النص المفهرس
صفحات 561-580
٣ - أن تكون الأرض عند الشافعية في بلاد الإسلام: فإن كانت في دار الحرب فللمسلم إحياؤها إن كانت مما لا يمنعها أهلها عن المسلمين ، فإذا منعوها أو دفعوا المسلمين عنها ، فلا يملكها المسلم بالاستيلاء(١). ولا فرق عند الجمهور غير الشافعية بين دار الحرب ودار الإسلام لعموم الأخبار، ولأن عامر دار الحرب إنما يملك بالقهر والغلبة كسائر أموالهم(٢). المطلب الثالث - شروط الإحياء الذي يثبت به الملك : يشترط في الإحياء الذي يثبت به الملك شرطان في بعض الآراء : ١ - أن يكون الإحياء عند أبي حنيفة(٢) بإذن الحاكم، لحديث: ((ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه))(٤)، فإذا لم يأذن لم تطب نفسه به، ولأن هذه الأراضي كانت في أيدي الكفرة ، ثم صارت في أيدي المسلمين، فهي فيء، والإمام هو المختص بتوزيع الفيء، كالغنائم، ومثل إعطاء السَّلَب للقاتل في قوله عليه الصلاة والسلام: ((من قتل قتيلاً فله سَلَبه)) (٥) فهذا تصرف من الرسول عَ لّ بطريق الإمامة والسياسة، لا بطريق الشرع والنبوة . وقال المالكية(٦): إذا كانت الأرض قريبة من العمران، افتقر إحياؤها إلى إذن الإمام ، بخلاف البعيدة من العمران . (١) مغني المحتاج : ٣٦٢/٤ . (٢) المغني : ٥١٥/٥ ، المراجع السابقة . البدائع: ١٩٤/٦ وما بعدها، الهداية مع التكملة: ١٣٦/٨، تبيين الحقائق: ٣٥/٦، الدر المختار: ٣٠٧/٥ ، ١ : (٣) الخراج لأبي يوسف : ص ٦٤ . رواه الطبراني، وفيه ضعف من حديث معاذ ( نصب الراية: ٤٣٠/٣، ٢٩٠/٤). (٤) (٥) أخرجه الجماعة إلا النسائي عن أبي قتادة الأنصاري ( نصب الراية: ٤٢٨/٢). والسلب: ما يكون مع القتيل من سلاح وآلات وثياب ونقود وخيل ونحوها . القوانين الفقهية: ص ٢٣٩ ، الشرح الصغير : ٩٤/٤ . (٦) الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٦) - ٥٦١ - وقال الصاحبان والشافعية والحنابلة(١): من أحيا أرضاً مواتاً، تملكها، وإن لم يأذن له فيها الإمام، اكتفاء بإذن رسول الله مر القيم: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) الصادر بطريق الشرع والنبوة، ولأنه مال مباح كالاحتطاب والاصطياد، سبقت إليه يد المحبي، فيملكه. ويؤيده حديث البخاري عن عائشة: ((من عَمَر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها)) فظاهره أنه لا يشترط إذن الإمام . لكن يستحب استئذانه . خروجاً من الخلاف. ٢ - يشترط عند الحنفية في حالة التحجير: أن يتم الإحياء خلال مدة أقصاها ثلاث سنين. فإذا لم يعمرها فيها أخذها الحاكم منه، ودفعها إلى غيره ؛ لأن البدء أو الشروع في استصلاحها يتطلب تعميرها ، فيحصل النفع للمسلمين بدفع العشر أو الخراج ، فإذا لم يحصل المقصود، فلا فائدة في تركها في يده (٢) . والتقدير بثلاث سنين مأخوذ - كما عرفنا - من قول عمر رضي الله عنه: «ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق)) (٣). وهذه مدة معقولة لاستصلاح الأراضي وتدبير مصالحها . لكن هذا الحكم من طريق الديانة ، أما من طريق القضاء، فلو أحياها غيره قبل مضي تلك المدة، ملكها لتحقق سبب الملك منه ، دون الأول . ومذهب الشافعية والحنابلة كالحنفية تقريباً . مغني المحتاج : ٣٦١/٤ ، تكملة فتح القدير، المكان السابق ، المهذب : ٤٢٣/١ ، المحرر في الفقه الحنبلي : (١) ٣٦٧/١، المغني: ٥٤٣/٥، كشاف القناع: ٢٠٦/٤. (٢) تبيين الحقائق : ٣٥/٦. عرفنا أن في سنده ضعفاً . وروى حميد بن زنجويه النسائي في كتاب الأموال عن عمرو بن شعيب أن النبي (٣) مَّةٍ أقطع ناساً من جهينة أرضاً ، فعطلوها وتركوها ، فأخذها قوم آخرون ، فأحيوها ، فخاصم فيها الأولون إلى عمر بن الخطاب، فقال: لو كانت قطيعة مني أو من أبي بكر لم أرددها ، ولكنها من رسول الله منتجاتعٍ ، وقال : من كانت له أرض ، فعطلها ثلاث سنين ، لا يعمرها ، فعمرها غيره ، فهو أحق بها ( نصب الراية : ٢٩٠/٤ ) . - ٥٦٢ - المبحث الخامس - أحكام إحياء الموات : يترتب على إحياء الأرض تملكها، وفرض ضريبة العشر أو الخراج عليها ، وعدم تملك حريم المعمور، وتملك حريم الموات . المطلب الأول - تملك الأرض المحياة : هل يثبت بإحياء الموات ملك الاستغلال (حق الانتفاع)، أم ملك الرقبة : ( ذات الأرض) ملكية مطلقة تشمل حق التصرف والاستعمال والاستغلال ؟ قال الفقيه أبو القاسم أحمد البلخي رحمه الله : إن الذي يثبت بإحياء الموات هو حق الاستغلال لاحق الملكية ، قياساً على من جلس في موضع مباح، فإن له الانتفاع، فإذا قام عنه، وأعرض، بطل حقه(١) . وقال عامة الفقهاء: الثابت بالإحياء هو حق الملكية المطلقة ، استدلالاً بنص الحديث: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له)) فإنه أضاف الحق للمحبي بلام التليك في قوله ((فهي له)) وملكه لا يزول بالترك (٢). وهذا هو الحق العيني للمحي. وبناء عليه نص الحنفية: أنه لو ترك المحبي الأرض بعد الإحياء، وزرعها غيره، فالأول أحق بها في الأصح(٣). المطلب الثاني - وظيفة الأرض المحياة : الحق الثاني في الأرض المحياة هو للدولة ، لكن هل الواجب المفروض على تلك الأرض أو الوظيفة: هو العشر أو الخراج ؟ (١) العناية بهامش تكملة فتح القدير: ١٣٧/٨. المرجع السابق، تبيين الحقائق: ٣٥/٦، البدائع: ١٩٤/٦، الشرح الصغير: ٨٧/٤، المهذب: ٤٢٣/١ وما (٢) بعدها، مغني المحتاج : ٣٦١/٤ ، المغني: ٥١٣/٥، كشاف القناع: ٢٠٦/٤ . الدر المختار: ٣٠٧/٥، الهداية مع تكملة الفتح: ١٢٧/٨، تبيين الحقائق: ٣٥/٦. (٣) - ٥٦٣ - قال أبو يوسف: إن أحياها مسلم، فإن كانت تلك الأرض من الأراضي العشرية فالواجب فيها العشر، وإن كانت من حيّز الأراضي الخراجية فالواجب فيها الخراج . وقال محمد: أن أحياها بماء العشر كماء المطر أو الأنهار الكبيرة فهي عشرية، وإن أحياها بماء الخراج، كالماء المأخوذ من نهر حفره غير المسلمين فهي خراجية . وهذا الرأي هو مامشى عليه صاحب الهداية . وقال الحنابلة: لاخراج على من أحيا موات الأرض المفتوحة عنوة ، كأرض مصر والشام والعراق . أما إن أحياها ذمي فهي خراجية مطلقاً بالاتفاق(١). المطلب الثالث - القيد الوارد على ملكية المحي والملكية الإضافية - الحريم : الحريم: هو ماتمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور، أو ما يحتاج إليه لمصلحة العامر من المرافق، كحريم البئر، وفناء الدار، والطريق، ومسيل الماء ومرافق القرية مثل ناد ( مجلس الاجتماع) ومحتطب ومرعى ومرتكض الخيل ومناخ الإبل، ومطرح الرماد، ونحوها . 5 ولا يجوز باتفاق الفقهاء(٢) تملك حريم الأراضي العامرة قبل الإحياء؛ لأنه تابع للعامر، فلا يملك؛ لأنا لو جوزنا إحياءها أبطلنا الملك في العامر على أهله . ولا يجوز أيضاً بالإحياء تملك مابين العامر من الرحاب والشوارع ومقاعد الأسواق؛ لأن المذكور ليس من الموات، وإنما من جملة العامر، ولأنا لو جوزنا التملك ضيقنا على الناس في أملاكهم وطرقهم . (١) البدائع : ١٩٥/٦، الهداية مع التكملة : ٣٧/٨، كشاف القناع: ٢٠٧/٤ . (٢) البدائع : ١٩٥/٦، تبيين الحقائق: ٣٦/٦، الشرح الكبير: ٦٧/٤، الشرح الصغير: ٨٨/٤ ، مغني المحتاج : ٣٦٣/٤، المهذب: ٤٢٣/١، المغني: ٥٢٥/٥، كشاف القناع: ٢٠٨/٤. - ٥٦٤ - والخلاصة : أن كل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه . ومن جهة أخرى للمحبي ملكية إضافية قررها الشارع: وهو حريم الأرض التي أحياها ، فله بالإحياء ما يحتاج إليه من المرافق كفناء الدار (الساحة أمام الدار) ومسيل وحريم البئر، وله أن يمنع غيره منه . والكلام عن الحريم في أصل مشروعيته ، ومقداره . مشروعية الحريم: الأصل في مشروعية الحريم أن النبي ◌ُ ◌ّ جعل للبئر حريماً(١). وللعين حريم بالإجماع، لأنه عليه الصلاة والسلام جعل لكل أرض حريماً(٢). مقدار الحريم : للفقهاء تقديرات متقاربة للحريم. فعند الحنفية (٣): آ - حريم العين الجارية: الأصح أن حريمها خمسمائة ذراع من كل جانب والذراع ست قبضات ، كل قبضة أربع أصابع، وهو من المرفق إلى الأنامل . لقول الزهري: ((وحريم العين خمسمائة ذراع ، من كل ناحية » وبناء عليه يمنع غير صاحب الحريم من الحفر ونحوه في مسافة الحريم، لأنه ملك له، فله تضين المعتدي أو ردم الحفرة . (١) قال عليه السلام: ((من حفر بئراً، فله مما حولها أربعون ذراعا، عطنا لماشيته)) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن مغفل ، ورواه أحمد من حديث أبي هريرة ( نصب الراية: ٢٩١/٤ ) . أخرج أبو داود في مراسيله عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله عَ ◌ّ ((حريم البئر العادية (٢) خمسون ذراعا، وحريم بئر البديء خمسة وعشرون ذراعا)) وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت أن النبي معد ◌ّ قضى في النخلة أن حريمها مبلغ جريدها ( نصب الراية: ٢٩٢/٤ وما بعدها) وزاد الزهري: ((وحريم العين خمسمائة ذراع من كل ناحية )) . الدر المختار: ٣٠٨/٥ - ٣١٠، الهداية مع تكملة الفتح: ١٣٩/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٣٦/٦ - ٣٨، (٣) الكتاب مع شرحه اللباب : ٢٢١/٢ وما بعدها ، البدائع : ١٩٥/٦. - ٥٦٥ - ب - وحريم البئر: يختلف بين بئر العطَن (العطن: مُناخ الابل حول البئر)، وبئر العطن (هي التي ينزح منها الماء باليد) وبين بئر الناضح: ( وهي التي ينزح منها الماء بالبعير ونحوه ). وحريم بئر العطن : أربعون ذراعاً من كل جانب باتفاق الحنفية ، كما دلت بعض الروايات لكنها غريبة أي لم تثبت، كما قال الزيلعي(١). وحريم بئر الناضح أربعون ذراعاً كبئر العطن عند أبي حنيفة، عملاً بحاجة الناس. وعند الصاحبين: ستون ذراعاً لما روي: ((وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً)» والصحيح : أن حريمها على قدر الحاجة من كل الجوانب . بشرط أن يحفرها في موات بإذن الإمام أو في ملكه، فلو حفر في ملك الغير لا يستحق الحريم. جـ - حريم القناة: وهي مجرى الماء تحت الأرض. ولم يقدر حريمها بشيء يمكن ضبطه ، فحريمها بقدر ما يصلحها لإلقاء الطين ونحوه . وعن محمد : أنها بمنزلة البئر في استحقاق الحريم، وقيل بآراء أخرى، أولاها عندي : أن لها حريماً مفوضاً إلى رأي الإمام ؛ لأنه لانص في الشرع . د- حريم النهر: اختلف فيه الحنفية. فعند أبي حنيفة: لاحريم للنهر في ملك الغير. وقال الصاحبان : له حريم من الجانبين ؛ لأن استحقاق الحريم للحاجة، وصاحب النهر يحتاج إليه كصاحب البئر والعين ، إذ أنه يحتاج إلى المشي على حافتي النهر، كما يحتاج إلى موضع لإلقاء الطين عليه عند كري النهر. ثم اختلف الصاحبان في تقديره . فقال أبو يوسف : قدر نصف بطن النهر من كل جانب، أي نصف العرض . (١) نصب الراية : ٢٩٢/٤ . - ٥٦٦ - وقال محمد : قدر جميع بطن النهر من كل جانب ، أي عرض النهر. واتفق الحنفية أن للنهر حريماً بة، مايحتاج إليه لإلقاء الطين ونحوه، فيما لوأحياه في أرض موات . وعليه من كان له نهر في أرض غيره، فليس له حريمه عند أبي حنيفة بمجرددعواه أنه له؛ لأن الظاهر لا يشهدله، بل لصاحب الأرض ؛ لأنه من جنس أرضه ، والقول لمن يشهدله الظاهر، إلا أن يقيم البينة على ذلك؛ لأنها لإثبات خلاف الظاهر. وقال الصاحبان: له مسنّاة (١) يمشي عليها ، ويلقي عليها طينه؛ لأن النهر لابد له من ذلك . فكان الظاهر أنه له . وثمرة الخلاف: أن ولاية الغرس لصاحب الأرض عند أبي حنيفة، وعند الصاحبين : لصاحب النهر. قال الزيلعي : والصحيح أن هذا الحريم لصاحب النهر، مالم يفحش. هـ - حريم الشجر: حريم الشجر الذي يغرس في الأرض الموات : خمسة أذرع من كل جانب، حتى لا يملك غيره أن يغرس شجراً في حريمه؛ لأنه يحتاج إلى الحريم لجذاذ ثمره، وللوضع فيه. وقد جعل النبي ◌ُ ◌ّ حريم الشجرة خمسة أذرع(٢). ومقدار الحريم عند المالكية (٢): ما يأتي: حريم البئر: ما يتصل بها من الأرض التي حولها، فهو يختلف بقدر كبر البئر وصغرها وشدة الأرض ورخاوتها. ويشمل باطن الأرض، فلا يحق لآخر حفر بئر ينشف ماءها أو يذهبه، أو يغيره بطرح نجاسة يصل إليها وسخها، كما يشمل ظاهر الأرض كالبناء والغرس . (١) المسناة: ما يبنى في وجه السيل لحبس الماء. ويراد بها هنا: ما يكون كالجسر للنهر، للمشي والقاء الطين عند الكري ( أي الحفر ) . (٢) أخرجه أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري ( نصب الراية: ٢٩٢/٤). الشرح الصغير: ٨٩/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩ . (٣) - ٥٦٧ - وحريم الدار: مدخلها ومخرجها ، ومواضع مضابطها ، وشبهها ، مما يرتفق أهلها به من مطرح تراب ، ومصب میزاب لدار. وحريم الفدان(١) : حواشيه، ومدخله ومخرجه . وحريم القرية : موضع محتطبها ومرعاها . وحريم الشجر: مافيه مصلحة عرفا ، فلصاحبها منع من أراد احداث شيء بقربها يضرّ بها ، من بناء أو غرس أو حفر بئر ونحوها . وعند الشافعية(٢): يرجع في تقدير الحريم إلى العرف، حتى إن المنصوص عليه مراعى فيه العرف والحاجة. والحريم كما بينا : هو ماتمس الحاجة إليه لتمام الانتفاع بالمعمور، وإن حصل أصل الانتفاع بدونه . فحريم القرية المحياة : النادي ( وهو المجلس الذي يجتمعون فيه ويتحدثون)، ومرتكض الخيل، ومناخ الإبل، ومطرح الرماد ونحوها كمراح غنم ومسيل ماء وملعب صبيان . وحريم البئر المحفورة في الموات : موقف النازح منها ( وهو القائم على رأس البئر ليستقي)(٣) والحوض (وهو ما يصب النازح فيه ما يخرجه من البئر)، والدولاب، ومجتمع الماء (الذي يطرح فيه من الحوض لسقي الماشية والزرع)، ومتردد النازح من الدابة إن استقى بها ، أو الآدمي . وحريم بئر الشرب : موضع المستقي منها . وحريم النهر: هو ملقى الطين وما يخرج منه بحسب العرف في الموضع. بدليل (١) الفدان : ٥٧٦٠ م٢ = ٢٤٠ قصبة، والدونم: ١٠٠٠ م٢. (٢) مغني المحتاج : ٣٦٣/٤ وما بعدها ، المهذب : ٤٢٤/١ وما بعدها . أما المحفورة في ملكه ، فيعتبر فيها العرف . (٣) - ٥٦٨ - حديث عبد الله بن مغفل السابق أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((من احتفر بئراً، فله أربعون ذراعاً حولها ، عطناً لماشيته)). وحريم الدار المبنية في الموات : مطرح رماد وكناسة وثلج ، وممر في صوب الباب ( جهته ) . وحريم آبار القناة ؛ ما لو حفر فيه (أي في الحريم) نقص ماؤها ، أو خيف عليها الانهيار. والدار المحفوفة بدور لاحريم لها . ويتصرف كل واحد في ملكه على العادة ، فإن تعدی ضمن . ويجوز إحياء موات الحرم، كما يملك عامره بالبيع وغيره، دون عرفات ومزدلفة ومنى، لا يجوز إحياؤها لتعلق الوقوف بعرفات ، وأداء شعائر الحج فيها وفي غيرها ، كالحقوق العامة من الطرق ومصلى العيد في الصحراء ، وموارد الماء . ومذهب الحنابلة (١) ما يأتي : البئر العادية ( بتشديد الياء نسبة إلى عاد)(١): هي القديمة التي انطمت وذهب ماؤها ، فجدد حفرها وعمارتها ، أو انقطع ماؤها، فاستخرجه المحبي الذي يملكها ويملك حريمها . وحريمها : خمسون ذراعاً من كل جانب. والبئر غير العادية (البئر البديء): حريمها على النصف من حريم العادية ، وهو خمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب . كما روى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب قال: ((السنة في حريم القليب - البئر العادية: خمسون ذراعاً، وحريم البديء: خمسة وعشرون ذراعاً، وحريم بئر الزرع ثلثمائة ذراع». (١) كشاف القناع: ٢١٢/٤ وما بعدها ، المغني : ٥٤٢/٥. لم يرد عادا بعينها، لكن لما كانت ((عاد)) في الزمن الاول، وكانت لها آثار في الأرض ، نسب اليها كل قديم . (٢) لذا عرفت بأنها : القديمة .. الخ . - ٥٦٩ - وحريم عين وقناة من موات حولها : خمسمائة ذراع، أي ذراع اليد ؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق . وحريم نهر من حافتيه : ما يحتاج النهر إليه، لطرح كرايته (أي ما يلقى منه طلباً لسرعة جريه) وما يضر صاحبه، بتملكه عليه، وإن كثر، وكذا ما يرتفق بدخوله ؛ لأنه من مصالحه . وحريم شجرة : قدر مد أغصانها . وحريم النخل : بقدر مد جريدها، لحديث أبي سعيد الخدري المتقدم: ((اختصم إلى النبي ◌ُ ◌ّ في حريم نخلة، فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت ، فكانت سبعة أذرع، أو خمسة أذرع، فقضى بذلك)). وحريم أرض زراعة: قدر ما يحتاجه زارعها لسقيها، وربط دوابها، وطرح سبخها ونحوه، كمصرف مائها عند الاستغناء عنه، لأن كل المذكور من مرافقها . وحريم الدار: مطرح تراب وكناسة وثلج وماء وميزاب، وممر إلى بابها؛ لأن هذا کله مما يرتفق به ساكنها . ولا حريم لدار محفوفة بملك الغير من كل جانب؛ لأن الحريم من المرافق ، ولا يرتفق بملك غيره ؛ لأن مالكه أحق به، ويتصرف كل واحد منهم في ملكه وينتفع بحسب ماجرت به العادة، فإن تعدى العادة ، منع التعدي، عملاً بالعادة . وبناء عليه : لو حفر رجل بئراً في أرضه ، فأدى الى نضوب ماء بئر الجار، وجب سد ماء البئر، عند الحنابلة . ولا شيء عليه عند الحنفية؛ لأن الماء الموجود تحت الأرض غير مملوك لأحد، وهذا منصوص عليه في المجلة (م ١٢٨٨). - ٥٧٠ - الفصل الثالث أحكام المعادن، والحمى والإقطاع فيه مبحثان : الأول - الحمى . O الثاني - الإقطاع، ويتضمن أحكام المعادن المبحث الأول - الحمى: 8 معناه وأصله، مشروعيته، ما حماه النبي ◌ُ ◌ّه أو إمام غيره. 5 أولاً - أصل الحمى ومعناه: أصل الحمى عند العرب في الجاهلية: أن الرئيس منهم كان إذا نزل بأرض مخصبة ، استعوى كلباً، على مكان عال، فحيث انتهى إليه صوته من كل جانب ، حماه لنفسه ، فلا يرعى فيه غيره ، ويرعى هو مع غيره. وهذا لا يجوز شرعاً، فقد نهى عنه النبي مُ اللّ لما فيه من التضييق على الناس، ومنعهم من الانتفاع بشيء لهم فيه حق . والحمى بمعنى المحمي ، مصدر يراد به اسم المفعول، أو المراد به الحماية والتحجير. ومعناه شرعاً . أن يحمي الإمام أرضاً من الموات، فيمنع الناس من رعي مافيها من الكلا، ليختص بها دونهم ، لمصلحة المسلمين ، لا لنفسه. وعرف المالكية الحمى الشرعي - ٥٧١ - بقولهم : أن يحمي الإمام مكاناً خاصاً لحاجة غيره(١). ثانياً - مشروعيته: لا يجوز لأحد أن يحمي مواتاً لينع إحياء الموات، ورعي ما فيه من الكلأ، لما روى الصعب بن جثّامة: أن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((لاحمى إلا لله ولرسوله )»(٢). ويجوز باتفاق المذاهب في الصحيح عند الشافعية للإمام أن يحمي لخيل المجاهدين ونَعَم (٣) الجزية، وابل الصدقة، والماشية الضعيفة، بدليل أن النبي صَ لّ حمى النقيع(٤) للخيل - خيل المسلمين(*). ويؤيده ما روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ، قال : أتى أعرابي من أهل نجد عمر رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية، وأسلمنا عليها في الاسلام، فعلام تحميها ؟ فأطرق عمر رضي الله عنه، وجعل ينفخ ، ويفتِل شاربه، وكان إذا كره أمراً، فتل شاربه ونفخ، فلما رأى الأعرابي مابه، جعل يردد ذلك، فقال عمر: ((المال مال الله، والعباد عباد الله ، فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله (أي لخيل الجهاد)، ما حميت من الأرض شبراً في شبر»(٦). قال مالك : بلغني أنه كان يحمل في كل عام على أربعين من الظهر، وقال مرة : من الخيل . نيل الأوطار: ٣٠٨/٥، المغني: ٥٢٨/٥ وما بعدها ، الدردير في الشرح الكبير: ٦٨/٤ وما بعدها ، وفي (١) الصغير: ٩٢/٤، المهذب. ٤٢٧/١، كشاف القناع: ٢٢٣/٤ وما بعدها . (٢) رواه أحمد والبخاري وأبو داود ( نيل الأوطار: ٣٠٨/٥). (٣) النَّعَم : الإبل والبقر والغنم . (٤) النقيع : موضع معروف ، على بعد عشرين فرسخاً من المدينة . وقدره ميل في ثمانية أميال . وأصل النقيع : كل موضع ينتقع فيه الماء ، فيكثر فيه الخصب ، بسبب وجود الماء . والفرسخ ٥٥٤٤ م ، والميل ١٨٤٨ م . (٥) رواه أحمد عن ابن عمر ( نيل الأوطار، ٣٠٨/٥) ورواه البخاري وأبو داود عن الصعب بن جثامة ( جامع الأصول ٣٣١/٣ ) . (٦) رواه أبو عبيد باسناده عن عامر بن عبد الله بن الزبير. ورواه البخاري والموطأ عن أسلم مولى عمر (جامع الأصول : ٣٢٨/٣ وما بعدها ) . - ٥٧٢ - وقال البخاري: بلغنا أن النبي ◌ُِّّ حمى النقيع، وأن عمر حمى شرف والرّبذة(١). وعن أسلم مولى عمر: أن عمر استعمل مولى له، يدعى ((هُنيّاً)) على الحمى ، وقال له: يا هُنَي، اضم جَنَاحك على المسلمين(٣)، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة ، وأدخل رب الصُّرَيمة(٣)، ورب الغُنَيمة، وإياك ونَعمَ ابن عوف، ونعم ابن عفان(٤) ، فإنهما إن تهلك ماشیتهما ، يرجعان إلى نخل وزرع . ورب الصريمة ورب الغنيمة ، إن تهلك ماشيتها ، يأتيني ببينة يقول : يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا ، لا أبالك(٥)، فالماء والكلا أيسر عليَّ من الذهب والورق . وأيم الله ، إنهم ليَرون أني قد ظلمتهم ، إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام . والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ، ما حميت عليهم من بلادهم شيئاً(٦). قال ابن قدامة(٧): وهذا إجماع من الصحابة، ولأن ما كان لمصالح المسلمين ، قامت الأئمة فيه مقام رسول الله عَ ◌ّل، وقد روي عن النبي ◌ُ ◌ّ أنه قال. (١) رواه البخاري عن الصعب بن جثامة ( نيل الأوطار، المكان السابق ) والشرف : موضع بقرب مكة ، والربذة : موضع معروف بين مكة والمدينة . في كتب الفقهاء : اضم جناحك عن الناس أي امسك يدك ولا تمددها الى ضرر مسلم أي تواضع لهما ، أو اتق (٢) الله فيهم . الصريمة : تصغير صرمة : وهي القطعة من الابل نحو الثلاثين ، فهي ما بين العشرين الى الثلاثين من الابل ، (٣) أو من العشر الى الاربعين منها ، والغنيمة : ما بين الاربعين والمائة من الشاء . (٤) أي لا تدخلها الحمى ، فانهما غنيان لا يضرهما هلاك نعمهما . (٥) ظاهره الذم ، والقصد : التحريض على الشيء . (٦) رواه البخاري ( نيل الأوطار ، المكان السابق ) . (٧) المغني : ٥٣٠/٥ . - ٥٧٣ - ------ ((ما أطعم الله لنبي طُعْمة ، إلا جعلها طعمة لمن بعده)) رواه أحمد . وأجاز المالكية(١) الحمى الشرعي بشروط أربعة، هي: ١ - حاجة المسلمين إليه: فلا يحمي الإمام أو نائبه لنفسه، ولا لغيره عند عدم الحاجة . ٢ - أن يكون المحمي قليلاً، لا كثيراً. والقليل: مالا يضيق فيه على الناس والکثیر: ما ضیق فیه على الناس . ٣ - أن يكون المحمي في مكان عفا ، أي خالياً من البناء والغرس. ٤ - أن يكون الغرض من الحمى : تحقيق مصلحة عامة الناس، مثل الجهاد ونحوه، أي لترعى فيه دواب الحرب أو الصدقة أو ضعفة المسلمين . ونائب الإمام مثل الإمام، وإن لم يأذن له الإمام، بخلاف الإقطاع، فليس لنائب السلطان إقطاع إلا بإذن ؛ لأن الإقطاع يحصل به التمليك، فلا بد فيه من الإذن ، بخلاف الحمى . ثالثاً - حكم ما حماه النبي ؤال أو إمام غيره (٢): ليس لأحد نقضه، ولا تغييره، مع بقاء الحاجة إليه، لأنه كالمنصوص عليه، ومن أحيا منه شيئاً لم يملكه . وإن زالت الحاجة إليه ، ففيه عند الشافعية والحنابلة وجهان : أحدهما - يجوز لأنه زال السبب . (١) الشرح الكبير : ٦٩/٤ ، الشرح الصغير : ٩٢/٤. راجع المهذب: ٤٢٧/١، المغني: ٥٣٠/٥، كشاف القناع: ٢٢٤/٤. (٢) - ٥٧٤ - والثاني - لا يجوز، لأن ما حكم به رسول الله صَ ل نص، فلا يجوز نقضه بالاجتهاد . وإن حمى إمام آخر بعد النبي، فغيّره هو، أو غيره من الأئمة : جاز. وإن أحياه انسان بعد الإمام ففيه قولان عند الشافعية والحنابلة : أحدهما - لا يملكه، كما لا يملك ما حماه رسول الله عزبال، ولأن اجتهاد الإمام لا يجوز نقضه . والثاني - يملك؛ لأن حمى الإمام اجتهاد، وملك الأرض بالإحياء نص ، والنص يقدم على الاجتهاد . المبحث الثاني - الإقطاع : تعريفه ، مشروعيته ، أنواعه وحكم كل نوع . أولاً - تعريف الإقطاع: هو جعل بعض الأراضي الموات مختصة ببعض الأشخاص - سواء أكان ذلك معدناً، أم أرضاً، فيصير ذلك البعض أولى به من غيره، بشرط أن يكون من الموات الذي لا يختص به أحد. 6 أو هو تسويغ الإمام من مال الله شيئاً لمن يراه أهلاً له. وأكثرما يستعمل في الأرض : وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه، إما بأن يملكه، فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة(١). ثانياً - مشروعيته: يجوز للإمام أن يقطع موات الأرض لمن يملكه بالإحياء، لما روى وائل بن حجر: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ أقطعه أرضاً، بحضرموت وبعث معاوية ليقطعها (١) نيل الأوطار : ٣١١/٥. - ٥٧٥ - إياه))(١)، وروى ابن عمر: ((أن النبي ◌ُّ أقطع الزبير حُضْر فرسه(٢)، وأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: أقطعوه، حيث بلغ السوط))(٢). وروى عمرو بن شعيب أن النبي ◌ُّ أقطع ناساً من جهينة أو مزينة أرضاً(٤). وروي أن أبا بكر أقطع الزبير، وأقطع عمر علياً، وأقطع عثمان رضي الله عنهم خمسة من أصحاب رسول الله مُ تّ: الزبير، وسعد، وابن مسعود، وخباباً، وأسامة بن زيد، رضي الله عنهم. ويروى عن نافع أبي عبد الله: أنه قال لعمر: إن قَبلنا أرضاً بالبصرة، ليست من أرض الخراج، ولا تضر بأحد من المسلمين، فإن رأيت أن تقطعنيها ، أتخذ فيها قصيلا(٥) لخيلي فافعل . قال: فكتب عمر إلى أبي موسى : إن كانت كما يقول، فأقطعها إياه(٦). ويجوز أيضاً إقطاع المعادن للاستغلال، لا ملك الرقبة ( عين الشيء)، لما روى ابن عباس قال: ((أقطع رسول الله مح له بلال بن الحارث المزني معادن القَبَليّة (٧)، جَلْسيها وغَوْريّها وحيث يصلح الزرع من قُدْس(٨)، ولم يعطه حق مسلم)) (١). رواه الترمذي وصححه ( نيل الأوطار : ٣١٢/٥) . (١) (٢) حضر فرسه : مقدار عدوه . رواه أحمد وأبو داود لكن في اسناده رجل فيه مقال ، وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن (٣) الخطاب ( نيل الأوطار : ٣١٢/٥) . رواه سعيد بن منصور في سننه . (٤) (٥) الفصيل : الشعير يجز أخضر لعلف الدواب . روى هذه الآثار كلها أبو عبيد في الاموال . (٦) القبلية : ناحية من ساحل البحر ، بينها وبين المدينة خمسة ايام . (٧) (٨) الجلس : كل مرتفع من الأرض ، ويطلق على أرض نجد . وغوريها : نسبة الى غور، قال في القاموس : إن الغور يطلق على مابين ذات عرق الى البحر ، وكل ما انحدر مغربا عن تهامة ، وموضع منخفض بين القدس وحوران مسيرة ثلاثة أيام في عرض فرسخين ، وموضع في ديار بني سليم ، وماء لبني العدوية . اهـ . والمراد هنا المواضع المرتفعة والمنخفضة من معادن القبلية . وقدس : هو جبل عظيم بنجد ، كما في القاموس ، وقيل : الموضع المرتفع الذي يصلح للزرع . رواه أحمد وأبو داود : وروياه أيضاً من حديث عمرو بن عوف المزني ( نيل الأوطار: ٣٠٩/٥). (٩) - ٥٧٦ _ تعالى* ثالثاً - أنواع الإقطاع : الإقطاع ثلاثة أقسام : إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال، وإقطاع ارفاق . وإقطاع التمليك ينقسم إلى موات ، وعامر، ومعادن . وإقطاع الاستغلال نوعان: عشر، وخراج . ١ - حكم إقطاع الموات: أما إقطاع الموات : فيجوز باتفاق المذاهب للإمام إقطاع مواتٍ لمن يحييه ، فيؤدي إلى عمارة البلاد ، لأنه پاتٍ - كما بينا - أقطع بلال بن الحارث العقيق ، وأقطع وائل بن حجر أرضاً، وأقطع أبو بكر وعمر وعثمان جمعاً من الصحابة . فإن أقطع الإمام أرضاً لشخص ، ملكها عند المالكية(١) وإن لم يعمرها بشيء، فله بيعها وهبتها ، وتورث عنه. وليس هو من الإحياء، بل هو تمليك مجرد. ولا يملك الموات بالإقطاع عند الجمهور(٢) (غير المالكية)، لأنه لو ملكه ما جاز استرجاعه، بل يصير المقطع كالمتحجر الشارع في الإحياء، فيكون أحق به إذا أحياه في خلال مدة ، أقصاها عند الحنفية ثلاث سنين، لقول عمر: ((ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق». ولا ينبغي للإمام أن يقطع من الموات إلا ما قدر المقطع على إحيائه؛ لأن في إقطاعه أكثر من هذا القدر تضييقاً على الناس في حق مشترك بينهم ، مما لا فائدة فيه ، فيدخل به الضرر على المسلمين . فإن أقطع الإمام أحداً أكثر من القدر الذي يمكن إحياؤه ، ثم تبين عجزه عن عمارته أو إحيائه استرجعه الإمام منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز الأحكام السلطانية للماوردي : ص ١٨٣، الأحكام السلطانية لابي يعلى: ص ٢١٢ ، كشاف القناع: ٢١٦/٤ ، (١) الشرح الصغير : ٩٠/٤ . (٢) البدائع: ١٩٤/٦، المهذب : ٤٢٦/١، المغني : ٥٢٦/٥ - ٥٢٧، كشاف القناع: ٢١٦/٤ وما بعدها . الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٧) - ٥٧٧ _ عن عمارته، من العقيق الذي أقطعه إياه رسول الله ع لل. وهذا هو المراد بالمصلحة التي يجوز الإقطاع لأجلها ؛ لأن الحكم يدور مع علته . وللإمام عند الحنابلة إقطاع غير موات تمليكاً ، وانتفاعاً للمصلحة(١). ويجوز الإقطاع من مال الخراج، كما يجوز من مال الجزية(٢). وقال المالكية(٣): لا يقطع الإمام معمور أرض العنوة كأرض مصر والشام والعراق، أي الصالحة لزرع الحب ملكاً؛ لأنها وقف عندهم ، بل يقطعها إمتاعاً وانتفاعاً . وأما مالا يصلح لزرع الحب، وان صلح لغرس الشجر، وليس من العقار، فإنه من الموات ، يقطعه ملكاً وانتفاعاً . وأما أرض الصلح فلا يقطعها الإمام لأحد مطلقاً؛ لأنها مملوكة لأربابها . ٢ - حكم إقطاع العامر وهو إقطاع الإرفاق: قال الشافعية والحنابلة(٤): يجوز إقطاع ما بين العامر من الرحاب للمساجد ونحوها ، ومقاعد الأسواق، والطرق الواسعة ، إقطاع انتفاع، ولا يملكه المقطع وإنما ينتفع به مالم يضيق على الناس أو يضر بالمارة، فمن أقطع شيئاً مما ذكر صار أحق بالجلوس في الموضع؛ لأن للإمام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه ثبتت يده عليه بالإقطاع ، فلم يكن لغيره أن يقعد فيه ، بمنزلة السابق إليه من غير إقطاع ، إلا في فارق واحد: وهو أن السابق لشيء إذا انتقل عنه بنقل متاعه منه ، زال استحقاقه ، لزوال المعنى الذي استحق به . وفي الإقطاع لا يزول استحقاقه سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل، جلس فيه أو تركه؛ لأنه استحق بإقطاع الإمام ، فلا يزول حقه بترك الجلوس فيه . (١) كشاف القناع: ٢١٧/٤ . (٢) . المرجع السابق . (٣) الشرح الصغير: ٩١/٤ وما بعدها ، الشرح الكبير : ٦٨/٤ . ...---- المهذب : ٤٢٧/١، المغني: ٥٢٦/٥، كشاف القناع: ٢١٧/٤ ، الأحكام السلطانية للماوردي: ص ١٨٤ ، (٤) الأحكام السلطانية لأبي يعلى : ص ٢١٣ . .-- - ٥٧٨ _ وللجالس في الرحاب أو الطرق أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من حصير وكساء للحاجة إليه، وليس له بناء شيء في الطريق ، ولا في رحبة المسجد ، لما فيه من التضييق . وليس للجالس بطريق واسع الجلوس بحيث يمنع جاره رؤية المتعاملين معه ، أو يضيق على جاره في كيل أو وزن أو أخذ أو عطاء، لحديث ((لا ضرر ولا ضرار)). : ٣ - حكم إقطاع المعادن وملكيتها : تعريف المعادن ، والفرق بينها وبين الرّكاز أو الكنز، وأنواعها ، وحكم ملكيتها وإقطاعها في المذاهب . المستخرج من الأرض بالبحث والتنقيب : إما معدن ، أو ركاز أو كنز. تعريف المعادن : المعادن أو الفلزات : هي ما يوجد في باطن الأرض من أصل الخلقة ، كالذهب والفضة ، والنحاس والحديد والرصاص . والرّكاز أو الكنز: هو المال المدفون في الأرض بفعل صاحبه، أو بأثر حادث إلهي ، كزلزال أو رياح عاتية ، أدى إلى طمر بلد مع ما فيها من ثروات . والفرق بين المعدن والركاز: أن المعدن جزء من الأرض، وأن الركاز ليس جزءاً من الأرض، وإنما هو دفين مودع فيها ، بفعل الانسان (١). أنواع المعادن: المعادن عند الحنفية أنواع(٢): تبيين الحقائق: ٢٨٧/١ وما بعدها ، مختصر المعاملات الشرعية للاستاذ الشيخ علي الخفيف : ص ٢٩ ، الاموال (١) ونظرية العقد ، للدكتور محمد يوسف موسى: ص ١٩٤ . (٢) البدائع : ٦٧/٢ ، ٠٦٨ - ٥٧٩ - آ - ما يقبل الطرق والسحب، فيعمل منه الصفائح والحلي والأسلاك، أو ما يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية - بتعبير الفقهاء، كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ونحوها . ب - مالا يقبل الطرق والسحب أو مالا يذوب بالإذابة، كالماس والياقوت والبلور والعقيق والفيروز والكحل والزرنيخ ، ونحوها . جـ - المعادن السائلة أو المائعة، كالنفط والقار ونحوها من الزيوت المعدنية. وقسم الشافعية والحنابلة(١) المعادن قسمين: ظاهرة وباطنة. آ - فالظاهرة: هي البارزة غير المختلطة بالأرض، التي لا تحتاج إلى مشقة في استخراجها أو الوصول إليها، كالنفط والقار (الزفت) والملح والكحل والكبريت. ب - والباطنة : هي التي تحتاج إلى جهد وعمل لاستخراجها، كالذهب والحديد والنحاس والرصاص . حكم المعادن عند الحنفية (٢): لا تكون أرض المعادن ، كأرض الملح والقار والنفط ونحوها مما لا يستغني عنها المسلمون أو الأمة، أرض موات . فلا يجوز للإمام أن يقطعها لأحد ؛ لأنها حق لعامة المسلمين، وفي الإقطاع إبطال حقهم، وهو لا يجوز(٣). وحكم ملكيتها وزكاتها فيما يأتي : لا يقول الحنفية بالتفرقة في مقدار الزكاة بين المعدن والكنز، والركاز يشمل الاثنين وكلاهما من البَر، وهناك معادن البحر. الأحكام السلطانية للماوردي: ص ١٨٩ وما بعدها ، الأحكام السلطانية لأبي يعلى: ص ٢١٩ وما بعدها . (١) (٢) البدائع: ٦٥/٢ - ٦٨، تبيين الحقائق: ٢٨٨/١ وما بعدها، الدر المختار: ٥٩/٢ وما بعدها . (٣) البدائع: ١٦٤/٦، الدر المختار: ٣٠٨/٥. - ٥٨٠ -