النص المفهرس

صفحات 401-420

تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور
رحيم﴾ فدلت الآية على انتفاء الإثم عن المرأة المكرهة على الزنا، وإذا انتفى الإثم
عنها ارتفع الحد .
وإذا أكره الرجل على الزنا إكراهاً تاماً أو ناقصاً ، فالمختار عند الحنابلة وجوب
الحد عليه ؛ لأن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار العضو، والانتشار لا يكون مع الخوف،
فحيث يوجد الانتشار، توجد الطواعية في الفعل، فيكون المستكره على الزنا إذا
حدث منه طائعاً، فيجب عليه الحد .
والواقع أن الانتشار ليس دليلاً على الاختيار؛ لأن الانتشار طبيعي عند مقابلة
المرأة ، ولذا يحدث للنائم ولا اختيار له.
وقال الشافعية في المعتمد عندهم ؛ لا يجب الحد على المستكره على الزنا سواء أكان
الإكراه تاماً أم ناقصاً؛ لأن الإكراه أياً كان نوعه يورث شبهة، والحدود تدرأ
بالشبهات .
وأما الحنفية: فكان أبو حنيفة يرى وجوب الحد على المستكره على الزنا ، ثم
قال : إذا كان الإكراه تاماً - وهو الذي يتحقق فقط من السلطان بحسب عرف زمانه -
فلا يجب الحد. وأما إكراه غير السلطان فيوجب الحد. وقال الصاحبان : لا يجب
الحد حالة الإكراه التام ، سواء أكان الإكراه من السلطان أم من غيره، ورأيها هو
الأرجح عند الحنفية. وهو رأي أبي حنيفة أخيراً.
وإن كان الإكراه ناقصاً: فيجب الحد عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن الإكراه
الناقص لا يسلب الاختيار، فيكون الزاني في هذه الحالة مختاراً، فيحد .
والخلاصة : أن الحنفية لا يوجبون الحد في حالة الإكراه التام، ويوجبونه في
حالة الإكراه الناقص .
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٢٦)
- ٤٠١ -

وقال المالكية: إن كان الرجل والمرأة مكرهين على الزنا فيجب الحد. وإن
كانت المرأة طائعة ولم تكن ذات زوج، فقد أسقطت حقها برضاها ، فلم يبق سوى
حق الله تعالى، وحق الله يسقط بالإكراه، فلا يجب الحد عند بعض المالكية إذا كان
التهديد بالقتل. أما بغير القتل فيجب الحد، وهذا هو المفتى به. والمشهور في
المذهب: وجوب الحد على الرجل والمرأة .
وكذلك يحد المكره على الزنا في مذهب الحنابلة .
والذي يظهر هو رجحان مذهب الشافعية؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات(١).
الإكراه على أحد أمرين: كل ما ذكرناه إذا كان التصرف الحسي المكره
عليه معيناً ، فإن كان المكره عليه مخيراً فيه: فبالنسبة للحكم الأخروي يظل المباح
والمرخص فيه والحرام كما هو في حالة التعيين ، ولكن عليه اختيار الأخف، فإذا أكره
إنسان على أكل ميتة أو قتل مسلم، يباح له الأكل ، ولا يرخص له القتل، ولو امتنع
من الأكل حتى قتل يأثم. ولو أكره على إتلاف مال إنسان أو قتله رخص له
الإتلاف .
ولو أكره على القتل أو الزنا لا يرخص له أن يفعل أحدهما، ولا يأثم إذا قتل.
ولو أكره على القتل أو الكفر يرخص له إجراء كلمة الكفر إذا كان قلبه
مطمئناً بالإيمان .
وأما بالنسبة للحكم الدنيوي : فقد يختلف الحكم بالتخيير عن حالة التعيين ، فلو
أكره على أكل الميتة أو قتل المسلم، فلم يأكل وقتل، يجب القصاص على المستكره عند
الحنفية ؛ لأنه أمكنه دفع الضرورة بتناول المباح، فكان القتل حاصلاً باختياره.
ولو أكره على الكفر أو القتل، فقتل ولم يكفر بلسانه، فالقياس : أنه يجب عليه
(١) البدائع: ١٨٠/٧، تكملة فتح القدير: ٣٠٦/٧، مختصر الطحاوي: ص ٤١٠، الدر المختار: ٩٥/٥، تبيين
الحقائق: ١٨٩/٥ بحث الإكراه للأستاذ البرديسي: ص ٥٦ وما بعدها ، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي
عليه : ٣١٨/٤ ، المغني: ٢٥١/٥ .
- ٤٠٢ -

القصاص ؛ لأنه اختار القتل الذي هو حرام على المرخص فيه، ومقتضى الاستحسان .
أنه لا قصاص عليه، ولكن تجب عليه الدية ، إن لم يكن عالماً أنه مرخص له بلفظ
الكفر (١) .
المبحث الرابع - أثر الإكراه في التصرفات الشرعية: (أي في
التصرفات القولية أو التصرفات القانونية ).
نبدأ الكلام على التصرفات الشرعية المعينة ونقول :
التصرفات الشرعية المعينة إما أن تكون إنشاء أو اقراراً. والتصرفات الإنشائية
نوعان : نوع لا يحتمل الفسخ ، ونوع يحتمل الفسخ .
أما التصرفات التي لا تحتمل الفسخ: فهي كالطلاق والنكاح والظهار واليمين
والعفو عن القصاص. وقد أوصلها بعض الحنفية إلى عشرين، والتحقيق أنها خمسة
(٢)
عشر(٢).
وأما التصرفات التي تحتمل الفسخ: فهي كالبيع والإجارة ونحوهما من كل
تصرف يعتبر سبباً للملك .
أولاً - التصرفات التي لا تحتمل الفسخ (أي الرد، وهي التصرفات
اللازمة ) :
يرى الحنفية أنه لا تأثير للإكراه على التصرفات الشرعية التي لا تحتمل الفسخ أي
الرد ، ولا يشترط فيها الرضا ، فتعتبر هذه التصرفات نافذة مع الإكراه ؛ لأنها لا تقبل
الفسخ، فتصبح لازمة. فلو أكره الرجل على الطلاق أو النذر أواليمين أو الظهار أو النكاح
أو الرجعة ، أو الإيلاء أو الفيء فيه باللسان، أو العفو عن القصاص ، وقع المكره عليه؛
راجع البدائع : ١٨١/٧ .
(١)
راجع الدر المختار ورد المختار عليه : ٩٦/٥ .
(٢)
- ٤٠٣ -

لأنها تصرفات يستوي فيها الجدل والهزل ، والإكراه في معنى الهزل لعدم القصد الصحيح
للتصرف فيها ، والأصل فيه حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو ((أن المشركين لما
أخذوه واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله ◌ُ لّ في غزوة، فحلف مكرها، ثم أخبر به
رسول الله الترٍ، فقال: أوف لهم بعهدهم ونحن نستعين بالله عليهم)» وقد أخرج عبد الرزاق
في مصنفه عن ابن عمر أنه أجاز طلاق المكره(١). ويؤيده عموم قوله تعالى: ﴿فإن طلقها
فلا تحل له من بعد ) الآية .
والخلاصة : أن هذه التصرفات تصح وتلزم من المستكره .
ويرى جمهور الأئمة غير الحنفية أن الإكراه يؤثر في هذه التصرفات ، فيفسدها،
فلا يقع طلاق المكره مثلاً، ولا يثبت عقد النكاح بالإكراه ونحوهما. وهذا هو
الأرجح.
واستدلوا بأن الله تعالى لما لم يرتب على التلفظ بالكفر حالة الإكراه أثراً في قوله
تعالي : ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ فلا يترتب على أي تصرف قولي مع
الإكراه أي أثر.
وقد ثبت في السنة أن خنساء بنت خزام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثيب،
فكرهت ذلك، فأتت رسول الله عَ التّر، فرد نكاحها (٢)، ويؤيدها حادثة أخرى وهي أن
فتاة زوجها أبوها من ابن أخيه وهي كارهة، فجعل رسول الله قر الأمر إليها(٣).
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر (نصب الراية: ٢٢٢/٣).
(٢)
رواه البخاري عن خنساء بنت خزام ( نصب الراية : ١٩١/٣ ) .
أخرجه النسائي وأحمد عن عائشة بلفظ : إن فتاة دخلت عليها ، فقالت : إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع
(٣)
بي خسيسته ( أي دناءته ) وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله مَّل، فجاء رسول الله عَ ◌ّ
فأخبرته ، فأرسل إلى أبيها ، فدعاه ، فجعل الأمر إليها ، فقالت : يا رسول الله ، قد أجزت ما صنع أبي ،
ولكن أردت أن أعلم النساء ، أن ليس للآباء من الأمر شيء )) قال البيهقي : هذا مرسل . ويؤيده خبر آخر
في موضوعه، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه مرسلاً عن ابن عباس ( راجع سبل السلام: ١٢٢/٣ ، نصب
الراية ، المرجع السابق : ص ١٩٢ ) .
- ٤٠٤ _

وقال مَ الٍ: (( لا طلاق في إغلاق))(١) وفسر الشافعي الإغلاق بالإكراه، وقال
عليه السلام أيضاً: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(٣) أي رفع
حكم الإكراه وغيره . ثم إن هذه التصرفات لا تصح مع الإكراه حتى لا يترتب عليها
زوال حقوق الناس وأملا کھم بدون رضاهم .
وبناء عليه قال الشافعية : إن طلاق المستكره وعتاقه وبيعه وإجارته ونكاحه
ورجعته وغيرها من التصرفات لا تصح؛ لأن رفع حكم الإكراه إنما يكون بانعدام
الحكم المتعلق به، كوقوع الطلاق ، وصحة البيع والنكاح .
وأما وجوب القصاص عندهم على القاتل المستكره، فيستثنى من عموم الصيغة،
تعظيماً لأمر الدم، فإنه لا سبيل إلى استباحته، وتجب رعاية حرمته(٣).
وأما حديث: ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة)) (٤)
الذي تمسك به الحنفية فهو ضعيف على الأرجح، وأما حديث حذيفة فهو حديث
مکذوب کما قال ابن حزم .
وأما ما روي عن ابن عمر من أنه أجاز طلاق المكره، فيقدح فيه ما رواه ابن
حجر في فتح الباري أن عبد الرزاق أخرج عن ابن عمر عدم جواز طلاق المكره في
قصة ثابت الأعرج، ويؤيده أن عدم جواز طلاق المكره روي عن ابن عمر في سنن
البيهقي ، وفي صحيح البخاري ، وفي موطأ مالك.
(١) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: على شرط مسلم، ولفظه: ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)) قال أبو
داود : أظنه الغضب - يعني الإغلاق - وقال ابن قتيبة: الإغلاق: الإكراه . وقال بعضهم : الصحيح أنه يعم
الإكراه والغضب والجنون، وكل أمر انغلق على صاحبه علمه وقصده ( راجع نصب الراية: ٢٢٣/٣).
رواه الطبراني عن ثوبان، ورمز السيوطي لصحته. ( راجع الفتح الكبير: ٣٥/٤ ).
(٣)
(٢)
تخريج الفروع على الأصول : ص ١٤٩ .
رواه أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم عن أبي هريرة ، وفي رواية لابن عدي من وجه آخر
(٤)
ضعيف: (( الطلاق والعتاق والنكاح)) (راجع سبل السلام: ١٧٥/٣، الإلمام لابن دقيق العيد: ص ٤٢٣ وما
بعدها ، نصب الراية : ٢٩٣/٣ وما بعدها ) .
- ٤٠٥ -

وأما ما استدل به الحنفية من عموم قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من
بعد﴾ فهو معارض لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ والمستكره لم
يطلق قط، بل إن حديث ((لا طلاق في إغلاق)) يقيد إطلاق آية الطلاق ، حتى على
مذهب الحنفية القائلين بأن هذا الحديث ظني، والظني لا يقيد القطعي ؛ لأن هذه
الآية قيدت بحديث مشهور وهو قوله مُ له: (( رفع القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى
يكبر (أو يعقل أو يحتلم)، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل أو
يفيق)) (١) فصارت ظنية، فأصبحت بعدئذ صالحة لتقييدها بخبر ظني(٣).
ثانياً - التصرفات التي تحتمل الفسخ :
إذا أكره الإنسان إكراهاً تاماً أو ناقصاً على تصرف يحتمل الفسخ أي يقبل الرد ،
ويشترط فيه الرضا كالبيع والشراء والهبة والإِجارة ونحوها، فإن الإكراه عند جمهور
الحنفية يفسده أي أن التصرف نافذ، ولكنه فاسد، وحينئذ يملك المشتري المبيع بالقبض.
وسبب الفساد: هو أن الرضاشرط نفاذ هذه التصرفات ، والإكراه يعدم الرضا ، وانتفاء
الشرط يترتب عليه انتفاء المشروط ، وهو النفاذ، فيفسد التصرف . وعليه يكون بيع
المستكره وإجارته وهبته فاسدة ، ولكن للمستكره بعد زوال الإكراه الخيار بين إمضاء
التصرف وفسخه ؛ لأن الرضا كما أشرنا شرط لصحة هذه التصرفات .
وقال المالكية وزفر من الحنفية: تعتبر هذه التصرفات بالإكراه موقوفة؛ لأن
الرضا شرط في صحة العقد، لا في انعقاده، حتى لو أجاز المستكره ما أكره عليه بعد
زوال الإكراه أصبح العقد صحيحاً، ولو كان العقد فاسداً لما جاز؛ لأن الفاسد
(١) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم ، وأخرجه ابن حبان عن عائشة ، ورواه بعضهم
عن علي وعمر وابن عباس وأبي هريرة وغيرهم (مجمع الزوائد: ٢٥١/٦، سبل السلام: ١٨٠/٣ ، الإلمام:
ص ٦٦ ، ٤٢١ ) .
(٢)
راجع البدائع : ١٨٢/٧ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٣٠٣/٧ ، تبيين الحقائق : ١٨٨/٥، الدر المختار :
٩٦/٥، مجمع الضمانات: ص ٢٠٦، المحلى: ٣٨٣/٨ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٢٨٩/٣ ، الشرح الكبير للدردير :
٣٦٧/٢ ، المغني: ١١٨/٧، بحث الإكراه للأستاذ البرديسي - القسم الثاني: ص ٢ وما بعدها .
- ٤٠٦ -

لا يجوز بالإجازة، ولا يرتفع الفساد بالإجازة كسائر البيوع الفاسدة، فأشبه بيع
الفضولي ، وبما أنه بيع موقوف، لا يثبت به الملك بالقبض .
والخلاصة : أن أبا حنيفة وصاحبيه ذهبوا إلى أن الإكراه يفسد العقد إفساداً
فقط، لا إبطالاً ، وتترتب عليه الأحكام المقررة لفساد العقود إلا من ناحية واحدة،
وهي أنه بعد زوال الإكراه، لو أجاز المستكره العقد، صح هذا العقد، ويصبح
ملزماً ؛ لأن الفساد إنما كان صيانة لمصلحته الخاصة لا لمصلحة عامة . وأما زفر
فيجعل العقد غير نافذ كعقد الفضولي ، فهو صحيح موقوف بالنسبة للمستكره،
ويتوقف على إجازته بعد زوال الإكراه، وبما أن هذا العقد يجوز ويلزم بالإجازة،
فهذا دليل على كون العقد موقوفاً لا فاسداً؛ لأن العقد الفاسد يفسخ فسخاً ولا يجاز
إجازة. ويلاحظ أن دليل زفر أقوى وأوجه، ولكن المعتمد عند الحنفية هو رأي
الإمام وصاحبيه(١) .
وقال باقي الفقهاء : تعتبر هذه التصرفات مع الإكراه باطلة غير صحيحة(٢).
مثاله: حالة الإكراه على البيع سواء أكان تاماً أم ناقصاً .
وبه يلاحظ أن للعلماء في حكم بيع المستكره أربعة مذاهب:
١ - ذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى فساد بيع المكره عملاً بعمومات نصوص
البيع، ولا فرق بين فساد البيع بسبب الجهالة أو الربا أو غيرهما وبين فساده
بالإكراه، لعدم توافر الرضا إلا في أن المستكره له حق إجازة العقد بعد زوال
الإكراه، كما له حق الفسخ مطلقاً، فيسترد المبيع الذي أكره على بيعه، ولو تداولته
(١)
راجع المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء : ص ٣٦٤ .
البدائع: ١٨٦/٧، تكملة فتح القدير: ٢٩٣/٧ وما بعدها، الكتاب مع اللباب : ١٠٨/٤ ، تبيين الحقائق :
(٢)
١٨٢/٥، الدر المختار ورد المختار: ٨٩/٥ وما بعدها، المحلى: ٣٨٠/٨، غاية المنتهى: ٥/٢، بحث الإكراه
للأستاذ البرديسي - القسم الثاني: ص ٢٥ .
- ٤٠٧ -

الأيدي كأن تصرف المشتري به، صيانة لمصلحته ومحافظة على إرادته ورضاه. أما
بقية البيوع الفاسدة فلا تلحقها الإجازة ؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا
ونحوه، كما أنه إذا تصرف المشتري الجديد بالمبيع نفذ تصرفه، وليس للبائع الأصلي
حق الفسخ نظراً لتعلق حق المشتري الجديد بالمبيع ، وحق العبد مقدم على حق الله،
الاستغناء الله واحتياج العبد .
٢ - وذهب زفر من الحنفية إلى أن بيع المستكره موقوف.
٣ - وقرر المالكية أن بيع المستكره غير لازم أي أن للعاقد المكره الخيار في إمضاء
العقد أو فسخه، وهذا يتفق مع ما ذكره القدوري الحنفي في بيان حكم بيع المستكره
وشرائه وإقراره .
٤ - وذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية إلى بطلان بيع المستكره .
أثر الإكراه على الإقرارات :
تكلمنا عن أثر الإكراه في التصرفات الإنشائية، ونتكلم هنا عن أثر الإكراه في
الإقرارات .
إذا أكره رجل بغير حق على أن يقر بشيء، ففي هذا الإقرار للفقهاء مذهبان :
١ - مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: يقرر إلغاء الإقرار وعدم
ترتب أي أثر عليه، سواء أكان المقر به مما يحتمل الفسخ كالبيع والإجارة، أم مما
لا يحتمل الفسخ كالطلاق والرجعة .
استدل الحنفية بأن الإقرار خبر يحتمل الصدق والكذب، إلا أنه يصح الإقرار
حالة الاختيار؛ لأن الإنسان غيرمتهم على نفسه، ولم يصح حالة الإكراه، لترجح
جانب الكذب بسبب وجود التهديد .
واستدل غير الحنفية بحديث ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
- ٤٠٨ -

عليه)) فلفظ ((ما)) في الحديث يفيد العموم، فيكون حكم كل تصرف أكره عليه
الإنسان مرفوعاً، والإقرار تصرف من التصرفات، فيكون حكمه مرفوعاً عند
الإكراه ، فلا يترتب عليه أي أثر من آثاره .
٢ - مذهب المالكية يقرر عدم لزوم إقرار المستكره بغير حق أي أن المستكره بعد
زوال الإكراه مخير بين أن يجيز الإقرار وبين ألا يجيزه.
واستدلوا بأن إقرار المستكره كطلاقه بجامع عدم الرضا في كل ، فكما لا يلزم
طلاق المستكره لا يلزم إقرار المستكره .
وأما الإقرار مكرهاً بالزنا أو شرب الخمر أو السرقة أو القذف أو القتل، فإنه
يعتبر ملغياً، ولا يقام عليه حد ولا قصاص عند أغلب الفقهاء، ومنهم المالكية؛ لأن
الإكراه شبهة، والحدود تدرأً بالشبهات (١).
أثر الإكراه في التصرفات الشرعية المخير فيها :
عرفنا أن التصرفات الشرعية إما أن تكون قابلة للفسخ أو غير قابلة للفسخ .
أما التصرفات الشرعية التي لا تحتمل الفسخ والمخير فيها بالإكراه فللفقهاء في
حكمها رأيان :
الأول - رأي الشافعية: وهو أنهم يشترطون تعيين الشيء المكره عليه، فلا
إكراه مع التخيير، وتكون التصرفات الخير فيها التي لا تقبل الفسخ نافذة .
الثاني - رأي جمهور الأئمة: وهو أنهم يقولون: لا يشترط التعيين في المكره
عليه ، فالإكراه باق مع التخيير، ويترتب على الإكراه أثره في التصرفات الشرعية
(١) البدائع: ١٨٩/٧ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٢٦٥/٧، تبيين الحقائق ١٨٢/٥، الدر المختار: ٨٩/٥، مجمع
الضمانات: ص ٢٠٦ ، الشرح الكبير للدردير: ٣٩٧/٣، المغني: ١٩٦/٨، حاشية الباجوري: ٤/٢، بحث
الإكراه للبرديسي - القسم الثاني : ص ٤٤ وما بعدها .
- ٤٠٩ -

الخير فيها التي لا تحتمل الفسخ بحسب المقرر في كل مذهب، كما بينا.
فإذا أكره إنسان على أن يطلق امرأته المدخول بها أو امرأته غير المدخول بها
وطلق إحدى المرأتين : لم يعتبر الإكراه عند الشافعية، ويقع الطلاق ؛ لأنه وجدت
قرينة على الاختيار فیما أتى به .
وعند بقية الأئمة : يعتبر الإكراه، ولكنهم فصلوا في وقوع الطلاق أي ترتيب
أثر الإكراه، فعند الحنفية: يقع الطلاق إذ لا أثر للإكراه عندهم في التصرفات
القولية التي لا تحتمل الفسخ. وفي المعتمد عند المالكية: لا يلزم الطلاق، وللمستكره
بعد زوال الإكراه حق إجازة الطلاق. وعند الحنابلة : يقع الطلاق ؛ لأن التخيير
کالتعیین عندهم .
وأما التصرفات الشرعية الخير فيها التي تحتمل الفسخ، فكذلك للفقهاء في أثر
الإكراه فيها رأيان :
الأول - رأي الشافعية القائلين بأنه لا إكراه مع التخيير.
الثاني - رأي باقي الأئمة الذين يقولون بأنه لا مانع من وجود الإكراه مع التخيير.
مثلاً : إذا أكره الرجل على بيع إحدى العمارتين المملوكتين له، فباع إحداهما،
كان البيع نافذاً عند الشافعية لانعدام الإكراه هنا .
.--..
وعند باقي الأئمة : يترتب على الإكراه أثره كما في حالة التعيين. وبناء عليه
يكون بيع إحدى العمارتين باطلاً عند الحنابلة والظاهرية، وفاسداً عند جمهور
الحنفية، وموقوفاً عند المالكية وزفر. وأدلة كل منهم تعرف في مثال الإكراه على
البيع السابق ذكره(١).
(١) المراجع السابقة في بحث الإكراه في التصرفات القابلة للفخ، مغني المحتاج: ٢٨٩/٣، الشرح الكبير للدردير
وحاشية الدسوقي عليه : ٣٦٧/٢ ، بحث الإكراه للبرديسي - القسم الثاني: ص ٦٠ وما بعدها .
- ٤١٠ -

الفصل الثامن عشر
الحجر
الكلام عن الحجر في مباحث أريعة :
أولها - في تعريف الحجر ومشروعيته وحكمة تشريعه .
وثانيها - في أسباب الحجر
وثالثها - في رفع الحجر.
ورابعها - تعلق الدين بالتركة .
mP
8
المبحث الأول - تعريف الحجر ومشروعيته وحكمة تشريعه
ونوعاه :
أولاً - تعريف الحجر: الحَجْر في اللغة: المنع والتضييق ، يقال : حجر عليه
حجراً أي منعه من التصرف، ومنه سمي الحرام: حِجْراً، قال تعالى: ﴿ويقولون
حجراً محجوراً﴾ أي حراماً محرماً، وسمي العقل حجراً، قال تعالى: ﴿هل في ذلك
قسم لذي حِجْر﴾ أي عقل ؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح من المفاسد وتضر
عاقبته، وسمي الحطيم حِجْراً لأنه منع من الكعبة، وقطع منها، كما منع من أن
يدخل في الحرم.
والحَجْر في الشريعة : هو منع الإنسان عن التصرف في ماله. ويقابله الإذن وهو
- ٤١١ -

فك الحجر وإسقاط حق المنع(١) وللحجر تعاريف متقاربة عند الفقهاء هي ما يأتي:
قال الحنفية(٢): الحجر: هو المنع من لزوم العقود والتصرفات القولية. فإذا باشر
المحجور عقداً أو تصرفاً قولياً كالبيع أو الهبة لا ينفذ أي لا يلزم، ولا يترتب عليه
حكمه، فلا يملك بالقبض. وكون الحجر من التصرفات القولية؛ لأنها هي التي
يتصور الحجر فيها بالمنع من نفاذها ، أما الأفعال فلا يتصور الحجر فيها؛ لأن الفعل
.بعد وقوعه لا يمكن رفعه، بخلاف القول، فإنه يمكن رفعه بمنع انعقاده شرعاً أو منع
نفاذه. وللحنفية تعريف آخر أدق : وهو عبارة عن منع مخصوص متعلق بشخص
مخصوص، عن تصرف مخصوص أو عن نفاذه، أي لزومه؛ لأن عقد المحجور ينعقد
موقوفاً(٣) .
فالحجر على الصغير أو المجنون قد يجعل تصرفه غير منعقد أصلاً، كما إذا كان
ضرراً محضياً، كطلاق زوجته، وقد يجعله موقوفاً على إجازة الولي كالبيع والشراء
من المميز، أما إذا كان لا يعقل أصلاً فتصرفه باطل .
وأما الحجر على الأفعال، فلا يفيد، ويكون كل من الصبي والمجنون ضامناً لما
يتلفه من مال غيره، ويؤخذ ثمنه من ماله إن كان له مال، ويطالب بالأداء وليه أو
وصيه ؛ لأن الضمان من خطاب الوضع، وهو لا يشترط فيه التكليف أو التمييز، لكن
لا يطبق عليهما العقاب البدني كالحدود والقصاص، لعدم توافر القصد الصحيح، وإنما
تجب عليهما الدية في حال القتل، لأنه يعتبر منهما خطأ.
وعرفه المالكية (٤) بأنه صفة حكمية - أي يحكم بها الشرع - توجب منع موصوفها
من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته، أو تبرعه بما زاد على ثلث ماله. فشمل الأول :
تبيين الحقائق: ٢٠٣/٥، الدر المختار ورد المختار : ١٠٨/٥.
(١)
(٢)
الدر المختار : ٩٩/٥، تبيين الحقائق: ١٩٠/٥، اللباب : ٦٦/٢ .
(٣)
رد المحتار : ٩٩/٥ .
(٤)
حاشية الصاوي على الشرح الصغير : ٣٨١/٣ .
- ٤١٢ -

الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمفلس ونحوهم ، فإنهم يمتعون من التصرف بالبيع
أو التبرع فيما زاد على قوتهم ويكون تصرفهم موقوفاً على إجازة الولي. وشمل الثاني :
الحجر على مريض الموت والزوجة، فإنها لا يمنعان من البيع والشراء، وإنما يمنعان
من التبرع فيما يزيد عن ثلث مالهما .
وعرفه الشافعية والحنابلة(١): بأنه المنع من التصرفات المالية. سواء أكان المنع
من الشرع كمنع الصغير والمجنون والسفيه، أم من الحاكم كمنع المشتري من التصرف في
ماله حتى يؤدي الثمن الحال الذي عليه . ولا يمنع المحجور (السفيه والمفلس والمريض)
من التصرفات غير المالية، كالتصرف بالطلاق والإقرار بما يوجب العقوبة،
وكالعبادة البدنية واجبة أو مندوبة، وتنفذ منه العبادة المالية الواجبة كالحج، دون
المندوبة. لكن الصبي والمجنون لا يصح تصرفهما في شيء مطلقاً من الأموال والذمم
والأحوال الشخصية من زواج وطلاق .
ثانياً - دليل مشروعية الحجر:
ورد في القرآن الكريم آيات ثلاثة تدل على مشروعية الحجر من حيث المبدأ،
أولها قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها
واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ نهى الله تعالى فيها الأولياء عن إعطاء السفهاء
أموالهم؛ لأن في إعطائهم تعريضاً لضياعها، فدل النص على منعهم من التصرف في
أموالهم ، وهو معنى الحجر عليهم .
والآية الثانية قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم
منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ أمر تعالى باختبار اليتامى في حفظ أموالهم، بأن
يدفع لهم شيء من أموالهم، لمعرفة خبرتهم في التصرفات، فإن أنس منهم الرشد قبل
(١) مغني المحتاج: ١٦٥/٢، المغني: ٤٥٦/٤، كشاف القناع: ٤٠٤/٣ .
- ٤١٣ -

البلوغ، سلموا أموالهم ، فدل النص على منع دفع أموالهم إليهم ، قبل الرشد، وحجرهم
عنها ، حتى لا يتصرفوا فيها .
والآية الثالثة قوله سبحانه: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو
لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ فسَّر الشافعي رضي الله عنه السفيه
بالمبذر، والضعيف بالصبي، والكبير بالمختل، والذي لا يستطيع أن يمل بالمغلوب على
عقله، فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ينوب عنهم أولياؤهم، فدل على ثبوت الحجر عليهم.
وثبت في السنة الصحيحة أن النبي څّ حجر على معاذ ماله وباعه في دین کان
عليه(١). وحجر عثمان بسبب التبذير على عبد الله بن جعفر(٢).
ثالثاً - حكمة تشريع الحجر:
ليس في الحجر إهدار حقيقي لكرامة الإنسان ، وإنما هو رحمة ومصلحة وصون
وتعاون ، فهو رحمة بالمحجور عليه حتى يوفر له ماله في وقت تكثر فيه مسؤولياته،
وتتعدد واجباته، فلا يواجه الحياة بوجه عبوس مقطب ، ولا تتراكم عليه الهموم
والمشكلات ، ولا تصادمه الصعاب والمشاق، وإنما يجد في ماله سبيلاً للنجاة، والعيش
الكريم، وشق طريق الحياة، وهو صون لماله من عبث العابثين، وحد لهوى النفس
بالإنفاق في وجوه غیر صحیحة .
وهو مصلحة للفرد والمجتمع ودفع للضرر عنهما، بتدريب المحجور وتوفير الخدمة
اللازمة له بالتصرفات وممارسة شؤون التجارات، حتى لا يصبح عالة على المجتمع،
وكيلا تبدد الأموال. وهو عون ضروري من الكبير الراشد ليتيم قاصر مثلاً للأخذ
بيده في سفينة الحياة، ولتثمير ماله، والإنفاق منه على الأمور الضرورية له، والبعد
عن الأوجه المتنوعة للصرف فيما لا يحق النفع والخير له. فالمحجور عليه إن كان صغيراً
رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه عن كعب بن مالك ( نيل الأوطار: ٢٤٤/٥ وما بعدها ) .
(١)
(٢) رواه الشافعي في مسنده عن عروة بن الزبير ( نيل الأوطار: ٢٤٥/٥ ).
- ٤١٤ -

أو مجنوناً أو معتوهاً، هو ناقص العقل ليس أهلاً لتقدير المصلحة، ولا يتصور منه
الرضا الصحيح، ولا القصد والاختيار. فالحجر عليه إنما كان لعجزه عن التصرف في
ماله على وجه المصلحة حفظاً لماله عليه. وإن كان سفيهاً مبذراً لأمواله هو متلف له
ومضيعه في غير الوجوه النافعة .
وإن كان مغفلاً فلا يهتدي إلى التصرفات الرابحة، وإنما يغبن في البيوع
ویتضرر بها .
وإن كان مديناً فلابد من رعاية حق الدائنين في أموالهم وحفظ مصالحهم وعدم
إضاعتها دفعاً للضرر عنهم، وحتى لا ينضب معين الخير في الناس ، ولا ينفر أو يتبرم
امرؤ من إقراض غيره قرضاً حسناً ينقذه من ورطات السوء .
لذا كان الحجر محققاً لمصلحة المحجور عليه نفسه بحفظ ماله وحقوقه، ولمصلحة
المجتمع أيضاً بإ يصاد منافذ العوز والفاقة والفقر؛ لأن المال عصب الحياة، فيجب
. إنفاقه في غير إسراف ولا تبذير: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾.
وقد أوصى الله الأولياء والأوصياء على اليتامى والمساكين بضرورة الإشراف على
شؤونهم بالحق والعدل والمعروف، إذ أنه ربما ترك الإنسان ذرية ضعافاً يحتاجون
لمعاونة غيرهم لهم، فقال سبحانه: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً
خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً
إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ﴾ وروى الإمام أحمد والنسائي وأبو داود
وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾
عَزَلوا أموال اليتامى، حتى جَعَل الطعامُ يفسدُ، واللحم ينتُن، فذكر ذلك
للنبي عَّ فنزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾
وأوجب الحق تبارك وتعالى اختبار الأيتام قبل دفع أموالهم إليهم، فقال: ﴿وابتلوا
اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾.
- ٤١٥ -

ومنع القرآن الكريم من إيتاء السفيه ماله حرصاً على مصلحته ولمصلحة الناس ،
فقال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾.
وثبت في السنة كما أشرنا الحجر على المدين ، دفعاً للضرر عن الدائنين، كما ثبت
عن عثمان الحجر على المبذر، حفظاً لماله من الضياع. وروى الدارقطني عن كعب بن
مالك ((أن النبي ◌ُؤالٍ حجر على معاذ ماله، وباعه في دين عليه)) وروى الشافعي في
مسنده عن عروة بن الزبير أن عثمان حجر على عبد الله بن جعفر بسبب تبذيره .
رابعاً - تقسيم الحجر بحسب نوع المصلحة :
الحجر بحسب نوع المصلحة المقصودة منه نوعان (١) :
الأول - حجر لمصلحة المحجور عليه : وهو كحجر المجنون والصغير والسفيه
والمبذر، إذ فائدة الحجر لا تتعداهم ، فقد شرع لمصلحتهم أنفسهم .
.--
الثاني - حجر لمصلحة الغير: وهو كحجر المدين المفلس لحق الغرماء
(الدائنين)، ومريض الموت لحق الورثة فيما زاد عن ثلث التركة حيث لا دين ،
وحجر الراهن بعدم لزوم الرهن لحق المرتهن في العين المرهونة ، فقد شرع الحجر
لصالح غير المحجور عليه .
المبحث الثاني - أسباب الحجر :
للحجر أسباب كثيرة، منها ما هو متفق عليه كالحجر بسبب الصغر والجنون
والعته، لفقد الأهلية أو نقصها. ومنها ما هو مختلف فيه كالحجر بسبب السفه والغفلة
والدين، وسبب الخلاف راجع لالقصور الأهلية، وإنما لدفع الضرر عنهم وعن
الناس .
(١) مغني المحتاج: ١٦٥/٢، كشاف القناع: ٤٠٤/٣ وما بعدها .
- ٤١٦ -

والحجر بسبب الرق متفق عليه، فالرقيق محجور عن التصرف في ملك غيره إلا
یاذنه، لكونه ليس أهلاً للملك .
ويختلف أثر الحجر في تصرفات المحجور عليه باختلاف سببه، ويظهر
الاختلاف في المطالب الآتية :
المطلب الأول - أثر الحجر في تصرفات الصغير:
الصغر طور يمر به كل إنسان ، يبدأ من حين الولادة إلى البلوغ، وقد أجمع
العلماء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم يبلغوا الحَلُم (١)، لقوله تعالى: ﴿وابتلوا
اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ ولعدم توافر أهلية التصرف لعدم اكتمال الإدراك
اللازم لتقدير نتائج التصرفات.
وقد اختلف الفقهاء في حكم تصرفات الصغير وفي أمور أخرى متعلقة به .
أولاً - آراء الفقهاء في حكم تصرفات الصغير أو أثر الحجر عليه :
للفقهاء مذاهب في أثر الحجر على الصغير، فيرى الحنفية والمالكية ضرورة
التفرقة بين المميز وغير المميز، ولم يفرق الشافعية والحنابلة بينهما .
١ - قال الحنفية والمالكية(٢): الصغير إما يميز أو غير مميز، وغير المميز: هو الذي لم
يتم سن السابعة من العمر. والمميز هو الذي أكمل سن السابعة، لقوله جل: «مروا
أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين))(٣).
(١) بداية المجتهد : ٢٧٥/٢ .
(٢)
الدر المختار: ١٠١/٥، تبيين الحقائق: ١٩١/٥، تكملة الفتح: ٣١٠/٧ وما بعدها، البدائع : ١٧١/٧ ، اللباب :
٦٧/٢، الشرح الكبير: ٢٩٤/٣، ٢٩٦، الشرح الصغير: ٣٨٤/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٢٠، بداية المجتهد :
٢٧٨/٢ .
(٣) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمرو .
الفقه الإسلامي جـ٥ (٢٧)
- ٤١٧ -

والتصرفات إما قولية أو فعلية :
أما التصرفات الفعلية: وهي الغصوب والإتلافات، فلا أثر لحجر الصبي
والمجنون عليها، فيجب على كل منهما ضمان ما أتلف من مال أو نفس، إذ لا حجر على
الأفعال، وإنما على الأقوال(١).
وأما التصرفات القولية :
فإن صدرت من غير مميز فجميع تصرفاته باطلة لفقده أهلية الأداء أو التصرف،
إذ لا عقل له ولا تمییز، فلا يعتبر رضاه ولا قصده، سواء أكان التصرف نافعاً له، أو
ضاراً به ، أو متردداً بين الضرر والنفع، فلا يصح عقده ولا إقراره ولا طلاقه كالمجنون
لعدم اعتبار أقوالهما .
وإن صدرت من مميز فهي ثلاثة أنواع :
أ - التصرف النافع له نفعاً محضاً، كقبوله الهبة أو الوصية، واعتناق الإسلام،
يصح منه وينفذ بدون توقف على إجازة وليه أو وصيه، رعاية لجانب نفعه .
ب - التصرف الضار به ضرراً محضاً، كتبرعه بشيء من ماله، أو إقراضه، أو
إعارته، أو طلاق زوجته، يبطل منه، ولا ينفذ ولا تصححه إجازة الولي؛ لأن
الإجازة لا تلحق الباطل، ومن قواعد الحنفية: ((كل طلاق واقع إلا طلاق الصبي
والمعتوه)) وقد رووه حديثاً، لكنه لم يصح أصلاً(٢).
جـ - التصرف المتردد بين الضرر والنفع، كالبيع والشراء، والإيجار والاستئجار،
والزواج، ينعقد منه موقوفاً على إجازة الولي، إذا كان المميز يعقل البيع بأن يعلم أن
(١) الحجر على الأقوال دون الأفعال، لأنها لامَردًّ لها لوجودها حاً ومشاهدة ، بخلاف الأقوال لأن اعتبارها
موجودة بالشرع ، لا بالواقع ، والقصد شرط لاعتبارها ( الهداية مع تكملة الفتح: ٣١١٨٧) .
(٢) راجع نصب الراية : ١٦١/٤ .
- ٤١٨ -

البيع سالب، والشراء جالب، ويقصده بأن يكون غير هازل؛ لأن تصرفه يحتمل
الضرر فإن أجازه نفذ، وإن لم يجزه بطل ، وليس له إجازة ما فيه غبن فاحش،
والولي بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة ، وإن شاء فسخه .
٢ - وقال الشافعية والحنابلة(١): تعتبر التصرفات المالية من الصبي مميزاً أو غير
مميز باطلة. لكن الشافعية قالوا : لا تصح تصرفات المميز وإن أذن له الولي، ويعتبر
إذن الصبي المميز في إذن الدخول وإيصال الهدية، ويصح إحرامه یاذن وليه، وتصح
عبادته، وله إزالة المنكر ويثاب عليه كالبالغ، كما يعتبر إسلامه، كإسلام سيدنا علي
رضي الله عنه .
أما الحنابلة فقالوا: يصح تصرف المميز بإذن الولي، وينفك عنه الحجر فيما أذن
له فيه من تجارة وغيرها ، ويصح إقراره فیما أذن له فيه .
واتفق المذهبان على تضمين إتلافات الصغير من مال أو نفس، كالحنفية
والمالكية. والخلاصة أنه لا تنفذ عند الحنفية والمالكية عقود الصبي والمجنون ولا
إقرارهما ، ولا تصح عند الشافعية والحنابلة .
ثانياً - عدم تسليم الصغير أمواله :
اتفق العلماء على أنه لا تسلم للصغير أمواله، حتى يبلغ راشداً(٢)؛ لأن الله تعالى
علق دفع المال إليه على شرطين هما البلوغ والرشد في قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى
حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ والحكم المعلق على
شرطین لا یثبت بدونها .
فإذا بلغ الصغير، فإما أن يبلغ رشيداً أو غير رشيد .
(١) مغني المحتاج: ١٦٦/٢، ١٧٠، كشاف القناع: ٤٣١/٣.
المغني : ٤٥٧/٤ وما بعدها، ٤٧١، المهذب: ٣٣٠/١، البدائع: ١٧٠/٧، بداية المجتهد: ٢٧٧/٢.
(٢)
- ٤١٩ -

أ - فإن بلغ رشيداً - مصلحاً للمال: دفع ماله إليه، وفك عنه الحجر (١)، لقوله
تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ وفي سنن أبي داود: ((لا يتم
بعد الاحتلام)). وإذا دفع إليه ماله أشهد عليه عند الدفع لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم
إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم)، وهل يحتاج رفع الحجر عن الصغير لحكم القاضي ؟
قال الجمهور (الحنفية والشافعية في الأرجح، والحنابلة) (٢): يرتفع حجر الصغير
ببلوغه رشيداً بدون حكم الحاكم؛ لأن الحجر عليه ثبت بغیر حكم حاكم، فیزول من غير
حكم، كالحجر على المجنون. والوجه الآخر عند الشافعية: أنه يفتقر إلى الحاكم؛ لأنه
يحتاج إلى نظر واختبار كفك الحجر عن السفيه. ورأي الجمهور هو الأرجح لاتفاقه
مع الواقع ، والتيسير.
وقال المالكية (٣): إما أن يكون الصغير ذكراً أو أنثى :
فإن كان ذكراً فهناك ثلاث حالات :
أحدها - أن يكون أبوه حياً: فإنه ينطلق من الحجر ببلوغه بدون حكم، ما لم
يظهر منه سفه أو يحجره أبوه .
الثاني - أن يكون أبوه قد مات وعليه وصي : فلا ينطلق من الحجر إلا
بالترشيد، فإن كان وصيه مقدَّم الأب أي باختياره (وهو الوصي المختار): فله أن
يرشده من غير إذن القاضي ؛ لأنه ثبت عليه الحجر بالأصالة من غير فرض من أحد ،
فلا يحتاج رفعه لحكم القاضي. وإن كان وصي القاضي ليس له ترشيده إلا بإذن
(١) المهذب: ٣٣١/١، مغني المحتاج: ١٦٦/٢، ١٧٠، المغني: ٤٥٧/٤، البدائع: ١٥٤/٥ و١٧٠/٧ وما بعدها ،
تبيين الحقائق : ١٩٥/٥، بداية المجتهد : ٢٧٧/٢ .
(٢)
المراجع السابقة .
الشرح الكبير والدسوقي : ٢٩٦/٣ - ٢٩٨، الشرح الصغير: ٣٨٣/٣ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٧٧/٢ ، القوانين
(٣)
الفقهية : ص ٣٢١ .
- ٤٢٠ -