النص المفهرس
صفحات 421-440
القاضي كما ذكر ابن جزي، وأما ما قرره الدردير وهو الراجح فهو أن الوصي سواء أكان وصي الأب أم وصي القاضي لا يحتاج في ترشيده لإذن القاضي. والترشيد بأن يقول الوصي أمام العدول : اشهدوا أني فككت الحجر عن فلان، وأطلقت له التصرف، لما ثبت عندي من رشده وحسن تصرفه. وللقاضي ترشيد المحجور مطلقاً إذا ثبت عنده رشده . الثالث - أن يبلغ الصغير، وليس له أب ولا وصي، وهو المُهْمل: فهو محمول على الرشد إلا أن يتبين سفهه . والخلاصة: أن الصبي ذا الأب أو الوصي المختار لا يحتاج رفع الحجر عنه إلى حاكم، لكن ذو الأب لا يحتاج إلى ترشيد، وذو الوصي يحتاج إلى ترشيد. وأما ذو الوصي المعين من القاضي ، فيحتاج لحكم القاضي في رأي ابن جزي، ولا يحتاج لإذن القاضي في رأي الدردير. وأما الأنثى: فذات الأب لا ينفك الحجر عنها إذا لم يرشدها أبوها إلا بأمور أربعة: بلوغها ، وحسن تصرفها ، وشهادة العدول بذلك، ودخول الزوج بها. وللأب ترشيدها قبل دخول الزوج بها بأن يقول لها : رشدتك ورفعت الحجر عنك. فيرتفع الحجر عنها وتنفذ تصرفاتها ، ولو لم يشهد العدول بصلاح حالها . وأما ذات الوصي (المختار أو المعين من القاضي): فلا ينفك الحجر عنها إلا بأمور خمسة، البلوغ، وحسن تصرفها ، وشهادة البينة بذلك، ودخول الزوج بها، وفك الوصي حجرها بترشيدها ، ولا يحتاج في الفك لإذن الحاكم؛ أي أن الأنثى لا تحتاج في رفع الحجر عنها إلى قضاء القاضي . وعليه يكون مذهب المالكية قريباً من مذهب الجمهور، إذ لا يحتاج رفع الحجر عن الصغير لقضاء القاضي إلا إذا كان الصغير تحت ولاية القاضي، فيحتاج لترشيد القاضي، كما يحتاج ذو الوصي لترشيد الوصي. - ٤٢١ - ؛ والخلاصة : أن ما يرفع الحجر عن الصبي شيئان عند الجمهور غير الشافعية: هما إذن الولي إياه بالتجارة، وبلوغه رشيداً. وعند الشافعية شيء واحد هو البلوغ. ب - وإن بلغ الصغير غير رشيد، لا تسلم إليه أمواله ، بل يحجر عليه بسبب السفه، باتفاق المذاهب، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾. إلا أن أبا حنيفة(١) قال: يستمر الحجر على البالغ غير الرشيد إلى بلوغه خمساً وعشرين سنة، ثم يسلم إليه ماله، ولو لم يرشد؛ لأن في الحجر عليه بعد هذه السن إهداراً لكرامته الإنسانية، ولقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ وهذا قد بلغ أشده، ويصلح أن يكون جدًّاً في هذه السن، ولأن المنع عنه للتأديب، ولا يتأدب بعدئذ غالباً، فلا فائدة في المنع، فلزم الدفع إليه . وقال الصاحبان وباقي الأئمة(٢): إذا بلغ الولد غير رشيد، لا يسلم إليه ماله، ويستمر الحجر عليه، حتى يؤنس رشده، ولو بلغ الستين من عمره، للآية السابقة ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ حيث شرط الله تعالى لدفع أموال اليتامى إليهم شرطين : البلوغ وايناس الرشد، والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونها ، ولقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ أي أموالهم . ثالثاً - البلوغ: يحدث البلوغ إما بالأمارات الطبيعية أو بالسن. أما الأمارات أو العلامات الطبيعية، فاختلفت المذاهب في تعدادها : (١) البدائع: ١٧١/٧، تكملة الفتح : ٢١٦/٧ ، تبيين الحقائق: ١٩٥/٥، اللباب : ٦٩/٢ (٢) بداية المجتهد : ٢٧٧/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٢١، الشرح الكبير: ٢٩٨/٣، المهذب. ٣٣١/١ ، مغني المحتاج : ١٦٦/٢، ١٧٠، المغني: ٤٥٧/٤ وما بعدها ، كشاف القناع: ٤٤٠/٣ - ٤٢٢ - فقال الحنفية(١): يعرف البلوغ في الغلام بالاحتلام، وإنزال المني، وإحبال المرأة . والمراد من الاحتلام هو خروج المني في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره . والدليل على كونه علامة البلوغ قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ﴾ وخبر «رفع القلم عن ثلاث، منها: عن الصبي حتى يحتلم(٢)) وروى أبو داود عن علي ابن أبي طالب قال: حفظت عن رسول مَ له: ((لا يتم بعد الاحتلام». وإذا تحقق البلوغ بالاحتلام تحقق بالإنزال ؛ لأن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة، فعلق الحكم به . وكذا الإحبال؛ لأنه لا يتحقق بدون الإنزال عادة . ويعرف البلوغ في الأنثى بالحيض لخبر رواه الخمسة إلا النسائي: (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار(٣)) أو بالحبل لأن الحمل دليل على إنزال المرأة فيحكم ببلوغها منذ حملت. وأدنى مدة البلوغ للغلام اثنتا عشرة سنة، وللأنثى تسع سنين، وهو المختار عند الحنفية . فإذا لم يحصل بلوغ طبيعي ، ثبت البلوغ بالسن، فمتى بلغ الولد (ذكراً أو أنثى) سن الخامسة عشرة فقد بلغ الحلم على المفتى به، وهو سن المراهقة . وقال أبو حنيفة: يبلغ الغلام إذا أتم ثماني عشرة سنة، والأنثى سبع عشرة سنة؛ لأنه إنما يقع اليأس عن الاحتلام الذي علق الشرع الحكم به بهذه السن . ومذهب المالكية(٤): علامات البلوغ الطبيعية سبعة، خمسة منها مشتركة بين الجنسين، واثنان مختصان بالأنثى. فالحيض والحبل خاص بالمرأة. وإنزال المني مطلقاً (١) البدائع: ١٧١/٧، الدر المختار: ١٠٧/٥، تبيين الحقائق: ٢٠٣/٥، تكملة الفتح: ٣٢٣/٧ رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عائشة بلفظ ((وعن الصبي حتى يكبر) ورواه أحمد وأبو (٢) داود والحاكم عن علي وعمر بلفظ (وعن الصبي حتى يحتلم)) ( نصب الراية: ١٦١/٤ وما بعدها). وروى ابن خزيمة في صحيحه عن عائشة: ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخار)» والحائض من (٣) بلغت سن المحيض . والخمار: ما يغطى به رأس المرأة. فدل ذلك على بدء تكليفها ( نيل الأوطار: ٦٧/٢ ) . (٤) الشرح الكبير : ٢٩٣/٣ - ٤٢٣ - في نوم أو يقظة، وإنبات شعر العانة الخشن، لا الزغب، ونتن الإبط ، وفرق أرنبة الأنف، وغلظ الصوت : مشترك بين الذكر والأنثى. ودليل حصول البلوغ بالإنبات : حديث الترمذي عن سمرة أن النبي ◌ُ الم قال: ((اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شَرْخِهم ، والشرخ : الغلمان الذين لم يُنْبتوا)). فإن لم يظهر شيء مما ذكر، كان بلوغ الصغير بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل، بالدخول فيها . ومذهب الشافعية(١) : يحصل البلوغ إما باستكمال خمس عشرة سنة قمرية، أو بخروج المني وقت إمكانه من ذكر أو أنثى، ووقت إمكانه : استكمال تسع سنين ، أو بنبات شعر العانة الخشن الذي يحتاج في إزالته لنحو حلق . وأما نبات شعر الإبط واللحية ، فليس دليلاً للبلوغ لندورهما دون خمس عشرة سنة . ويزيد على المذكور بالنسبة للمرأة : الحيض والحبل . والخلاصة : أن البلوغ عندهم يحصل بخمسة أشياء: ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة، وهي الإنزال والإنبات والسن. واثنان تختص بها المرأة وهما الحيض والحبل. ودليلهم على تحديد السن بـ ١٥ سنة: خبر ابن عمر: ((عرضت على النبي عد اله يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني ، ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني، ورآني بلغت(٢)). ومذهب الحنابلة(٣) كالشافعية تماماً. (١) (٢) مغني المحتاج : ١٦٦/٢ وما بعدها، المهذب : ٣٣٠/١ رواه ابن حبان، وأصله في الصحيحين وقد رواه الجماعة. وقال الشافعي: رد النبي ◌ُ ◌ّ سبعة عشر من الصحابة ، وهم أبناء أربع عشرة ، لأنه لم يرهم بلغوا ، ثم عرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة ، فأجازهم ، منهم زيد بن ثابت ورافع بن خديج وابن عمر . (٣) المغني: ٣٥٩/٤ - ٤٦١، كشاف القناع: ٤٣٢/٣ - ٤٢٤ - رابعاً - الرشد : الرشد عند الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة)(١): هو صلاح المال ولو كان فاسقاً أي توفر الخبرة في إدارة المال واستثماره وحفظه وإصلاحه، وحسن التصرف به، وتمييز النافع من الضار، فلا ينفق ماله في غير مصلحة ، ولا يضيعه بالتبذير والإسراف، لقوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ قال ابن عباس : يعني صلاحاً في أموالهم. فمن كان مصلحاً لماله، فقد وجد منه الرشد، ولم يكن الحجر عليه إلا لحفظ ماله، فكان المؤثر فيه ما أثر في تضييع المال ، أو حفظه . وقال الشافعية(٢) : الرشد صلاح الدين والمال، فإصلاح الدين: ألا يرتكب من المعاصي ما يسقط به العدالة، وإصلاح المال : أن يكون حافظاً لماله غير مبذر، فلا يفعل محرماً يبطل العدالة: من كبيرة أو إصرار على صغيرة ، ولم تغلب طاعاته على معاصيه، ولا يبذر بأن يضيع المال بغبن فاحش(٣) في المعاملة ونحوها، أو رميه في بجر، أو إنفاقه في محرم. فإذا بلغ الصغير غير رشيد لاختلال صلاح الدين أو المال، دام الحجر عليه، فيتصرف في ماله من كان يتصرف فيه قبل بلوغه . والأصح عندهم أن صرفه في الصدقة ووجوه الخير والمطاعم والملابس التي لا تليق بحاله ليس بتبذير. ويختبر الولي رشد الصبي في الدين والمال، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي اختبروهم . أما في الدين فمشاهدة حاله في العبادات، وتجنب المحظورات، وتوقي الشبهات ، ومخالطة أهل الخير. وأما اختباره في المال فبحسب أمثاله، فيختبر ولد التاجر بالبيع والشراء، البدائع : ١٧٠/٧، الدر المختار: ١٠٥/٥، بداية المجتهد: ٢٧٨/٢، المغني: ٤٦٧/٤، كشاف القناع: ٤٣٣/٣ (١) (٢) مغني المحتاج: ١٦٨/٢، ١٧٠، المهذب: ٣٣١/١ وهو مالا يحتمل غالباً . أما الغبن اليسير فمثل بيع ما يساوي عشرة بتسعة ، وهذا إذا كان جاهلاً بالمعاملة . (٣) - ٤٢٥ - والمماكسة فيهما أي طلب النقصان عما طلبه البائع، وطلب الزيادة على ما يبذله المشتري . ويختبر ولد الزارع بالزراعة ، والنفقة على العمال فيها، ويختبر المحترف بما يتعلق بحرفة أبيه وأقاربه. وتختبر المرأة بما يتعلق بالغزل والقطن حفظاً وحياكة وغيرها . ويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر، قبل البلوغ. وقيل : بعده. خامساً - ولي المحجور عليه : الولي : هو صاحب السلطة الشرعية التي يتمكن بها صاحبها من التصرف في مال غيره من غير توقف على إجازة أحد . وقد اتفق أئمة المذاهب على أن ولي المحجور عليه صبياً أو غيره في الأموال هو الأب إن كان موجوداً، ولم يكن مجنوناً أو محجوراً عليه، واختلفوا في غير الأب . قال الحنفية (١) : الولي الذي له حق التصرف في مال المحجور عليه : هو أبو الصبي، ثم وصيه بعد موته، ثم وصي وصيه، ثم جده (أبو أبيه)، ثم وصي جده ثم وصي وصيه، ثم الوالي، ثم القاضي أو وصي القاضي. وهذا الترتيب مبني على درجة الشفقة، فشفقة الأب فوق شفقة الكل ، وشفقة وصيه فوق شفقة الجد ؛ لأنه مرضي الأب ومختاره ، وشفقة الجد فوق شفقة القاضي ، لوجود القرابة . وما عدا المذكور من العَصَبة كالأخ أو العم ، أو غيرهما كالأم ووصيها فليس لهم الإشراف على أموال المحجور عليه، ولا يملكون الإذن للقاصر بالتجارة. وهذا الترتيب للأولياء هو في شأن المال ، أما في قضايا الزواج فللأولياء ترتيب آخر. وقال المالكية(٢): الولي على المحجور عليه من صغير أو سفيه لم يطرأ عليه السفه (١) الدر المختار : ١٢٢/٥، تبيين الحقائق: ٢٢٠/٥، البدائع: ١٥٥/٥ (٢) الشرح الكبير: ٢٩٩/٣ ، الشرح الصغير : ٣٨٩/٣ وما بعدها . - ٤٢٦ - بعد بلوغه(١): هو الأب الرشيد، ثم لوصيه، ثم للحاكم، فإن لم يكن حاكم فالولاية لجماعة المسلمين . فلا تثبت الولاية المالية للجد والأخ والعم إلا بايصاء الأب. وقال الشافعية (٢) : ولي الصبي : أبوه، ثم جده، ثم وصي من تأخر موته من الأب أو الجد، ثم القاضي أونائبه، لخبر ((السلطان ولي من لا ولي له)) (٣). ولا ولاية لسائر العصبات كالأخ والعم، كما لا ولاية للأم في الأصح: ولاية مال أو ولاية نكاح. وإني مع هذا الرأي إذ لا أكاد أصدق أن عاطفة وصي الأب غير القريب أولى من الجد، فرابطة الدم والقرابة أشد باعثاً على الرعاية والحفظ والاهتمام بشؤون القصر. وقال الحنابلة(٤) كالمالكية تماماً: تثبت الولاية على الصبي والمجنون للأب ، ثم لوصيه بعده، ثم للحاكم. لكن إن جدد الحجر على الشخص بعد بلوغه، فالولاية عليه للحاكم ؛ لأن الحجر يفتقر إلى حكم حاكم، وزواله يفتقر إليه، فكذلك النظر في ماله . سادساً - تصرفات ولي القاصر: اتفق الفقهاء على أن الولي يتصرف وجوباً في مال الصبي القاصر بالمصلحة وعدم الضرر لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) وقوله سبحانه: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ﴾ كما أنهم اتفقوا على أن الغني لا يأكل من مال اليتيم ، وللفقير أن يأكل بالمعروف من غير إسراف لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ) وروى الشيخان عن عائشة أنها نزلت في ولي اليتيم إذا كان فقيراً أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. وروي أن رجلاً سأل رسول الله مثلٍ فقال : ليس لي مال، ولي أما لو طرأ عليه السفه بعد البلوغ فالحجر عليه للحاكم ، لا للأب . (١) مغني المحتاج : ١٧٢/٢ وما بعدها ، المهذب : ٣٢٨/١ (٢) رواه الترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه . (٣) المغني : ٤٧١/٤، كشاف القناع: ٤٣٤/٣. (٤) - ٤٢٧ - يتيم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((كل من مال يتيمك غير مُشْرف، ولا مُبذِّر، ولا مُتأثّل مالاً ، ولا تقِ مالك بماله)»(١). وتفصيل المذاهب في تحقيق المصلحة كما يأتي : قال الحنفية(٢): لا يملك الولي شيئاً من التبرعات ومن مال الصغير لأن ذلك ضرر محض ، فلا يقرض ماله ولا يوصي به، ولا يتصدق بماله، ولا يطلق امرأته، ولا يهب شیئاً من ماله من غير عوض، كما ليس له أن يهب بعوض عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الهبة بعوض هبة ابتداء، وإنما تصير معاوضة انتهاء، وهو لا يملك الهبة . وتجوز الهبة بعوض عند محمد لأنها في معنى البيع . لكن للقاضي إقراض مال اليتيم، لأنه من باب حفظ الدين. وللولي أن يقبل الهبة والصدقة والوصية للصغير، لأن التصرف نفع محض ، فيملكه الولي، وقال عليه الصلاة والسلام: ((خير الناس أنفعهم للناس)»(٣). وللولي إعارة مال القاصر استحساناً، وايداعه، ورهنه بدين القاصر؛ لأن التصرف من توابع التجارة، وهو يملكها، كما له أن يرهن مال القاصر بدين للولي نفسه؛ لأن عين المرهون تحت يد المرتهن ، إلا أنه إذا هلك يضمن مقدار ما صار مؤدياً منه دين نفسه . وللولي أن يبيع مال القاصر بأكثر من قيمته، ويشتري له شيئاً بأقل من قيمته لأنه نفع محض له. كما له أن يبيعه بمثل قیته، وبأقل من قیته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة . وله أن يشتري له شيئاً بمثل قيمته وبأكثر من قيمته قدر ما يتغابن الناس فيه عادة . (١) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو. ومعنى ((غير متأثل مالاً)) أي غير جامع. يقال: مال مؤثل ، ومجد مؤثل: أي مجموع ذو أصل (نيل الأوطار: ٢٥١/٥). (٢) البدائع : ١٥٣/٥ وما بعدها، تكملة الفتح: ٤٩٩/٨ وما بعدها ، مجمع الضمانات: ص ٤٠٨ . رواه القضاعي عن جابر بن عبد الله ، وهو حديث حسن . (٣) - ٤٢٨ - وله أن يؤاجر نفس القاصر وماله بأكثر من أجر مثله، أو بأجر مثله، أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة . وله أن يستأجر للقاصر شيئاً بأقل من أجر المثل أو بأجر المثل، أو بأكثر منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة . وفي حالة إجارة نفس القاصر إذا بلغ، له الخيار: إن شاء أمضاها، وإن شاء أبطلها، دفعاً للإضرار، ولا خيار له في إجارة المال ؛ لأن الأب يملك ذلك بحسب المصلحة ، وينفذ تصرفه . وللولي أن يسافر بمال الصغير، وأن يضارب به، وأن يوكل بالبيع والشراء، والإجارة والاستئجار؛ لأن هذه التصرفات من توابع التجارة، وكل من ملك التجارة ، ملك ما هو من توابعها . وأما بيع عقار القاصر: فيجوز للولي العدل ( محمود السيرة بين الناس أو مستور الحال) أن يبيعه بمثل القيمة فأكثر، ولا يجوز بيعه للوصي إلا للضرورة كبيعه لتسديد دين لا وفاء له إلا بهذا المبيع. وهذا هو المفتى به . وينفذ بيع الوصي يإجازة القاضي ، وله رده إذا كان خيراً . ويجوز للأب أو الجد أن يشتري مال الصغير لنفسه، أو يبيع مال نفسه من الصغير، بمثل قيمته أو بأقل مما يتغابن فيه عادة . ولا يجوز بغبن فاحش. وينفذ البيع إذا أجازه القاضي ، وللقاضي نقض البيع إذا رأى ذلك خيراً للصبي. ولا يجوز الشراء أو البيع للوصي عند محمد . ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف إن كان البيع للوصي أو الشراء منه خيراً لليتيم، وإلا فلا يجوز. وفسرت الخيرية : بأن تزيد السلعة التي يشتريها الوصي من الصغير بمقدار الثلث عن مثلها إذا اشتراها من غيره، فلو كان يشتريها بعشرة من أجنبي (غير الصغير)، فإنه يلزم أن يشتريها من الصغير بخمسة عشر. وقال المالكية (١): يتصرف الولي في مال الصغير بالمصلحة ، فللأب بيع مال (١) الشرح الكبير: ٢٩٩/٣، ٣٠٢ وما بعدها، الشرح الصغير: ٣٩٠/٣، ٣٩٣ - ٣٩٥. - ٤٢٩ - ولده المحجور عليه مطلقاً، عقاراً أو منقولاً، ولا يتعقب بحال، ولا يطلب منه بيان سبب البيع؛ لأن تصرفه محمول على المصلحة . وله أيضاً هبة الثواب (أي بعوض). أما الوصي فلا يبيع عقار محجوره إلا لسبب يقتضي بيعه، كما ليس له هبة الثواب من مال محجوره إلا لضرورة، لأنه إذا هلك الموهوب ، لم يلزم إلا قيمته يوم الهلاك ، ومن الجائز أن تنقص قيمته يوم الهلاك عن قيمته يوم الهبة، وهذا ضرر باليتيم . كذلك يبيع الحاكم كالوصي مال المحجور عند الضرورة كالنفقة ووفاء الدين ونحوهما . فيكون هذا المذهب كالحنفية من حيث المبدأ . وذكر المالكية أحد عشر سبباً لجواز بيع عقار القاصر من وصي أو حاكم للضرورة وهي : ١ -الحاجة البینة للبیع کنفقة أو وفاء دین لا قضاء له إلا من ثمنه . ٢ - الخوف عليه من ظالم يأخذه منه غصباً، أو يعتدي على ريعه ولم يستطع رده . ٣ - المصلحة الظاهرة (الغبطة): بأن يبيعه بزيادة الثلث على ثمن المثل فأكثر. ٤ - أن يكون موظفاً عليه ضريبة ظالمة، فيباع ليشترى له ما لا توظيف عليه إلا أن يكون الأول أكثر ريعاً. ٥ - أن يكون حصته مع شريك، فيباع ليشترى له عقار مستقل لا شركة فيه تخلصاً من ضرر الشركة . ٦ - أن يكون ريعه قليلاً أو لا ريع له أصلاً، فيباع ليستبدل له مافيه ربع أكثر. - ٤٣٠ - ٧ - أن يكون العقار بين جيران سوء في الدين أو الدنيا ، أو لكونه بين جيران ذميين ، فيباع ليستبدل به عقار بين جيران صالحين . ٨ - أن يكون مشتركاً غير قابل القسمة، فيبيع شريكه حصته، فيباع مع بيع شريكه . ٩ - أن يخاف خرابه، ولا مال للمحجور عليه يعمر به إذا خرب، فيباع. ١٠ - أن يخاف خرابه، وله مال يعمر به، ولكن بيعه أولى من تعميره . ١١ - أن يصبح المنزل منفرداً في مكان لانتقال العمارة عنه . وقال الشافعية(١): يتصرف الولي للقاصر بالمصلحة وجوباً، فيحفظ ماله عن أسباب التلف، ويستثمره ويتجرله في ماله، حتى لا تأكله المؤن من نفقة وغيرها ، لقول النبي ◌ُ ◌ّ: ((من ولي يتيماً، وله مال فليتجرله بماله، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة))(٢)، ويبني له داره بأمتن مواد البناء عند الإمكان. ويشتري له العقار إذا حصل من ريعه الكفاية لأنه يبقى وينتفع بغلته، هذا إذا لم يخف جوراً من سلطان أو غيره، أو خراباً للعقار. وله أن يسافر بمال الصبي والمجنون وقت الأمن إذا اقتضت المصلحة السفر به، ولا يشتري له ما يسرع فساده، وإن كان مريحاً . ولا يبيع عقاره إلا في موضعين : أحدهما لحاجة كنفقة وكسوة بأن لم تف غا العقار بها، ولم يجد من يقرضه، أو لم ير المصلحة في الاقتراض، أو خاف خرابه، والثاني - لمصلحة (غبطة) ظاهرة، كأن يرغب فيه شريك أو جار بأكثر من ثمر مثله، وهو يجد مثله ببعضه، أو خيراً منه بكله، أو يكون ثقيل الخراج، أي المغارم والضرائب مع قلة ریعه . (١) مغني المحتاج: ١٧٤/٢ - ١٧٦، المهذب: ١ / ٣٢٨ _ ٣٣٠. (٢) رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص . - ٤٣١ - وله بيع مال القاصر مبادلة بعرض آخر، ونسيئة ( مؤجلة) للمصلحة التي يراها فيهما، كأن يكون في الأول ربح ، وفي الثاني زيادة لائقة ، أو خاف عليه من نهب أو إغارة. وإذا باع نسيئة أشهد على البيع وجوباً وارتهن بالثمن رهناً وافياً به. ويشترط أن يكون المشتري موسراً ثقة، والأجل قصيراً عرفاً، احتياطاً للمحجور عليه، فإن لم يفعل ذلك، ضمن، وبطل البيع على الأصح. ولا يودع ماله، ولا يقرضه من غير حاجة؛ لأنه يخرجه من يده. ويزكي ماله وجوباً، لأن الولي قائم مقام القاصر، وينفق عليه بالمعروف في طعام وكسوة مما لابد منه، بما يليق به في إعساره ويساره، فإن قتَّر أثم ، وإن أسرف أثم وضمن . فإن ادعى الصغير بعد بلوغه على الأب والجد بيعاً لماله، ولو عقاراً، بلا مصلحة، صدق الأب والجد باليمين ؛ لأنهما لا يتهمان لوفور شفقتهما. وإن ادعاه على الوصي أو أمين القاضي، صدق الولد للتهمة في حقهما . وإن أراد الولي أن يبيع مال القاصر بماله: فإن كان أباً أو جداً جاز البيع؛ لأنها لا يتهمان فيه، لكمال شفقتهما ، وإن كان غيرهما لم يجز، لما روي أن النبي ◌ُ ◌ٍّ قال: ((لا يشتري الوصي من مال اليتيم))(١) ولأنه متهم بمراعاة مصلحته في بيع مال القاصر من نفسه. وقال الحنابلة(٢) كالشافعية تقريباً: لا يجوز لولي الصغير والمجنون أن يتصرف في مالهما إلا على وجه الحظ (المصلحة) لهما، لقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾. فإن تبرع بهبة أو صدقة ، أو حابى بأن اشترى بزيادة، أو باع بنقصان، أو زاد على النفقة عليهما بالمعروف، ضمن؛ لأنه مفرط ، كتصرفه في مال غيرهما . وللولي الإنفاق عليهما من مالهما بغير إذن الحاكم . رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح عن صلة بن زفر عن ابن مسعود من قوله ( مجمع الزوائد : ٢١٤/٤). (١) (٢) كشاف القناع : ٤٣٥/٣ - ٤٣٩ . - ٤٣٢ - ولا يصح للولي أو الوصي أو الحاكم أن يشتري من مال الصغير والمجنون شيئاً لنفسه، أو يبيعهما شيئاً من نفسه، أو يرتهن من مالهما لنفسه؛ لأنها مظنة التهمة ، إلا الأب لوفور شفقته، وسعيه في مصلحة ابنه ، فلا يفعل إلا مافيه حظه ، بخلاف غيره . ويجب على الولي إخراج زكاة مالهما من مالهما . ولا يصح إقرار الولي عليهما بمال ولا إتلاف ونحوه ؛ لأنه إقرار على الغير. وللولي السفر بمالهما لتجارة وغيرها في مواضع الأمن وغلبة السلامة؛ لأنه أحظ لهما . وللولي التجارة بالمال بنفسه ولا أجرة له، والربح كله للمولى عليه؛ لأنه نماء ماله، والتجارة بمالهما أولى من تركها، لقول عمر وغيره: ((اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الصدقة)). وللولي دفع المال مضاربة إلى أمين يتجر فيه بجزء من الربح، وله إيضاعه أي دفع مالهما إلى من يتجر به ، والربح كله للمولى عليه . وله بيعه نسيئاً لمليّ، وله قرضه لمصلحة فيهما، بأن يكون الثمن المؤجل أكثر مما يباع به حالاً ، وذلك لحاجة سفر أو خوف على المال من نهب أو غرق أو غيرهما ، ولو بلا رهن ولا كفيل به. فإن ضاع المال أو تلف بسبب ترك الرهن والكفيل لم يضمن الولي ؛ لأن الظاهر السلامة . وله إيداع مال المولى عليه لثقة، أو قرضه لمليء أمين ، لمصلحة فيه ؛ لأنه أحفظ له، ولا ضمان على الولي إن تلف لعدم تفريطه. ولا يقرض وصي ولا حاكم منه شيئاً لنفسه، كما لا يشتري من نفسه، ولا يبيع لنفسه للتهمة، أما الأب فيجوزله لعدم التهمة ، كما بينا . وله هبة المال بعوض قدر قيمته فأكثر، أما بدونها فمحاباة لا تصح. وله رهنه عند ثقة لحاجة . - ٤٣٣ - الفقه الإسلامى جـ ٥ (٢٨) وللولي شراء العقار للمولى عليه ليستغل ، وله أيضاً بناؤه بما جرت به عادة أهل بلده . وله تعليمه الخط والرماية والأدب وما ينفعه، وأداء الأجرة عنه من مال المولى عليه ؛ لأنه لمصلحته، وله تسليمه للعمل في صناعة ، ومداواته لمصلحة بلا إذن حاكم. وللولي بيع عقار المولى عليه لمصلحة ، ولو لم يحصل زيادة على ثمن مثله. وأنواع المصلحة كثيرة منها : - الحاجة إلى نفقة أو كسوة أو قضله دين ونحوها مما لابد منه للصغير أو المجنون إذا لم يكن لهما ما تندفع به الحاجة سوى المبيع . - أن يخاف على العقار الهلاك بغرق أو حرق أو خراب، ونحوها. - أن يكون في بيع العقار صفقة رابحة للقاصر، كأن يباع بزيادة كثيرة على ثمن مثله، ولا يتقيد بالثلث . م 8 - أن يكون العقار في مكان لا ينتفع به، كأن يكون في حي غير عامر، أو قليل النفع، فيبيعه ليشتري له عقاراً في مكان آهل بالسكان ، أو أكثر نفعاً . ---- - أن يرى الولي شيئاً يباع بسعر رخيص ، لا يمكن شراؤه إلا ببيع العقار. - أن يكون العقار في مكان يتضرر الغلام بالمقام فيه، كسوء الجوار أو غيره. ونحوه مما لا ينحصر مما يكون فيه مصلحة. ولا يباع إلا بثمن المثل. سابعاً - الإذن للقاصر في التصرفات : الإذن في اللغة : الإعلام، ومنه الأذان ؛ لأنه إعلام بوقت الصلاة، قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ أي إعلام. وقال تعالى: ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ أي أعلمهم به . - ٤٣٤ - وفي الشرع : الإذن : فك الحجر في التجارة ، وإطلاق التصرف، وإسقاط الولي حق المنع من التصرف للقاصر. واتفق الفقهاء على اختبار المميز في التصرفات ، لمعرفة رشده، لقوله تعالى: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي اختبروهم. واختباره بتفويض التصرفات التي يتصرف فيها أمثاله. فإن كان من أولاد التجار، اختبر بالماكسة في البيع والشراء، وإن كان من أولاد الزراع اختبر بالزراعة، وإن كان من أولاد أصحاب الحرف اختبر بالحرفة . والمرأة تختبر في شؤون البيت من غزل وطهي طعام وصيانته وشراء لوازم البيت، ونحوها (١). واختلفوا في إذن الولي للقاصر بالتجارة وفي أثر الإذن على التصرفات : ١ - فقال الشافعية(٢): لا يجوز الإذن له في التجارة، وإنما يسلم إليه المال، ويمتحن في الماكسة ، فإذا أراد العقد عقد الولي ؛ لأن تصرفاته وعقوده باطلة لعدم توافر العقل الكافي لتقدير المصلحة في مباشرة التصرف، فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود مظنة كمال العقل. لكن يختبر السفيه، فإذا ظهر رشده عقد؛ لأنه مكلف . ٢ - وقال الحنفية، والمالكية في المعتمد عندهم، والحنابلة في الرواية الراجحة(٣): يجوز للولي المالي الإذن للقاصر في التجارة إذا أنس منه الخبرة، لتدريبه على طرق المكاسب، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي اختبروهم لتعلموا رشدهم. وإنما يتحقق الاختبار بتفويض التصرف إليهم في البيع والشراء، ولأن المميز عاقل محجور عليه، فيرتفع حجره بإذن وليه، ويصح تصرفه بهذا الإذن ، فلو تصرف بلا إذن لم (١) المغني : ٤٦٨/٤ . (٢) مغني المحتاج : ١٧٠/٢ . الدر المختار: ١٠٨/٥ - ١١١، تبيين الحقائق: ٢٠٣/٥ وما بعدها، البدائع : ١٩٤/٧ وما بعدها، الشرح (٣) الكبير: ٢٩٤/٣، ٣٠٣ وما بعدها، الشرح الصغير: ٣٨٤/٣، ٣٩٦، المغني: ٤٦٨/٤، كشاف القناع: ٤٤٥/٣ . - ٤٣٥ - يصح عند الحنابلة، ولم ينفذ عند المالكية والحنفية. وهذا الرأي هو الأرجح والمعقول ، لاتفاقه مع طبيعة التدريب على التصرفات . والإذن عند الحنفية والمالكية قد يكون صريحاً، مثل أذنت لك في التجارة ، أو دلالة، كما لو رآه يبيع ويشتري، فسكت؛ لأن سكوته دليل الرضا، ولو لم يعتبر سكوته، لأدى إلى الإضرار بمن يعاملونه . وقال الحنابلة وزفر من الحنفية: لا يثبت الإذن بالدلالة، لأن سكوته محتمل للرضا، ولعدم الرضا . وأما أثر الإذن : فقال الحنفية: الإذن فك الحجر لا توكيل، فيكون عاماً، وإن قيده بنوع خاص ، فلا يتوقت ولا يتخصص بنوع ولا بمكان؛ لأنه إسقاط، والإسقاطات لا تقبل التقييد. فإذا أذن الولي في التجارة، نفذت جميع تصرفات المأذون التي تحتمل النفع والضرر، فله أن يبيع ويشتري ويضارب ويرهن ويسترهن ، ويؤجر ويستأجر. وليس له أن يهب أو يتصدق أو يقرض أو يتكفل، لأن التصرف تبرع، وليس تجارة ولا من مستلزمات التجارة . ويجوز للمأذون عند أبي حنيفة أن يتصرف بغبن فاحش؛ لأنه أصبح بالإذن كامل الأهلية ، ولكامل الأهلية التصرف بشؤون التجارة ولو بغبن فاحش. وقال الصاحبان : لا يجوز تصرفه بغبن فاحش ؛ لأن الزيادة الناجمة عن الغبن بمنزلة التبرع، وهو لا يملكه. وهذا في تقديري أولى لأن هذا التصرف مشتمل على ضرر له، وهو لا يملك التصرف الضار. ومذهب المالكية في نفاذ تصرفات المأذون في المعاوضات المالية دون التبرعات هو كالحنفية، إلا أنهم قالوا كالصاحبين : لا ينفذ التصرف المشتمل على غبن فاحش . ومذهب الحنابلة : أن الإذن بمثابة التوكيل، فلا ينفك الحجر بالإذن إلا فيما - ٤٣٦ - أذن له فيه وليه فقط ، فإذا أذن الولي في التجارة في مئة، لم يصح تصرف المأذون فيما زاد عليها ، وإذا أذن في نوع من التجارة، يتقيد فيه فقط ؛ لأن تصرفه جاز بالإذن ، فيزول الحجر عنه ويتقيد فيما أذن له فيه. لكن المأذون في التجارة من مميز ونحوه كمضارب في البيع، له البيع نسيئة أو بعرض (متاع)، لا كوكيل؛ لأن الغرض هنا الربح كالمضاربة . ويصح إقرار المميز المأذون بقدر ما أذن له فيه ؛ لأن الحجر انفك عنه فيه، ولیس له التو کیل فیما أذن له فيه . المطلب الثاني - أثر الحجر في تصرفات المجنون : المجنون : هو من زال عقله. فإن استمر جنونه في جميع الأوقات، كان جنوناً مُطْبقاً، وإذا ذهب عقله في وقت، وأفاق في وقت ، كان جنونه متقطعاً . ففي وقت الجنون يكون المجنون كالصبي غير المميز، تنسلب عنه الولايات الثابتة بالشرع كولاية الزواج، أو الثابتة بالتفويض كالإيصاء والقضاء، وتبطل أقواله في الدين والدنيا كالإسلام والمعاملات ، لعدم قصده . فلا تعتبر تبرعاته كالصدقة والهبة ، وتبطل جميع عقوده وتصرفاته كالبيع والشراء وإقراراته وطلاقه؛ لأنه فاقد الأهلية. وتعتبر أفعاله كالإحبال وإتلاف مال غيره ، فينسب الولد له، ويضمن جنايته على نفس أو طرف أو جرح، فيلتزم بأرش ( تعويض ) الجناية . وأما في وقت الإفاقة التامة بحيث يكون المصاب كامل العقل والتمييز فتعتبر تصرفاته صحيحة نافذة. فإن كانت إفاقته غير تامة ، بأن كان يعقل بعض الأشياء دون بعض ، فتعد تصرفاته كالمميز موقوفة على إجازة وليه إذا كانت محتملة الضرر والنفع، وتبطل إذا كانت ضارة، وتنفذ إذا كانت نافعة. وهذا عند الحنفية والمالكية . - ٤٣٧ - المطلب الثالث - أثر الحجر في تصرفات المعتوه: المعتوه : هو من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير لاضطراب عقله ، سواء من أصل الخلقة ، أو لمرض طارئ . فإن كان العته شديداً، والمعتوه غير مميز، فهو كالمجنون والصغير غير المميز، تكون تصرفاته كلها باطلة . وقد ألحقت كتب الفقهاء العتة بالجنون(١). وإن كان العته خفيفاً، والمعتوه مميزاً، فتصرفه الضار عند الحنفية والمالكية يكون باطلاً، والنافع يكون صحيحاً، والدائر بين النفع والضرر يكون موقوفاً على إجازة وليه، فهو كالصبي المميز (٢). المطلب الرابع - أثر الحجر على السفيه : يحجر على السفيه باتفاق المذاهب، كما يحجر على الصبي والمجنون ، والحجر على السفيه هو المفتى به والمختار في المذهب الحنفي. والسفيه: هو من يبذر ماله، ويصرفه في غير موضعه الصحيح، بما لا يتفق مع الحكمة والشرع. وفسر المالكية(٣) السفه: بصرف المال في معصية كخمر وقمار (اللعب بالدراهم على أن من غلب صاحبه فله من المعلوم كذا، وهو محرم إجماعاً) أو بصرفه في معاملة من بيع أو شراء بغين فاحش خارج عن العادة بلا مصلحة (من غير مبالاة) أو صرفه في شهوات نفسانية على خلاف عادة مثله في مأكله ومشربه وملبوسه ومركوبه (١) البدائع: ١٧٠/٧، تبيين الحقائق: ١٩١/٥ وما بعدها، تكملة الفتح: ٣١٠/٧ - ٢١٣، الدر المختار: ١٠٠/٥ وما بعدها ، اللباب: ٦٦/٢ وما بعدها، الشرح الكبير: ٢٩٢/٣، الشرح الصغير: ٣٨٢/٣، ٣٨٨، مغني المحتاج: ١٦٥/٢ وما بعدها، المهذب: ٣٢٨/١، كشاف القناع: ٤٢٠/٣ وما بعدها . (٢) الدر المختار ورد المختار: ١٠٠/٥، تكملة الفتح : ٣١١/٧ (٣) الشرح الصغير : ٣٩٣/٣ - ٤٣٨ - ----------- ونحوها، أو ياتلافه هَدَراً، كأن يطرحه على الأرض أو يرميه في بحر ونحوه . وقد اختلفت المذاهب في تعريفه وفي أحكامه ١ - مذهب الحنفية(١): السفه: هو تبذير المال وتضييعه على خلاف مقتضى الشرع أو العقل، ولو في الخير، كأن يصرفه في بناء المساجد ونحوها. والتبذير كالإسراف في النفقة، وأن يتصرف تصرفات لا لغرض، أو لغرض لا يعده العقلاء المتدينون غرضاً كدفع المال إلى المغنين، والغبن في التجارات من غير محمدة(٣). والسفيه: الخفيف العقل ، المتلف لماله فيما لا غرض له فيه، ولا مصلحة. وحكمه مختلف فيه ، فقال أبو حنيفة : لا يحجر على الحر العاقل البالغ بسبب السفه والدَّيْن والفسق والغفلة. فلا يحجر على السفيه ويظل تصرفه في ماله جائزاً، وإن كان مبذراً مفسداً يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة ؛ لأن في سلب ولا يته على ماله إهدار آدميته، وإلحاقه بالبهائم، وهو أشد ضرراً من التبذير، فلا يتحمل الضرر الأعلى لدفع الأدنى. قال تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم ، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾ والمراد به بعد البلوغ (٣). لكن إذا بلغ الغلام غير رشيد لإصلاح ماله، لم يسلم إليه ماله في أوائل بلوغه ، حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة. وإن تصرف في ماله بعد البلوغ قبل أن يبلغ تلك السن، نفذ تصرفه، لوجود الأهلية، وإذا بلغ خمساً وعشرين سنة ، سلم إليه ماله، وإن لم يؤنس منه الرشد ؛ لأن المنع عنه للتأديب، ولا يتأدب بعد هذه السن غالباً ، فقد يصير جَدّاً في هذه السن ، فلا فائدة في المنع . وهذا كله غير المفتى به . البدائع: ١٦٩/٧، ١٧١، الدر المختار ورد المختار: ١٠٢/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ١٩٥/٥ وما بعدها ، (١) تكملة الفتح: ٣١٠/٧ وما بعدها ، اللباب : ٦٨/٢ وما بعدها . (٢) التسامح في التصرفات من حيث الأصل ، والبر والإحسان مشروع ، إلا أن الإسراف حرام كالإسراف في الطعام والشراب ، قال تعالى : ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ لكن يلاحظ أن هذه الآية مقيدة بآية: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ (٣) - ٤٣٩ - وقال الصاحبان : يحجر على السفيه والمديون والمغفل ، ولا يحجر على الفاسق. وبقولهما يفتى صيانة لمال السفيه والمغفل ، ورعاية لمصلحة الدائنين الغرماء. ودليل الصاحبين وأئمة المذاهب الأخرى على جواز الحجر على السفيه: قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ فقد نهى الله الأولياء عن إعطاء السفهاء أموالهم، مما يدل على منعهم من التصرف، إذ لو أبيح لهم التصرف، لأمكنهم إتلاف أموالهم، وهي في يد أوليائهم، فلا يكون لمنع المال عنهم فائدة. وقال النبي ◌ُ ◌ّ فيما يرويه الطبراني بإسناد صحيح: ((خذوا على يد سفهائكم)) ثم إن في الحجر على السفيه رعاية لمصلحته، ودفع الضرر عنه بحفظ ماله وعدم وقوعه في الحاجة والفقر، كما أن فيه رعاية المصلحة العامة بدفع الضرر عن الناس الذين يعاملونه، حتى لا يصبح الشخص عالة على المجتمع، ومنعاً من إلحاق الضرر بالأموال، ودفع الضرر واجب شرعاً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار))(١) 8 وبناء على قول الصاحبين المفتى به : حكم السفيه المحجور عليه كحكم الصبي المميز، في التصرفات التي تحتمل الفسخ كالبيع والشراء، تصح موقوفة على إجازة القيم عليه . فإن باع بعد الحجر لم ينفذ بيعه، وإن كان في بيعه مصلحة ، أجازه الحاكم. أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ كالزواج والطلاق، فتصح منه، فإن تزوج امرأة أو أربع نسوة، جاز نكاحه؛ لأنه من حوائجه الأصلية، ولأنه لا يبطله الهزل. ثم إن سمى لها مقدار مهر مثلها، جاز، وإن زاد على مهر المثل، بطل الزائد؛ لأنه لا ضرورة فيه. ولو طلقها قبل الدخول، وجب نصف المهر المسمى . (١) حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً عن أبي سعيد الخدري، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحي عن أبيه عن النبي ◌َّ، وله طرق يقوي بعضها بعضاً. - ٤٤٠ _