النص المفهرس

صفحات 641-660

وأما حق العامل : فله جزء من الثمرة كالثلث أو النصف أو غيرهما حسبما يتفقان
عليه . ويجوز أن تكون له كلها، وإذا لم يثمر الشجر، فلا شيء لأحد العاقدين على
الآخر، لأن انعدام الثمر بسبب آفة سماوية ، لا بسبب فساد العقد .
ولا يجوز أن يشترط أحدهما لنفسه منفعة زائدة كدنانير أو دراهم.
ويتفق الشافعية والحنابلة مع المالكية في تحديد الملزم بالعمل ، وحق
العامل ، فقالوا في العمل : كل ما يتكرر كل عام فهو على العامل ، وما لا يتكرر فهو
على رب المال(١).
فعلى العامل ما يحتاج إليه لصلاح الثمر، واستزادته، مما يتكرر كل سنة في
العمل، ولا يقصد به حفظ الأصل، كسقي ، وتنقية نهر وبئر أي مجرى الماء من
الطين ونحوه، وإصلاح حُفر الأشجار التي يجتمع فيها الماء للشرب، وتلقيح النخل (٢)
وإزالة الحشائش والقضبان والأعشاب الضارة وتعريش الدوالي (٣)، وحفظ الثمر
وجذاذه ( أي قطعه)، وتجفيفه في الأصح عند الشافعية، لأنه من مصالحه .
وأما ما قصد به حفظ الأصل (أصل الثمر: وهو الشجر)، ولا يتكرر كل سنة،
كبناء حيطان البستان، وحفر نهر جديد له، وإصلاح ما انهار من النهر، وإصلاح
الدولاب والأبواب فعلى المالك، عملاً بالعرف، وعليه أيضاً خراج الأرض الخراجية .
وبه يتبين أن الجذاذ (القطاف ) على العامل عند المالكية والشافعية
والحنابلة ، وعلى المالك والعامل بقدر نصيبهما عند الحنفية .
والمساقاة عقد لازم من الجانبين ، كالإجارة عند الشافعية والحنفية،
(١)
مغني المحتاج : ٣٢٨/٢ وما بعدها، المهذب: ٢٩٢/١، المغني: ٣٦٩/٥ وما بعدها ، كشاف القناع: ٥٢٨/٣ وما
بعدها ، ٥٣١ .
(٢)
وهو وضع شيء من طلع الذكور في طلع الإناث .
(٣)
وهو أن ينصب أعواداً لكروم العنب ويظللها ويرفع العنب عليها .
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤١)
- ٦٤١ _

والمالكية ، (أي الجمهور) وغير لازمة عند الحنابلة(١)، أما المزارعة فهي غير لازمة عند
الحنفية والمالكية والحنابلة أي عند الجمهور.
وبناء على كونها لازمة ، والمزارعة تبعاً لها عند الشافعية : لو هرب العامل قبل
الفراغ من العمل ، وأتمه المالك متبرعاً بالعمل ، بقي استحقاق العامل، كتبرع
الأجنبي بأداء الدين . ولو لم يتبرع المالك بالعمل استأجر الحاكم بعد رفع الأمر إليه،
على العامل ، من يتم العمل من مال العامل. فإن لم يقدر المالك على مراجعة الحاكم
لبعد مسافة ، أو لعدم تلبية طلب المالك، فليشهد المالك على العمل بنفسه ، أو
الإنفاق إن أراد الرجوع بما يعمله أو ينفقه؛ لأن الإشهاد حال العذر كالحكم ويصرح
في الإشهاد بضرورة الرجوع
وقال الحنابلة : إن هرب العامل، فلرب المال الفسخ ؛ لأن المساقاة عقد جائز
:
غیر لازم.
المطلب الثاني - حكم المساقاة الفاسدة :
تفسد المساقاة باختلال شرط من شرائطها المطلوبة شرعاً، فإذا لم يتوافر شرط
صحة مثلاً فسد العقد. وأهم حالات الفساد عند الحنفية(٢) ما يأتي :
١ - اشتراط كون الناتج (الخارج) كله لأحد العاقدين، لعدم توافر معنى
الشركة به .
٢ - شرط كون جزء معين من الثمرة لأحد العاقدين، كنصف قنطار عنب أو
تمر، أو شرط جزء محدد من غير الثمرة، كمبلغ نقدي ؛ لأن المساقاة شركة في الثمرة
فقط .
(١)
الشرح الصغير: ٧١٣/٣، المغني: ٣٧٢/٥، ٣٧٦، كشاف القناع: ٥٢٨/٣، بداية المجتهد : ٢٤٧/٢.
البدائع : ١٨٦/٦، تكملة الفتح: ٤٧/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٨٥/٥، الدر المختار ورد المختار: ٢٠٢/٥ ،
(٢)
٢٠٥ ، اللباب شرح الكتاب : ٢٣٤/٢.
- ٦٤٢ -

٣ - شرط مشاركة المالك في العمل ، إذ لا بد من التخلية بين العامل والعمل في
الشجر، ومهمة العامل الأصلية في هذا العقد هي العمل .
٤ - اشتراط الجذاذ أو القطاف على العامل؛ لأنه ليس من المساقاة في شيء
عندهم ، ولعدم التعامل به بين الناس ؛ لأن الأصل : كل ما كان من عمل قبل الإدراك
كسقي وتلقيخ وحفظ فعلى العامل، وما بعده كجذاذ وحفظ ، فعلى العاقدين .
٥ - شرط كون الحمل والحفظ بعد القسمة على العامل؛ لأنه ليس من أعمال
المساقاة .
٦ - اشتراط عمل تبقى منفعته على العامل بعد انقضاء مدة المساقاة، كغرس
الأشجار، وتقليب الأرض، ونصب العرايش، ونحوه ؛ لأنه لا يقتضيه العقد،
ولا من أعمال المساقاة .
٧ - الاتفاق على مدة لا يحصل فيها الإثمار عادة، لإضرار العامل، ولفوات
المقصود وهو الشركة في الخارج. كما أن المساقاة تفسد، إذا كانت الثمرة قد انتهت
ونضجت ؛ لأن العامل إنما يستحق بالعمل ، ولا أثر للعمل بعد الإدراك والتناهي .
٨ - المساقاة مع الشريك، كأن يكون بستان مشترك بين اثنين مناصفة، فيدفعه
أحدهما للآخر مساقاة، على أن له الثلثين، وللشريك المساقي الثلث؛ لأن في المساقاة
معنى الإجارة، ولا يجوز كون الشخص أجيراً وشريكاً ، أي مستأجراً من شريكه،
وشريك المستأجر؛ لأن استئجار الشريك على العمل في المشترك لا يصح، إذ يجب
أن يكون عمل الأجير في خالص ملك المستأجر.
فإذا عمل لا يستحق الأجر على شريكه، ويقع عمل العامل لنفسه. وهذا ، أي
الحكم بالفساد اختاره الحنابلة من بين وجهين، إذا لم يجعل للعامل شيء في مقابل
العمل .
- ٦٤٣ _

وأجاز الشافعية العقد إذا شرط للعامل زيادة على حصته ، أي أن الشافعية
والحنابلة يجيزون هذه الصورة حالة الاتفاق على زيادة حصة العامل مقابل عمله (١).
كأن يكون الشجر بينهما نصفين ، فيشترط له ثلثا الثمرة ، ليكون السدس عوض عمله ،
فإن شرط له مقدار نصيبه أو دونه، لم يصح، لاستحقاقه نصيبه بالملك. ويكون
الاتفاق بأن يقول الشريك لشريكه : ساقيتك على نصيبي ، أو أطلق . فإذا قال :
ساقيتك على كل الشجر، لم يصح .
ويترتب على فساد المساقاة عند الحنفية الأحكام التالية(٢):
١ - لا يجبر العامل على العمل؛ لأن الجبر على العمل بحكم العقد، وهو لم يصح.
٢ - الخارج كله لصاحب الشجر، لكونه ماء ملكه، وأما العامل فلا يأخذ منه
شيئاً؛ لأن استحقاقه بالشرط في العقد، ولم يصح .
٣ - وإذا فسدت المساقاة، فللعامل أجر مثله، كالإجارة الفاسدة .
٤ - يجب أجر المثل عند أبي يوسف في حال الفساد مقدراً بالمسمى ، لا يتجاوز
عنه . وعند محمد : يجب أجر المثل تاماً بالغاً ما بلغ .
أثر فساد العقد في المذاهب الأخرى : قال المالكية (٢): إذا وقعت المساقاة
فاسدة، فإن عثر عليها قبل العمل ، فسخت . وإن عثر عليها بعد العمل ، فسخت في
أثنائه ، ووجب فيها أجرة المثل إن خرج المتعاقدان عن المساقاة إلى إجارة فاسدة أو
بيع فاسد؛ لأن للعامل فيها أجر ما عمل، قلّ أو كثر، فلا ضرر عليه في الفسخ.
ومثال التحول إلى الإجارة الفاسدة : اشتراط زيادة شيء معين أو عرض من صاحب
(١) مغني المحتاج: ٣٢٧/٢، المحلي على المنهاج: ٦٣/٣، الشرح الكبير مع المغني: ٥٨٠/٥، كشاف القناع:
٠٥٣٣/٣
(٢)
البدائع : ١٨٨/٦ .
(٣)
القوانين الفقهية: ص ٢٨٠، الشرح الصغير : ٧٢٢/٣ وما بعدها، بداية المجتهد : ٢٤٨/٢.
- ٦٤٤ _

البستان للعامل ؛ لأنه يصبح المالك كأنه استأجر العامل على أن يعمل له في بستان
بهذه الزيادة وبجزء من ثمرة البستان، وهي إجارة فاسدة توجب الرد لأجرة مثل
العامل ويحسب منها تلك الزيادة ، ولا شيء للعامل من الثمرة ، ولو بعد تمام العمل .
فإن كانت الزيادة من العامل للمالك، فقد خرج العاقدان إلى بيع فاسد : هو بيع
الثمرة قبل بدو صلاحها ، إذ أن العامل اشترى الجزء المسمى بما دفعه للمالك من
الزيادة، وبأجرة عمله، فوجب له أجرة مثله، وأخذ ما دفعه، ولا شيء له من
الثمرة .
وإن لم يخرج المتعاقدان عن المساقاة لعقد آخر، بأن كان الفساد لضرر، أولفقد
شرط غير الزيادة المتقدمة ، أو لوجود مانع ، أو بسبب الغرر كالمساقاة على حوائط
مختلفة ، استمرت المساقاة بمساقاة المثل، كالمساقاة على ثمر بدا صلاحه وآخر لم يبد
صلاحه، لاحتواء العقد على بيع ثمر مجهول (وهو الجزء المسمى للعامل ) بشيء مجهول
(وهو العمل)، وكاشتراط عمل المالك مع العامل بجزء من الثمرة أو مجاناً، وكاشتراط
آلة أو دابة للمالك في بستان صغير، لأنه ربما كفاه ذلك، فيصير كأن العامل اشترط
جميع العمل على المالك. ويجوز اشتراط الدابة على المالك في بستان كبير. وهذا
التفصيل لابن القاسم. وقال ابن الماجشون : ترد إلى إجارة المثل في كل نوع من أنواع
الفساد .
وقال الشافعية والحنابلة(١): إذا خرج الثمر بعد العمل مستحقاً لغير المساقي
المالك، كأن أوصى بثمر الشجر المساقى عليه، أو خرج الشجر مستحقاً، فللعامل على
من ساقاه أجرة المثل لعمله، لأنه ضيّع عليه منافعه بعوض فاسد، فيرجع ببدلها على
المالك ، وإذا فسدت المساقاة ، فللعامل أجرة مثله . وتفسد المساقاة بجهالة نصيب كل
(١) مغني المحتاج: ٣٢٦/٢ - ٣٢٧، ٣٣١، المهذب: ٣٩٣/١، المغني: ٣٨١/٥، ٣٩٢، كشاف القناع: ٥٣٢/٣،
٥٠٢ .
- ٦٤٥ -

واحد من العاقدين ، أو اشتراط نصيب مجهول، أو دراهم معلومة ، أو كمية معينة من
الثمرة، أو شرط اشتراك المالك في العمل، أو عمل العامل في شيء آخر غير الشجر الذي
ساقاه عليه .
والخلاصة : أنه يجب باتفاق الفقهاء فسخ المساقاة الفاسدة إذا عرف الفساد قبل
العمل . فإن شرع العامل بالعمل ثم اطلع على الفساد، يجب له عند الجمهور أجر
المثل. كما يجب له الأجر عند المالكية إذا خرج المتعاقدان إلى عقد آخر، وإن لم يخرجا
لعقد آخر، استمرت المساقاة بمساقاة المثل .
المبحث الرابع - انتهاء المساقاة :
تنقضي المساقاة عند الحنفية كالمزارعة بأحد أمور ثلاثة : انتهاء المدة المتفق
عليها ، موت أحد المتعاقدين ، فسخ العقد إما بالإقالة صراحة أو بالأعذار، كما تفسخ
الإجارة(١).
ومن الأعذار: أن يكون العامل سارقاً معروفاً بالسرقة يخاف منه سرقة الثمر أو
الأغصان قبل الإدراك ؛ لأنه يلزم صاحب الأرض ضرر لم يلتزمه ، فیفسخ به .
5
ومن الأعذار أيضاً : مرض العامل إذا كان يضعفه عن العمل ؛ لأن في إلزامه
استئجار أجراء، زيادة ضرر عليه، ولم يلتزمه فيجعل عذراً. وفي اعتبار سفر العامل
عذراً للفسخ روايتان ، الصحيح أنه يوفق بينهما، كما في مرض العامل، فهو عذر إذا
شرط عليه عمل نفسه ، وغير عذر إذا أطلق العقد عن الشرط .
وإذا مات العامل، كان لورثته تعهد الثمر حتى يدرك ، وإن كره صاحب
الشجر رعاية لمصلحة الجانبين . وإن مات المالك استمر العامل بعمله، كما كان وإن
(١) البدائع: ١٨٨/٦، تكملة الفتح: ٤٨/٨، تبيين الحقائق: ٢٦٨/٥، الدر المختار: ٢٠٤/٥، اللباب: ٢٣٤/٢.
- ٦٤٦ _

كره ورثة المالك . وإن مات العاقدان ، كان الخيار في الاستمرار لورثة العامل ، فإن
أبى ورثة العامل الاستمرار في العمل ، كان الخيار فيه لورثة صاحب الأرض .
وإذا انقضت مدة المساقاة ولم ينضج الثمر، بأن كان فجاً، بقيت المساقاة
استحساناً لوقت النضوج، ويخير العامل، إن شاء ترك وإن شاء عمل كما في المزارعة،
ولكن بدون أجر، أي لا يجب على العامل أن يدفع للمالك أجر حصته إلى أن يدرك
الثمر؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره، بخلاف المزارعة ، حيث يجب على العامل أجر
مثل الأرض ؛ لأن الأرض يجوز استئجارها. ويكون العمل كله في المساقاة على
العامل، وفي المزارعة على العاقدين ، لأنه لما وجب أجر المثل للأرض في المزارعة بعد
انتهاء المدة ، لم يستحق العمل على العامل، كما كان يستحق عليه قبل انتهائها .
وإن أبى العامل العمل، خير المالك أو ورثته بين أمور ثلاثة: إما أن يقتسم
الثمر على حسب الشرط، وإما أن يعطي العامل قيمة نصيبه من الثمر، وإما أن ينفق
على الثمر حتى يبلغ أو ينضج، ثم يرجع بالنفقة بقدر حصة العامل من الثمر؛ لأنه
ليس للعامل إلحاق الضرر بغيره .
لكن قال الزيلعي : الرجوع على العامل بالنفقة بنسبة حصته فقط : فيه
إشكال، وكان ينبغي أن يرجع عليه بجميع النفقة ؛ لأن العامل إنما يستحق بالعمل ،
وكان العمل كله عليه، فلو رجع عليه بحصته فقط ، أدى الرجوع إلى استحقاق
العامل بلا عمل في بعض المدة .
وقال المالكية (١): المساقاة عقد موروث، ولورثة المساقي أن يأتوا بأمين يعمل
إن لم يكونوا أمناء، وعلى المالك العمل إن أبى ورثة العامل من العمل من تركته .
ولا تنفسخ المساقاة إذا كان العامل لصاً أو ظالماً أو عجز عن العمل ، وعلى العامل
(١) بداية المجتهد : ٢٤٧/٢، الشرح الصغير: ٧١٣/٣ .
- ٦٤٧ _

استئجار من يعمل، أو يستأجر من حظه من الثمر إن لم يكن له شيء ؛ لأن المساقاة
عندهم عقد لازم، لا يفسخ بالأعذار، فليس لعاقد فسخها بعد العقد ، دون الآخر
ما لم يتراضيا عليه .
وقال الشافعية (١): لا تنفسخ المساقاة بالأعذار، فلو ثبتت خيانة عامل مثلاً،
ضم إليه مشرف إلى أن يتم العمل ؛ لأن العمل واجب عليه. فإن لم يتحفظ عن الخيانة
بالمشرف، أزيلت يده بالكلية ، واستؤجر عليه من مال العامل من يتم العمل ، لتعذر
استيفاء العمل الواجب عليه منه .
وتنتهي المساقاة عند الشافعية بانقضاء المدة، فإذا انقضت المدة كعشر سنين
مثلاً ، ثم ظهرت ثمرة السنة العاشرة لم يكن للعامل فيها حق ؛ لأنها ثمرة حدثت بعد
انقضاء العقد .
وإذا ظهرت الثمرة، ولم تكتمل، قبل انقضاء المدة كأن صارت طَلْعاً(٢) أو بلحاً،
تعلق بها حق العامل ؛ لأنها حدثت قبل انقضاء المدة، ويجب على العامل تمام العمل .
وتنفسخ المساقاة بموت العامل إذا كانت على عين (ذات) العامل كالأجير
المعين ، ولا تنفسخ بموت المالك في أثناء المدة ، بل يتم العامل العمل ويأخذ نصيبه.
لكن إذا ساقى المورث من يرثه ثم مات المورث، فإن المساقاة تنفسخ ؛ لأنه أي الوارث
لا يكون عاملاً لنفسه .
وإذا التزم العامل المساقاة في ذمته، ثم مات قبل تمام العمل، وخلّف تركة، أتم
الوارث العمل منها ، لأنه حق وجب على مورثه، فيؤدّی من تركته كغيره من
الحقوق. وللوارث أن يتم العمل بنفسه أو بماله، وعلى المالك تمكينه من العمل إن
مغني المحتاج : ٣٣١/٢ ، المهذب : ٣٩١/١ وما بعدها .
(١)
(٢)
هو بدء الحمل بأن يظهر الحمل في النخيل بين غلافين .
- ٦٤٨ -

كان الوارث عارفاً بعمل المساقاة أميناً، وإلا استأجر الحاكم من التركة عاملاً كفؤاً.
فإن لم يخلف العامل تركة ، لم يقترض عليه ؛ لأن ذمته خربت بالموت .
وقال الحنابلة (١): المساقاة كالمزارعة عقد جائز غير لازم، فيجوز لكل طرف
فيها فسخها . فإن فسخت المساقاة بعد ظهور الثمرة، كانت الثمرة بينهما ( أي بين المالك
والعامل) على حسب الشرط المتفق عليه في العقد. لأنها (أي الثمرة) حدثت على
ملكهما .
ويملك العامل كالمالك حصته من الثمرة بالظهور. ويلزم العامل تمام العمل في
المساقاة، كما يلزم المضارب بيع العروض التجارية إذا فسخت المضاربة . وهذا موافق
لما قال الشافعية .
ولا تنفسخ المساقاة بموت العامل ، فإن مات العامل قام وارثه مقامه في الملك
والعمل ؛ لأنه حق ثبت للمورث وعليه ، فكان لوارثه .
فإن أبى الوارث أن يأخذ ويعمل ، لم يجبر، ويستأجر الحاكم من التركة من
يعمل ، فإن لم تكن له تركة، أو تعذر الاستئجار منها ، بيع من نصيب العامل
5
ما يحتاج إليه لتكميل العمل واستؤجر من يعمله .
وإن فسخ العامل، أو هرب قبل ظهور الثمرة، فلا شيء له، لأنه قد رضي
بإسقاط حقه، مثل عامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح، وعامل الجعالة إذا
فسخ قبل تمام عمله .
لكن إن فسخ المالك المساقاة قبل ظهور الثمرة وبعد شروع العامل في العمل ،
فعليه للعامل أجر مثل عمله، بخلاف المضاربة ؛ لأن الربح في المضاربة لا يتولد من
(١) المغني: ٣٧٢/٥ - ٣٧٧، كشاف القناع: ٥٢٨/٣ - ٥٣٠ .
- ٦٤٩ -

المال بنفسه وإنما يتولد من العمل، ولم يحصل بعمله ربح، والثمر في المساقاة متولد
من عين الشجرة ، وقد عمل العامل على الشجر عملاً مؤثراً في الثمر فكان لعمله تأثير في
حصول الثمر وظهوره بعد الفسخ .
وإن مات العامل والمساقاة على عينه (ذاته)، أو جنّ، أو حجر عليه لسفه
انفسخت المساقاة ، كما قال الشافعية .
أما لومات المالك أو جنّ، أو حجر عليه لسفه، فتفسخ المساقاة ، خلافاً
الشافعية .
وفي حالة العذر عند الحنابلة مع عدم الفسخ : إن عجز العامل عن العمل لضعفه
مع أمانته، ضم إليه غيره، ولا ينزع من يده، كما قرر الشافعية ؛ لأن العمل مستحق
عليه، ولا ضرر في بقاء يده عليه، وإن عجز بالكلية ، أقام المالك مقامه من يعمل،
والأجرة عليه في الحالتين لأن عليه توفية العمل .
وتنتهي المساقاة بمضي المدة المتفق عليها إن قدرت مدة عند الحنابلة أي كما قرر
باقي المذاهب ، لكن إن ساقى المالك إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالباً ، فلم تحمل الثمرة
تلك السنة ، فلا شيء للعامل ، كالمضاربة .
العقد الثالث - المغارسة أو المناصبة :
تعريفها ، وحكمها عند الفقهاء :
أولاً - تعريف المغارسة: هي أن يدفع الرجل أرضه لمن يغرس فيها شجراً(١)
وعرفها الشافعية: بأن يسلم إليه أرضاً ليغرسها من عنده، والشجر بينهما(٢). وتسمى
القوانين الفقهية : ص ٢٨١ .
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ٣٢٤/٢ .
- ٦٥٠ -

عند أهل الشام المناصبة ، أو المشاطرة ؛ لأن الشجيرة الغرسة تسمى عند العامة نصباً،
أي منصوباً، ولأن الناتج يقسم بينهما مناصفة لكل واحد منهما الشطر.
ثانياً - حكم المغارسة عند الفقهاء :
المغارسة المختلف فيها بين الفقهاء، هي التي يقسم الشجر فيها نصفين بين المالك
والعامل ، فمنعها الجمهور (غير المالكية ) وأجازها المالكية بشروط .
قال الحنفية(١): من دفع أرضاً بيضاء (أي لا شجر ولا زرع فيها ) سنين
معلومة، يغرس فيها شجراً، على أن تكون الأرض والشجر بين رب الأرض والغارس
نصفين ، لم يجز، لثلاثة أوجه : أولها : لاشتراط الشركة فيما كان موجوداً قبل الشركة ،
وهو الأرض، لا بعمل العامل، فكان ذلك في معنى قفيز الطحان(٢) المنهي عنه(٣).
وقال صاحب الهداية عن هذا الوجه: إنه أصحها ، لأنه - كما قال صاحب العناية -
نظير من استأجر صباغاً ليصبغ ثوبه، بصبغ نفسه، على أن يكون نصف المصبوغ
للصباغ، وهو مفسد للعقد .
وثاني الأوجه التي عللوا بها الفساد : أن المالك جعل نصف الأرض عوضاً عن
جميع الأغراس، ونصف الخارج عوضاً لعمل العامل، فصار العامل مشترياً نصف
الأرض بالغراس المجهول المعدوم عند العقد ، فيفسد العقد . وهذا الوجه رجحه ابن
عابدين؛ لأن كون المغارسة في معنى ((قفيز الطحان)) لا يضر، إذ هو جار في معظم
مسائل المزارعة والمعاملة (المساقاة)، ولهذا قال الإمام بفسادهما، وترك صاحباه
القياس استدلالاً بمعاملة النبي ◌ّؤالٍ أهل خيبر، وهذا هو الأولى.
تكملة الفتح: ٤٩/٨، تبيين الحقائق: ٢٨٦/٥، اللباب: ٢٣٤/٢، الدر المختار ورد المختار : ٢٠٣/٥ وما بعدها .
(١)
(٢)
إذ هو استئجار ببعض ما يخرج من عمل العامل ، وهو نصف البستان .
روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: ((نهي عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان)» وعسب الفحل :
(٣)
أجرة ضرابه ، وقد استدل بهذا الحديث أبو حنيفة والشافعي ومالك على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة بعض
المعمول بعد العمل ( نيل الأوطار : ٢٩٢/٥ وما بعدها ) .
- ٦٥١ -

وثالث الأوجه: أن المالك استأجر أجيراً ليجعل أرضه بستاناً مشجراً بآلات
الأجير، على أن يكون له نصف البستان الذي يظهر بعمله، وهو مفسد للعقد ؛ لأنها
إجارة بأجر مجهول وغرر.
وإذا فسدت المغارسة، كان جميع الثمر والغرس لصاحب الأرض، وللغارس قيمة
غرسه يوم الغرس، وأجرة مثله فيما عمل .
وحيلة جواز المغارسة عند الحنفية: أن يبيع المالك نصف الأرض بنصف
الغراس، ويستأجر رب الأرض العامل ثلاث سنين مثلاً، بشيء قليل ، ليعمل في
نصيبه .
وصحح الحنفية أيضاً - كما في الفتاوى الخانية - كون المغارسة على الاشتراك في
الشجر والثمر فقط ، دون الأرض .9)
وعبارة الشافعية(١) في حكم المغارسة؛ لا تصح المغارسة، إذ لا يجوز العمل في
الأرض ببعض ما يخرج منها ، ولأن الغرس ليس من عمل المساقاة، فضمه إليها
يفسده، ويمكن تحقيق المقصود بالإجارة .
أما المساقاة في الشجر، فلا يمكن عقد الإجارة عليه، فجوزت المساقاة للحاجة .
والغرس الحاصل يكون للعامل، ويكون لرب الأرض أجرة مثلها على العامل ،
كما أن من زارع على أرض بجزء من الغلة، فعطل بعض الأرض، يلزمه أجرة ما عطل
منها .
وعبارة الحنابلة(٢): إن دفع المالك للعامل على أن الأرض والشجر بينهما،
فالمعاملة فاسدة وجهاً واحداً، لأنه شرط اشتراكهما في الأصل (الأرض والشجر)
مغني المحتاج : ٣٢٤/٢، بجيرمي الخطيب : ١٦٧/٣ وما بعدها .
(١)
(٢)
المغني : ٣٨٠/٥ وما بعدها .
- ٦٥٢ -
----

ففسد ، كما لو دفع إليه الشجر أو النخل ، ليكون الأصل والثمرة بينهما ، أو شرط في
المزارعة كون الأرض والزرع بينهما ، وحينئذ يكون للعامل أجر المثل .
لكن إن ساقاه على شجر يغرسه، ويعمل فيه حتى يحمل، ويكون للعامل جزء
من الثمرة معلوم، صح ؛ لأنه ليس فيه أكثر من أن عمل العامل يكثر، ونصيبه يقل .
هذه أقوال الجمهور (المذاهب الثلاثة) المانعة من صحة المغارسة، حفاظاً على
حقوق العاقدين ، ولكثرة الجهالة الناجمة عن انتظار نمو الشجر، وللاشتراك في
الأصل، كاشتراك الشريكين في رأس المال في شركة المضاربة ، ولأن الغرس ليس من
أعمال المساقاة، على النحو المشروع في السنة النبوية، كما لا تصح المساقاة على صغار
الشجر إلى مدة لا يحمل فيها غالباً .
وقال المالكية (١): العمل لإنماء الشجر يتم إما بالإجارة: وهو أن يغرس العامل
للمالك بأجرة معلومة، وإما بالجعالة: وهو أن يغرس له شجراً على أن يكون له
نصيب فيما ينبت ، وإما بالمغارسة .
وتصح المغارسة ( وهو أن يغرس العامل على أن يكون له نصيب من الشجر
والثمر ومن الأرض ) بخمسة شروط ، وهي :
١ - أن يغرس العامل في الأرض أشجاراً ثابتة الأصول، دون الزرع والمقائي
والبقول .
٢ - أن تتفق أصناف الشجر، أو تتقارب، في مدة إطعامها (إثمارها)، فإن
اختلفت اختلافاً بيناً ، لم يجز.
٣ - ألا يكون أجلها إلى سنين كثيرة ، فإن حدد لها أجل إلى ما فوق الإطعام
:
القوانين الفقهية : ص ٢٨١ .
(١)
- ٦٥٣ -

(إنتاج الثمرة)، لم يجز، وإن كان دون الإطعام، جاز، وإن كان إلى الإطعام،
فقولان .
٤ - أن يكون للعامل حظه من الأرض والشجر، فإن كان له حظه من أحدهما
خاصة، لم يجز، إلا إن جعل له مع الشجر مواضعها على الأرض، دون سائر الأرض .
٥ - ألا تكون المغارسة في أرض محبسة (موقوفة)، لأن المغارسة كالبيع .
ويلاحظ أنه يمنع في المغارسة والمساقاة والمزارعة عند المالكية شيئان :
الأول - أن يشترط أحدهما لنفسه شيئاً دون الآخر، إلا اليسير.
الثاني - اشتراط السلف أو السلّم .
وإذا وقعت المغارسة فاسدة، فلرب الأرض الخيار بين أن يعطي المستأجر قيمة
الغرس أو يأمره بقلعه .
8
والخلاصة : أن المغارسة تصح إذا كان للعامل جزء معين من الثمرة فقط ،
كالمساقاة، كما ذكر الحنابلة، وتصح المغارسة أيضاً إذا غرس العامل غرساً على أن
تكون الأغراس والثمار بينهما كما أبان الحنفية، ويمكن تصحيح المغارسة على الاشتراك
في الأرض والشجر معاً، بواسطة عقدي البيع والإجارة، كأن يبيع المالك نصف
الأرض بنصف الغراس، ويستأجر المالك العامل مدة كثلاث سنين مثلاً، بشيء
يسير ليعمل في نصيبه ، كما ذكر الحنفية .
وصحح المالكية المغارسة بشروط ، وأبطلها الشافعية لعدم الحاجة إليها .
- ٦٥٤ -

الفصل السادس
اتفاق القسمة
فيه نوعان : الأول - في قسمة الأعيان، والثاني - في قسمة المنافع (المهايأة) وكل
منهما يرد على الأموال المشتركة .
النوع الأول
قسمة الأعيان أو الرقاب
تسمى قسمة الأعيان أي الذوات : قسمة رقاب أيضاً.
وفيه ستة مباحث :
المبحث الأول - تعريف القسمة ومشروعيتها وركنها وصفتها .
المبحث الثاني - أنواع القسمة .
المبحث الثالث - شروط القسمة .
المبحث الرابع - كيفية القسمة .
المبحث الخامس - القاسم . .
المبحث السادس - أحكام القسمة .
- ٦٥٥ -

المبحث الأول - تعريف القسمة ومشروعيتها وركنها وصفتها :
أولاً - تعريف القسمة :
القسمة لغة : هي إفراز النصيب، أو التفريق . وشرعاً لها تعاريف متقاربة عند
الفقهاء، فقال الحنفية : القسمة: جمع نصيب شائع في مكان معيّن، أو مخصوص(١)،
وعرفتها المادة (١١١٤) مجلة بقولها: ((القسمة: هي تعيين الحصة الشائعة، يعني إفراز
الحصص بعضها من بعض بمقياس ما كالذرع والوزن والكيل)» أو هي عبارة عن إفراز
بعض الأنصباء عن بعض ، ومبادلة بعض ببعض ؛ لأن نصيب كل شريك أو ملكه
منتشر في جميع أجزاء الشيء المقسوم ، فإذا حدثت القسمة، وقع في حصته جزء مملوك
له، وجزء مملوك لصاحبه شائعاً في كل الأجزاء ، فتتم المبادلة بين الشريكين بتنازل
كل واحد منهما عن نصف نصيبه بعوض : وهو نصف نصيب صاحبه(٢).
١
ومعنى المبادلة أي (أخذ عوض حقه) واضح في القسمة الرضائية، أما القسمة
الجبرية فتحدث بناء على طلب الشريكين للقاضي، يتضمن رضاهما بالمبادلة .
فالقسمة تتضمن معنى المبادلة ؛ لأن ما يؤول لأحدهما ، بعضه كان له، وبعضه كان
لصاحبه، فهو يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في نصيب صاحبه، فكان ذلك مبادلة
من وجه، وإفرازاً من وجه، والإفراز هو الظاهر في المكيلات والموزونات لعدم
التفاوت، والمبادلة هي الظاهر في غير المكيل والموزون للتفاوت، ويجوز الإجبار
على المبادلة كما في بيع مال المدين .
---
وعرف المالكية القسمة بما يقارب تعريف الحنفية، فقالوا، هي تعيين نصيب
كل شريك في مشاع (عقار أو غيره)، ولو كان التعيين باختصاص تصرف فيما عين
تبيين الحقائق : ٢٦٤/٥، الدر المختار: ١٧٨/٥، تكملة الفتح: ٢/٨، اللباب : ٩١/٤ .
(١)
(٢)
البدائع : ١٧/٧ .
- ٦٥٦ -

له، مع بقاء الشركة في الذات ، وهذا التعريف يشمل عندهم أنواع القسمة الثلاثة :
قسمة المهايأة، وقسمة المراضاة، وقسمة القرعة (١).
وعرفها الشافعية والحنابلة(٢) بأوضح تعريف في تقديري ، فقالوا : القسمة : تمييز
بعض الأنصباء عن بعض ، وإفرازها عنها ، بتجزئة الأنصباء بالكيل أو غيره .
ثانياً - مشروعية القسمة :
أجمع العلماء على جواز القسمة لثبوت شرعيتها في القرآن والسنة ، أما القرآن
فقوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم ، كل شرب محتضر ﴾ يدل على جواز قسمة
المهايأة، وقوله سبحانه: ﴿وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين
فارزقوهم منه ﴾ الوارد في قسمة التركة، وقوله سبحانه في قسمة الغنائم: ﴿ واعلموا
أنما غنتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول .. ﴾ ولا يعلم هذا الخمس عن الأربعة
الأخماس المستحقة للغانمين إلا بالقسمة.
وأما السنة: فقد قسم النبي ◌ُّ غنائم خيبر وحنين بين الغانمين، وقسم
المواريث(٣)، مما يدل على الإباحة .
ويؤيده حاجة الناس إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف
المستقل في حصته، وليتخلص من سوء المشاركة، وكثرة الأيدي(٤).
ثالثاً - ركن القسمة وسببها وشرط لزومها :
ركن القسمة : هو الفعل الذي يحصل به الإفراز والتمييز بين الأنصباء، ككيل
وذرع، وسببها : طلب الشركاء أو بعضهم الانتفاع بملكه على وجه الخصوص ، فلو لم
(١)
الشرح الصغير : ٣٥٩/٣ وما بعدها .
حاشية الباجوري على ابن قاسم: ٣٥١/٢ ، المغني: ١١٤/٩، كشاف القناع: ٣٦٤/٦ .
(٢)
(٣)
راجع الأحاديث في نصب الراية : ١٧٨/٤ .
(٤)
المغني : ١١٢/٩.
- ٦٥٧ -
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤٢)

يطلبوا لا تصح القسمة . وشرط لزومها بطلب أحد الشركاء: عدم فوت المنفعة
بالقسمة ، أي عدم إبطال فائدة الشيء المتعارفة، فلا يقسم مثلاً الحائط والحمام
والبيت الصغير(١) .
رابعاً - صفة القسمة :
تتردد صفة القسمة عند الفقهاء بين وصفين : الإفراز أو التمييز، والبيع أو المبادلة .
فقال الحنفية(٢): تشتمل القسمة مطلقاً (في المثليات أو القيميات) على وصفين:
هما الإفراز: وهو أخذ عين حقه، والمبادلة: وهو أخذ عوض حقه. والسبب في اشتمالها
على معنى المبادلة : أن ما يأخذه كل شريك ، بعضه كان له، وبعضه كان لصاحبه،
فهو يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في حصة صاحبه، فتكون القسمة مبادلة من
وجه، وإفرازاً من وجه .
والإفراز: هو الظاهر الغالب في المثليات، أي المكيلات والموزونات وما في
حكمها : وهي الذرعيات والعدديات المتقاربة كالجوز والبيض ، لعدم التفاوت بين
أجزائها ، حتى كان لأحد الشريكين أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه .
----
--- -
والمبادلة : هي الظاهر الغالب في غير المثليات أي القيميات كالحيوانات والدور
وأصناف العروض التجارية، للتفاوت بين أفرادها ، حتى لا يكون لأحد الشريكين
أخذ نصيبه عند غيبة صاحبه (٣).
إلا أنه إذا كانت الأشياء المشتركة متحدة الجنس، جازت القسمة الجبرية، أي
(١)
الدر المختار : ١٧٨/٥.
الدر المختار : ١٧٨/٥، اللباب: ٩١/٤، تكملة الفتح: ٢/٨، البدائع : ٢٦/٧.
(٢)
(٣)
نصت المادة (١١١٦) مجلة على ذلك، فقالت: ((والقسمة من جهة إفراز، ومن جهة مبادلة .. ))، كما نصت
المادة (١١١٧) على أن ((جهة الإفراز في المثليات راجحة ... )) والمادة (١١١٨) على أن ((جهة المبادلة في
القيميات راجحة .. )) ونصت المادة ( ١١١٩ ) على المثليات .
- ٦٥٨ -
---

يجبر القاضي على القسمة عند طلب أحد الشركاء ؛ لأن فيها معنى الإفراز، ويصح
الجبر في المبادلة ، كما هو المقرر في حالة بيع ملك المدين ، لوفاء دينه .
وإن كانت الأشياء المشتركة أجناساً مختلفة ، لم تجز القسمة الجبرية، فلا يجبر
القاضي على القسمة ، لتعذر المعادلة . وتجوز القسمة الرضائية حينئذ؛ لأن الحق
للشركاء .
وقال المالكية(١) : قسمة المراضاة : وهي التي تتم بلا قرعة كالبيع ، وقسمة القرعة :
تمييز حق في مشاع بين الشركاء، لا بيع ، وقسمة المهايأة في المنافع كالإجارة .
وقال الشافعية(٢): القسمة إفراز النصيبين وتمييز الحقين إلا إذا كان في القسمة رد،
أي تعويض (أو رد مال أجنبي عن المقسوم)، فهي بيع ، كأن يكون في أحد جانبي
الأرض المشتركة بئر أو شجر مثلاً، لا يمكن قسمته ، فيرد من يأخذه بالقسمة بالقرعة
قسط قيمة البئر أو الشجر، في المثال المذكور.
وكذلك تكون القسمة بيعاً إذا كانت بالتعديل للسهام (وهي الأنصباء) بالقيمة ،
كأرض تختلف قيمة أجزائها بقوة إنبات أو قرب ماء)، وتكون الأرض بينهما نصفين ،
ويساوي ثلث الأرض مثلاً لجودته ثلثيها ، فيجعل الثلث سهماً، والثلثان سهماً. وهذا
الرأي أدق ما عرفته من المذاهب.
وقال الحنابلة (٢): القسمة: إفراز حق وتمييز أحد النصيبين من الآخر، وليست
بيعاً؛ لأنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك، ولا تجب فيها الشفعة، ويدخلها الإجبار،
وتلزم بإخراج القرعة ، ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر. والبيع لا يجوز فيه شيء
من ذلك ، ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها ، فلم تكن بيعاً كسائر العقود.
١
(١)
الشرح الصغير: ٦٦٠/٣، ٦٦٢ ، ٦٦٤ .
(٢)
حاشية الباجوري : ٣٥٢/٢ - ٣٥٤، المهذب : ٣٠٦/٢.
المغني: ١١٤/٥، ١٢٩، كشاف القناع: ٠٣٦٥/٦.
(٣)
- ٦٥٩ -

وفائدة الخلاف: أنها إذا لم تكن بيعاً، جازت قسمة الثمار خرصاً ، والمکیل وزناً ،
والموزون كيلاً، والتفرق قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض في البيع، وإن قلنا : هي
بیع ، انعكست هذه الأحكام .
لكن إذا كانت القسمة رداً، أي رد عوض عما حصل لشريك من حق شریکه،
فتكون بيعاً فيما يقابل الرد (أي العوض الذي رد من أحدهما على الآخر)، وإفرازاً في
الباقي . والخلاصة أن القسمة عند الحنابلة إفراز، إلا إذا كانت قسمة رد، فتكون بيعاً
فیا یقبل الرد .
المبحث الثاني - أنواع القسمة :
للقسمة أنواع في المذاهب الفقهية، إذ كل مذهب ينظر إلى القسمة من جانب
فقال الحنفية(١) : القسمة نوعان :
١ - قسمة جبرية: وهي التي يتولاها القاضي ، بطلب أحد الشركاء. ولو قسم
القاضي أو نائبه بالقرعة ، فليس لبعض الشركاء الإباء بعد خروج بعض السهام(١).
٢ - قسمة رضائية: وهي التي يفعلها الشركاء بالتراضي، وهي تعتبر عقداً من
العقود، ركنها ككل عقد: هو الإيجاب والقبول، ومحلها : العين المشتركة التي يجوز
الاتفاق على قسمتها(٣).
وكل واحد منهما على نوعين :
(١)
البدائع : ١٩/٧ - ٢٢ .
(٢)
رد المحتار : ١٨٤/٥.
قسمة الرضى في المادة ( ١١٢١) مجلة هي ((القسمة التي تجري بين المتقاسمين في الملك المشترك بالتراضي أو برضا
(٣)
الكل عند القاضي)» وقسمة القضاء في المادة (١١٢٢) هي («تقسيم القاضي الملك المشترك جبراً وحكماً بطلب
بعض المقسوم لهم » .
- ٦٦٠ -