص ٢٨٥ .
بداية المجتهد ، المكان السابق ، المادة ( ١١٧٦ ) من المجلة .
(٣)
- ٦٩٩ -

--
سكنى الدار بالمناوبة ، هذا سنة ، والآخر سنة. أو على استعمال كتاب، هذا أسبوعاً،
والآخر مثله. وقد نصت المادة (١١٨٧ ) مجلة على أنه لا تجوز المهايأة على الأعيان،
فلا تصلح المهايأة على ثمرة الأشجار المشتركة ، ولا على لبن الحيوانات وصوفها على أن
يكون لأحد الشريكين ثمرة مقدار من هذه الأشجار، ولآخر ثمرة مقدار منها، أو على
لبن قطيع من الغنم المشترك أو صوفه لواحد ، ولبن قطيع ثان ، وصوفه للآخر.
ثانياً - مشروعيتها: وهي جائزة لقوله تعالى حكاية عن مهاياة ناقة صالح
عليه السلام في الشرب: ﴿هذه ناقة لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم ﴾ ﴿ونبئهم أن
الماء قسمة بينهم ، كل شرب محتضر﴾ ولحاجة الناس إليها .
ثالثاً - تكييفها الفقهي: المهايأة الزمانية عند الحنفية كقسمة الأعيان :
إفراز من وجه، مبادلة من وجه؛ لأن المهايئ كالمستقرض لنصيب شريكه، فكان
فيها معنى المبادلة من وجه(١) .
وقال الحنابلة: المهايأة معاوضة، فلا يجبر عليها كالبيع (٢).
وصرح الشافعية: أن من استوفى زائداً على حقه، لزمه أجرة ما زاد على قدر
5
حصته من الزائد(٣). ويفهم منه أن المهايأة مبادلة .
وقد نصت المادة (١١٧٨) من المجلة على أن ((المهايأة زماناً نوع مبادلة، فتكون
منفعة أحد أصحاب الحصص في نوبته مبادلة بمنفعة حصة الآخر في نوبته .. ))
رابعاً - تعيين المدة : يشترط في المهايأة الزمانية تعيين المدة ، بخلاف المهايأة
المكانية؛ لأن تعيين الزمان يعرف به قدر الانتفاع ، فتصير به المنافع معلومة ، ولا
(١)
تبيين الحقائق : ٢٧٦/٥ .
(٢)
المغني : ١٣٠/٩ .
بجيرمي الخطيب : ٣٤٥/٤ .
(٣)
- ٧٠٠ -