النص المفهرس

صفحات 621-640

وأما الحنابلة(١): فأجازوا المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، ولم يشترطوا
تساوي العاقدين في الناتج. واشترطوا كالشافعية في ظاهر المذهب كون البذر من
المالك رب الأرض، وروي عن أحمد ما يدل على أن البذر يجوز أن يكون من
العامل . واشترطوا بيان نصيب كل واحد من العاقدين ، فإن جهل النصيب فسدت
المزارعة ، كما اشترطوا أيضاً معرفة جنس البذر وقدره؛ لأن المزارعة معاقدة على
عمل ، فلم تجز على غير معلوم الجنس والقدر، كالإجارة .
المبحث الثالث - أحوال المزارعة :
للمزارعة عند الصاحبين أربعة أحوال، تصح في ثلاثة ، وتبطل في واحد(١).
الأولى: أن تكون الأرض والبذر من واحد، والعمل والحيوان واسطة الزراعة
من آخر: تجوز المزارعة، وصار صاحب الأرض والبذر مستأجراً للعامل، والحيوان
المستخدم للحراثة تبعاً له؛ لأن الحيوان آلة العمل .
الثانية: أن تكون الأرض لواحد، والحيوان والبذر والعمل لواحد : حازت
المزارعة أيضاً ، وصار العامل مستأجراً للأرض ببعض الخارج الناتج .
الثالثة : أن تكون الأرض والحيوان والبذر لواحد، والعمل لواحد: جازت
أيضاً، وصار رب الأرض مستأجراً للعامل ببعض الخارج(١).
الرابعة: إذا كانت الأرض والحيوان لواحد، والبذر والعمل لآخر: فهي
فاسدة ، في ظاهر الرواية ، لأنه لو قدر العقد إجارة للأرض ، فاشتراط الحيوان على
(١)
المغني: ٣٨٢/٥، ٣٨٨، ٣٩٢، كشاف القناع: ٠٥٣٣/٣
البدائع: ١٧٩/٦ وما بعدها ، تكملة الفتح: ٣٥/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق : ٢٨١/٥ وما بعدها ، الدر المختار :
(٢)
١٩٥/٥ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب : ٢٢٩/٢ وما بعدها .
قد نظم بعضهم الصور الثلاث الجائزة في بيت ، فقال :
(٣)
أرض وبذر،» كذا أرض ، كذا عمل
من وأحد ، ذي ثلاث كلها قبلت .
- ٦٢١ -

صاحبها ، مفسد للإجارة؛ إذ لا يمكن جعل الحيوان تبعاً للأرض، لاختلاف المنفعة ،
أي إن منفعة الحيوان ليست من جنس منفعة الأرض ؛ لأن الأرض للماء والإنبات،
والحيوان للعمل وشق الأرض .
ولو قدر العقد إجارة للعامل ، فاشتراط البذر عليه مفسد ؛ لأنه ليس تبعاً له .
وعليه تفسد المزارعة إذا اشترطت الآلة أو الحيوان أو العمل على صاحب
الأرض ، كما تفسد إذا اشترط الخارج كله لأحد العاقدين ، أو اشترط الحصاد والدياس
أو الحمل والحفظ على العامل المزارع؛ لأنه لا يتعلق به صلاح الزرع .
المبحث الرابع - حكم المزارعة الصحيحة والفاسدة :
أولاً - حكم المزارعة الصحيحة عند الحنفية : للمزارعة الصحيحة عند
الحنفية(١) أحكام هي ما يأتي :
:
:
١ - كل ما كان من عمل المزارعة مما يحتاج الزرع إليه لإصلاحه، كنفقة البذر
ومؤنة الحفظ ، فعلى المزارع ، لأن العقد تناوله .
٢ - كل ما كان نفقة على الزرع، كالسماد وقلع الأعشاب والحصاد والدياس،
أحمد
فعلى العاقدين على قدر نصيبهما من الناتج .
٣ - الناتج من الأرض يقسم بين العاقدين بحسب الشرط المتفق عليه، لقوله
مَّةٍ: ((المسلمون عند شروطهم) (٢). فإن لم تخرج الأرض شيئاً، فلا شيء لواحد من
العاقدين على الآخر، أما إنه لا شيء للعامل، فلأنه مستأجر ببعض الخارج الناتج،
البدائع : ١٨١/٦ وما بعدها ، تكملة الفتح ٣٩/٨ ، تبيين الحقائق: ٢٨٢/٥، الكتاب مع اللباب : ٢٣١/٢ وما
(١)
بعدها ، الدر المختار : ١٩٩/٥ .
رواه الحاكم عن أنس وعائشة، وهو حديث صحيح. ورواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة بلفظ: ((المسلمون
(٢)
على شروطهم)) وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن عوف باللفظ الأخير ( نصب الراية :
١١٢/٤ ، الجامع الصغير ) .
- ٦٢٢ -

ولم يوجد. هذا بخلاف المزارعة الفاسدة: يجب للعامل أجر المثل إن لم تخرج الأرض
شيئاً. والفرق أن الواجب في العقد الصحيح هو المسمى وهو بعض الخارج، فإذا لم
يوجد لم يجب شيء. وأما الواجب في المزارعة الفاسدة فهو أجر مثل العمل في الذمة لا
في الخارج، فعدم الخارج لا يمنع وجوبه في الذمة .
٤ - عقد المزارعة كما بينا في صفته غير لازم عند الحنابلة، ويلزم بالبذر عند
المالكية، وقال الحنفية : هو عقد غير لازم في جانب صاحب البذر لازم في جانب
العاقد الآخر. ولا يجوز له فسخ المزارعة إلا بعذر كما سنبين . فإذا امتنع صاحب البذر
من العمل ، لم يجبر عليه. وإن امتنع الذي ليس من قبله البذر، أجبره الحاكم على
العمل ؛ لأنه لا يلحقه بالعقد ضرر، والعقد لازم بمنزلة الإجارة إلا إذا كان هناك عذر
تفسخ به الإجارة ، فتفسخ به المزارعة . وسبب التفرقة بين العاقدين : أن صاحب
البذر لا يمكنه تنفيذ العقد إلا بإتلاف ملكه وهو البذر، في التراب، فلا يكون
الشروع فيه ملزماً في حقه ، إذ لا يجبر الإنسان على إتلاف ملكه، أما العاقد الآخر
فليس من قبله إتلاف ملكه ، فكان الشروع في حقه ملزماً .
٥ - الكراب (الحراثة ) والسفي : إن تم الإتفاق عليه أو الاشتراط يجب الوفاء به
على من شرط عليه . وإن لم يتفق عليه يجبر عليه العاقد حسب الزراعة المعتادة. فإن
كانت الأرض تسقى بماء السماء لا يجبر أحد على السقي ، وإلا فعلى النحو المعتاد. فإذا
قصر المزارع في عقد المزارعة الصحيحة في سقي الأرض حتى هلك الزرع بهذا السبب
يضمن لوجوب العمل عليه فيها ، ويضمن ضمان الأمانات بالتقصير؛ لأن الأرض في
يده أمانة . ولا يضمن في المزارعة الفاسدة .
٦ - تجوز الزيادة على الشرط المذكور من الخارج الناتج، والحط عنه، والقاعدة
فيه : هي أنه كلما احتمل إنشاء العقد عليه ، احتمل الزيادة ، وما لا فلا ، والحط جائز
في الحالتين جميعاً، كالزيادة في الثمن في عقد البيع .
- ٦٢٣ -

فلو زاد العامل المزارع في حصة صاحب الأرض بعد الحصاد ، وكان البذر منه
أي من العامل، لم يجز؛ لأن الزيادة على الأجرة تمت بعد انتهاء عمل المزارعة
واستيفاء المعقود عليه وهو المنفعة، وهو لا يجوز، إذ لو أنشأ العقد بعد الحصاد،
لا يجوز، فلا تجوز الزيادة .
وإن كانت الزيادة للمزارع في هذه الحالة من صاحب الأرض، جازت؛ لأنها
حط من الأجرة المستحقة له، وهو لا يتطلب قيام المعقود عليه .
فإن كان البذر من صاحب الأرض، فزاد في حصة المزارع بعد الحصاد، فالحكم
أنه لا يجوز الزيادة من المالك ؛ لأنها تمت بعد استيفاء المعقود عليه، وتجوز الزيادة
من المزارع ؛ لأنها حط من الأجرة المستحقة له .
أما إن حدثت الزيادة من كل واحد من العاقدين ، قبل الحصاد، فيجوز.
٧ - لو مات أحد المتعاقدين قبل إدراك الزرع ، ترك إلى الإدراك، ولا شيء على
المزارع لبقاء عقد الإجارة ههنا ببقاء المدة.
حكم المزارعة عند الشافعية : عرفنا أنه لا تجوز المزارعة (البذر من المالك )
عند الشافعية إلا تبعاً للمساقاة. ولا يجوز أن يخابر الشخص (البذر من العامل) تبعاً
للمساقاة.
فإن أفردت أرض بالمزارعة ، فالغلة للمالك، لأنها نماء ملكه، وعليه للعامل
أجرة مثل عمله ودوابه وآلاته .
وطريق جعل الغلة للطرفين العاقدين ، ولا أجرة لأحدهما على الآخر، يحصل
بصورتين :
إحداهما : أن يستأجر المالك العامل بنصف البذر شائعاً، أي استئجاراً على
الشيوع ليزرع له النصف الآخر في الأرض، ويعيره نصف الأرض شائعاً .
- ٦٢٤ -

الثانية: أن يستأجر المالك العامل بنصف البذر شائعاً، ونصف منفعة الأرض
شائعاً أيضاً، ليزرع له النصف الآخر من البذر، في النصف الآخر من الأرض.
فيكون الطرفان شريكين في الزرع على المناصفة ، ولا أجرة لأحدهما على
الآخر؛ لأن العامل يستحق من منفعة الأرض بقدر نصيبه من الزرع ، والمالك
يستحق من منفعة الأرض بقدر نصيبه من الزرع().
ثانياً - حكم المزارعة الفاسدة عند الحنفية: للمزارعة الفاسدة أيضاً
أحكام (٢) .
(٢)
١ - لا يجب على المزارع شيء من أعمال المزارعة؛ لأن إيجابه بالعقد، وهو لم
يصح .
٢ - الخارج الناتج كله لصاحب البذر، سواء أكان رب الأرض أم المزارع؛ لأن
الخارج استحقه بسبب كونه نماء ملكه، لا بالشرط. ويتفق المالكية والحنابلة (٣) مع
الحنفية في هذا الحكم، وهو أن العقد إذا فسد لزم كون الزرع لصاحب البذر.
٣ - إذا كان البذر من صاحب الأرض، استحق المزارع بسبب فساد المزارعة أجر
مثل عمله. وإذا كان البذر من العامل، كان عليه لصاحب الأرض أجر مثل أرضه ؛
لأن العقد في الحالتين يكون استئجاراً .
وفي الحالة الأولى يطيب الخارج كله لصاحب الأرض ؛ لأنه نماء ملكه، وهو
البذر في ملكه وهو الأرض. وفي الحالة الثانية : لا يطيب كل الخارج للمزارع، وإنما
يأخذ منه قدر بذره وقدر أجر مثل الأرض ، ويتصدق بالفضل الزائد .
(١)
مغني المحتاج : ٣٢٥/٢.
البدائع: ١٨٢/٦ وما بعدها، تكملة الفتح: ٣٩/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٨٢/٥، الدر المختار: ١٩٦/٥،
والكتاب مع اللباب : ٢٣١/٢ .
(٢)
الشرح الصغير : ٤٩٨/٣، المغني : ٣٩٢/٥.
(٣)
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤٠)
- ٦٢٥ -

٤ - يجب أجر المثل في المزارعة الفاسدة، وإن لم تخرج الأرض شيئاً، بعد أن
استعملها المزارع؛ لأن المزارعة عقد إجارة، والأجرة في الإجارة الفاسدة لا تجب إلا
بحقيقة الاستعمال، أما في المزارعة الصحيحة فلا يجب شيء على أحدهما إذا لم تخرج
الأرض شيئاً . وقد بينا الفرق في أحكام المزارعة الصحيحة رقم ٣ .
٥ - يجب أجر المثل في المزارعة الفاسدة مقدراً بالمسمى عند أبي حنيفة وأبي
يوسف، عملاً برضا الطرفين ورعاية للجانبين بالقدر الممكن ، وقد رضي العامل سلفاً
بسقوط الزيادة .
وعند محمد: يجب أجر المثل تاماً مهما بلغ، إذ هو قدرقيمة المنافع المستوفاة ، وقد
استوفى منافعه بعقد فاسد، فيجب عليه قيمتها ، إذ لا مثل لها .
المبحث الخامس - انتهاء المزارعة وحالات فسخها :
قد تنقضي المزارعة بتحقق المقصود منها ، وقد تنتهي بإنهائها قبل تحقق المقصود
منها ، وذلك في الأحوال التالية :
٦
٧
١ - انقضاء مدة المزارعة: تنتهي المزارعة بانقضاء مدة العقد ، فإذا انقضت
المدة ، فقد انتهى العقد، وهو معنى انفساخ العقد(١).
لكن إذا انتهت المدة، وأدرك الزرع، وقسم المتعاقدان الناتج بحسب الاتفاق أو
الاشتراط بينهما ، لم يحدث إشكال، وينتهي العقد حينئذ.
أما إذا انتهت المدة المقررة في العقد أو انقضت مدة المزارعة، والزرع لم يدرك
بعد ، استمر عقد المزارعة ، حتى يدرك الزرع ويستحصد، رعاية لمصلحة الجانبين ،
بقدر الإمكان ، كما في الإجارة .
(١)
البدائع: ١٨٤/٦، تكملة الفتح: ٤٣/٨، الكتاب مع اللباب : ٢٣٢/٢، الدر المختار ورد المختار : ١٩٧/٥.
- ٦٢٦ -
- - -- -

وعلى العامل في هذه الحالة أجر مثل نصيبه من الأرض ، إلى أن يستحصد
الزرع، كما في الإجارة، لأنه استوفى منفعة بعض الأرض لتربية حصته فيها إلى وقت
الحصاد .
وتكون نفقة الزرع ومؤنة الحفظ وكري الأنهار حينئذ، على المتعاقدين بمقدار
حصصهما ، لانتهاء العقد بانقضاء المدة، وكانت هذه الأمور على العامل أثناء بقاء مدة
العقد ، فإذا انتهى العقد ، وجبت هذه النفقات عليهما ؛ لأن الزرع مال مشترك
بینھما .
وهذا بخلاف ما لومات أحد العاقدين قبلٍ إدراك الزرع ، يترك الزرع في
مكانه إلى أن يدرك ويكون العمل ونفقاته على العامل ؛ لأن الحنفية قرروا حينئذ
بقاء عقد الإجارة استحساناً، لبقاء مدة الإجارة، فيستمر العامل أو وارثه على ما كان
عليه من العمل . أما في حال انقضاء المدة فلا يمكن إبقاء العقد لانقضاء المدة .
١
٢ - موت أحد العاقدين: تنتهي المزارعة أو تنفسخ بموت أحد العاقدين(١)،
كما تنفسخ الإجارة به، سواء حدث الموت قبل الزارعة أم بعدها، وسواء أدرك الزرع
أم لم يدرك بأن كان بقلاً أي طرياً . وقال الجمهور: لا تنقضي المزارعة كالإجارة بموت
أحد العاقدين .
لكن لو مات رب الأرض، والزرع لم يدرك ، فإن العامل أو وارثه يظل ملزماً
بالعمل ؛ لأن العقد يوجب على العامل عملاً يحتاج إليه الزرع إلى انتهاء أو نضوج
الزرع، ويبقى العقد كما بينا للضرورة استحساناً لانتهاء الزرع إذا مات أحد
العاقدين، وقد نبت الزرع، ويبقى الزرع إلى الحصاد، ولا يلزم العامل بأجر
للأرض، ثم ينتقض العقد فيما بقي من السنين في مدة العقد، لعدم الضرورة ؛ لأن في
(١) البدائع: ١٨٤/٦ وما بعدها، تكملة الفتح: ٤٢/٨، الكتاب: ٢٣٢/٢، الدر المختار ورد المختار: ١٩٨/٥ ،
تبيين الحقائق : ٢٨٢/٥.
- ٦٢٧ -

بقاء العقد حتى يستحصد الزرع مراعاة لمصلحة طرفي العقد ، فيعمل العامل أو
ورثته على النحو المتفق عليه .
٣ - فسخ العقد بالعذر:
إذا حدث فسخ العقد قبل اللزوم ، انتهت المزارعة . ومن المقرر عند الحنفية : أن
الملتزم بالبذر لا يلتزم بالمزارعة بمجرد العقد. وعند المالكية: لا تلزم المزارعة إلا
بشروع العامل في العمل ، فما لم يشرع في عمل المزارعة ، له فسخ العقد .
ويجوز عند الحنفية فسخ المزارعة بعد لزومها لعذر من الأعذار، سواء من قبل
صاحب الأرض، أم من قبل العامل، ومن الأعذار ما يأتي(١) :
أ - لحوق دين فادح لصاحب الأرض، فيحتاج لبيع الأرض التي تم الاتفاق على
مزارعتها ، ولا مال له سواها ، فيجوز بيعها بسبب هذا الدين الفادح، ويفسخ العقد
بهذا العذر، كما في عقد الإجارة ؛ لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلحقه، فلا
يلزمه تحمل الضرر، فيبيع القاضي الأرض بدين صاحبها أولاً، ثم يفسخ المزارعة .
5
ولا تنفسخ بنفس العذر.
هذا .. إن أمكن الفسخ بأن كان قبل الزراعة ، أو بعدها إذا أدرك الزرع، وبلغ
مبلغ الحصاد. فإن لم يمكن الفسخ ، بأن كان الزرع لم يدرك، ولم يبلغ مبلغ الحصاد،
لا تباع الأرض في الدين ، ولا يفسخ إلى أن يدرك الزرع؛ لأن في البيع إبطال حق
العامل، وفي الانتظار إلى وقت إدراك الزرع تأخير حق صاحب الدين ، فيؤخر
البيع، رعاية لمصلحة الجانبين، لأنه الطريق الأولى .
(١) البدائع: ١٨٣/٦ وما بعدها، تكملة الفتح والعناية: ٤٢/٨، الدر المختار ورد المختار: ١٩٦/٥ وما بعدها،
تبيين الحقائق : ٢٨٢/٥، الكتاب مع اللباب : ٢٣٢/٢.
- ٦٢٨ -

ثم هناك عند الحنفية - من أجل التعويض على العامل قضاءً - صور ثلاثة
للفسخ بعد عقد المزارعة وعمل العامل :
الأولى - إذا فسخ العقد، بعدما كَرَب (حرث) المزارع الأرض، وحفر الأنهار،
فليس للعامل شيء مقابل عمله؛ لأن أعماله منافع لا تتقوم على صاحب الأرض إلا
بالعقد، والعقد إنما قوم بالخارج الناتج، ولم يخرج، لكن يجب استرضاء العامل ديانة
فیما بینه وبین الله تعالى .
الثانية - إذا كان الزرع قد نبت، ولم يستحصد بعد ، لم تبع الأرض بالدين ، حتى
يحصد الزرع؛ لأن في البيع إبطال حق المزارع، وتأخير تسديد الدين أهون من
الإبطال ، فيؤخر كما بينا .
الثالثة - إذا أريد فسخ عقد المزارعة، بعد ما زرع العامل الأرض، إلا أنه لم
ينبت الزرع، حتى لحق صاحب الأرض دين فادح ، فهل له أن يبيع الأرض ؟ فيه
اختلاف عند مشايخ الحنفية : قال بعضهم : له البيع، لأنه ليس لصاحب البذر في
الأرض عين مال قائم ، لأن البذر استهلاك والمستهلك ليس بمال، فتباع الأرض في
الحال . وقال بعضهم : ليس له البيع، لأن البذر استنماء مال، وليس باستهلاك،
فكان للمزارع عين مال قائم، فلا تباع الأرض حتى الحصاد، كما لا تباع بعد نبات
الزرع، ولعل هذا اختيار صاحب الهداية .
ب - طروء أعذار للمزارع، مثل المرض ؛ لأنه معجز عن العمل، والسفر، لأنه
يحتاج إليه ، وترك حرفة إلى حرفة ، طلباً للكسب الذي يوفر المعيشة، والمانع الذي
يمنع من العمل كالتطوع للجهاد في سبيل الله، كما في الإجارة، والخيانة بالسرقة
ونحوها .
وهل يحتاج الفسخ لقضاء القاضي ، أم أنه يصح بالتراضي ؟ هناك روايتان عند
الحنفية: في رواية : لا بد لصحة الفسخ من القضاء أو الرضا، لأن المزارعة كالإجارة،
- ٦٢٩ -

ولا بد فيها لصحة الفسخ من القضاء أو الرضا. والرواية الراجحة: يجوز فسخ
المزارعة ، ولو بلا قضاء ورضا .
العقد الثاني - المساقاة أو المعاملة :
تعريفها ومشروعيتها وركنها، وموردها والفرق بينها وبين المزارعة،
وشرائطها، وحكم المساقاة الصحيحة والفاسدة ، وانتهاء المساقاة .
المبحث الأول - تعريف المساقاة ومشروعيتها وركنها وموردها،
والفرق بينها وبين المزارعة :
أولاً - تعريف المساقاة
المساقاة لغة : مفاعلة من السقي. وتسمى عند أهل المدينة المعاملة : مفاعلة من
العمل. ويفضل اسم المساقاة لما فيها من السقي غالباً. وشرعاً: هي معاقدة دفع
الأشجار إلى من يعمل فيها على أن الثمرة بينهما، أو هي عبارة عن العقد على العمل
ببعض الخارج. وبعبارة أخرى : هي دفع الشجر إلى من يصلحه بجزء معلوم من
ثمره. وهي عند الشافعية: أن يعامل غيره على نخل أو شجر عنب فقط، ليتعهده
بالسقي والتربية على أن الثمرة لهما(١).
ثانياً - مشروعيتها : المساقاة عند الحنفية كالمزارعة حكماً وخلافاً وشروطاً
ممكنة فيها ، فلا تجوز عند أبي حنيفة وزفر، فالمساقاة بجزء من الثمر باطلة عندهما،
لأنها استئجار ببعض الخارج، وهو منهي عنه. قال عليه الصلاة والسلام: ((من
كانت له أرض، فليزرعها، ولا يكربها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى)» (١).
(١) تبيين الحقائق: ٢٨٤/٥، البدائع: ١٨٥/٦، الدر المختار: ٢٠٠/٥، اللباب: ٢٣٣/٢، القوانين الفقهية:
ص ٢٧٩، مغني المحتاج: ٣٢٢/٢، كشاف القناع: ٥٢٣/٣.
(٢) متفق عليه من حديث رافع بن خديج لكنه حديث مضطرب جداً ( المغني: ٣٨٣/٥، ٣٨٥).
- ٦٣٠ -

وقال الصاحبان وجمهور العلماء ( منهم مالك والشافعي وأحمد): تجوز المساقاة
بشروط، استدلالاً بمعاملة النبي مؤ فر أهل خيبر، روي عن ابن عمر: ((أن رسول الله
◌َ التّ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع)) رواه الجماعة، ولحاجة الناس
إليها ؛ لأن مالك الأشجار قد لا يحسن تعهدها ، أو لا يتفرغ له، ومن يحسن ويتفرغ
قد لا يملك الأشجار، فيحتاج الأول للعامل ، ويحتاج العامل للعمل .
والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين ، لعمل النبي وأزواجه والخلفاء
الراشدين وأهل المدينة، وإجماع الصحابة على إباحة المساقاة(١). قال ابن جُزَي
المالكي : وهي جائزة مستثناة من أصلين ممنوعين، وهما الإجارة المجهولة، وبيع ما لم
(٢)
يخلق(٢).
ثالثاً - ركنها: ركن المساقاة عند الحنفية: الإيجاب والقبول، كالمزارعة.
الإيجاب من صاحب الشجر، والقبول من العامل أو المزارع. والمعقود عليه: هو عمل
العامل فقط دون تردد، بخلاف المزارعة . وتلزم عند المالكية باللفظ لا بالعمل .
وذكر الحنابلة أنها كالمزارعة لا تفتقر إلى القبول لفظاً، بل يكفي الشروع في العمل
قبولاً، كالوكيل . وقال الشافعية: يشترط فيها القبول لفظاً دون تفصيل الأعمال،
ويحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب (٢).
رابعاً - موردها : مورد المساقاة عند الحنفية(٤): الشجر المثمر، فتصح المساقاة
في النخل والشجر والكرم والرطاب (القصة أو البرسيم) وأصول الباذنجان ؛ لأن
المغني : ٣٨٤/٥ ، تكملة الفتح: ٤٥/٨ وما بعدها ، مغني المحتاج : ٣٢٢/٢ وما بعدها .
(١)
(٢)
القوانين الفقهية : ص ٢٧٩ ، بداية المجتهد: ٢٤٢/٢ .
البدائع : ١٨٥/٦، كشاف القناع: ٥٢٨/٣، بداية المجتهد: ٢٤٧/١، الشرح الصغير: ٧١٢/٣، مغني المحتاج :
(٣)
٠٣٢٨/٢
البدائع: ١٨٦/٦، تكملة الفتح: ٤٧/٨، الدر المختار ورد المختار: ٢٠٠/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٢٨٤/٥ ،
(٤)
اللباب : ٢٣٤/٢.
- ٦٣١ -

الجواز للحاجة وهي تعم الجميع، وأجاز متأخرو الحنفية المعاملة على الشجر غير المثمر،
كشجر الحور والصفصاف ، والشجر المتخذ للحطب، لاحتياجه إلى السقي والحفظ،
فلو لم يحتج لا تجوز المساقاة .
ومورد المساقاة عند المالكية (١): على الزروع ما عدا البقول كالحمص
والفاصولياء، وعلى الأشجار المثمرة ذات الأصول الثابتة، مثل كرم العنب والنخيل
والتفاح والرمان ونحوها بشرطين :
أحدهما - أن تعقد المساقاة قبل بدو صلاح الثمرة، وجواز بيعها، وبشرط ألا
يخلف ، فإن كان يخلف كالموز والتين ، فلا تصح فيه مساقاة إلا تبعاً لغيره .
الثاني - أن تعقد إلى أجل معلوم، ولو لسنين، وتكره فيما طال من السنين . ولا
تجوز المساقاة لمدة من السنين كثيرة جداً، وهي المدة التي تتغير فيها الأصول عادة
بحسب اختلاف الأشجار والأمكنة، كما لا تجوز إذا اختلف الجزء المساقى به في
السنين ، بأن كان في سنة يخالف غيره في أخرى.
ويشترط لصحتها عند ابن القاسم أن تكون بلفظ المساقاة، ولا تنعقد بلفظ
الإجارة، وتجوز عنده فيما ليس له أصل ثابت كالمقائي من نحو قثاء وبطيخ،
والزرع، بأربعة شروط : (الشرطان المذكوران ).
والثالث - أن تعقد بعد ظهوره من الأرض .
والرابع - أن يعجز عنه صاحبه .
ويشترط في الجزء المساقى به من الثمر: شيوعه في ثمر البستان، فلا يصح بشجر
معين ولا بكيل ، كما يشترط علمه كربع أو ثلث أو أقل أو أكثر.
(١)
القوانين الفقهية: ص ٢٧٩ ، الشرح الصغير: ٧١٣/٣ - ٧١٨، بداية المجتهد : ٢٤٣/٢ - ٢٤٦.
- ٦٣٢ -

والمساقاة عند الحنابلة(١): ترد على الأشجار المثمرة المأكولة فقط، فلا تصح في
الشجر غير المثمر، كالصفصاف والحور والعفص ونحوه ، والورد ونحوه .
وقال الشافعية في المذهب الجديد(٢): مورد المساقاة النخل والعنب فقط ، أما
النخل فلخبر الصحيحين السابق: ((أنه ◌ُ التّ عامل أهل خيبر)) وفي رواية: ((دفع إلى
يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع)) والعنب مثل النخل،
لأنه في معناه، بجامع وجوب الزكاة فيها . وجوزها الشافعي في المذهب القديم في
سائر الأشجار المثمرة .
خامساً - الفرق بين المساقاة والمزارعة:
قال الحنفية: المساقاة كالمزارعة إلا في أربعة أمور(٣):
١ - إذا امتنع أحد العاقدين في المساقاة عن تنفيذ العقد، يجبر علیه، إذ لا ضرر
عليه في بقاء العقد، بخلاف المزارعة ، فإن رب البذر إذا امتنع قبل الإلقاء، لا يجبر
عليه، الضرر اللاحق به في الاستمرار، ولأن المساقاة عقد لازم عند الجمهور غير
الحنابلة . وأما المزارعة فلا تلزم المتعاقدين إلا بإلقاء البذر. وقال الحنابلة(٤): الوكالة
والشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة والوديعة والجعالة: عقود جائزة من الطرفين ،
لكل فسخها .
٢ - إذا انقضت مدة المساقاة تترك أي يستمر العقد بلا أجر، ويعمل العامل بلا
أجر عليه لصاحب الشجر، فللعامل البقاء في عمله إلى انتهاء الثمرة، لكن بلا أجر
عليه ؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره عند الحنفية ، ولأن العمل كله على العامل . أما
في المزارعة فيستمر العامل بأجر مثل نصيبه من الأرض ؛ لأن الأرض يجوز
(١)
كشاف القناع : ٥٢٣/٣ .
(٢)
مغني المحتاج : ٣٢٣/٢، المهذب: ٣٩٠/١ .
الدر المختار ورد المختار : ٢٠١/٥، تبيين الحقائق: ٢٨٤/٥.
(٣)
غاية المنتهى لابن يوسف الحنبلي: ١٥٤/٣، كشاف القناع: ٥٢٨/٣ وما بعدها، المغني : ٣٧٢/٥ وما بعدها .
(٤)
- ٦٣٣ -

----------
استئجارها ، والعمل عليها ، بحسب الملك في الزرع، فيكون العمل على العامل وعلى
صاحب الأرض، وإذا وجب الأجر لرب الأرض على العامل ، لم يجب على العامل
العمل في نصيب صاحب الأرض بعد انتهاء المدة .
٣ - إذا استحق النخيل المثمر لغير رب الأرض، يرجع العامل بأجر مثله؛ لأن
أجرته صارت عيناً أي تمثلت بجزء من الشجر، ومتى صارت عيناً واستحقت، رجع
بقيمة المنافع. ولا يرجع بشيء إذا لم تخرج النخيل ثمراً. أما في المزارعة : لو استحقت
الأرض بعد الزراعة، فيرجع العامل بقيمة حصته من الزرع نابتاً، ولو استحقت
الأرض بعد العمل قبل الزراعة لا شيء للمزارع .
٤ - ليس بيان المدة في المساقاة بشرط استحساناً، اكتفاء بعلم وقتها عادة؛ لأن
لإدراك الثمرة وقتاً معلوماً قلما يتفاوت، بخلاف الزرع، قد يتقدم الحصاد، وقد
يتأخر بحسب التبكير أو التأخر في إلقاء البذر.
أما في المزارعة فيشترط تعيين المدة في أصل المذهب، لكن المفتى به - كما بينا - أنه
لا يشترط .
وتعتبر المساقاة والمزارعة عند الحنفية والشافعية إجارة ابتداء، شركة انتهاء.
وألحق الحنابلة المساقاة بالمضاربة(١).
المبحث الثاني - شروط المساقاة :
يشترط في المساقاة ما يمكن من شروط المزارعة ، فلا يشترط في المساقاة بيان
جنس البذر، وبيان صاحبه، وصلاحية الأرض للزراعة، وبيان المدة .
وبقي من شروط المزارعة الثمانية الممكنة في المساقاة : أهلية العاقدين ، وبيان
(١) كشاف القناع: ٥٢٩/٣ .
- ٦٣٤ -
--
---

حصة العامل ، والتخلية بينه وبين الأشجار، والشركة في الخارج الناتج، ويدخل في
الأخير: كون الجزء المشروط للعامل جزءاً مشاعاً(١).
ويمكن توضيح شروط المساقاة فيما يأتي(٢) :
١ - أهلية العاقدين: بأن يكونا عاقلين ، فلا يجوز عقد من لا يعقل، وهو غير
المميز. أما البلوغ فليس بشرط عند الحنفية، وشرط عند بقية الأئمة.
٢ - محل العقد: أن يكون من الشجر الذي فيه ثمرة. وقد بينا في بحث مورد
المساقاة الخلاف فيه . وأن يكون محل العمل وهو الشجر معلوماً.
٣ - التسليم إلى العامل: وهو التخلية بين العامل وبين الشجر المعقود عليه. فلو
شرط العمل على العاقدين ، فسدت المساقاة ، لعدم التخلية .
٤ - أن يكون الناتج شركة بين الاثنين ، وأن تكون حصة كل واحد منهما جزءاً
مشاعاً معلوم القدر، فلو شرط أن يكون الناتج لأحدهما فسدت المساقاة ، ولو شرط
جزء معين لأحدهما ، أو جهل مقدار الحصص فسدت المساقاة أيضاً .
ولا يشترط عند الحنفية بيان مدة المساقاة استحساناً، عملاً بالمتعارف المتعامل
به، وتقع المساقاة على أول ثمر يخرج في أول السنة. وفي الرّطاب (القصة أو البرسيم)
عند الحنفية تقع المساقاة على الجزة الأولى، كما في الشجرة المثمرة، فإن لم يخرج في تلك
السنة ثمرة ، فسدت المساقاة .
ولو ذكرت مدة لا تخرج الثمرة فيها عادة، فسدت المساقاة أيضاً، ولا شيء
لأحد العاقدين على صاحبه .
(١)
رد المحتار : ٢٠١/٥ .
(٢)
البدائع : ١٨٥/٦ وما بعدها ، تكملة الفتح: ٤٧/٨، تبيين الحقائق : ٢٨٤/٥.
- ٦٣٥ -

ولو ذكرت مدة يحتمل فيها بلوغ الثمرة وعدمه ، صح العقد، لعدم التيقن بفوات
المقصود. فلو ظهرت الثمرة في الوقت المتفق عليه ، قسمت بحسب الشرط المتفق عليه
في العقد، وإن لم تظهر في الوقت المسمى ، فسدت المساقاة، وللعامل أجر المثل لفساد
العقد ؛ لأنه تبين الخطأ في المدة المسماة .
٠٠٠ --...-.
أما شروط المساقاة عند المالكية فقد ذكرت في بحث مورد المساقاة المتقدم،
والمفهوم منها أنه يشترط عندهم كون المساقاة لمدة معلومة كالإجارة .
أركان المساقاة عند الجمهور:
ذكر الشافعية ومثلهم الحنابلة والمالكية للمساقاة أركاناً خمسة : وهي العاقدان
ومورد العمل، والثمار، والعمل، والصيغة(١).
أما الركن الأول (العاقدان ): فيصح من جائز التصرف لنفسه ( عاقل
بالغ)؛ لأن المساقاة عقد معاوضة أو معاملة على مال، كالمضاربة ، فيطلب فيها
الأهلية كالبيع . ويمارس الولي عن الصبي والمجنون والسفيه هذا العقد، بالولاية
عليهم ، عند المصلحة ، للاحتياج إليه .
والركن الثاني - مورد المساقاة : أي ما ترد صيغة عقد المساقاة عليه. هو
عند الشافعية : النخل والعنب ، وعند الحنابلة : ما له ثمر مأكول من الشجر، المغروس
المعلوم بالمشاهدة لمن يعمل عليه، ويقوم بمصلحته بجزء مشاع معلوم من ثمرته، كما
بينا في بحث موردها. ولا تجوز المساقاة إلا على شجر معلوم، فإن كان مجهولاً ، لم
يصح العقد .
-
(١) مغني المحتاج: ٣٢٣/٢ - ٣٢٨، المهذب: ٣٩٠/١ - ٢٩٢، كشاف القناع: ٥٢٣/٣ - ٥٢٩ ، غاية المنتهى:
١٨٣/٢ - ١٨٥، المغنى: ٣٦٨/٥، ٣٧٢ وما بعدها، ٣٧٥، ٣٨٠.
- ٦٣٦ -
1

والركن الثالث - وهو الثمار: يشترط فيه تخصيص الثمر بالعاقدين (المالك
والعامل)، فلا يجوز شرط بعضه لغيرهما . ويشترط اشتراكهما فيه ، فلا يجوز شرط
كل الثمرة لأحدهما ، ويشترط العلم بالنصيبين (الحصص) بالجزئية، وإن قل ، أي
كون الحصة مشاعة كالمضاربة .
والأظهر عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة: صحة المساقاة بعد ظهور الثمر،
لكن قبل بدو الصلاح، فإن ساقاه على صغار النخل مثلاً ليغرسها، ويكون الشجر
لهما، لم يجز، إذ لم ترد المساقاة إلا على أصل ثابت، ولأن الغرس ليس من أعمال
المساقاة .
فلو كان الشجر مغروساً، وشرط المالك للعامل جزءاً من الثمر على العمل، فإن
قدر له مدة يثمر فيها غالباً كخمس سنين ، صح العقد، ولا يضر كون أكثر المدة لا ثمر
فيها ، كما لو ساقاه خمس سنين ، والثمرة يغلب وجودها في الخامسة خاصة. فإن لم يثمر
الشجر في تلك المدة، لم يستحق العامل شيئاً، كما لو ساقاه على النخيل المثمرة، فلم
تثمر.
وإن قدر مدة لا يثمر فيها الشجر غالباً لم تصح المساقاة لخلوها عن العوض،
كالمساقاة على شجر لا يثمر. وهذا باتفاق الجمهور غير الحنفية .
والركن الرابع - العمل : يشترط فيه أن ينفرد العامل بالعمل، وباليد أي
التخلية والتسليم للعامل ، ليتمكن العامل من العمل متى شاء، فلو شرط عمل المالك
مع العامل ، أو كون البستان في يد المالك أو في يدهما معاً، لم يصح العقد، وفدت
المساقاة. ويشترط ألا يشرط على العامل ما ليس من جنس أعمال المساقاة التي
اعتادها الناس، كحفر بئر مثلاً، فإن شرطه ، لم يصح العقد؛ لأنه استئجار بعوض
مجهول ، واشتراط عقد في عقد .
ويشترط أيضاً عند الشافعية معرفة العمل بتقدير المدة كسنة أو أكثر، وأقلها
- ٦٣٧ -

مدة تبقى فيها الأشجار غالباً للاستغلال، فلا تصح على مدة مطلقة ولا مؤبدة ولا
مدة لا يثمر فيها الشجر غالباً؛ لأن المساقاة عند الشافعية عقد لازم ، فيطلب فيها
تحديد المدة كالإجارة. فإن كانت المدة لا يثمر فيها الشجر غالباً لم تصح لخلوها عن
العوض، كالمساقاة على شجرة لا تثمر. ولا يجوز في الأصح التوقيت بإدراك الثمر،
لجهالته بالتقدم تارة ، والتأخر أخرى .
ولا يطلب عند الحنابلة تحديد مدة في المساقاة والمزارعة، لأنه مع اقل لم يحدد
لأهل خيبر مدة ، ومشى خلفاؤه على منهجه من بعده، ولأن المساقاة ومثلها المزارعة
عندهم عقد جائز غير لازم كما بينا، فلكل واحد من العاقدين فسخها متى شاء. واختار
ابن قدامة الحنبلي أن المساقاة عقد لازم، فوجب تقديره بمدة كالإجارة. ولا يقدر
أكثر المدة، بل يجوز ما يتفقان عليه من المدة التي يبقى الشجر فيها، وإن طالت،
وأتقل المدة: ما تكمل الثمرة فيها فلا يجوز على أقل منها ؛ لأن المقصود الاشتراك في
الثمرة ، ولا توجد في أقل من هذه المدة .
والركن الخامس - الصيغة : مثل ساقيتك على هذا النخل بثلث أو ربع
ثمره، أو سلمته إليك لتتعهده، أو اعمل في تخيلي أو تعهد نخيلي بكذا من ثمره. ولو
ساقاه عند الشافعية بلفظ الإجارة لم يصح في الأصح ؛ لأن لفظ الإجارة صريح في
عقد آخر. وتصح عند الحنابلة بلفظ المساقاة والمعاملة والمفالحة، وبلفظ الإجارة، كما
تصح المزارعة بلفظ الإجارة، أي ياجارة أرض بجزء شائع معلوم، مما يخرج منها،
لأن القصد المعنى، فإذا أتى به بأي لفظ دل عليه، صح العقد، كالبيع. وتصح أيضاً
بالمعاطاة.
ويشترط عند الشافعية القبول لفظاً من الناطق، للزومها كإجارة وغيرها ،
وتصح بإشارة الأخرس المفهمة، ككتابته، دون تفصيل الأعمال فيها ، فلا يشترط
التعرض له في العقد، ويحمل المطلق في كل ناحية على العرف الغالب فيها في العمل ،
إذ المرجع في مثله إلى العرف.
- ٦٣٨ -
:

وقال الحنابلة : لا تفتقر المساقاة (ومثلها المزارعة ) إلى القبول لفظاً، بل يكفي
الشروع في العمل قبولاً كالوكالة ، كما بينا في بحث صيغة المزارعة .
المبحث الثالث - حكم المساقاة الصحيحة والفاسدة : إذا استكملت
المساقاة شرائطها ، كانت صحيحة ، وإذا اختل شرط منها كانت فاسدة .
المطلب الأول - حكم المساقاة الصحيحة :
للمساقاة الصحيحة عند الفقهاء أحكام، وأحكامها عند الحنفية ما يأتي (١):
١ - كل ما كان من أعمال المساقاة التي يحتاج إليها الشجر وحقل العنب
والرِّطاب وأصول الباذنجان، من السقي وإصلاح النهر، والحفظ والتلقيح، فعلى
العامل ، لأنها من توابع المعقود عليه.
وكل ما يحتاجه الشجر ونحوه من النفقة كالسرقين وتقليب الأرض، والجذاذ
والقطاف، فعلى العاقدين على قدر نصيبهما ، لأن العقد لم يشمله .
٢ - أن يكون الخارج بين الطرفين على الشرط المتفق عليه.
٣ - إذا لم يخرج الشجر شيئاً، فلا شيء لواحد منهما على الآخر.
٤ - العقد لازم للجانبين، فلا يملك أحدهما الامتناع عن التنفيذ، أو الفسخ من
غير رضا صاحبه، إلا لعذر، بخلاف المزارعة، فإنها غير لازمة في جانب صاحب
البذر عند الحنفية .
٥ - لصاحب الأرض إجبار العامل على العمل إلا لعذر.
٦ - تجوز الزيادة على الشرط والحط منه، وفق القاعدة المقررة في المزارعة
وهي : كل موضع احتمل إنشاء العقد، احتمل الزيادة ، وإلا فلا، والحط جائز في
(١) البدائع : ١٨٧/٦.
- ٦٣٩ -

الموضعين. فما لم يتناه عظم الثمرة في النخيل مثلاً، تجوز الزيادة من كلا الطرفين ،
لأن إنشاء العقد في هذه الحالة جائز. ولو تناهى عظم الثمرة، جازت الزيادة من
العامل لصاحب الأرض ، ولا تجوز الزيادة من صاحب الأرض للعامل ؛ لأن زيادة
العامل حط من الأجرة، ولا يشترط فيه احتمال إنشاء العقد ، وأما زيادة صاحب
الأرض فهي زيادة في الأجرة، والمحل لا يحتمل الزيادة .
٧ - لا يملك العامل مساقاة غيره، إلا إذا فوض له صاحب الأرض فقال له :
((اعمل فيه برأيك)). فلو خالف العامل، فعامل غيره على الشجر، كانت الثمرة
لصاحب الشجر، ولا أجر العامل الأول، وللعامل الثاني أجر مثل عمله على العامل
الأول .
وأحكام المساقاة الصحيحة عند المالكية : تتفق في الغالب مع مذهب
الحنفية، فقالوا (١): العمل في الحائط (بستان الشجر) ثلاثة أقسام:
أحدها - ما لا يتعلق بالثمرة : فلا يلزم العامل به بالعقد، ولا يجوز أن يشترط
عليه .
الثاني - ما يتعلق بالثمرة ، ويبقى بعدها : كحفر بئر أوعين أو ساقية، أو بناء
بيت لتخزين الثمر، أو غرس شجر، فلا يلزم العامل به أيضاً، ولا يجوز أن يشترط
عليه .
الثالث - ما يتعلق بالثمرة، ولا يبقى: فهو على العامل بالعقد، كالتقليم
والجذاذ والسقي ، وعليه أيضاً جميع المؤن من الآلات والأجراء والدواب ونفقتهم من
كل ما يلزم الشجر عرفاً، وليس على العامل تحصين الجدران ، وإصلاح مجاري المياه
إلى الأرض، ويجوز اشتراطها عليه ، لأن المذكور يسير.
(١)
القوانين الفقهية: ص ٢٧٩ ، الشرح الصغير : ٧١٧/٣ وما بعدها ، بداية المجتهد : ٢٤٤/٢ وما بعدها .
- ٦٤٠ _