النص المفهرس
صفحات 301-320
ولا فرق في المال المصالح عليه بين أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة ؛ لأن العوض في المعاوضات قد يكون عيناً، وقد يكون ديناً، وقد يكون منفعة ، إلا أنه يشترط القبض في بعض الأعواض في بعض الأحوال دون بعض . وهذا الموضوع يحتاج إلى البحث والتفصيل . قال الحنفية : إن المدعى به في الدعوى إما أن يكون عيناً: وهو ما يحتمل التعيين جنساً ونوعاً وقدراً وصفة واستحقاقاً كالعروض (الأمتعة) من الثياب، والعقار من الأرضين والدور، والحيوان من الدواب، والمكيل من الحنطة والشعير، والموزون من الحديد والنحاس ونحوها . وإما أن يكون ديناً: وهو مالا يحتمل التعيين كالنقود والمكيلات والموزونات الموصوفة في الذمة والثياب والحيوانات الموصوفة في الذمة . وإما أن يكون منفعة كسكنى دار معينة . (١ وإما أن يكون حقاً ليس بعين ولا دين ولا منفعة ، كالقصاص والتعزير. وبدل الصلح : إما أن يكون عيناً أو ديناً أو منفعة، والصلح إما أن يكون عن إقرار المدعى عليه أو عن إنكاره، أو عن سكوته كما عرفنا، وهنا نبين حكم كل حالة . فإن كان المدعى به عيناً والصلح عن إقرار: فإن هذا الصلح يجوز، سواء أكان بدل الصلح عيناً وديناً إذا كان معلوم القدر والصفة؛ لأن هذا الصلح في معنى البيع من الجانبين ، فكان بدل الصلح في معنى الثمن ، وهذه الأشياء تصلح ثمناً في البيوع عيناً كانت أم ديناً. فإن كان بدل الصلح عيناً، قائماً، معيناً، مملوكاً، فيجوز الصلح سواء أكانت العين مكيلة أم موزونة، أم غيرهما من العروض والحيوان . - ٣٠١ - وإن كان بدل الصلح ديناً، فإن كان شيئاً من المكيل والموزون معلوم القدر والصفة يجوز الصلح ، كما في البيع؛ لأن هذه الأشياء تصلح ثمناً . وإن كان بدل الصلح ثياباً موصوفة في الذمة : فلا يجوز الصلح، ما لم تتوافر فيه جميع شرائط السلم التي عرفناها في عقد السلم، كبيان القدر والوصف والأجل ؛ لأن الثياب لا تثبت ديناً في الذمة إلا بشرائط السلم. وهذا بخلاف المكيل والموزون فإنها يثبتان في الذمة مطلقاً في المعاوضات، فيصلح كل منهما ثمناً من غير ذكر أجل، ولا يشترط قبضهما في المجلس . وإن كان البدل حيواناً موصوفاً في الذمة : فلا يجوز الصلح؛ لأنه لا يصير أصلاً ديناً ثابتاً في الذمة في مقابلة مال بمال ، فلا يصلح ثمناً . وإن كان المدعى به ديناً والصلح عن إقرار: أ- فإن كان دراهم أو دنانير فصالح منها، فلا يخلو الأمر من إحدى حالتين: إما أن يصالح منها على خلاف جنسها أو على جنسها ؟ ففي الحالة الأولى: إن كان بدل الصلح عين مال معلوم جاز الصلح، ويكون العقد بمنزلة بيع الدين بالعين ، وإن كان بدل الصلح ديناً غير الدراهم والدنانير، لا يجوز الصلح، حتى لا يؤدي الاتفاق إلی بیع الدین بالدين . وفي الحالة الثانية أي (الصلح على جنس الدين) كأن صالح من دراهم على دراهم: فإن صالح على مثل حقه قدراً وصفة ، مثل أن يصالح من ألف جياد على ألف جياد ، فلا شك في جواز هذا الصلح ؛ لأن المدعي استوفی عین حقه . وإن صالح على أقل من حقه قدراً وصفة ، مثل أن يصالح من الألف الجياد على خمسمائة رديئة يجوز الصلح أيضاً، ويصير المدعي مستوفياً بعض حقه، ومبرئاً المدعى عليه من الباقي . - ٣٠٢ - 1 -------- وإن صالح على أكثر من حقه قدراً وصفة ، مثل أن يصالح من الألف الرديئة على ألف وخمسمائة جيدة لا يجوز الصلح ؛ لأنه ربا في هذه الحالة ؛ لأن القاعدة المقررة في هذه الحالات كلها هي : أن الصلح متى وقع على جنس ما هو المستحق بعقد المداينة يعتبر استيفاء من المدعي لحقه ، فإذا تعذر جعله استيفاء يعتبر معاوضة، فتطبق شروط المعاوضة (١). وفي الحالة الأخيرة يعتبر العقد معاوضة ؛ لأنه بعكس الحالة التي سبقتها ؛ فإنه يتعذر اعتبار المدعي مستوفياً بعض حقه ومسقطاً البعض الآخر. وعلى هذا: إذا صالح على أكثر من حقه صفة لا قدراً بأن صالح من ألف رديئة على ألف جيدة، جاز الصلح، ويشترط تطبيق شروط عقد الصرف حينئذ، ومنها الحلول أو التقابض ، فإذا وجد التقابض وهما في مجلس واحد جاز؛ لأن الجودة لا قيمة لها عند مقابلتها بجنسها. وإن افترقا ولم يتم القبض في المجلس بطل العقد ، لأن هذا عقد صرف . وإذا صالح على أكثر من حقه صفة وأقل منه قدراً بأن صالح من ألف درهم رديئة على خمسمائة جيدة، لا يجوز الصلح في ظاهر الرواية عند الحنفية ؛ لأن الصلح من الرديء على الجيد اعتياض عن صفة الجودة، وهذا لا يجوز؛ لأن الجودة في الأموال الربوية لاقيمة لها عند مقابلتها بجنسها ، للقاعدة الشرعية المروية حديثاً: (جيدها ورديئها سواء)(٢) والعقد هنا عقد صرف، وليس استيفاء للحق؛ لأن مستحق الرديء لا يستحق الجيد، وإذا كان العقد صرفاً فإن من المقرر أن بيع ألف درهم رديئة بخمسمائة جيدة لا يجوز لأنه ربا . : تكملة فتح القدير: ٤١/٧ ، المبوط: ٢٧/٢١، تبيين الحقائق: ٤١/٥، الدر المختار : ٥٠٠/٤. (١) قال الحافظ الزيلعي عن هذا الحديث : غريب . ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد الخدري ، وهو (٢) قوله تع: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)) أخرجه مسلم (راجع نصب الراية : ٢٧/٤ ) . - ٣٠٣ - والخلاصة : أن الصلح متى وقع على أقل من جنس حق المدعي من الدراهم والدنانير يعد استيفاء لبعض الحق، وإبراء عن الباقي. ومتى وقع على أکثر من جنس حقه منها، أو وقع على جنس آخر من دين أوعين يعتبر معاوضة(١). وبناء عليه : إذا صالح المدعي من الدين الحال على الدين المؤجل وهما في القدر سواء، كأن يصالح من ألف حالَّة على ألف مؤجلة، جاز الصلح، ويكون هذا تأجيلاً للدين ، ولو كان الصلح على العكس من الحالة السابقة: يجوز أيضاً، ويكون استيفاء من المدعي لحقه ، ويصير المدعى عليه تاركاً حقه في تأجيل الدين . ولو كان الدين مؤجلاً، فصالح صاحب الدين على بعضه معجلاً ، كأن يصالح من الألف المؤجلة على خمسمائة معجلة : لا يجوز الصلح ؛ لأن صاحب الدين المؤجل لا يستحق المعجل، فلا يمكن أن يجعل هذا استيفاء للحق، فصار التعاقد معاوضة عن الأجل ، فلا يجوز؛ لأن الأجل ليس بمال، وبيع خمسمائة بألف لا يجوز(٢). أما لو كان الدين معجل الوفاء، فعين الدائن وقت الأداء، كأن كان له على المدين ألف ليرة حل أداؤها بحكم عقد المداينة، فقال له: ((صالحتك على خمسمائة على أن تعطيها اليوم أو على أن تعجلها اليوم)) فإن أعطاه في نفس اليوم برئ عن خمسمائة باتفاق الحنفية. وإن لم يعطه حتى مضئ اليوم بطل الصلح وعادت الألف عليه كما كانت عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: يمضي الصلح ويبرأ عن الخمسمائة ويبقى عليه خمسمائة فقط . وجه قول أبي يوسف : أن هذا الصلح تضمن تعليق البراءة عن بعض الدين بشرط تعجيل البعض الآخر، والبراءة لا يصح تعليقها بالشروط، فإذا لم يوجد (١) البدائع: ٤٤/٦، تبيين الحقائق: ٤٢/٥، الدر المختار: ٥٠٠/٤ . (٢) تكملة فتح القدير : ٤٢/٧ . - ٣٠٤ - الوفاء بالتعجيل لم ينفسخ العقد بدون شرط الفسخ صراحة ، ولم يوجد شرط الفسخ، فبقي الحط عن بعض الدين صحيحاً . ووجه قول أبي حنيفة ومحمد : هو أن شرط تعجيل بعض الدين هو شرط الانفساخ العقد عند عدم التعجيل ، وهو كأنه نص صريح على شرط الفسخ ، كما قال شخص لغيره: ((أبيعك هذا المتاع بألف ليرة على أن تعجلها اليوم، فإن لم تعجلها فلا بيع بيننا)) فالبيع في هذه الصورة جائز؛ لأن شرط التعجيل شرط في الفسخ ، لا في العقد ، فكذا هذا في الصورة المختلف فيها؛ لأن المفهوم ضمناً أو دلالة كالمفهوم صراحة ، فصارت الصورة كأن المصالح قال: ((فإن لم تعجل فلا صلح بيننا)). يفهم منه أن الحنفية متفقون على أن الدائن إذا قال، ((أصالحك عن الألف التي لي عليك على خمسمائة تعجلها اليوم، فإن لم تعجلها فالألف عليك)»، ولم يعجلها اليوم ، فالصلح باطل، وعليه الألف باتفاق الحنفية، لوجود النص الصريح على الفسخ . ولو صالح على أن «يعطيه خمسمائة إلى شهر على أن يحط عنه خمسمائة في الحال ، فإن لم يعطه إلى شهر، فعليه الألف)) فهو صلح صحيح؛ لأنه إبراء للحال، وتعليق لفسخ الإبراء بالشرط . وكذلك لو أخذ الدائن من المدين كفيلاً بألف ليرة ، وتصالح معه على أن يحط عنه خمسمائة ، وشرط على الكفيل أنه إن لم يوفه خمسمائة إلى رأس الشهر، فعليه كل المال وهو الألف، فهو جائز، والألف لازمة للكفيل إن لم يوفه، لأنه جعل عدم إيفاء الخمسمائة إلى رأس الشهر شرطاً للكفالة بألف. ولو ضمن الكفيل الألف ليرة بدون شرط شيء، ثم قال له الدائن: ((خططت عنك خمسمائة على أن توفيني رأس الشهر خمسمائة، فإن لم توفني فالألف عليك)) فهذا الفقه الإسلامي جـ ٥ (٢٠) - ٣٠٥ - صحيح أيضاً، بل هو شرط أوثق من شرط الحالة الأولى ؛ لأنه جعل هنا عدم التعجيل شرطاً لانفساخ الحط لا شرطاً للعقد . ولو قال الدائن لمن عليه الألف ليرة: ((إن أديت إلى خمسمائة فأنت بريء من الباقي)) أو قال: ((متى أديت خمسمائة فأنت بريء من خمسمائة)) فإنه لا يصح، ويبقى عليه الألف ؛ لأنه تعليق البراءة بالشرط ، ولا يبرأ عن الباقي حتى يبرئه(١). ب - وإن كان المدعى به ديناً سوى الدراهم والدنانير: فإن كان مكيلاً بأن كان مد حنطة مثلاً، فصالح منه فله حالتان : إما أن يصالح على جنسه أو على خلاف (٢) جنسه(٢). الحالة الأولى - فإن صالح على جنسه فله أحوال: إن صالح على مثل حقه قدراً وصفة، جاز الصلح، ولا يشترط القبض ؛ لأنه استوفى عين حقه . وإن صالح على أقل من حقه قدراً وصفة جاز، ويعتبر الصلح حطاً عن الباقي، لا معاوضة ؛ لأنه يعتبر استيفاء لبعض حقه وإبراء عن الباقي ، ولا يشترط القبض . وإن صالح على أقل من حقه صفة لا قدراً، جاز أيضاً، ويكون استيفاء لعين حقه وإبراء للمدعى عليه عن الصفة ، ولا يشترط القبض . وإن صالح على أكثر من حقه قدراً وصفة أو قدراً لا صفة : لا يجوز الصلح ؛ لأنه ربا . وإن صالح على أكثر منه صفة لا قدراً: بأن صالح من مد حنطة رديء علی مد جيد جاز، ويعتبر معاوضة . الحالة الثانية - وإن صالح على خلاف جنس حقه: فإن كان بدل الصلح من الدراهم (١) راجع البدائع: ٤٤/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير : ٤٢/٧ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ٤٣/٥ وما بعدها . البدائع : ٤٥/٦ وما بعدها ، المبسوط: ٢٦/٢١ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ٤٢/٥. (٢) - ٣٠٦ - والدنانير جاز الصلح ، ويشترط القبض حتى لا يفترق المتعاقدان عن دين بدين . وإن كان بدل الصلح من المكيلات، وهو شيء معين بذاته، جاز الصلح، ولا يشترط القبض. وإن كان موصوفاً في الذمة، جاز الصلح أيضاً، ولكن يشترط القبض في المجلس احترازاً من الافتراق عن دين بدين ، وعليه فإن الصلح عن دين بدين لا يجوز، فلو كان لشخص على آخر مد حنطة ، فصالحه عليه بدراهم إلى أجل لا یصح ؛ لأنها افترقا عن دین بدین(١). وإن كان المدعى به حيواناً موصوفاً في الذمة : بأن وجب في الذمة عن قتل الخطأ أو شبه العمد أو عن المهر أو بدل الخلع ، فصالح على مكيل أو موزون سوى الدراهم والدنانير، جاز الصلح ، ويكون معاوضة، ويشترط التقابض احترازاً عن افتراق العاقدين عن دين بدين ٥٠ ولو صالح على قيمة الحيوان أو أكثر مما يتغابن الناس فيه، جاز؛ لأن قيمة الحيوان دراهم ودنانير، وهي ليست من جنس الحيوان ، فكان الصلح عليها معاوضة ، فيجوز سواء قل أو كثر، ولا يشترط القبض . وكذا إذا صالح من الحيوان على دراهم في الذمة، وافترق العاقدان من غير قبض ، جاز الصلح ، وإن كان افتراقاً عن دين بدين ؛ لأن هذا المعنى ليس بمعاوضة، بل هو استيفاء عين حقه ؛ لأن الحيوان الذي وجب في الذمة ، وإن كان ديناً لكنه ليس بدين لازم ، بدليل أن من عليه الحيوان إذا جاء بقيمته يجبر من له على القبول، بخلاف سائر الديون ، فلا يكون افتراقاً عن دين بدين حقيقة(٢). بدل الصلح منفعة : ذكرنا أحكام الشرط الأول من شروط المصالح عليه إذا كان بدل الصلح عيناً أو ديناً. فأما إذا كان منفعة، بأن كان على رجل عشر ليرات الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة : ص ١٤٦ . (١) ٢١) البدائع : ٤٦/٦ وما بعدها . - ٣٠٧ - . مثلاً، فصالح منها على منفعة بيت بأن يسكنه شهراً أو على ركوب دابة أياماً معلومة أو على زراعة أرض مدة معينة ونحوها جاز الصلح (١)، ويكون التصالح إجارة (أي في معنى الإجارة) سواء أكان الصلح عن إقرار المدعى عليه أم عن إنكاره أم سكوته؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض، وقد وجد العوض هنا، والمعاوضة ظاهرة المعنى في الصلح عن إقرار، وأما في الصلح عن إنكار، فالمعاوضة عن الخصومة واليمين . وكذا في الصلح عن سكوت ؛ لأن الساكت منكر حكماً . وإذا اعتبر الصلح على المنافع إجارة، فيصح بما تصح به الإجارات ويفسد بما تفسد به ، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة(٢). ٢ - الشرط الثاني من شروط المصالح عليه (بدل الصلح ) أن يكون متقوماً: فلا يصح على الخمر والخنزير من المسلم ؛ لأنه ليس بمال متقوم في حقه(٣)، لكن في هذه الحالة إذا تم الصلح على ما لا يصلح أن يكون عوضاً أصلاً نفذ الصلح ولم يجب شيء، لأنه يدل على أن المتصالحين ما أرادا المعاوضة، ويكون الصلح عفواً من المصالح . ٣ - الشرط الثالث - أن يكون مملوكاً للمصالح: فلو صالح على مال، ثم (١) قال الحنفية ( تحفة الفقهاء: ٤٢٦/٣): كل ما يصلح مهراً في النكاح (وهو أن يكون مالاً متقوماً عند الناس ، المرجع السابق: ٢٠١/٢) وتصح تسميته، صح أن يكون بدلاً في الصلح . وكل ما لا يصلح مهراً ولا تصح تسميته ويجب فيه مهر المثل في النكاح ، لا يصح أن يكون بدلاً في الصلح ، والواجب حينئذ في الصلح دية النفس في القتل وأرش الجناية فيا دون النفس. وقد أجاز الحنفية ( الهداية مع الفتح: ٤٥٠/٢ ) أن يكون المهر منفعة يمكن تسليمها شرعاً كسكنى الدار أو ركوب الدابة أو المحمل عليها ، أو على أن تزرع أرضه ، ولكن لا يصح أن تكون المنفعة خدمة الحر لزوجته ، أو كانت مما لا يستحق عليها الأجر كتعليم القرآن ؛ لأنه في الأولى ينقلب وضع الرجل فيصبح خادماً وفي الثانية ليس ذلك مالاً . (٢) البدائع: ٤٧/٦، تكملة فتح القدير: ٣١/٧، الشرح الكبير: ٣١٠/٣، مغني المحتاج : ١٧٨/٢ ، المغني : ٤٨٣/٤ ٠ البدائع: ٤٧/٦ وما بعدها ، تكملة فتح القدير : ٢٣/٧، تبيين الحقائق: ٣٦/٥. (٣) - ٣٠٨ - -.. استحق من يد المدعي ، لم يصح الصلح ؛ لأنه تبين أنه ليس مملوكاً للمصالح(١). ٤ - الشرط الرابع - أن يكون معلوماً: لأن جهالة البدل تؤدي إلى المنازعة ، فتوجب فساد العقد (٢). شروط المصالح عنه : يشترط في محل عقد الصلح شروط هي ما يأتي : أحدها - أن يكون حقاً للإنسان لاحقاً لله عز وجل، سواء أكان مالاً عيناً أم ديناً، أم حقاً ليس بمال كالقصاص والتعزير(٣). فلا يصح الصلح من حد الزنا والسرقة وشرب الخمر بأن يأخذ رجل زانياً أو سارقاً أو شارب خمر، وأراد أن يرفعه إلى الحاكم، فصالحه المأخوذ على مال ليتركه، فالصلح باطل ؛ لأن الحد حق الله تعالى، والاعتياض عن حق الغير لا يجوز، وهو الصلح على تحريم الحلال أو تحليل الحرام . وكذا لا يصلح الصلح من حد القذف بأن قذف الإنسان رجلاً، فصالحه على مال على أن يعفو عنه؛ لأن هذا الحد ، وإن كان للإنسان فيه حق ، فالمغلب فيه عند الحنفية هو حق الله تعالى . 5 وكذا لا يصح الصلح مع شاهد يريد أن يشهد عليه على مال، على ألا يشهد عليه فهو باطل ؛ لأن الشاهد في إقامة الشهادة محتسب حقاً لله تعالى، والصلح عن حقوق الله عز وجل باطل ، ويجب على العاقد رد ما أخذ من المال ؛ لأنه أخذ بغير حق . ولو علم القاضي به أبطل شهادته ؛ لأنه فسق ، إلا أن يتوب ، فتقبل . (١) البدائع : المرجع السابق : ص ٤٨ . (٢) البدائع ، المرجع السابق ، الدر المختار : ٤٩٣/٤ . البدائع ، المرجع نفسه ، تبيين الحقائق: ٢٧/٥، تكملة فتح القدير، المرجع السابق: ص ٣٤ ، الدر المختار: (٣) ٤٩٣/٤ ٠ - ٣٠٩ - ويجوز الصلح على التعزير؛ لأنه حق الإنسان . وكذا يجوز الصلح باتفاق المذاهب الأربعة عن القصاص في النفس وما دون النفس من الأعضاء؛ لأن القصاص حق للإنسان ، فالصلح يجوز حينئذ ، سواء أكان بدل الصلح عيناً أم ديناً، لكن إذا كان البدل ديناً يشترط القبض في المجلس، حتى لا یکون افتراقاً عن دین بدین(١). وسواء أكان البدل معلوماً أم مجهولاً جهالة غير فاحشة، فإذا صالح مثلاً على ثوب أو دابة أودار لا يجوز؛ لأن الثياب والدواب والدور أجناس ذات أنواع مختلفة ، وجهالة النوع تعتبر فاحشة ، فتمنع الجواز. والضابط في هذا: أن كل جهالة تمنع صحة تسمية المهر في النكاح تمنع صحة الصلح من القصاص، وما لا يمنع التسمية فلا يمنع الصحة؛ لأن كلاً من بدل الصلح والمهر يجب بدلاً عما ليس بمال. وعليه إن كان البدل مما يصلح مهراً في النكاح فيصلح بدلاً في الصلح ، وإذا لم يصلح تسمية المهر بسبب الجهالة يجب مهر المثل ، وإذا لم يصلح تسمية بدل الصلح يسقط القصاص وتجب دية النفس في القتل ، وأرش الجناية فيما دون النفس ، إلا أن بين النكاح والصلح فرقاً من وجه وهو أنه إذا صالح عن القصاص على خمر أو خنزير، يسقط القصاص ، ولا يجب شيء آخر، ويكون الصلح عفواً من صاحب الدم؛ أما في النكاح فإنه يجب مهر المثل . وجه الفرق: هو أن لفظة ((الصلح)) كناية عن العفو، فإذا لم يذكر مال متقوم في الصلح عن القصاص كان بمثابة السكوت عن ذكر عوض، وإذا لم يذكر العوض كان معناه هو العفو، وبعد العفو لا يجب شيء. أما في النكاح فلا يحتمل العفو عن المهر؛ لأنه إذا سكت عنه يجب حكماً لأنه من ضرورات عقد النكاح، فإنه ما شرع إلا بالمال، فإذا لم يكن المسمى صالحاً للمهر، صار كما لو لم يسم العاقد مهراً، وإذا لم يسم مهراً وجب مهر المثل. (١) البدائع، المرجع السابق، المبسوط: ٩/٢١، تبيين الحقائق: ٣٥/٥، تكملة فتح القدير: ٣٢/٧، الشرح الكبير : ٣١٧/٣، المغني : ٤٩٤/٤ وما بعدها . - ٣١٠ - وأما الصلح : فليس من ضروراته وجوب المال، فإنه لو عفا بلا تسمية شيء لم يجب شيء (١). والصلح عن القصاص جائز سواء أكان بدل الصلح قدر الدية أم أقل أم أكثر لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له (٣) من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ﴾ قال ابن عباس: ((إنها نزلت في الصلح عن دم العمد)) واسم الشيء يتناول القليل والكثير، فدلت الآية على جواز الصلح من القصاص على القليل والكثير. وهذا بخلاف الصلح عن القتل الخطأ وشبه العمد : فإنه إذا صالح على أكثر من الدينة والأرش لا يجوز الصلح ؛ لأن الأرش والدية مقدران شرعاً بمقدار معلوم لا زيادة عليه، فالزيادة على المقدر تكون ربا، فلا يجوز، أما بدل الصلح عن القصاص فعوض عن القصاص ، والقصاص ليس بمال ، حتى يكون البدل عنه زيادة على المال المقدر، وليس فيه تقدير شرعي، فلا يتحقق الربا(٣). الصلح عن المجهول : لا يشترط عند الحنفية والحنابلة: أن يكون المصالح عنه معلوماً، فيصح الصلح عن المجهول، سواء أكان عيناً أم ديناً، فمن ادعى على آخر حقاً في عين ، فأقر به المدعى عليه، أو أنكر، فصالح على مال معلوم، جاز(٤)؛ لأن الصلح كما يصح بطريق المعاوضة يصح بطريق الإسقاط، وهذا إسقاط حق، فصح في المجهول كالعتاق والطلاق، ولأنه إذا صح الصلح مع العلم، وإمكان أداء الحق بعينه ، فلأن يصح مع الجهل أولى، إذ لو لم يجز الصلح حينئذ أدى إلى ضياع المال، والصلح هنا ليس بيعاً وإنما هو إبراء، وقد روي عن النبي ◌ُ ◌ّ أنه قال في رجلين (١) العناية بهامش تكملة فتح القدير: ٣٣/٧ ، تبيين الحقائق: ٣٥/٥ . (٢) أي أعطي له . ومعنى الآية : أن الله تعالى أمر الولي بالاتباع بالمعروف إذا أعطي له شيء . (٣) البدائع : ٤٩/٦، العناية مع تكملة الفتح: ٣٤/٧، تبيين الحقائق: ٣٦/٥، الدر المختار : ٤٩٧/٤ . يعني أن يكون بين رجلين معاملة وحساب من زمن طويل ، ولا علم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه ، (٤) فيجوز الصلح بينهما ، وكذلك من عليه حق ، لا علم له بقدره ، جاز أن يصالح عليه . - ٣١١ - اختصما في مواريث درست: ((استهما، وتوخيا، وليحلل أحد كما صاحبه))(١)، وهذا صلح على المجهول كما قال ابن قدامة . وقال المالكية : ينبغي أن يعرف المدعي قدرما يصالح عنه من الدين ، فإن كان مجهولاً لم يجز. وقال الشافعي : لا يصح الصلح على المجهول ؛ لأن الصلح بيع ، ولا يصح البيع على المجهول(٣). الشرط الثاني - أن يكون المصالح عنه حقاً للمصالح، فإذا لم يكن حقاً له، بطل الصلح (٣) . الشرط الثالث - أن يكون حقاً ثابتاً للمصالح في محل الصلح، فإذا لم يكن حقاً ثابتاً له، لا يجوز الصلح عنه، كما يظهر من الحالات الآتية(٤). - لو أن امرأة طلقها زوجها ادعت عليه صبياً في يده أنه ابنه منها، وجحد رجل على امرأة نكاحاً وهي تجحد دعواه، فصالحته على مال بذلته له، حتى يترك (١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ، وأصله في الصحيحين عن أم سلمة قالت: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ◌ّير في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله مَ ◌ّ: إنكم تختصمون إلى رسول الله ما لاّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاماً ( أي المسعار وهو الحديدة التي يسعر بها النار) في عنقه يوم القيامة ، فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقي لأخي ، فقال رسول الله عَ اقٍ: ((أما إذا قلتما فاذهبا، فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليُحلل كل واحد منكما صاحبه)) ليحلل : أي ليسأل كل واحد منكما صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته ، وفيه دليل على أنه يصح الإبراء من المجهول (راجع نيل الأوطار: ٢٥٣/٥) . راجع البدائع: ٤٩/٦، مجمع الضمانات: ص ٣٨٨ ، تبيين الحقائق: ٣٢/٥، الدر المختار: ٤٩٣/٤ ، المغني : (٢) ٤٩٠/٤ وما بعدها ، الميزان: ٧٩/٢، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٣١٠/٣. (٣) البدائع ، المرجع السابق . البدائع ، المرجع السابق، المبسوط: ٣٥/٢١ ، مجمع الضمانات: ص ٣٨٥ . (٤) -٣١٢ - الرجل ، فصالحت عن النسب على شيء، فالصلح باطل ؛ لأن النسب حق الصبي ، لا حقها فلا تملك المعاوضة عن حق غيرها . - ولو صالح الشفيع المشتري عن حق الشفعة الذي وجب له، على مال معلوم على أن يسلم الدار المبيعة مثلاً للمشتري، فالصلح باطل ؛ لأنه لاحق للشفيع في محل الصلح ، إنما الثابت له حق التملك ، وهذا عبارة عن ولاية له ، وهي صفة له، فليس هذا الحق لمعنى في المحل، فلا يحتمل الصلح عنه(١) وهو بخلاف الصلح عن القصاص؛ لأن المحل هنا يصير مملوكاً في حق الاستيفاء . - وإذا صالح الكفيل بالنفس المكفول له على مال معلوم على أن يبرئه من الكفالة ، فالصلح باطل ، والكفالة لازمة ؛ لأن الثابت للدائن المكفول له : هو حق مطالبة الكفيل بتسليم المكفول بنفسه، وهو عبارة عن ولاية المطالبة، وهي صفة للدائن ، فلا يجوز الصلح عنها فأشبه الشفعة . - ولو كان لرجل ظلَّة(٢) على طريق نافذ أو كنيف (٢) ممتد إلى الشارع أو ميزاب، فخاصمه رجل فيه ، وأراد طرحه وإزالته، فصالحه على مال فالصلح باطل ؛ لأن الطريق حق لجماعة المسلمين ، وليس لأحد منهم حق معتبر ثابت في الطريق ، وإنما له فقط حق المرور، وولاية المرور، وهما صفة للمار، فلا يجوز الصلح عنه. هذا فضلاً عن أنه لافائدة من هذا الصلح ، لأنه إن سقط حق واحد بالصلح ، فللباقين حق القلع (٤). أما إذا كان الطريق غير نافذ ، فخاصمه رجل من أهل الطريق على مال لترك أي أن حق الشفعة : حق أن يملك ، وذلك ليس بحق ثابت في المحل قبل التملك ، فأخذ بدل عنه أخذ مال في (١) مقابلة ماليس بشيء ثابت في المحل ، وهو رشوة حرام ( العناية مع تكملة فتح القدير: ٣٣/٧). (٢) الظلة : المظلة الضيقة وهي ما يستظل بها من الحر أو البرد كالخية المعروفة الآن . (٣) هو الكنة التي تشرع فوق باب الدار ، أي السقيفة الممتدة خارج البيت إلى الشارع كالروشن الآن . البدائع : ٤٩/٦. مغني المحتاج: ١٨٢/٢، المهذب: ٢٣٢/١ . (٤) - ٣١٣ - الظلة ونحوها ، فالصلح جائز؛ لأن الطريق هنا مملوكة ملكاً مشتركاً بين جماعة محصورة، فكان لكل واحد منهم جزء مملوك له، فجاز الصلح عنه، وفي هذا الصلح فائدة لاحتمال أن يصالح الباقون بخلاف حالة ما إذا كان الطريق نافذاً، فإنه لا يتصور الصلح من جميع الناس . - ولو ادعى رجل على رجل مالاً، فأنكره المدعى عليه، ولا بينة للمدعي ، فطلب من المدعى عليه اليمين ، فصالح عن اليمين على ألا يستحلفه، جاز الصلح، وبرئ من اليمين . - ولو ادعى رجل على آخر مئة ليرة مثلاً، فأنكرها المدعى عليه، فتصالحا على أنه ((إن حلف المدعى عليه، فهو بريء)) فحلف المدعى عليه: ((ما لهذا المدعي قليل ولا كثير عندي)) فإن الصلح باطل، والمدعي على دعواه، فإن أقام بينة أخذ حقه بها؛ لأن قوله: ((على أنه إن حلف المدعى عليه فهو بريء)) تعليق البراءة بالشرط ، وهو باطل ؛ لأن في الإبراء معنى التمليك، والأصل في التمليك ألا يحتمل التعليق بالشرط . وإن لم تكن له بينة وأراد استحلاف المدعى عليه ، فهناك وجهان : أ - إن كان ذلك الحلف الذي صدر من المدعى عليه عند غير القاضي : فله أن يستحلفه عند القاضي مرة أخرى ؛ لأن تلك اليمين غير معتبرة . ب - وإن كان حلف عند القاضي : فلا يستحلفه مرة ثانية ؛ لأن حق المدعي في الاستحلاف صار مستوفى مرة ، فلا يجب عليه الإيفاء مرة ثانية . - ولو تصالحا على أن ((يحلف المدعي، فمتى حلف، فالدعوى لازمة للمدعى عليه)) (١) فحلف المدعي على دعواه، فإن الصلح باطل ، ولا يلزم المدعى عليه بشيء؛ (١) أي فالمال واجب على المدعى عليه . - ٣١٤ _ لأن هذا تعليق وجوب المال بشرط وهو باطل لكونه قماراً(١). - ولو ادعى رجل على امرأة نكاحاً ، فجحدته ، فصالحته على مال بذلته، حتى يترك الدعوى، جاز الصلح ؛ لأن النكاح حق ثابت في حق المدعي ، فكان الصلح على حق ثابت، فكان في معنى الخلع ، إذ هو أخذ المال بدلاً عن الحقوق الزوجية ، وفي حقها بدل مال لإسقاط الخصومة(٣). - ولو ادعى رجل على امرأة نكاحاً فجحدت ، فصالحها على مئة ليرة على أن تقر له بالنكاح، فأقرت ، فهو جائز، وتكون المئة من الزوج زيادة في مهرها؛ لأن إقرارها بالنكاح محمول على أنه صحیحٍ . - ولو قال رجل لامرأة: («أعطيتك مئة ليرة على أن تكوني امرأتي)» فهو جائز إذا قبلت الزواج بمحضر من الشهود، ويكون هذا كناية عن إنشاء النكاح ابتداء. - وكذا لوقال: ((تزوجتك أمس على ألف ليرة)) فجحدت، وقالت: ((لا)) فقال: ((أزيدك مئة على أن تقري لي بالنكاح)، فأقرت، جاز الصلح، ولها ألف ومئة، والنكاح جائز، ويحمل إقرارها على الصحة(٢).) - ولو ادعت امرأة على رجل نكاحاً ، فجحد الرجل، فصالحها على مال بذله لها ، لا يجوز الصلح، لأنه لا يخلو إما أن يكون النكاح ثابتاً أو لم يكن ثابتاً، فإن لم يكن ثابتاً كان دفع المال إليها من الرجل في معنى الرشوة ، إذ ليس هناك شيء يقابله العوض وقد بذل لها المال لتترك الدعوى . وإن كان ثابتاً لا تثبت الفرقة بهذا الصلح ؛ لأن العوض في مثل هذه الفرقة تعطيه المرأة لا الزوج فهو لا يعطي العوض في الفرقة ، فلا يكون المال الذي تأخذه المرأة عوضاً عن شيء، فلا يجوز. لكن لو ادعى (١) البدائع : ٥٠/٦ . البدائع ، المرجع السابق ، تبيين الحقائق: ٣٧/٥، الدر المختار : ٤٩٦/٤، مجمع الضمانات: ص ٣٨٥ . (٢) البدائع : ٥١/٦ ٠ (٣) - ٣١٥ _ الدعوى، جاز الصلح، وكان الصلح في معنى الخلع في جانبه ، لزعمه أن النكاح قائم، ولدفع الخصومة في جانبها(١). - ولو ادعى إنسان على آخر ألف ليرة ، فأنكر المدعى عليه، فصالحه المدعي على مئة ليرة على أن يقر له بالألف، فالصلح باطل ؛ لأن المدعي لا يخلو إما أن يكون صادقاً في ادعائه الألف، وإما أن يكون كاذباً فيها ، فإن كان صادقاً فيها ، فالألف واجبة على المدعى عليه ، ويكون أخذ العوض عليه في معنى الرشوة ، وهو حرام. وإن كان كاذباً في ادعائه فإقرار المدعى عليه بالألف التزام المال من بادئ الأمر، وهذا لا يجوز(٣). - ولو ادعى إنسان على رجل وديعة ، أو عارية، أو مال مضاربة أو إجارة، فقال الأمين: ((قد رددتها عليك)) أو ((هلكت)) وكذبه المدعي، وقال: ((استهلكتها)) ثم تصالحا علی مال، فالصلح باطل عند أبي يوسف. وعند محمد : صحيح . وجه قول محمد : أن هذا صلح وقع عن دعوى صحيحة ، ويمين موجهة ، فيصح . ووجه قول أبي يوسف : أن المدعي مناقض نفسه في هذه الدعوى ؛ لأن الوديع أمين المالك ، وقول الأمين قول المؤتمن ، فكان إخباره بالرد أو الهلاك إقراراً من المودع فكان مناقضاً نفسه في ادعاء الاستهلاك، والتناقض يمنع صحة الدعوى، إلا أنه يستحلف لكن لالدفع الدعوى، لأنها مندفعة لبطلانها، بل للتهمة، وإذا لم تصح الدعوى لا يصح الصلح (٣) . (١) البدائع، المرجع نفسه: ص ٥٠، تكملة فتح القدير مع العناية: ٣٥/٧، تبيين الحقائق: ٣٧/٥، الكتاب مع اللباب : ١٦٥/٢. (٢) البدائع ، المرجع السابق ، ص ٥١ . (٣) البدائع ، المرجع السابق : ص ٥٠ . - ٣١٦ - د الصلح على العيب : لو اشترى رجل شيئاً فوجده معيباً ، فصالحه البائع من العيب على شيء دفعه إليه، أو حط عنه من ثمنه شيئاً : فإن كان المبيع مما يجوز رده على البائع، أو كان له حق المطالبة بأرش العيب دون رده، فالصلح جائز؛ لأن الصلح عن العيب صلح عن حق ثابت في المحل وهو ( صفة سلامة المبيع عن العيب)(١). وإن لم يكن للمشتري حق رد المبيع ولا أخذ الأرش (التعويض عن العيب) بأن باع الشيء أو حدثت زيادة منفصلة متولدة من الأصل أو حدث عيب جديد عند المشتري عدا العيب القديم المجيز للرد : فلا يجوز الصلح ؛ لأن هذا أخذ مال لا بمقابلة شيء ، فلا يجوز. وإذا جاز الصلح عن العيب، فزال العيب، كأن كان العيب بياضاً في عين الدابة فانجلى البياض، يبطل الصلح، ويأخذ البائع ما أداه، لأن صفة سلامة المبيع قد عادت إليه، فیعوض العوض ، ويزول حق المشتري فيه . ولو طعن المشتري بعيب في المبيع ، فصالحه البائع على أن يبرئه من العيب المذكور ومن كل عيب، فالصلح جائز؛ لأن الإبراء عن العيب إبراء عن صفة السلامة في المبيع وإسقاط لها . وكذلك لو لم يطعن المشتري بعيب ، فصالحه البائع من كل عيب على مال، فالصلح جائز؛ لأنه وإن لم يطعن بعيب فله حق الخصومة ، فيجوز الصلح لإبطال هذا الحق . ولو طعن المشتري بنوع من العيوب كالعمى والقروح، فصالحه البائع عليه، جاز الصلح ؛ لأنه لما جاز عن كل عيب، جاز عن العيب الواحد. فإذا ظهر عيب (١) يلاحظ أن هذا الصلح جائز في البيع العادي الذي يجوز فيه التفاضل ، أما إذا كان البيع فيما يجري فيه الربا ، فلا يجوز الصلح على شيء ، لأنه يؤدي إلى الزيادة ، وهو ربا ، وهو لا يجوز . - ٣١٧ - آخر، كان للمشتري حق الخصومة فيه ؛ لأن الصلح وقع عن نوع خاص ، فكان له حق الخصومة في غيره(١). الصلح بين المدعي والأجنبي : تكلمنا فيما سبق عن الصلح بين المدعي والمدعى عليه . أما إذا كان الصلح بين المدعي والأجنبي المتوسط أو المتبرع بالصلح فلا يخلو الحال بين أن يكون الصلح بإذن أو أمر من المدعى عليه أو بغير إذنه أو أمره. فإن كان الصلح بإذن من المدعى عليه: فإنه يصح الصلح، ويكون المصالح وكيلاً عن المدعى عليه، والصلح مما يحتمل التوكيل به، ويجب المال على المدعى عليه دون الوكيل، سواء أكان الصلح عن إقرار أم عن إنكار؛ لأن الوكيل في الصلح لا ترجع إليه حقوق العقد. والمال لازم للموكل دون الوكيل إلا إذا ضمن الوكيل بدل الصلح عن المدعى عليه، فإنه يجب عليه حينئذ بموجب عقد الكفالة والضمان ، لا بموجب عقد الصلح (٢). وقال الشافعية : إن قال الأجنبي للمدعي : وكلني المدعى عليه في الصلح وهو مقرلك بما تدعي ، صح الصلح بينهما ؛ لأن ادعاء الوكالة في المعاملات مقبول ، ولو صالح الأجنبي عن العين أي (المدعاة) لنفسه بماله، وقال الأجنبي للمدعي : إن المدعى عليه مقرلك بالمدعى ، صح الصلح أيضاً، وكأنه اشترى المدعى به. وإن كان المدعى عليه منكراً، وقال الأجنبي : هو مبطل في إنكاره ؛ لأنك صادق عندي، فصالحني : فإن كان المدعى به عيناً، فيطبق عليه حكم شراء المغصوب، أي فإن كان قادراً على انتزاعه من المدعى عليه صح الصلح ، وإن لم يقدر على انتزاعه فلا يصح . (١) البدائع : ٥١/٦ ، المبسوط : ٣٦/٢١ . (٢) البدائع: ٥٢/٦، تكملة فتح القدير: ٢٨/٧ وما بعدها، تبيين الحقائق : ٣٩/٥ وما بعدها، الكتاب مع اللباب : ١٦٧/٢ . - ٣١٨ - وإن لم يقل الأجنبي: هو مبطل في إنكاره، لغا الصلح (١). وإن كان الصلح بغير إذن من المدعى عليه : فهو صلح الفضولي، وهو على خمسة أوجه : في أربعة منها يصح الصلح، ويجب المال على المصالح الفضولي، ولا يجب على المدعى عليه شيء . وهذه الأوجه هي : أولاً - أن يضيف الضمان إلى نفسه: بأن يقول الفضولي للمدعي: ((صالحتك من دعواك هذه على فلان بألف ليرة على أني ضامن لك هذه الألف)»، أو: «على أن علي الألف)). ثانياً - أن يضيف المال إلى نفسه: بأن يقول: «على ألفي هذا، أو على متاعي هذا ». ثالثاً - أن يعين البدل وإن كان لا ينسبه إلى نفسه بأن يقول: ((على هذا الألف أو على هذا المتاع)). رابعاً - أن يسلم البدل، وإن لم يعين ولم ينسب إلى نفسه: بأن قال: ((صالحتك على ألف)» وسلمها إليه . والدليل على صحة الصلح في هذه الأوجه الأربعة هو قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم﴾، وقوله عز وجل: ﴿والصلح خير﴾، ولأن الفضولي بالصلح عن غيره في هذه الوجوه متصرف على نفسه بالتبرع بإسقاط الدين عن الغير، بأن يقضي دينه من مال نفسه إذا كان الصلح عن إقرار. وإن كان الصلح عن إنكار فهو متبرع بإسقاط الخصومة عن غيره، فيجوز التبرع في الحالتين . (١) مغني المحتاج: ١٨١/٢، المهذب: ٣٣٣/١. - ٣١٩ - وفي وجه واحد: لا يصح الصلح، وإنما يكون موقوفاً على إجازة المدعى عليه، وهو بأن يقول الفضولي: ((صالحتك من دعواك هذه مع فلان على ألف ليرة أو على متاع كذا : الوسط)»، ففي هذه الحالة إن أجاز المدعى عليه صلح الفضولي نفذ ، ويجب البدل عليه دون المصالح ؛ لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، وحكم الوكالة كذلك . وإن لم يجز بطل الصلح؛ لأن التصرف على الإنسان لا يصح من غير إذنه وإجازته، والأصل في العقد إنما هو المدعى عليه(١). وهذه الأحكام تطبق على الخلع من الأجنبي : فإن كان خلع الزوجة بإذن الزوج أو المرأة: يصير المخالع وكيلاً، ويجب المال على المرأة للزوج دون الوكيل ؛ لأنه سفير ومعبر عن الأصيل ، فلا يرجع إليه بشيء من حقوق العقد . وإن كان الخلع بغير إذن : فإن وجد من الفضولي ضمان بدل الخلع ، أوقال : ((خالع امرأتك على كذا ليرة علي)) أو ((على متاعي هذا)) أو ((على هذا الألف)) أو ((علي هذا المتاع)) فإن الخلع صحيح، ويجب المال على الفضولي ، وليس له أن يرجع على الأصیل، لأنه متبرع . وإن قال الفضولي للزوج: ((اخلع امرأتك على كذا)) فقال: ((خلعت)) فإن الخلع يكون موقوفاً على إجازة المرأة : فإن أجازت صح الخلع ، ويجب البدل عليها دون الفضولي، وإن لم تجز بطل الخلع ، ولا يقع الطلاق . وتطبق هذه الأحكام أيضاً على الصلح عن دم العمد من الأجنبي ، كما تطبق كذلك على الزيادة في الثمن من الأجنبي : إن كانت بإذن المشتري يكون الشخص (١) البدائع: ٥٢/٦، تكملة فتح القدير: ٤٠/٧، تبيين الحقائق: ٤٠/٥ . - ٣٢٠ -