النص المفهرس
صفحات 581-600
أولاً - المعدن: آ - إن كان في أرض غير مملوكة في دار الإسلام، وكان مما يقبل الطرق والسحب، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، قليلاً أو كثيراً: يكون فيه الخمس لبيت المال كالواجب في الغنيمة ، والباقي وهو الأربعة الأخماس لمن عثر عليه، كائناً من كان إلا الحربي المستأمن ، فإنه يسترد منه الكل . ودليلهم: قوله مَّ الَّةٍ: ((وفي الركاز الخمس))(١) والركاز: اسم للمعدن حقيقة، ويطلق على الكنز مجازاً؛ لأن العرب تقول: أركز الرجل: إذا أصاب ركازاً، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن(٣). وروى أبو يوسف عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله مظ لة: ((في الركاز الخمس، قيل: وما الركاز يارسول الله؟ قال: الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت))(٣) فدل النص عندهم على أن الركاز يطلق على المعدن ، فالمعدن ركاز، وعلى المال المدفون . ب - وإن كان المعدن مما لا يقبل الطرق والسحب، كالماس والياقوت وسائر الأحجار الكريمة، فلا خمس فيه، ويكون كله للواجد ؛ لأنه من جنس الأرض ، كالتراب والأحجار العادية، إلا أنها مضيئة، ولا خمس في الحجر. جـ - وإن كان المعدن مائعاً كالنفط والقير: فلا شيء فيه لبيت المال، وكله لمن وجده ؛ لأنه كالماء، ولا يقصد بالاستيلاء، فلا يعتبر كالغنائم ، التي يجب فيها الخمس . أما الزئبق : ففيه الخمس ؛ لأنه ينطبع مع غيره، وإن كان مما لا ينطبع بنفسه ، فأشبه الفضة . د - وإن وجد المعدن في أرض مملوكة لبعض الناس ، أو دار أو منزل أو حانوت ، رواه الجماعة ( أحمد والائمة الستة ) عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ١٤٧/٤، نصب الراية: ٣٨٠/٢). (١) (٢) خالفهم الجمهور في الحكم، فقالوا: لا يقال للمعدن ركاز، لحديث: ((والمعدن جبار - أي هدر - وفي الركاز الخمس)) فقد فرق بينهما بالعطف ، فدل ذلك على المغايرة . نصب الراية : ٣٨٠/٢ . (٣) - ٥٨١ - فلا خوف عند الحنفية في أن الأربعة الأخماس لصاحب الملك، وإن وجده غيره في أرضه؛ لأن المعدن من توابع الأرض ، لأنه من أجزائها التي خلق فيها . وأما الخمس فهو لبيت المال إذا كان الموجود مما يقبل الطرق والسحب عند الصاحبين، للحديث المتقدم: ((وفي الركاز الخمس)) من غير تفصيل بين الأرض المملوكة وغيرها . وعند أبي حنيفة : لا خمس فيه، على من وجده في أرضه أو داره . ثانياً - الكنز: آ - إن كان إسلامياً، بأن وجد عليه علامة الاسلام، كالمصحف والدراهم المكتوب عليها: ((لا إله إلا الله محمد رسول الله))، ووجد في أرض غير مملوكة، كالجبال والمغاور ونحوها، كان بمنزلة اللقطة، فيجب على واجده التعريف به، ثم الانتفاع به ان كان فقيراً، والتصدق به إن كان غنياً . ب- وإن كان غير اسلامي، بأن وجد عليه علامة الجاهلية أو الرومان أو الفرس، كان لبيت المال الخمس ، والباقي وهو الأربعة الأخماس للواجد، بلا خلاف عندهم . جـ - وإن كان الكنز في أرض مملوكة: وجب فيه الخمس بلا خلاف، للحديث السابق: ((وفي الركاز الخمس)). والباقي للمالك ثم لورثته عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: هو للواجد ؛ لأنه غنيمة وصل إليها قبل غيره . د - وإن وجد الكنز في دار الحرب : فإن وجد في أرض غير مملوكة لأحد، فهو للواجد، ولا خمس فيه ، لأنه مال أخذه، لا بطريق القهر والغلبة. وإن وجد في أرض مملوكة ، ففيه الخمس لبيت المال، والباقي للمالك عند أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف : للواجد ؛ لأنه مباح سبقت يده إليه، أي كما هو المقرر في دار الإسلام. - ٥٨٢ - ثالثاً - المستخرج من البحر: كاللؤلؤ والمرجان والعنبر، وكل حلية تستخرج من البحر، لاشيء فيه لبيت المال عند أبي حنيفة ومحمد، وجميعه للواجد، بدليل ماروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن العنبر، فقال : هو شيء دسره البحر، لا خمس فيه ، ولأن يد الكفرة لم تثبت على باطن البحار التي يستخرج منها اللؤلؤ والعنبر، فلم يكن الخارج منها مأخوذاً بطريق القهر لهم، فلا يكون غنيمة ، فلا خمس فيه . والعنبر: هو الطيب المعروف. وعند أبي يوسف : في كل ما خرج من البحر من الحلي والجواهر: الخمس لبيت المال، والباقي لواجده أو مستخرجه، بدليل أن عمر رضي الله عنه كتب لعامل له وجد لؤلؤة بأن فيها الخمس، وبأن الكفار كانوا يملكون الأرض كلها براً وبحراً، فيكون كل ما يصير من أموالهم إلينا غنيمة، وفي الغنائم الخمس بنص القرآن(١). وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع في الظروف الدولية الحاضرة . وذكر أبو عبيد أقوالاً مختلفة ، منها كما قال أبو حنيفة ومحمد ، ومنها قول لعمر وعمر بن عبد العزيز: أن معادن البحر كمعادن البر، فيها الزكاة إذا بلغت نصاباً(٢). المعادن عند المالكية (٣): المعدن غير الركاز، والركاز هو الكنز، والمعدن : هو ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة بعمل وتصفية . ومذهب المالكية يتفق مع النظرة الحديثة للدول في ملكية المعادن . (١) البدائع : ٦٨/٢ . (٢) الأموال : ص ٣٤٥ - ٣٤٧ . القوانين الفقهية: ص ١٠٢، الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه: ٦٥٠/١ - ٦٥٤ . (٣) - ٥٨٣ - أولاً - المعدن : ملكيته، والواجب فيه : أما ملكيته فأنواع ثلاثة : آ - إن كان في أرض غير مملوكة لأحد: فهو للإمام أي السلطان أو نائبه، يقطعه لمن شاء من المسلمين، انتفاعاً، لا تمليكاً، أو يجعله في بيت المال للمصلحة أو المنفعة العامة ، ولا يختص بشيء منه من وجد في أرضه . ب - أن يكون في أرض مملوكة لمالك معين: هو للإمام في مشهور المذهب، وقيل : لصاحب الأرض . جـ - أن يكون في أرض مملوكة لغير معين، كأرض العنوة والصلح: المعتمد أنه للإمام ، وقيل : لمن افتتحها . والخلاصة : أن المعادن الجامدة والسائلة للدولة عند المالكية في مشهور المذهب؛ لأن المعادن قد يجدها شرار الناس، فلو لم يكن حكمها للإمام، لأدى الأمر إلى الفتن والهرج . وأما الواجب في المعدن فهو الزكاة: وهي ربع العشر(١) إن كان نصاباً. فإن كان دون النصاب ، فلا شيء فيه . ولا حول في زكاة المعدن ، بل يزكى لوقته، كالزرع . ثانياً - الركاز: وهو الكنز، يختلف حكمه باختلاف الأرض التي وجد فيها. وهي أربعة أنواع : الأول - أن يوجد في الفيافي، ويكون من دفن (مدفون ) الجاهلية، فهو لواجده ، وفيه الخمس لبيت المال مطلقاً، ذهباً كان أو غيره، قل أو كثر. (١) هذا هو مقدار زكاة الذهب والفضة، كما ثبت في السنة ( نيل الأوطار: ١٣٧/٤). - ٥٨٤ - الثاني - أن يوجد في أرض مملوكة: قيل : يكون لواجده، وقيل: يكون لمالك الأرض . الثالث - أن يوجد في أرض فتحت عنوة : قيل : لواجده، وقيل للذين افتتحوا الأرض . الرابع - أن يوجد في أرض فتحت صلحاً : قيل : لواجده ، وقيل : لأهل الصلح . وهذا كله ما لم يكن بطابع المسلمين . فإن كان بطابع المسلمين فحكمه حكم اللقطة، يعرّف سنة إذا لم يعلم صاحبه أو وارثه، فإن لم يعرف فمحله هو بيت مال المسلمين . والخلاصة : أن في الركاز الخمس لبيت المال، وباقيه لواجده إن لم تكن الأرض مملوكة. فإن كانت مملوكة ، فلمالك الأرض الأصلي الذي ملكها بإحياء ثم لوارثه، لا لمالكها الحالي مطلقاً سواء ملكها بشراء أوهبة. هذا إن علم المالك الأصلي (البائع الأصلي أو الواهب)، والا فلقطة. المعادن عند الشافعية والحنابلة (١): آ - المعدن غير الركاز عندهم. فالمعدن : هو ما تولد من الأرض، وكان من غير جنسها فهو جزء من الأرض. والركاز: هو دفين الجاهلية أو من تقدم من الكفار. ويفرقون بين نوعين فيها وهي المعادن الظاهرة: وهي ما برزت بلا عمل، ويتوصل إليها بلا مؤنة أي لا تحتاج لعزل عن غيرها ، وإنما العمل والجهد في تحصيلها ، كالنفط والقار والملح والكبريت . مغني المحتاج: ٣٩٤/١ - ٣٩٦، المهذب: ١٥٧/١ وما بعدها، ٤٢٥، نهاية المحتاج: ٢٥٣/٤، الأحكام السلطانية (١) للماوردي: ص ١٨٩ وما بعدها. المغني: ١٧/٣ - ٢٧، ٥٢٠/٥ - ٥٢٤، ٥٤٤، كشاف القناع: ٢٥٩/٢ - ٢٦٥، ٢٠٨/٤ وما بعدها، ٢١٦ وما بعدها ، الأحكام السلطانية لابي يعلى: ص ٢١٩ وما بعدها . - ٥٨٥ - والمعادن الباطنة : وهي التي تحتاج لاستخراجها إلى عمل ومؤنة كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ، أي تحتاج لفصلها عن غيرها لاختلاطها بالتراب . ب - والمعادن الظاهرة: لا يجوز إقطاعها لأحد من الناس سواء إقطاع تمليك أو إقطاع ارفاق، بل هي للجميع، ينتفعون بها، ولا تملك بإحياء أرض موات، وجدت فيها، عند الشافعية ، وفي الأظهر عند الحنابلة ؛ لأن هذه الأمور مشتركة بين الناس، مسلمهم وكافرهم كالماء والكلأ، كما في الحديث ((الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأً والنار)) ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم يملكها من أحيا الأرض بملك الأرض، كالكنز؛ ولأنه مُِّالتّ أقطع رجلاً ملح مأرب، فقال رجل: يا رسول الله، إنه كالماء العدّ (أي الماء الجاري العذب) قال: فلا ، إذن(١). والمعادن الباطنة: لا يملكها بمجرد الحفر والعمل من كشفها وأحياها في الأظهر عند الشافعية، وظاهر المذهب عند الحنابلة، كالمعدن الظاهر؛ لأن إحياء الأرض الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المحيا للانتفاع من غير تكرار عمل. وهذا أي حفر المعدن : حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فمجرد الاكتشاف لا يكون سبباً لملك المعادن . جــ ومن أحيا أرضاً مواتاً، فملكها بذلك، فظهر فيها معدن باطن كالذهب أو الفضة، ملكه عند الشافعية؛ لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها ، ومن أجزائها المعدن ، بخلاف الركاز أو الكنز، فإنه مودع فيها للنقل عنها . أما المعدن الظاهر، فلا يملك كما عرفنا بالإحياء عند الشافعية ؛ لأنه حق للجميع(٣). وقال الحنابلة(٣): من أحيا أرضاً مواتاً، فملكها ، فيملك المعادن الجامدة ؛ لأنه (١) رواه الترمذي وأبو داود وباقي أصحاب السنن الأربعة ، وصححه ابن حبان عن ابيض بن حمال ( نيل الأوطار: ٣١٠/٥) . (٢) مغني المحتاج : ٣٧٢/٢ - ٣٧٣ . (٣) المغني : ٥٢٢/٥. - ٥٨٦ _ ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها ، وهذا المعدن منها ، فدخل في ملكه على سبيل التبعية. وأما المعادن الجارية كالنفط والقار والماء، فأظهر الروايتين عندهم أن محبي الأرض لا يملكها ؛ لأن الناس شركاء فيها، لحديث ((الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار)»(١). د۔ ومن سبق في الموات إلی معدن ظاهر أو باطن ، فهو أحق بما ینال منه دون أن يملكه، لقول النبي ◌َ ◌ّة: ((من سبق إلى مالم يسبق إليه مسلم، فهو له)) رواه أبو داود . والخلاصة: أن المعادن الظاهرة للدولة في ظاهر المذهب عند الشافعية والحنابلة. وأما المعادن الباطنة فلا يملكها مكتشفها، وتكون للدولة أيضاً. فإن ظهرت المعادن في أرض أحياها شخص ، فيملك المحبي المعدن الباطن عند الشافعية . ويملك عند الحنابلة فقط المعدن الجامد دون السائل . هـ - أما الواجب في المعدن: فهو ربع العشر، إن كان ذهباً أو فضة فقط عند الشافعية، وكذلك إن كان من غيرهما وبلغت قيمته نصاباً عند الحنابلة . 5 و- وأما الكنز: وهو دفين الجاهلية، فيجب فيه الخمس في بيت المال، والباقي إن وجد بأرض مملوكة، فهو عند الشافعية والحنابلة لمالك الأرض بيمينه إن ادعاه، وإلا فهو لمن ملك منه أي لمن سبقه من المالكين . أما إن وجد في موات أو ملك أحياه، فهو لواجده . وإن كان الكنز إسلامياً، وعلم مالكه، فهو له، وإلا فهو لقطة. وكذلك إن جهل كونه اسلامياً أم جاهلياً، هو لمالكه إن عرف، وإلا فهو لقطة. وهذا باتفاق الشافعية والحنابلة . (١) والرواية الثانية : يملكها لانها خارجة من أرضه المملوكة له ، فأشبهت الزرع والمعادن الجامدة. وقد مشى القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية ( ص ٢٢٠ ) على هذه الرواية . - ٥٨٧ - الفصل الرابع حقوق الارتفاق الكلام فيها في مبحثين : المبحث الأول - تعريف حق الارتفاق، والفرق بينه وبين حق الانتفاع، ووصفه الفقهي ، وأحكامه العامة؟ المبحث الثاني - أنواع حقوق الارتفاق. 8 المبحث الأول - تعريف حق الارتفاق، والفرق بينه وبين حق الانتفاع ، ووصفه الفقهي وأحكامه العامة. أولاً - تعريف حق الارتفاق: الارتفاق في اللغة: الانتفاع بالشيء. وشرعاً هو أحد أنواع الملك الناقص(١). وهو حق عيني (٢) قصر على عقار، لمنفعة عقار آخر مملوك لغير الأول، أيا كان شخص المالك، كإجراء الماء من أرض الجار، أو تصريف (١) الملك كما هو معروف نوعان: ملك تام: وهو ملك الرقبة (ذات الشيء) والمنفعة. وملك ناقص: وهو ملك المنفعة . وملك المنفعة : قد يكون حقا شخصيا للمنتفع أي يتبع شخصه ، لا العين المملوكة ، وقد يكون حقا عينيا ، أي تابعا للعين المملوكة دائما ، فينتقل من شخص إلى آخر . الحق في اصطلاح القانونيين نوعان : حق عيني وحق شخصي . فالاول : هو علاقة مباشرة بين شخص وشيء (٢) معين بذاته ، مثل حق الملكية وحق الارتفاق . وحر شخصي : هو علاقة شرعية بين شخصين ، احدهما يكون مكلفا بعمل ، والآخر بالامتناع عن عمل ، كعلاقة لدائن والمدين ، يكلف المدين بأداء الدين ، وهذا عمل ، وعلاقة المودع بالوديع ، فللاول حق على الوديع في ألا يستعمل الوديعة ، وهذا امتناع عن عمل . - ٥٨٨ _ ....... الماء الملوث في مصرف معين ، أو المرور في أرض الغير، أو البناء فوق دار غيره (حق التعلي)، سواء أكانت الأرض المرتفق بها مملوكة ملكاً عاماً أم خاصاً، وبقطع النظر عن شخصية مالك العقار المرتفق، والمرتفق به، ولذا وصف حق الارتفاق بأنه ((حق عيني)» فلو كان العقاران لمالك واحد، لم يثبت حق الارتفاق . ثانياً - الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع : كل من هذين الحقين من أنواع الحقوق العينية لا الشخصية، لكن يظل بينهما فروق(١). ١ - إن حق الارتفاق مقرر لعقار. وأما حق الانتفاع فهو مقرر لشخص . فحق المرور من أرض إلى أخرى حق مقرر للأرض الثانية ، فينتفع به كل مالك لها، ولا يقتصر الانتفاع به على شخص معين . أما حق الانتفاع فإنه خاص بشخص المنتفع ، فإذا مات انتهى حقه ، سواء أكان ناشئاً بين الأحياء كالإجارة والإعارة، أم بين ميت وحي كالوصية والوقف . ٢ - يكون حق الارتفاق مقرراً دائماً على عقار، ولذا تقل به قيمته عن الأرض الخالية من مثل هذا الحق . أما حق الانتفاع فقد يتعلق بالعقار، كأرض أعيرت ، وقد يتعلق بالمنقول مثل كتاب أعير. ٣ - حق الارتفاق دائم لا ينتهي بوقت، فيورث باتفاق المذاهب. أما حق الانتفاع فهو مؤقت ينتهي بموت شخص المنتفع كالموصى له بمنفعة أرض . ثالثاً - وصفه الفقهي : حق الارتفاق عند الحنفية ليس مالاً ، وإنما هو حق مالي يسوغ لمالكه الانتفاع (١) راجع مختصر أحكام المعاملات الشرعية لاستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص ١٥ - ١٦ . - ٥٨٩ _ به. ويترتب على كونه ليس مالاً عند الحنفية (١): أنه لا يجوز بيعه مستقلاً عن الأرض، وإنما يباع تبعاً لها ، ولا يجوز هبته أو التصدق به؛ لأنه تمليك، والحقوق المجردة لاتحتمل التمليك. ولا يجوز أيضاً الصلح عليه في دعوى تتعلق بالمال أو الحق في القصاص في النفس وما دونها؛ لأن الصلح في معنى البيع أي المبادلة المالية، والبيع لا يجوز. ولا يصح جعله مهراً في عقد الزواج ؛ لأنه يترتب عليه التمليك، وحق الارتفاق لا يقبل التمليك، وإنما يجب في هذه الحالة مهر المثل . كما لا يصح جعله بدل الخلع ، بأن اختلعت المرأة نفسها عليه ؛ لأن بذل العوض تمليك ، والارتفاق لا يحتمل التمليك . ويجب على المرأة حينئذ رد المأخوذ من المهر. ويترتب على كونه حقاً مالياً(٢) : أنه يمكن أن يورث؛ لأن الإرث عند الحنفية يجري في الأموال وفي بعض الحقوق كخيار العيب . ويصح أن يوصى بالانتفاع به، كالإيصاء لرجل بأن يسقي أرضه مدة معلومة من حق الشرب لفلان. والإيصاء كالارث يصح في الأموال والحقوق ، لكن إذا مات الموصى له تبطل الوصية . ويصح بيع الأرض دون حق الارتفاق، ولا يدخل حق الارتفاق كحق الشِرْب مثلاً في بيع الأرض إلا بالنص عليه صراحة، أو بذكر ما يدل عليه، كأن يقول البائع : بعت الأرض بحقوقها أو بمرافقها ، أو كل قليل وكثير حولها . (١) البدائع: ١٨٩/٦ - ١٩٠، تبيين الحقائق: ٤٣/٦. (٢) المرجعان السابقان ، الدر المختار : ٣١٦/٥. - ٥٩٠ - -------- رابعاً - أحكام حق الارتفاق العامة : لحقوق الارتفاق أحكام عامة وخاصة ، أما الخاصة فتذكر مع أنواع الارتفاقات وأما الأحكام العامة فمنها ما يأتي : ١ - يجب ألا يؤدي استعمالها إلى الإضرار بالغير عملاً بقاعدة: ((لاضرر ولا ضرار))، فلا يجوز للمار بأرض غيره إلحاق الأذى بغيره. وليس لمن يسقي أرضه بحق الشرب مثلاً أن يسرف في الماء بحيث يضر بمن تحته من المنتفعين بمجرى الماء. ٢ - إما أن تثبت حقوق الارتفاق على أملاك عامة أو خاصة. أما الأملاك العامة: فمثل الأنهار الكبيرة كالنيل ودجلة والفرات ، أو الطرق والمرافق العامة كالقناطر والجسور التي لا تختص بأحد. وحق الارتفاق المقرر عليها ثابت للناس جميعاً، بلا إذن من أحد عند غير أبي حنيفة(١) وأما الأملاك الخاصة بفرد أو أفراد فلا يثبت حق الارتفاق عليها إلا بإذن المالك . وإذا لم يعرف سبب حق الارتفاق ، يترك لصاحبه حق الانتفاع به، ويفترض كونه قديماً حادثاً بسبب مشروع عملاً بقاعدة ((القديم يترك على قدمه)) بشرط ألا يكون ضاراً بالغير كالمسيل القذر الذي يلوث ماء بئر الجيران، أو النافذة المنخفضة التي تطل على مقر نساء الجار، فيجب إزالة منشأ الضرر، عملاً بقاعدة أخرى هي قيد في سابقتها وهي: ((الضرر لا يكون قديماً))(٢). (١) عبارة الشافعية في ذلك : منفعة الشارع المرور، ويجوز الجلوس به لاستراحة ومعاملة ونحوهما ادا لم يضيق على المارة ، ولا يشترط أذن الامام ( المنهاج للنووي مع مغني المحتاج: ٣٦٩/٤). (٢) أنظر المدخل الفقهي العام للاستاذ الزرقاء : ف ٥٩٦ وما بعدها . - ٥٩١ - المبحث الثاني - أنواع حقوق الارتفاق : حقوق الارتفاق المهمة عند الحنفية تنحصر في ستة هي : حق الشرب ، والطريق، والمجرى، والمسيل ، والتعلي، والجوار، ولا يجوز عند الحنفية إنشاء حقوق ارتفاق أخرى؛ لأن في إنشائها تقييداً للملكية ، والأصل فيها ألا تقبل تقييداً، وما قیدت به هو استثناء، لا يتوسع فيه . ورأي المالكية أنها غير محصورة فيما ذكر، فيجوز إنشاء حقوق ارتفاق أخرى بالإرادة، كأن يلتزم شخص ألا يقيم في ناحية من أرضه بناء أو يغرس شجراً، أو ألا يرتفع إلى ارتفاع معين(١) . المطلب الأول - حق الشرب : معناه، أنواع المياه، وحكم ملكية كل نوع، الأحكام العامة للانتفاع بالمياه، کري الأنهار. أولاً - معنى حق الشرب : الشرب (بكسر الشين) في اللغة : النصيب من الماء، قال صالح عليه السلام فيما قصه الله في القرآن: ﴿هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾. ويطلق أيضاً على زمن الشرب. ويستعمله الشرعيون في المعنيين . فالشرب في الشرع : النصيب من الماء لسقي الزرع والأشجار. وهذا عند أكثر الفقهاء. وقد يستعمل في نوبة الانتفاع بالماء أو زمن الانتفاع لسقي الشجر أو الزرع . ويلحق به حق الشفة : وهو حق الشرب ( بضم الشين) : وهو ما يخص الانسان (١) الحق والالتزام للاستاذ الشيخ علي الخفيف: ص ٦٤، الأموال ونظرية العقد، يوسف موسى: ص ١٧١ وما بعدها . - ٥٩٢ - والحيوان من الماء لشربه. ويراد به تحقيق حاجة الانسان إلى الماء لشربه وشرب دوابه . ثانياً - أنواع المياه بالنسبة لحق الشرب والشفة: المياه تنقسم باعتبار هذين الحقين إلى أنواع أربعة : الماء المحرز في أوان خاصة، ماء العيون والآبار ونحوها ، ماء الأنهار أو الجداول الخاصة ، ماء الأنهار العامة . النوع الأول - الماء المحرز في أوان خاصة: هو ماحازه صاحبه في آنية أو ظروف خاصة كالجرار والصهاريج والحياض والأنابيب، ومنه مياه الشركات في المدن المتخصصة لتأمين ماء الدور. وهذا الماء ملك خاص لمن أحرزه، بالاستيلاء عليه ككل مباح يمتلك بإحرازه. فليس لأحد حق الانتفاع به إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه بيعه أو التصرف به كما يشاء(١)، فقد روي عن النبي ماقر أنه ((نهى عن بيع الماء إلا ماحمل منه))(٣). وقد خصص حديث المنع من بيع فضل الماء(٣) بالقياس على جواز بيع الحطب إذا أحرزه الحاطب، لحديث الرجل الذي أمره النبي عد ◌ّ بالاحتطاب ليستغني به عن السؤال(9) . وبالرغم من كون هذا الماء مملوكاً لصاحبه، فيجوز للمضطر الذي خاف على نفسه الهلاك من العطش: أن يشرب منه أو يأخذ منه حاجته، ولو بالقوة ، ليدفع الهلاك عن نفسه إذا كان فاضلاً عن حاجة صاحبه ، بأن كان يكفي لحفظ رمقهما ، ولم (١). البدائع: ١٨٨/٦ وما بعدها، تبيين الحقائق. ٣٩/٦، تكملة الفتح: ١٤٤/٨ وما بعدها، الدر المختار : ٣١١/٥ - ٣١٣، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩، المهذب: ٤٢٧/١، المغني: ٥٣٦/٥ وما بعدها ، كشاف القناع : ٢٢٢/٤، الخراج لابي يوسف: ص ٩٥ ، ٩٧ . (٢) الاموال لابن سلام : ص ٣٠٢ . رواه أحمد وأصحاب السنن الا ابن ماجه ، وصححه الترمذي عن اياس بن عبد . (٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة . (٤) - ٥٩٣ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٨) يجد المضطر ماء آخر، ولكن يجب عليه دفع قيمة الماء؛ لأن ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)) أو أن حل الأخذ للاضطرار لا ينافي الضمان. والأولى أن يقاتله بغير سلاح كالعصا ؛ لأنه ارتكب معصية ، فكان ذلك كالتعزير له . النوع الثاني - ماء العيون والآبار والحياض: وهو الذي يستخرجه الشخص لنفسه: وحكمه عند الحنفية(١): أنه ليس بمملوك لصاحبه، بل هو مباح في نفسه ولصاحبه حق خاص فيه، سواء أكان في أرض مباحة، أو مملوكة؛ لأن الماء في الأصل مباح لجميع الناس، لقوله عَ ◌ّ: ((الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)»(٢). وعليه، فإنه يثبت فيه حق الشفة ، دون حق الشرب ، فالأول لا يختص بشخص دون آخر، فهو لمستحقه ، ولغيره من الناس، يأخذون منه حاجتهم لشربهم وشرب دوابهم واستعمالهم المنزلي . فإن أبى صاحبه، كان للمحتاج أخذه جبراً، ولو بالقوة، وله أن يقاتله بسلاح؛ لأن الماء في البئر مباح غير مملوك، ولكن يشترط ألا يجد المحتاج ماء آخر قريباً منه. والدليل لحق المحتاج: أن قوماً سَفْرا وردوا ماء، فطلبوا من أهله السماح لهم بالشرب منه، وبسقي دوابهم التي كادت أن تهلك من العطش، فأبوا، فذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ((هلا وضعتم فيهم السلاح))(٣). ويلاحظ أن حكم هذين النوعين متشابه تقريباً إلا أن الأول ملك لصاحبه، (١) المراجع السابقة . روي من حديث رجل عن أبي داود ، ومن حديث ابن عباس باسناد جيد عن ابن ماجه ، ومن حديث ابن (٢) عمر عند الطبراني في معجمه ( نصب الراية: ٢٩٤/٤) ورواه أحمد أيضا. وجاء في حديث آخر («لا يُمنع فضل الماء)» وهو أن يسقي الرجل أرضه، ثم تبقى من الماء بقية لايحتاج إليها ، فلا يجوز له أن يبيعها ولا يمنع منها أحد ينتفع بها ، هذا إذا لم يكن الماء مِلكَه ، أو على قول من يرى أن الماء لا يُملك . (٣) الخراج لابي يوسف : ص ٩٧ . - ٥٩٤ - والثاني غير مملوك ، وللمضطر الذي يخاف الضرر على نفسه أن يأخذ الماء الفائض عن الحاجة، ولو بالقوة، لكن في النوع الأول بغير سلاح، وفي الثاني يجوز استخدام السلاح. ويتجلى في هذا النوع صفة حق الارتفاق بنحو أوضح من غيره . وقال الشافعية في الأصح عندهم(١): يملك الشخص ماء البئر المحفورة في الأرض الموات للتملك، أو المحفورة في ملك خاص ؛ لأنه نماء ملكه، كالثمرة واللبن والشجر النابت في ملكه . ولا يلزم المالك عند الشافعية بذل ما فضل عن حاجته لزرع وشجر، ويجب بذل الفاضل منه عن شربه وشرب ماشيته، وزرعه، لشرب غيره من الآدميين ولماشية غيره، على الصحيح لحرمة الروح، ولخبر الصحيحين: ((لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلا)) أي من حيث إن الماشية إنما ترعى بقرب الماء، فإذا منع من الماء فقد منع من الكلا، والمراد: هو نفع البئر المباحة ، أي ليس لأحد أن يغلب عليه، ويمنع الناس منه، حتى يحوزه في إناء و يملكه . النوع الثالث - ماء الأنهار الخاصة : وهو ماء الأنهار أو الجداول الصغيرة الخاصة المملوكة لبعض الناس، وحكمه كالنوع الثاني (٢): يثبت لكل أحد فيه حق الشفة، لا حق الشرب ، فلكل إنسان الحق في الانتفاع به لنفسه ودوابه وإن لحق به ضرر يسير؛ لأن «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)»، ولكن ليس له أن يسقي منه زرعه وشجره، إلا بإذن صاحبه، فلصاحبه أن يمنع الغير من سقي الزرع والأشجار (حق الشرب) لأن له في مائه حقاً خاصاً . (١) مغني المحتاج : ٣٧٥/٢ . البدائع: ١٨٩/٦، الدر المختار ورد المختار: ٣١١/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣٩/٦، الخراج لأبي يوسف : (٢) ص ٩٥ ، تكملة الفتح: ١٤٥/٨، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩ ، المهذب: ٤٢٧/١ وما بعدها، المغني : ٧٩/٤ ، ٥٣٦/٥، كشاف القناع: ٢٢١/٤، نهاية المحتاج: ٢٥٧/٤ ، مغني المحتاج: ٣٧٥/٢ . - ٥٩٥ - ولا يجوز لصاحبه عند الحنفية بيع حق الشرب منفرداً ، بأن باع شرب يوم ، أو أكثر؛ لأنه عبارة عن حق الشرب والسقي ، والحقوق لا تحتمل عندهم الإفراد بالبيع والشراء. فلو باع الأرض مع الشرب، جاز تبعاً للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعاً لغيره، وإن كان لا يجوز بيعه مستقلاً عن غيره. ولا يدخل الشرب في بيع الأرض - كما أشرنا سابقاً - إلا بالتسمية صراحة، أو بذكر ما يدل عليه، بأن يقول: بعتها بحقوقها أو بمرافقها. لكنهم أجازوا بيع الماء المعلوم القدر المحرز أو المملوك، للشرب، لا للشفة ( شرب الإنسان والحيوان ). كذلك أجاز المالكية والشافعية والحنابلة بيع الماء المملوك مستقلاً عن الأرض، ولكن يستحب لصاحبه أن يبذله بغير ثمن . ولا يجير على بذله، إلا أن يكون قوم اشتد بهم العطش فخافوا الموت، فيجب عليهم سقيهم (حق الشفة)، فإن منعهم ، فلهم أن يقاتلوه على منعه . وصرح الشافعية بأنه يشترط في بيع الماء تقديره بكيل أو وزن ، لا بريّ الماشية أو الزرع(١). النوع الرابع - ماء الأنهار العامة : وهو الذي يجري في مجار عامة غير مملوكة لأحد، وإنما هي للجماعة، مثل النيل ودجلة والفرات ونحوها من الأنهار العظيمة . وحكمه(٢): أنه لا ملك لأحد في هذه الأنهار، لا في الماء ولا في المجرى ، بل هو حق للجماعة كلها ، فلكل واحد حق الانتفاع بها، بالشفة (سقي نفسه ودوابه ) والشرب (سقي زروعه وأشجاره)، وشق الجداول منها، ونصب الآلات عليها لجر (١) (٢) نهاية المحتاج : ٢٥٧/٤ . البدائع: ١٩٢/٦، تبيين الحقائق: ٣٩/٦، تكملة الفتح: ١٤٤/٨، الدر المختار: ٣١١/٥، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩، المهذب: ٤٢٨/١، المغني: ٥٣١/٥، نهاية المحتاج: ٢٠٥/٤ ، مغني المحتاج: ٣٧٣/٢. - ٥٩٦ - الماء لأرضه، ونحوها من وسائل الانتفاع بالماء، وليس للحاكم منع أحد من الانتفاع بكل الوجوه، إذا لم يضر الفعل بالنهر أو بالغير أو بالجماعة. كما هو الحكم المقرر بالانتفاع في الطرق أو المرافق العامة . فإذا أضر، فلكل واحد من المسلمين منعه أو الحد من تصرفه لإزالة الضرر؛ لأنه حق لعامة المسلمين ، وإباحة التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر، كالانتفاع بالمرافق العامة، إذ لا ضرر ولا ضرار. والدليل على كون هذه الأنهار غير مملوكة الأحد، وإنما الحق فيها مشاع للجميع: هو قوله عليه الصلاة والسلام: ((الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار))(١) وفي رواية ((والملح)) وشركة الناس فيها شركة إباحة ، لا شركة ملك، لعدم إحرازها ، فهم سواء في الانتفاع بها ومنها الماء العام، فيثبت لهم حق الشرب . ثالثاً - الأحكام العامة لحق الشرب أو الانتفاع بالمياه : للانتفاع بالمياه أحكام عامة أهمها ما يأتي(): ° أ - المحافظة على حافة البئر أو العين أو النهر (مجرى الماء مطلقاً): فإن لم يفعل كان لصاحب المجرى منعه من الانتفاع، دفعاً للضرر عنه، عملاً بالحديث النبوي : ((لا ضرر ولا ضرار)). ومن الضرر تسرب الماء إلى أرض الجار على وجه غير معتاد، وعليه الضمان إذا كان متعدياً. قال الحنفية: ولا يضمن من ملأ أرضه ماء، فنزت أرض جاره أو غرقت ، أي في حال السقي المعتاد الذي تتحمله الأرض عادة ، لأنه المراد بالماء : ما ليس بمحرز، فإذا أحرز فقد ملك، فخرج من أن يكون مباحاً ، كالصيد إذا أحرز ، فلا (١) يجوز لأحد أن ينتفع به حينئذ إلا بإذنه . والمراد بالكلاً: الحشيش الذي ينبت بنفسه من غير أن ينبته أحد ، ومن غير أن يزرعه ويسقيه ، فيلكه من قطعه وأحرزه ، وإن كان في أرض غيره . والمراد بالنار : الاستضاءة بضوئها ، والاصطلاء بها، والإيقاد من لهبها، وليس لصاحبها أن يمنع من ذلك إن كانت في الصحراء ، بخلاف مالو أراد غيره أن يأخذ الجمر ، لأنه ملكه ، ويتضرر بذلك ، فكان له منعه كسائر أملاكه ، إلا إذا لم يكن له قيمة ( تبيين الحقائق : ٣٩/٦ ). انظر الأموال ونظرية العقد في الفقه الإسلامي للدكتور محمد يوسف موسى : ص ١٧٥ وما بعدها . (٢) - ٥٩٧ - متسبب غير متعد، فإن كان السقي غير معتاد ، ضمن وعليه الفتوى(١). ب - يجب على المنتفع إمرار الماء من طريق عام إن وجد، فإن لم يوجد، كان على صاحب الطريق الخاص الإذن بإمرار الماء، أو إخراج حاجته من الماء، لقول عمر رضي الله عنه لمحمد بن مَسْلَمة حينما شكاه الضحاك بن خليفة الذي أراد إمرار ماء من أرض ابن مَسْلمة: ((والله، ليمرَّن به، ولو على بطنك))(٢). ج - حق الشرب يورث، وتصح الوصية بالانتفاع به، حتى عند الحنفية، الذين يرون عدم توارث الحقوق والمنافع إلا ما استثني، ويجوز بيعه تبعاً للأرض ، لا مستقلاً منفرداً عنها عند الحنفية، كما أوضحنا سابقاً؛ لأنه مجهول الكمية، وبيع المجهول لا يصح لما فيه من الضرر أو الظلم، ولأن الحقوق عند الحنفية ليست بمال متقوم في ظاهر الرواية، فلا تقبل الإفراد بالبيع أو الهبة أو الإجارة أو التصدق بها(٣). والأولى الأخذ برأي غير الحنفية القائلين بجواز التصرف في الحقوق والمنافع ؛ لأنها أموال متقومة ، في عرف الناس . د - إذا كان الماء مملوكاً لشخص واحد، كان له حق الانتفاع به كيفما شاء، فإن كان الماء لجماعة مشتركة أو أناس كثيرين ، وزع بينهم بالعدل ، إما بالمناوبة الزمانية (المهايأة): بأن يستقل واحد بالماء في زمن معين. وإما بالكوى، أي بفتحات جانبية للماء إلى المزارع والجداول، بما يتناسب ومساحة أرض كل منتفع بهذا الماء. وهذا رأي الشافعية أيضاً(٤). ومقتضى العدل في التوزيع : أنه إذا كان نهر بين قوم، واختصموا في الشرب، كان الشرب بينهم على قدر مساحة أراضيهم، كما بينا؛ لأن تكملة الفتح: ١٤٩/٨ ، الدر المختار : ٣١٧/٥. (١) (٢) تنوير الحوالك شرح الموطأ : ٢١٨/٢ وما بعدها . (٣) الدر المختار : ٣١٦/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٤٣/٦، تكملة الفتح: ١٥٠/٨، البدائع: ١٨٩/٦. (٤) المهذب: ٤٢٨/١، مغني المحتاج: ٣٧٥/٢ . - ٥٩٨ - المقصود هو الانتفاع بسقي الأراضي، فيقدر حقهم بقدرها، بخلاف الطريق ؛ لأن المقصود منه هو المرور، وهو لا يختلف قدره سعة وضيقاً . كما أن مقتضى العدل أيضاً أن يتم تغيير التوزيع برضا الجميع، فليس لمشترك بلا رضاهم أن يشق جدولاً من النهر، أو ينصب عليه رحى، أو آلة نزح، أو جسراً، أو يوسع فى النهر، أو أن يقسم بالأيام بعد أن كانت القسمة بالفتحات أو أن يسوق نصيبه إلى أرض أخرى ليس لها فيه شرب ؛ لأن القديم يترك على قدمه لظهور الحق فيه، ولأنه يمنع الضرر بالآخرين ، وفي التوسعة وغيرها إضرار بهم (١). هـ - يصح رفع دعوى الشِرْب بغير أرض استحساناً عند الحنفية(٢)؛ لأن الشرب مرغوب فيه، منتفع به، ويمكن أن يملك بغير أرض بالإرث، أو الوصية، ولأنه قد تباع الأرض دون الشرب فيبقى الشرب وحده، فإذا استولى عليه غيره، كان له أن يدفع الظلم عن نفسه ، بإثبات حقه بالبينة . و- ينتفع الناس بماء الأمطار أو السيول أو النهر الصغير الذي يزدحم الناس فيه : بأن يبدأ بالأعلى ، فيسقي أرضه، حتى يصل إلى الكعب (النهاية)، ثم يرسله إلى من يليه، فيسقي ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه، فيفعل كذلك، وهلم جرا إلى آخره (٣)، لحديث عبادة: ((أن النبي ◌ُ ◌ٍّ قضى في شرب النخل من السيل : أن الأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين ، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط، أو يفنى الماء))(٤). ٠ وروى عبد الله بن الزبير: أن الزبير ورجلاً من الأنصار تنازعا في شراج الدر المختار: ٣١٥/٥ وما بعدها، تبيين, الحقائق: ٤٢/٦، تكملة الفتح: ١٤٨/٨ وما بعدها ، نهاية المحتاج : (١) ٢٥٨/٤ ، المهذب: ٤٢٨/١، المغني : ٥٣٣/٥ - ٠٥٣٦ (٢) الدر المختار : ٣١٤/٥، تبيين الحقائق: ٤٠/٦، تكملة الفتح: ١٤٧/٨ . (٣) المهذب: ٤٢٨/١، مغني المحتاج: ٣٧٣/٢، كشاف القناع: ٢١٩/٤ وما بعدها، المغني : ٥٣١/٥. رواه ابن ماجه ، وعبد الله بن أحمد . ورواه أبو داود بإسناد حسن . (٤) - ٥٩٩ - الحرة (١) التي يسقى بها النخل، فقال الأنصاري للزبير: سرِّح الماء، فأبى الزبير، فاختصما إلى رسول الله - الثرٍ، فقال رسول الله ماتم للزبير: اسق أرضك، ثم أرسل الماء إلى أرض جارك. فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله، فتلوَّن وجه رسول الله مؤ لٍّ، فقال: يا زبير، اسق أرضك، إلى أن يبلغ الجذر)) قال الزبير: فوالله، إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه: ﴿فلا، وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾(٢). وروى مالك في الموطأ أيضاً عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه بلغه: أن رسول الله مَ اتٍ قال في سيل مهزور ومذينب: « يمسك حتى الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل)) (٣) رابعاً - كري الأنهار التي يكون منها الشرب : الكري : إخراج الطين من أرض النهر، وحفره، وإصلاح ضفتيه. ويلحق به إصلاح الجسور ونحوها . ومؤنة الكري أي نفقته بحسب نوع النهر، والأنهار أنواع ثلاثة(٤): الأول : النهر العام غير المملوك لأحد، كالفرات والنيل : نفقة كريه وإصلاحه من بيت مال المسلمين ، من الخراج والجزية، دون العشور والصدقات؛ الحرة : أرض في المدينة ذات حجارة سود . والشراج جمع شرج ، والشرج : نهر صغير . (١) (٢) متفق عليه في الصحيحين ، ورواه مالك في موطئه عن عبد الله بن الزبير (جامع الأصول: ٥٦٥/١٠) والمراد بقوله: (( احبس الماء حتى يبلغ الجذر)): أن يصل مبلغ تمام الشرب ، من جذر الحساب : أصل كل شيء . وقيل: أراد أصل الحائط. ويلاحظ أن رواية الحديث بالدال: ((يرجع إلى الجذر)) أي الكعبين . (٣) تنوير الحوالك : ٢١٧/٢ . تكملة الفتح : ٤٦/٨ وما بعدها، الدر المختار: ٣١٣/٥ وما بعدها ، البدائع : ١٩١/٧ وما بعدها ، تبيين (٤) الحقائق : ٤٠/٦ وما بعدها . - ٦٠٠ -