النص المفهرس
صفحات 461-480
وقال الحنفية: يصح بيعه بثمن المثل أو بمثل القيمة، وأما إن كان بغبن فيصح البيع موقوفاً على إجازة الدائنين ، وبه يكون قصدهم من منعه من التصرف عندهم هو البيع بأقل من ثمن المثل . وقال المالكية : إن وقع التصرف المالي لم يبطل ، بل يوقف على نظر الحاكم والغرماء . ٣ - أن تحل عليه الديون المؤجلة، كما تحل الديون بالموت عند الحنفية وفي المشهور عند المالكية(١)، لخراب الذمة في الحالتين، وهو عند المالكية ما لم يشترط المدين عدم حلوله بها، وما لم يقتل الدائن المدين عمداً، فلا يحل . وقال الشافعية في الأظهر، والحنابلة في أرجح الروايتين(٢): لا يحل الدين المؤجل بفلس من هو عليه ؛ لأن الأجل حق مقصود للمفلس ، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه، ويفترق الفلس عن الموت في أن الميت خربت ذمته وبطلت . وعليه : لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة، بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة، ويبقى المؤجل في الذمة إلى وقت حلوله. فإن لم يقتسم الغرماء حتى حل الدين ، شارك الغرماء، كما لو تجدد على المفلس دين بجنایته . ٣ - الملازمة والحبس الاحتياطي للمدين: اختلف الفقهاء في جواز ملازمة المدين ، واتفقوا على جواز حبسه بحكم القاضي بشروط معينة . الشرح الصغير: ٣٥٢/٣، القوانين الفقهية: ص ٣١٨، بداية المجتهد: ٢٨٢/٢، الشرح الكبير: ٢٦٥/٣ وما (١) بعدها . (٢) مغني المحتاج: ١٤٧/٢، المغني: ٤٣٥/٤ . - ٤٦١ - آ- الملازمة: قال أبو حنيفة وصاحباه(١): للدائنين أن يلازموا المدين، فيذهبوا معه حيثما ذهب فإذا رجع إلى بيته، فأذن لهم في الدخول، دخلوا معه، وإلا انتظروه على الباب ليلازموه بعد الخروج، ولكن لا يمنعونه من التصرف والكسب والسفر حال الملازمة، ولا يحبسونه في مكان خاص ؛ لأنه حبس ، بل يدورون معه، ويدور هو حيث شاء؛ لأنه بذلك يتمكن الدائن من حمل المدين على قضاء الدين، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((لصاحب الحق: اليد، واللسان))(٣) أراد باليد: الملازمة، وباللسان: التقاضي. ولا تلازم المرأة منعاً من الخلوة بالأجنبية. وقال زفر والمالكية والشافعية والحنابلة(٣): إذا ثبت إعسار المدين عند الحاكم، لم يكن لأحد مطالبته وملازمته، بل يمهل إلى أن يوسر لأنه إذا ثبتت العسرة استحق النَّظِرة إلى الميسرة، كما لو كان الدين مؤجلاً، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة، فَنَظِرة إلى ميسرة). وحديث ((لصاحب الحق ... )) فيه مقال، كما قال ابن المنذر، أو أنه يحمل على الموسر، فقد ثبت أن النبي ◌ٍُّ قال لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها ، فكثر دينه: ((خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك))(9)، وهذا القول هو الأرجح. ب - حبس المدين : المقرر شرعاً أنه يجب على المدين إيفاء ديونه إذا كان موسراً، فإن كان معسراً فيهل إلى وقت اليسار عملاً بنظرة الميسرة . وإن كان مماطلاً في الوفاء، وله مال یفي بدينه للحال، حبسه الحاكم، لقوله مَ ◌ّم: «لَيُّ الواجد (١) تبيين الحقائق: ٢٠٠/٥، تكملة الفتح: ٣٢٩/٧ وما بعدها، البدائع : ١٧٣/٧. رواه بهذا اللفظ ابن عدي في الكامل عن أبي عتبة الخولاني، ورواه الدارقطني عن مكحول بلفظ ((إن لصاحب (٢) الحق اليد واللسان)) وهو حديث مرسل. وأخرج البخاري عن أبي هريرة، قال: ((أتى النبي عَ لّ رجل يتقاضاه ، فأغلظ له ، فهمَّ به أصحابه، فقال: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً)) ( نصب الراية: ١٦٦/٤ ) . مغني المحتاج: ١٥٦/٢، المغني: ٤٤٩/٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٤٠٦/٣، ٤٣٠، الشرح الصغير: ٣٧٠/٣ ، (٣) القوانين الفقهية : ص ٣١٧ ، بداية المجتهد : ٢٨٠/٢ وما بعدها . (٤) رواه مسلم والترمذي . - ٤٦٢ - ۔۔۔ ظلم، يحل عرضه وعقوبته))(١). واللي: المطل، والواجد : الغني من الوُجد بمعنى القدرة. وعرضه: شكايته، وعقوبته : حبسه. وبناء عليه يجوز الحبس، ولكن بشروط أوضحها الفقهاء . قال الحنفية(٢): للقاضي أن يحبس المدين رجلاً أو امرأة بدينه في كل دين التزمه بعقد كالمهر والكفالة إذا كان غنياً، أو اشتبه على القاضي حال يساره وإعساره، ولم يقم عنده حجة على أحدهما ، فإذا حبسه شهرين أو ثلاثة أشهر، ولم يظهر له مال في تلك المدة ، فإنه يطلق سراحه، وإن أقام البينة على أن لا مال له أي أنه فقير، خلى سبيله، الآية السابقة ﴿فنظرة إلى ميسرة ﴾ ولا يضرب المحبوس بالدين ولا يخوّف، ولا يغل بقيد ، ولا يجرد، ولا يوقف أمام صاحب الدين إهانة له، ولا يؤجر. ويشترط للحبس شروط ثلاثة : في الدين ، والمدين ، والدائن : أولها - أن يكون الدين حالاً ، فلا يحبس في الدين المؤجل ؛ لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين ، ولم يوجد ممن دينه مؤجل . ثانيها - يشترط في المدين شروط ثلاثة : هي القدرة على وفاء الدين : فلو كان معسراً لا يحبس، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة، فنظرة إلى ميسرة ﴾. والمطل: وهو تأخير قضاء الدين، للحديث السابق ((مطل الغني ظلم))(٣) فيحبس دفعاً للظلم، وحديث ((ليّ الواجد ... )) والحبس عقوبة، وما لم يظهر منه المطل، لا يحبس لانعدام المطل واللي منه . وأن يكون المدين غير الوالدين ، فلا يحبس الوالدون وإن علوا، بدين (١) رواه الخمسة إلا الترمذي، وأخرجه أيضاً البيهقي والحاكم وابن حبان وصححه عن عمرو بن الشّريد عن أبيه ( نيل الأوطار : ٢٤٠/٥ ) . (٢) البدائع: ١٧٣/٧، تكملة الفتح: ٣٢٩/٧ - ٣٣٠ ، تبيين الحقائق : ١٩٩/٥ . رواه الجماعة عن أبي هريرة ( نيل الأوطار: ٢٣٦٥). (٣) - ٤٦٣ - المولودين، وإن سفلوا، لقوله تعالى: ﴿وصاحبها في الدنيا معروفاً ﴾ ﴿وبالوالدين إحساناً﴾، وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان: حبسهما بالدين ، لكن يحبس الوالد تعزيراً بالامتناع عن نفقة ولده الذي عليه نفقته (١)، ويحبس ولي الصغير إذا كان هو المتسبب في تأخير قضاء الدين . ثالثها - أن يطلب الدائن (صاحب الدين) من القاضي حبس المدين، فما لم يطلب لا يحبس؛ لأن الدين حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، وممارسة الحق بطلبه. والذي يمنع عنه المحبوس : هو الخروج إلى أشغاله ومهماته الدينية والدنيوية، كحضور الجمع والجماعات والأعياد وتشييع الجنائز وعيادة المرضى والزيارة والضيافة ، ليكون المنع باعثاً له على قضاء الدين . ولا يمنع من زيارة أقاربه له، ولا من التصرفات الشرعية كالبيع والشراء والهبة والصدقة والإقرار لغيرهم من الغرماء. ولا يمكن المحبوس من الاشتغال بعمله على الصحيح ليضجر قلبه، فينبعث على قضاء دينه . وقال المالكية(٢): يسجن المدين استبراء لأمره إن جهل حاله، أو ظهرت ملاءته ( غناه ) بحسب ظاهر حاله، بلبسه فاخر الثياب، وركوبه جيد المواصلات، وكان له خدم من غير أن يعلم حقيقة حاله، حتى يثبت عسره، أو يأتي بكفيل يكفله، فيطلق سراحه . فإن وعد غريمه بوفاء الدين، وطلب تأخيره نحو اليومين، أجيب لطلبه، ولا يحبس إن كفله كفيل . كذلك يؤجل المدين المعلوم الملاءة ( الغنى ) أو ظاهر الملاءة ، إن وعد بالوفاء ، وطلب التأخير لبيع أمواله وعروضه التجارية ، إن قدم كفيلاً بالمال، أما الولد فيحبس بدين الوالد ، وكذا سائر الأقارب يحبس المديون بدين قريبه . (١) (٢) الشرح الصغير: ٣٦٨/٣ - ٣٧١، الشرح الكبير: ٢٧٨/٣ - ٢٨٢ ، القوانين الفقهية: ص٣١٨ . - ٤٦٤_ وإلا سجن، وليس للحاكم بيع تلك العروض، بخلاف المفلس؛ لأن المفلس منع من التصرف في ماله، وتحبس المرأة عند امرأة أمينة، ويحبس الجد لولد ابنه، ويحبس الولد لأبيه في دين أو غيره، ولا العكس : أي لا يحبس والد بولده. فإن أثبت المدين المجهول الحال، أو ظاهر الملاءة عُشْره بشهادة بيّنة تشهد أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، وحلف كذلك أنه لا مال له، أُنظر لميسرة ، فلا يسجن ولا يطالب قبلها، ولا يلزم بتكسب ولا اقتراض لوفاء ما بقي عليه من الدين، ولو كان قادراً عليه؛ لأن الدين إنما تعلق بذمته، فلا يطلب به إلا عند اليسار. ويخرج المجهول الحال من الحبس إن طال حبسه باجتهاد الحاكم بحيث يغلب على الظن أنه لو كان عنده مال ، ما صبر على الحبس هذه المدة . وأما ظاهر الملاءة فلا يخرج من الحبس إلا ببينة بعدمه. وأما معلوم الملاءة فيخلد في السجن حتى يؤدي ما عليه أو يأتي بكفيل غارم . وقال الشافعية والحنابلة(١): على الموسر إن طولب أداء دينه فوراً بحسب الإمكان ، فإن امتنع وله مال ظاهر، وهو من جنس الدين ، وُفي منه، فإن كان من غير جنس الدين ، باع الحاكم جبراً عليه ماله، وإن كان المال في غير محل ولايته ، أو أكرهه مع التعزير بحبس أو غيره على البيع. فإن أخفى المدين ماله، وهو معلوم، وطلب غريمه حبسه، حبس، وحجر عليه أولاً حتى يظهره. فإن لم ينزجر بالحبس، ورأى الحاكم ضربه أو غيره، فعل ذلك ، وإن زاد مجموعه على الحد . ومن ادعى الإعسار ولم يصدقه الدائن ، حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته . فإن ثبت إعساره، وجب إنظاره ولم تجز ملازمته للآية السابقة: ﴿ وإن كان ذو عسرة ، فنظرة إلى ميسرة ﴾. (١) مغني المحتاج: ١٥٤/٢، ١٥٧، كشاف القناع: ٤٠٦/٣ - ٤٠٩، المغني: ٤٤٧/٤ وما بعدها ، و ٤٥٠ وما بعدها، المهذب : ٣٢٠/١. - ٤٦٥ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣٠) وإن ثبتت قدرته على الوفاء، ولم يؤد ديونه، حبسه الحاكم(١)، للحديث السابق: ((لِيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته))، وليس للحاكم إخراج المدين من الحبس حتى يتبين له أمره أنه معسر، فيجب حينئذ إطلاقه، أو يبرأ المدين من غريمه بوفاء أو إبراء، أو حوالة، فيطلق سراحه لسقوط الحق عنه، أو يرضى غريمه بإخراجه من الحبس. فإن أصر المدين المليء على الحبس، ولم يوف الدين، باع الحاكم ماله، وقضى دينه . ولا يجبر كما قال المالكية على الكسب، للحديث السابق: (( خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك)) كما لا يجبر على قبول الهدية أو الصدقة أو القرض . ٤ - بيع مال المدين المحجور عليه وقسمة ثمنه بين الغرماء : اتفق الفقهاء(٢) على أنه يباع مال المدين المحجور عليه بسبب الفلس، ويقسم ثمنه بين الدائنين الغرماء بالمحاصة أي بنسبة ديونهم ، ويندب أن يكون البيع فوراً بعد الحجر، لئلا يطول زمن الحجر عليه، ومبادرة لبراءة ذمته، وإيصال الحق إلى ذویه، ولأنه ماآ ما حجر علی معاذ، باع ماله في دینه، وقسم ثمنه بین غرمائه. فإن كانت الديون من جنس مال المدين ، قضاها القاضي بغير أمر المدين، وإن كانت من غير جنس مال المدين، وجب على القاضي بيع المال، وقسمة الثمن بين الدائنين . ويستحب للحاكم وقت البيع أن يحضر المفلس أو وكيله، لفوائد منها ضبط متاعه، والتعريف بالجيد منه، وتطييب نفسه وإسكان قلبه، وتكثير الرغبة في قال الشيخ تقي الدين بن تيمية : لا يجب حبسه في مكان معين ، بل المقصود : منعه من التصرف حتى يؤدي (١) الحق ، فيحبس ولو في دار نفسه بحيث لا يمكن من الخروج ( كشاف القناع: ٤٠٨/٣ ) . تكملة الفتح: ٣٢٨/٧ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ١٩٩/٥ وما بعدها ، الشرح الصغير : ٣٥٧/٣ وما بعدها ، (٢) ٣٦٦، الشرح الكبير: ٢٦٩/٣ - ٢٧١، القوانين الفقهية: ص٣١٩ ، مغني المحتاج: ١٥٠/٢ وما بعدها ، المهذب: ٣٢٢/١، كشاف القناع: ٤٢٠/٣ وما بعدها، المغني: ٤٤١/٤ - ٤٤٦، بداية المجتهد: ٢٨٧/٢. - ٤٦٦ - --- شرائه، كما يستحب إحضار الغرماء؛ لأن البيع لهم ، وربما رغبوا في شيء، فزادوا في ثمنه، ولتطييب قلوبهم ، والبعد عن التهمة، وربما وجد أحدهم عين ماله، فأخذه. ويباع الشيء في عصرنا بالمزاد العلني ، ويباع ندباً كل شيء في سوقه، بشرط كون البيع بثمن المثل ، حالاً، من نقد البلد . ويقدم في البيع ما يخاف فساده كالفواكه والبقول، ثم ما يتعلق به حق كالمرهون، ثم الحيوان لحاجته إلى النفقة، ولأنه معرض للتلف، ثم المنقول ؛ لأنه يخشى ضياعه بسرقة ونحوها ، ويقدم الملبوس على النحاس ونحوه، ثم العقار، ويقدم البناء على الأرض. وإنما أخر العقار؛ لأنه يؤمن عليه من الهلاك والسرقة؛ ولأن العقار يعد للاقتناء، فيلحقه ضرر ببيعه، فلا يبيعه إلا عند الضرورة، ويستأنى عند المالكية في بيع العقار نحو شهرين ويلاحظ أن أبا حنيفة خلافاً لصاحبيه لم يجز للحاكم بيع عروض المدين وعقاره . ويترك للمفلس مجموعة كاملة عادية ( دَسْت )١١ من ثيابه المحتاج إليها عادة، كما يترك له قوت يوم القسمة عند الشافعية لمن تلزمه نفقته، من زوجة وخادم وقريب، وعند الحنفية: ينفق على هؤلاء من مال المدين قبل التفليس ولو بعد الحجر، وعند المالكية : يترك له ما يأكله أياماً، وعند الحنابلة: إلى أن يفرغ من قسمة المال بين الغرماء. فالحنابلة كالشافعية. وتترك له آلة صنعته التي لابد منها، كما يترك للعالم كتبه التي يحتاج لمراجعتها ومطالعتها. وأجاز المالكية بيع الكتب وثياب الجمعة إن كثرت قيمتها؛ لأن شأن العلم - على حد تعبيرهم - أن يحفظ في القلب، لكن قال العلامة العدوي: إن الحفظ قد ذهب الآن ، فلذا أجراها بعضهم على آلة الصانع . (١) الدّسْت : ما قابل ثياب الزينة. - ٤٦٧ - ويترك له مسکنه الذي لا غنى له عن سكناه فيه، وخادمه الذي يحتاج إليه ، مما يكون كلاهما صالحين لمثله؛ لأن ذلك مما لا غنى له عنه، فلم يبع في دينه كلباسه وقوته . لكن الأصح عند الشافعية : أنه يباع مسكنه ومركوبه، ولا يترك له خادمه القابل للبيع في الماضي ، لزمانته ومنصبه ؛ لأنه يسهل تحصيل المقصود بالكراء . وقال المالكية : أوجر على المفلس خادمه الذي لا يباع عليه، ويباع ما يباع عليه . ٥ - استرداد الدائن عين ماله الذي وجده في مال المفلس: هذا هو الحكم أو الأثر الخامس من أحكام أو آثار الحجر على المفلس عند الجمهور غير الحنفية . قال الحنفية (١) : من أفلس ( أي حكم الحاكم بتفليسه ) وعنده متاع لرجل بعينه، ابتاعه منه ، فصاحب المتاع أسوة الغرماء، أي أنه لا يكون أحق به من سائر الغرماء، فإن أفلس قبل قبض المتاع، أو بعد القبض بغير إذن بائعه، كان له استرداده، 5 وحبسه بالثمن في حالة ما قبل القبض . ودليلهم على عدم استحقاق صاحب المتاع عين ماله: أن الإفلاس يوجب في عقد المعاوضة لا في غيره العجز عن تسليم العين ، والعقد غير مستحق الفسخ، فلا يثبت حق الفسخ، وإنما المستحق هو الثمن أو الدين الذي هو وصف في الذمة، وبقبض المشتري عين المبيع ، تتحقق المبادلة مابين الذين والعين . .... وقال الجمهور غير الحنفية(٢): إذا فلس الحاكم رجلاً، فأصاب أحد الغرماء عين الدر المختار : ١٠٦/٥، تكملة الفتح والعناية: ٣٣٠/٧ وما بعدها ، تبيين الحقائق : ٢٠١/٥ وما بعدها . (١) (٢) بداية المجتهد: ٢٨٣/٢ وما بعدها، الشرح الصغير: ٣٧٣/٣، الشرح الكبير: ٢٨٢/٣، المهذب: ٣٢٢/١، مغني المحتاج: ١٥٧/٢ وما بعدها، المغني : ٤٠٩/٤ وما بعدها ، القوانين الفقهية: ص٣١٩. - ٤٦٨ - ماله ( أو سلعته التي باعها إياه بعينها )، كان له حق فسخ البيع وأخذ سلعته؛ لأنه عجز المشتري عن إيفاء الثمن ، فيوجب ذلك حق الفسخ، كعجز البائع عن تسليم المبيع، ولأنه يجوز فسخ العقد لتعذر العوض كالمسلم فيه إذا تعذر، ولأن النبي مع التّ قال فيما يرويه أبو هريرة: ((من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس، أو إنسان قد أفلس ، فهو أحق به من غيره ))(١). وقال الحنفية: إنه معارض بما روى الخصاف بإسناده: أن النبي ◌ُ الإ قال: ((أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده متاعه، فهو أسوة غرمائه )) وتأويل حديث أبي هريرة : أن المشتري كان قبضه بشرط الخيار للبائع. والحقيقة أن رأي الجمهور أقوى لصحة حديث أبي هريرة الذي لا يعارضه غيره، ولبعد تأويل الحنفية السابق، إذ لا حاجة للحديث في حالة وجود الخيار للبائع بفسخ البيع ، فهذا أمر مقرر عام يشمل المفلس وغيره . وأبعد منه تأويلهم الحديث على ما إذا كان المتاع وديعة أو عارية أو لقطة؛ لأن نص الحديث مقيد بحالة الإفلاس . وهناك أمور تتعلق برجوع صاحب المتاع أو المال على المفلس أهمها ما يأتي : أ - هل خيار الرجوع على الفور أم على التراخي ؟ للشافعية والحنابلة رأيان(٢)، أصحهما أن خيار الرجوع على الفور، كخيار العيب بجامع دفع الضرر، فتأخير الخيار يفضي إلى الضرر بالغرماء، لإفضائه إلى تأخير حقوقهم . ب - حق الرجوع في كل المعاوضات: قال الشافعية(٣): لصاحب المال (١) حديث صحيح رواه الجماعة عن أبي هريرة، وله مؤيدات أخرى عن سمرة، وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ( نيل الأوطار : ٢٤٢/٥). (٢) مغني المحتاج : ١٥٨/٢، المغني : ٤١٠/٤ . (٣) مغني المحتاج : ١٥٨/٢ . - ٤٦٩ - الرجوع في سائر المعاوضات المحضة كالبيع والإجارة والقرض والسلم ، لعموم حديث أبي هريرة السابق، فإذا أجره داراً بأجرة حالَّة، لم يقبضها حتى حجر عليه، فله الرجوع في الدار بالفسخ ، تنزيلاً للمنفعة منزلة العين في البيع، ولو سلمه دراهم قرضاً، أو رأس مال سلم حالًّ أو مؤجل، فحل أجل تسليم المسلم فيه، ثم حجر عليه، والدراهم باقية بالشروط الآتية ، فله الرجوع فيها بالفسخ . أما غير المعاوضات كالهبة، والمعاوضات غير المحضة كالنكاح والصلح عن دم العمد، فلا يجوز الرجوع فيها . جـ- شروط الرجوع: يشترط للرجوع في البيع عند الشافعية شروط(١): أولها - كون الثمن حالاً عند الرجوع، لا مؤجلاً؛ لأن المؤجل لا يطالب به . ثانيها - أن يتعذر حصول الثمن بالإفلاس. فلو انتفى الإفلاس، وامتنع المدين من دفع الثمن مع يساره، أو هرب، أومات مليئاً وامتنع الوارث من التسليم ، فلا فسخ في الأصح؛ لأن التوصل إلى أخذه بالحكم ممكن. ٠٠ ولو عرض الغرماء فداء المال بدفع ثمنه له، لم يلزمه قبوله، وله الفسخ عند الشافعية والحنابلة لما في الفداء من المنة، ولتعلق حقه بعين ماله. وقال المالكية : ليس له حينئذ حق الرجوع؛ لأن الرجوع لتلافي النقص في الثمن ، فإذا بذل له الثمن كاملاً، لم يكن له الرجوع، كما لو زال العيب من المعيب(٣). ثالثها - كون المبيع باقياً في ملك المشتري : فلو زال (فات) ملكه حساً كالموت أو حكماً كالوقف والبيع والهبة ، فلا رجوع، لخروجه عن ملكه بالفوات . (١) المرجع والمكان السابق . (٢) الشرح الكبير: ٢٨٣/٣، الشرح الصغير: ٣٧٣/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٥٩/٢، المغني : ٤١١/٤ . - ٤٧٠ - وقد تبين من هذه الشروط وما ذكر قبلها أن شروط الرجوع عند الشافعية ... (١) تسعة (١) : الأول - كونه في المعاوضة المحضة كالبيع . الثاني - أن يرجع عقب العلم بالحجر. الثالث - أن يكون رجوعه بقوله : فسخت البيع ونحوه، بدون حاجة لحكم حاكم. الرابع - أن يكون عوضه غير مقبوض ، فإن قبض شيئاً منه ثبت الرجوع فيما يقابل الباقي . الخامس - أن يكون عدم استيفاء العوض لأجل الإفلاس. السادس - كون العوض ديناً، فإن كان عيناً قدم بها على الغرماء. السابع - حلول الدين . الثامن - كون المال المبيع باقياً في ملك المفلس . التاسع - ألا يتعلق بالمال حق لازم، كرهن صادر من المشتري للشيء. وقال الحنابلة(٢): إنما يستحق البائع الرجوع في السلعة بخمس شرائط، وزاد في كشاف القناع شرطين آخرين : أحدها - أن تكون السلعة باقية بعينها ، لم يتلف بعضها، فإن تلف جزء منها كتلف ثمرة الشجر المثمر، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء. وقال المالكية والشافعية : يجوز الرجوع في الباقي، ويساهم مع الغرماء بحصة التالف. وهذا هو الشرط الثامن عند الشافعية . ثانيها - ألا يكون المبيع زاد زيادة متصلة كالسمن والكبر. وقال المالكية والشافعية : إنها لا تمنع . مغني المحتاج : ١٦٠/٢ . (١) المغني: ٤١٣/٤، ٤١٩، ٤٣٠، ٤٣١، ٤٣٤، ٤٥٣، كشاف القناع: ٤١٤/٣ - ٤١٧ . (٢) - ٤٧١ - ثالثها - ألا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً، فإن كان قد قبض بعض ثمنها سقط الرجوع، وهذا هو الشرط الرابع عند الشافعية، فالمذهبان متفقان عليه . وقال المالكية : صاحب السلعة مخير: إن شاء رد ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء ساهم مع الغرماء ولم يرجع . رابعها - ألا يكون تعلق بها حق الغير، فإن رهنها المشتري، أو وهبها ، لم يملك البائع الرجوع، كما لو باعها . وهذا هو الشرط التاسع عند الشافعية، ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنابلة والمالكية . خامسها - أن يكون المفلس حياً، فإن مات ، فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت، فحجر عليه، ثم مات، أو مات، فتبين فلسه. وهذا رأي المالكية أيضاً، لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن: «فإن مات المشتري ، فصاحب المتاع أسوة الغرماء(١)) وقال الشافعية: له الفسخ، واسترجاع العين، عملاً بحديث أبي هريرة. السابق . سادسها - كون السلعة لم يزل ملك المشتري عنها ببيع أو هبة أو وقف ونحوه . سابعها - أن يكون البائع حياً إلى وقت الرجوع وأما شروط رجوع البائع على المفلس في عين ماله عند المالكية فهي ثلاثة(٢): أولها - ألا يفديه غرماؤه بثمنه الذي على المفلس، فإن فدوه بمالهم أو مال المفلس، أو ضمنوا له الثمن وهم ثقات ، أو أعطوه كفيلاً ثقة ، لم يأخذه. ثانيها - أن يمكن أخذه واستيفاؤه، فإن لم يمكن أخذه كبضع الزوجة (١) رواه مالك في الموطأ، وأبو داود ، وهو مرسل ، وقد أسنده أبو داود من وجه ضعيف ( نيل ٠ الأوطار : ٢٤٢/٥) . (٢) الشرح الكبير : ٢٨٣/٣، الشرح الصغير: ٣٧٤/٣ وما بعدها . - ٤٧٢ - (الاستمتاع بها) فلا يرجع، فالزوجة إذا فلس زوجها وطلبت صداقها ، ساهمت مع الغرماء ؛ إذ لا يمكن رجوعها في البضع، ولها الفسخ قبل الدخول إذا أفلس حينئذ(١). ثالثها - أن يبقى عين المال على حاله، دون أن يتغير أو ينتقل عما كان عليه حين البيع ، فإن تغير، ساهم صاحب المال مع الغرماء، فلا يرجع إن طحنت الحنطة أو بذرت أو قليت أو عجنت أو خبزت، أو جعل الزُّبْد سمناً، أو فصل القماش ثوباً، أو قطع الجلد نعالاً أو ذبح الحيوان، أو تتمر الرطب (جعله تمراً)، أو خلط الشيء بغير مثله، ولم يتيسر تمييزه، كخلط عسل بسمن أو زيت، أو قمح جيد بعفن أو مسوس، أو زیت بنوع آخر من الزيوت . فإن خلط الشيء بمثله، أو دبغ الجلد، أو صبغ الثوب، أو نسج الغزل، أو تعيب الشيء بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي وعاد لهيئته الأولى، فلصاحبه حق الرجوع وأخذ الشيء . فإن استمر العيب، ولم يعد الشيء لهيئته الأولى، فله أخذه ومشاركة الغرماء بنسبة النقص، أو تركه ومشاركة الغرماء بجميع الثمن. د - زيادة المبيع عند المشتري المفلس : إذا زاد المبيع في يد المفلس فهل لصاحبه حق الرجوع ؟ للزيادة حالات : الحالة الأولى - الزيادة المتصلة : كالسمن والكبر، وتعلم الصناعة أو الكتابة أو القرآن ونحوها، لا تمنع الرجوع عند المالكية إلا أن يعطيه الغرماء ثمن المبيع، وعند (١) هذه مسألة استطرادية، لأن الكلام فيما قبض وحيز قبل الفلس . والزوج وهو المبتاع لم يحصل منه قبض للبضع قبل الفلس . - ٤٧٣ - الشافعية، وفي رواية عن أحمد. وتمنع الرجوع في رأي الخرقي الحنبلي ويظهر أنه الرأي الراجح عند الحنابلة لاتفاق كتبهم عليه (١). : الحالة الثانية - الزيادة المنفصلة : كالثمرة والولد الحادثين بعد البيع في يد المشتري، لا تمنع الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة، ويرجع البائع في الأصل، دون الزيادة، فإنها تكون للمشتري؛ لأن الشارع إنما أثبت لصاحب المال الرجوع في المبيع ذاته ، فيقتصر عليه(٣). الحالة الثانية - الزيادة بسبب الصبغ : إذا اشترى رجل من آخر قماشاً فصبغه بصباغ ما، ثم أفلس، لم يمنع الصبغ باتفاق المذاهب الثلاثة. من رجوع البائع بأصل القماش؛ لأن له حق الرجوع بعين ماله. ويكون المفلس شريكاً لصاحب القماش بما زاد في قیمته، وتكون الزيادة له(٣). وفي احتمال آخر عند الحنابلة : ألا يكون له الرجوع إذا زادت القيمة ، لأنه اتصل بالمبيع زيادة للمفلس ، فمنعت الرجوع كالسمن . الحالة الرابعة - الزيادة بالبناء أو الغرس أو الزراعة : قال المالكية(٤): من وجد ماله بعينه عند المفلس، وقد أحدث زيادة مثل أن تكون أرضاً فبناها أو غرسها ، امتنع عليه الرجوع، ويساهم مع الغرماء في ماله . (١) الشرح الكبير: ٢٨٣/٣، مغني المحتاج: ١٦١/٢، المهذب: ٣٢٤/١، المغني : ٤١٩/٤، كشاف القناع: ٤١٦/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٢٠ . (٢) المراجع السابقة ، كشاف القناع : ٤١٨/٣ . الشرح الكبير : ٢٨٣/٣، مغني المحتاج: ١٦٤/٢، المهذب: ٣٢٥/١، المغني: ٤١٧/٤ ، كشاف (٣) القناع : ٤١٨/٣ . (٤) بداية المجتهد : ٢٨٥/٢ . - ٤٧٤ - وقال الشافعية والحنابلة (١): لو اختار البائع الرجوع في الأرض بعد بناء المشتري أو غرس أشجار فيها، فإن اتفق الغرماء والمفلس على تفريغها من البناء والغرس، فلهم ذلك ؛ لأن الحق لهم لا يعدوهم، فإذا تم التفريغ فللبائع الرجوع في أرضه ؛ لأنه وجد متاعه بعينه، ويجب تسوية الحفر وغرامة أرش النقص من مال المفلس إن نقصت بالقلع، وإن امتنعوا عن التفريغ، لم يجبروا، قيل : وللبائع الرجوع في الأرض، ويتملك البناء والغراس بقيمته، وله أن يقلع ويضمن أرش النقص ؛ لأن مال المفلس مبيع كله، والضرر يندفع بكل واحد من الأمرين، كالزيادة بالصبغ. والأرجح عند الشافعية والحنابلة: أنه ليس للبائع الرجوع في الأرض، ويبقى البناء والغراس للمفلس، لما في الرجوع من ضرر بالمفلس المشتري والغرماء، والضرر لا يزال بالضرر، فالرجوع إنما شرع لدفع الضرر، فلا يزال ضرر البائع بضرر المفلس والغرماء. وحينئذ يساهم البائع مع الغرماء بالثمن. وبه اتفقت المذاهب الثلاثة على عدم الرجوع في هذه الحالة . فإن زرع المشتري الأرض ، ثم أفلس، فيجوز للبائع عند الشافعية (٢) الرجوع في الأرض ؛ لأنه وجد عين ماله مشغولاً بما ينقل، كما لو كان المبيع داراً، وفيها متاع للمشتري . وحينئذ إن استحصد الزرع، وجب نقله، وإن لم يستحصد، جاز تركه إلى أوان الحصاد، من غير أجرة ؛ لأن المشتري زرع في أرضه، فإذا زال الملك، جاز ترك الزرع إلى أوان الحصاد، من غير أجرة، كما لو زرع أرضه، ثم باع الأرض. هـ - تغيير المبيع بطحن الحنطة أو غزل الصوف ونحوهما : إن اشترى شخص حنطة فطحنها ، أو زرعها ، أو دقيقاً فخبزه، أو زيتاً فعمله (١) مغني المحتاج: ١٦٢/٢ وما بعدها، المهذب: ٣٢٥/١، المغني: ٤٢٦/٤ وما بعدها ، كشاف القناع : ٤٢٧/٢ . (٢) المهذب : ٣٢٦/١ . - ٤٧٥ - صابوناً، أو ثوباً قماشاً فقطعه قميصاً، أو غزلاً فنسجه ثوباً، أوخشباً فنجره أبواباً ، أو شريطاً فعمله إبراً، أو شيئاً عمل به ما أزال اسمه، ثم أفلس، سقط حق الرجوع للبائع باتفاق المذاهب الثلاثة على الأظهر عند الشافعية إن زادت القيمة. فإن لم تزد القيمة رجع البائع، ولا شيء للمفلس(١) . و- خلط المبيع بغيره : إذا اشترى شخص زيتاً فخلطه بزيت آخر، أو قمحاً فخلطه بما لا يمكن تمييزه منه، سقط حق الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة. لكن قال المالكية : إن خلط الشيء بمثله، فله حق الرجوع، وقال الشافعية : إن خلط المبيع بمثله أو دونه، فللبائع أخذ قدر المبيع من المخلوط ، وإن خلطه بأجود منه، فلا رجوع في المخلوط في الأظهر، بل يضارب مع الغرماء بالثمن (٢) ٠ ز- نقص المبيع : إذا نقصت مالية المبيع لذهاب صفة مع بقاء عينه، أو لعيب، كهزال، أو مرض، أو بلى ثوب ، لم يمنع الرجوع باتفاق المذاهب الثلاثة ؛ لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين ماله، لكن البائع عند الشافعية والحنابلة يتخير بين أخذه ناقصاً بجميع حقه، وبين أن يساهم مع الغرماء بجميع الثمن ؛ لأن الثمن لا يتقسط على صفة السلعة من هزال أو غيره ، فيصير كنقصه بسبب تغير الأسعار. ويتخير البائع عند المالكية بين أخذه ومشاركة الغرماء بنسبة النقص ، أو تركه ومشاركة الغرماء بجميع الثمن . وهو مذهب الشافعية أيضاً فيما إذا كان إتلاف بعض الشيء من أجنبي(٣). (١) الشرح الكبير: ٢٨٣/٣، الشرح الصغير: ٣٧٤/٣، مغني المحتاج: ١٦٣/٢، المهذب: ٣٢٥/١، المغني : ٤١٦/٤ . . (٢) الشرح الكبير، والصغير ، ومغني المحتاج: المكان السابق ، المغني: ٤١٥/٤ ، المهذب: ٣٢٦/١ . (٣) الشرح الكبير والصغير، المكان السابق، المهذب : ٣٢٤/١، المغني : ٤١٤/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٢٠. - ٤٧٦ - المبحث الثالث - رفع الحجر عن المحجورين : من المقرر شرعاً أن الحكم يدور مع سببه أو علته وجوداً وعدماً، وبما أن الحجر كان لسبب ، فإذا زال سبب الحجر، زال مسببه الذي بني عليه، وهو الحجر، وقد بينا الحكم في بحث أثر الحجر في المحجورين ونوجزه هنا . فيرتفع الحجر عن السفيه إذا ظهر رشده وأمارات حرصه على ماله، ولكن لابد في الراجح عند الفقهاء، خلافاً لمحمد بن الحسن وابن القاسم كما بينا في السفه، من قرار القاضي برفع الحجر؛ لأن ماثبت بحكم القاضي لا يزول إلا بحكم آخر. كذلك يرفع الحجر عن المغفل إذا ظهرت خبرته، واهتدى إلى حسن التصرف. عن طريق حكم القاضي ، على الخلاف السابق في السفيه . ويرفع الحجر عن المجنون بدون حكم القاضي باتفاق إذا شفي وعاد إليه عقله . ومثله المعتوه إذا اكتملت قواه العقلية وزال تخبطه في الكلام . وأما الصغير: فإن كان غير مميز فيرفع الحجر عن بعض تصرفاته عند الحنفية والمالكية بإتمام سن السابعة. وإن كان مميزاً فيرفع الحجر عنه شيئان(١): أحدهما - عند الجمهور غير الشافعية: وهو إذن الولي إياه بالتجارة، والإذن بالتجارة يزيل الحجر عن التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع . وعند الشافعية : لا يزول الحجر عن المميز ولو بالإذن بالتجارة . الثاني - بلوغه عاقلاً رشيداً من غير حاجة إلى ترشيد ولي أو حكم من القاضي عند الجمهور غير المالكية . وقال المالكية : الصغير ذو الأب : يزول الحجر عنه ببلوغه رشيداً بغير حكم (١) البدائع : ١٧١/٧، المغني : ٤٥٧/٤ . - ٤٧٧ - الحاكم. فإن كان عليه وصي من الأب ، فيزول حجره بترشيد منه من غير إذن الحاكم، وإن كان وصيه من القاضي ، فيزول حجره بترشيده، ياذن القاضي في رأي ابن جزي المالكي، وأما ما ذكره الدردير في الشرح الكبير والصغير فلا يحتاج الوصي مطلقاً في ترشيده إلى إذن القاضي، وما ذكره الدردير أرجح. والترشيد : أن يقول الوصي أمام العدول : اشهدوا أني فككت الحجر عن فلان ، وأطلقت له التصرف، لما قام عندي من رشده وحسن تصرفه . وللقاضي ترشيد المحجور إذا ثبت عنده رشده، سواء كان بوصي أو بغير وصي. والأنثى تظل في ولاية أبيها في مشهور المذهب حتى تتزوج ويدخل بها زوجها، ويؤنس رشدها، أو يشهد العدول بحفظ مالها ، أو يرشدها أبوها قبل الدخول أو بعده، أو وصيها المختار بعد الدخول. وليس لوصي القاضي ترشيدها مطلقاً إلا بشهادة البينة برشدها ، كما بينا في بحث حجر الصغير. وأما المفلس إذا قسم ماله بين الغرماء، فهل ينفك عنه الحجر بالقسمة ، أو يحتاج إلى حكم القاضي بفك الحجر؟ ذكر الشافعية والحنابلة(١) فيه وجهين : أحدهما - يزول الحجر، بقسمة مال المفلس ؛ لأن المعنى الذي لأجله حجر عليه قد زال ، فزال الحجر تبعاً له، کزوال حجر المجنون لزوال جنونه . والثاني - لا يزول إلا بحكم الحاكم؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فلم يزل إلا بالحاكم، كالحجر على المبذر. ويختلف حكمه عن المجنون ؛ لأن حجره ثبت بنفسه فزال بزواله . وفي تقديري : أنه ينبغي أن يتضمن حكم القاضي بحجر المفلس تحديد غاية (١) المهذب: ٣٢٧/١، المغني : ٤٤٩/٤ . - ٤٧٨ - معينة للحجر، وهي أن يتم تصفية أموال المفلس، فإذا تحقق الهدف، زال أثر الحجر تلقائياً بدون حاجة لحكم القاضي. المبحث الرابع - تعلق الدين بالتركة : ههنا أمور ثلاثة : ١ - هل تحل الديون المؤجلة بالموت ؟ يرى جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب(١) أن الديون المؤجلة تحل بالموت، كما تحل عند الحنفية والمالكية خلافاً لغيرهم بالتفليس. قال الزهري : مضت السنة بأن دينه قد حل حين مات (٢). وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين . وإذا لم يحل الدين بالموت، فلا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت، أو الورثة، أو يتعلق بالمال: لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا في ذمة الورثة؛ لأنهم لم يلتزموا الدين، ولا رضي صاحب الدين بذمهم، وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعلق الدين بأعيان أموال التركة، أو تأجيله؛ لأنه ضرر بالميت، وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه. أما إضرار الميت فلأن ذمته تظل مشغولة بالدين حتى يوفى عنه لحديث (( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه )) (٣). وأما إضرار صاحب الدين ( الدائن ) فيتأخر حقه، وقد تتلف العين ، فيسقط حقه، وأما إضرار الورثة فإنهم لا ينتفعون بأعيان التركة ولا يتصرفون فيها . ولأن الموت ما جعل مبطلاً للحقوق، وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبي ◌ُ له: ((من ترك حقاً أو مالاً فلورثته))(٤). (١) بداية المجتهد : ٢٨٢/٢، المغني : ٤٣٥/٤، المهذب: ٣٢٧/١. يدل له ماروى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي مَ ◌ّم قال: ((إذا مات الرجل وله دين إلى أجل، وعليه دين (٢) إلى أجل ، فالذي عليه حالًّ، والذي له إلى أجله)) (المهذب : ٣٢٧/١ ). (٣) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة ، وهو حديث صحيح . (٤) رواه أحمد وابن ماجه عن أبي كريمة ( الجامع الكبير: ١٧٨/٣) . - ٤٧٩ - ٣ - كيفية تعلق الدين بالتركة : يرى أغلب العلماء(١) أن الدين يبقى في ذمة الميت كما كان ، ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه، أو كتعلق الدين بالمرهون ؛ لأنه أحوط للميت ، إذ يمتنع على الورثة تصرفهم بأموال التركة قبل قضاء الديون . والأصح عند الشافعية أنه يستوي الدين المستغرق وغيره في رهن التركة ، فلا ينفذ تصرف الوارث في شيء منها . وبناء عليه لو باع رجل سلعة ثم مات المشتري قبل أداء الثمن ، يكون البائع أحق بسلعته عند الشافعية، كما في حال الإفلاس . ودليلهم رواية ابن أبي ذئب بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله مَ الٍ: ((أيما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق به )». وقال الحنابلة والحنفية والمالكية (٢): صاحب المتاع أسوة الغرماء بدليل رواية أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ومعناها ((أيما رجل مات أو أفلس، فوجد بعض غرمائه ماله بعينه ، فصاحب المتاع أسوة الغرماء )). ٣ - هل يمنع الدين نقل التركة إلى الورثة ؟ هناك رأيان عند الشافعية والحنابلة(٣)، الصحيح منهما: أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث؛ لأن تعلقه بها لا يزيد على تعلق حق المرتهن بالمرهون ، وحق الدائن بمال المفلس، وحق المجني عليه بمال الجاني، وهو كله لا يزيل الملك في حق الراهن والمفلس والجاني، فلا يمنع تعلق الدين بالتركة من نقل الملك إلى الورثة . (١) شرح السراجية: ص٤ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٨٤/٢، القوانين الفقهية: ص٢١٩ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١٤٤/٢ وما بعدها، المغني ٤٣٦/٤، المهذب : ٣٢٧/١ . (٢) هذا ما ذكره ابن رشد في بداية المجتهد ، إذ فرق بين الإفلاس والموت ، ففي الأول : صاحب المتاع أحق وفي الثاني : هو أسوة الغرماء . وأما صاحب القوانين فقد سوى بينهما في حالة كون السلعة باقية ، فإن تلفت فصاحب المتاع أسوة الغرماء . (٣) مغني المحتاج : ١٤٥/٢ وما بعدها، المهذب: ٣٢٧/١ ، المغني: ٤٣٧/٤. - ٤٨٠ -