النص المفهرس
صفحات 281-300
فإذا بقي المرهون في يد المرتهن بعدئذ، كان وديعة عند الشافعية والحنابلة (١). ويبقى وديعة عند أبي حنيفة إذا كان انتهاء الدين بالإبراء أو بالهبة. فإن كان بغيرهما كالوفاء بأدائه، أو بشراء سلعة به من الراهن ، أو بواسطة الإحالة، فيظل المرهون مضموناً استحساناً ، كما كان قبل ، فإذا هلك يهلك بالأقل من قيمته ومن الدين . وسبب التفرقة بين الحالين أن الدين بالإبراء أو الهبة للمدين، يسقط نهائياً، فيزول ضمان الرهن . أما في الوفاء فلا يسقط ، وإنما يثبت في ذمة الدائن دين مثله، يمنع الدائن من المطالبة به، وتحدث المقاصة بين الدينين ، وإذا ظل الدين قائماً في ذمة المدين ، ظل الضمان به قائماً(٢). وقال المالكية(٢): إذا كان الرهن مما يغاب عليه ( يمكن إخفاؤه ) كالحلي والكتب والثياب والسلاح، والسفن وقت جريها، لزم المرتهن أن يقوم برده عند انقضاء الدين ، وإلا استمر ضامناً؛ لأن الرهن بعد الوفاء ليس كالوديعة ؛ لأن الوديعة عقد يتم لمنفعة المودع، وعقد الرهن يتم لمنفعة العاقدين جميعاً، فإذا طلب الراهن إبقاء المرهون بعد إيفاء الدين عند المرتهن ، كان أمانة . وانقضاء عقد الرهن أو انتهاؤه: يكون بأسباب كالإبراء والهبة والوفاء، أو بالفسخ قبل سقوط الدين وزواله. وقد ينتهي إذا تبين أن لا دين عند إنشاء الرهن ، وسنفصل تلك الأسباب . فإذا رد المال المرهون إلى الراهن نتيجة لانتهاء عقد الرهن ، فلا خلاف في أنه لا يبقى للرهن أثر في هذه الحال . (١) المغني: ٣٩٧/٤ ، مغني المحتاج : ١٣٦/٢ . (٢) تكملة الفتح : ٢٤٣/٨ ، تبيين الحقائق : ٩٦/٦ . الشرح الكبير : ٢٥٣/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤. (٣) - ٢٨١ - أما إن بقي المرهون عند المرتهن، سواء أكان هناك دين وانتهى، أم تبين أن لادين، أم تصادق الراهن والمرتهن على أنه لم يكن دين عند الرهن، فهو أمانة عند الشافعية والحنابلة . وكذلك هو أمانة عند المالكية إن تصادق الراهن والمرتهن على عدم وجود الدين عند الرهن . أما الحنفية(١) فيرون في حالة التصادق هذه أن ضمان المرتهن يستمر إذا كان التصادق بعد هلاك الرهن . فإن كان التصادق والرهن قائم، ثم هلك، فاختلف الحنفية : فذهب بعضهم إلى أن الرهن يرتفع ، ويصبح المال المرهون أمانة في يد المرتهن. وذهب آخرون إلى أن الضمان يستمر ما بقي المال المرهون في يد المرتهن ، والرأي الأول أرجح . وأما حالات غير التصادق ، فكما بينا في حالة انتهاء الدين . متى يتم تسليم المرهون ؟: يسلم الراهن الدين أولاً، ثم يسلم المرتهن المرهون، كتسليم المبيع والثمن في البيع، يسلم الثمن أولاً، ثم يسلم المبيع؛ لأن حق المرتهن يتعين بتسلم الدين ، وحق الراهن متعين في تسلم المرهون ، فيتم التسليم على هذا الترتيب تحقيقاً للتسوية بين الراهن والمرتهن (١). وإذا سلم الراهن بعض الدين يظل المرهون كله رهناً بحاله على ما بقي من الدين باتفاق المذاهب الأربعة (٣)؛ لأن الرهن كله وثيقة بالدين كله، وهو محبوس بكل الحق ، والحبس بالدين الذي هو موجب الرهن لا يتجزأ، فيكون محبوساً بكل (١) الدر المختار : ٣٧٣/٥ وما بعدها . (٢) تكملة الفتح : ١٩٨/٨، ٢٠٠. الدر المختار: ٢٥٤/٥، اللباب: ٦٣/٢ وما بعدها، البدائع: ١٥٢/٦، تكملة الفتح: ٢٠٠/٨، بداية المجتهد : ٢٧٢/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤، مغني المحتاج: ١٤١/٢، المغني : ٣٦١/٤. (٣) - ٢٨٢ - ۔ جزء من الدين ، لا ينفك منه شيء حتى يقضى جميع الدين ، سواء أكان الرهن مما يمكن قسمته أم لا يمكن . مكان تسليم المرهون: قال الحنفية(١): إما أن يكون للرهن حمل ومؤنة أو لا. أ- فإن كان للرهن حمل ومؤنة ، وطالب المرتهن بإيفاء دينه في غير البلد الذي تم فيه العقد، فإنه يؤدى دينه ، ولا يكلف إحضار المرهون ؛ لأنه يتطلب نفقة ، وإنما يجب عليه فقط تسليم المرهون بمعنى التخلية بينه وبين الراهن ، لا النقل من مكان إلى آخر؛ لأنه يتضرر به، ولم يلتزمه في العقد . ب - وإن لم يكن للرهن عمل ومؤنة، يؤمر المرتهن بإحضار الرهن ؛ لأن الأماكن كلها في حق تسليم ما لا حمل له ولا مؤنة، كمكان واحد، وعليه لا يشترط بيان مكان الإيفاء في الرهن ومثله كعقد السلم. بر ويلاحظ من هذا التفصيل أن المرتهن يكلف بإحضار الرهن إذا كانت المطالبة بالدين في بلد العقد ، سواء أكان الرهن محتاجاً لحمل ومؤنة أم لا . لكن عقب ابن عابدين على هذا بأن فيه نظراً؛ لأن الواجب على المرتهن التخلية، لا النقل، وهذا المتبادر من كلام المؤلفين يخالف ما في البزازية حيث قال : إن لم يلحقه مؤنة في الإحضار يؤمر به، وإن كان مما يلحقه مؤنة ، بأن كان في موضع آخر، لا يؤمر به . ثانياً - أحكام الرهن الفاسد : عرفنا مما سبق أن أهم أحكام الرهن الصحيح: هو اختصاص المرتهن بالرهن ، دون سائر الغرماء ، وحق حبسه وضمانه عند الحنفية . (١) تكملة الفتح: ١٩٨/٨، الدر المختار ورد المختار: ٣٤٣/٥ وما بعدها . - ٢٨٣ - وقد اتفق أئمة المذاهب على أن الرهن غير الصحيح باطلاً أو فاسداً لا حكم له حال وجود المرهون ، فلا يثبت للمرتهن حق الحبس، وللراهن أن يسترد المرهون منه، فإن منعه حتى هلك صار غاصباً، فيضمن مثله إن كان له مثل ، وقيمته إن لم يكن له مثل، كضمان المغصوب . وإن هلك المرهون المقبوض بيد المرتهن بناء على عقد غير صحيح، مثل: رهن المشاع عند الحنفية، فإنه يهلك عندهم(١) هلاك الرهن ، أي بالأقل من قيته ومن الدين، وهو الرأي الأصح. وقال الكرخي : إنه يهلك هلاك الأمانة؛ لأن الرهن إذا لم يصح، كان القبض قبض أمانة؛ لأنه قبض بإذن المالك ، فأشبه قبض الوديعة . ومن مات وله غرماء، فالمرتهن في الرهن الفاسد أحق به، كما في الرهن الصحيح . والمالكية في الجملة كالحنفية، قالوا (١٢): إذا قبض المرتهن المرهون بناء على عقد فاسد، فالمرتهن أحق بالرهن من سائر الغرماء، حتى يقبض حقه . وإذا هلك المرهون في يد المرتهن بعقد فاسد ، فحكم هلاكه مثل حكم هلاك المرهون فيما إذا كان العقد صحيحاً . أما حق الاحتباس ، فيظهر أنه ثابت للمرتهن بناء على ثبوت حق امتيازه، لكن ليس له بناء على عقد فاسد طلب المرهون وتسلمه من الراهن . وقال الشافعية والحنابلة(٢): حكم فاسد العقود حكم صحيحها في الضمان وعدمه؛ لأن العقد إن اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم، كالبيع والإعارة ، ففاسده أولى ، فالمبيع بعقد صحيح مضمون ، فكذا المقبوض ببيع فاسد. وإن اقتضى العقد الصحيح (١) البدائع: ١٦٣/٦، الدر المختار: ٣٦٥/٥، ٣٧٤ . (٢) الشرح الكبير والدسوقي : ٢٣٧/٣، ٢٤١، ٢٤٧. (٣) مغني المحتاج: ١٣٧/٢، كشاف القناع: ٣٢٩/٣، المغني: ٣٨١/٤ . - ٢٨٤ - عدم الضمان كالرهن ، والهبة بلا ثواب ، والعين المستأجرة ، ففاسده كذلك؛ لأن واضع اليد أثبتها بإذن مالكها ، ولم يلتزم بالعقد ضماناً . وعليه إذا فسد الرهن كالمرهون المحرم، والمجهول، والمعدوم، وما لا يقدر على تسليمه، أو غير المعين ، وقبضه المرتهن ، فلا ضمان عليه إن تلف بيده ؛ لأن الرهن الصحيح غير مضمون ، ففاسده كذلك . المبحث الرابع - نماء الرهن أو زوائده : يشمل الرهن نماء المرهون ويتعلق الدين المرهون به بزوائد المرهون عند الفقهاء على تفصيل بينهم في التضييق والتوسع ، ولكنهم متفقون على أن النماء ملك للراهن ، لأنه مالك للأصل ، وهذا نماء ملكه. ١ - فقال الحنفية (١): يدخل في الرهن كل زيادة متولدة من الأصل متصلة به كالثمر واللبن والصوف، أو منفصلة عنه كالولد، فيكون رهناً مع الأصل ؛ لأنه تبع له، والرهن حق لازم، فیسري إلیه . ولا يدخل في الرهن الزيادة غير المتولدة، كالأجرة، وغلة الأرض، فلا تكون رهناً مع أصلها ، وإنما هي للراهن خالصة ، فلا يتعلق بها الدين ، لأنها نتيجة تعاقد بين مالك الرهن وغيره، لا متولدة من المال ، فكانت خالصة لمن استحقها بالعقد ، وهو مذهب المالكية والشافعية أيضاً . ٢ - وقال المالكية(٢): يدخل في الرهن كل زيادة متولدة متصلة لا تنفصل، كالسمن والجمال، أو منفصلة متناسلة كالولد والنتاج وفسيل النخيل أو الشجر؛ لأنه (١) تكملة الفتح: ٢٤٠/٨، الدر المختار: ٣٦٥/٥، ٣٧٠، تبيين الحقائق: ٩٤/٦، اللباب: ٦٢/٢ ، البدائع: ١٥٢/٦. (٢) الشرح الكبير : ٢٤٤/٣، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤ ، بداية المجتهد : ٢٧٢/٢ . - ٢٨٥ - كولد الحيوان ، ونحوه مما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته، ويدخل أيضاً صوف الغنم إذا كان وقت الرهن قد تم على ظهرها تبعاً لها، وإلا لم يدخل . أما ما لم يكن على خلقة المرهون وصورته، فلا يدخل في الرهن ، سواء أكان متولداً عنه كثمر الشجر أو النخل واللبن، أم غير متولد ككراء الدار وسائر الغلات. ٣ - وقال الشافعية(١) : يدخل في الرهن الزيادة المتصلة أي الزيادة الوصفية كالسمن والكبر والجمال ونمو الثمر، لأنها تتبع أصلها ، لعدم تميزها عنه. ولا يدخل في الرهن أي زيادة منفصلة أو نماء متميز كثرة وولد وصوف وشعر ولبن وبيض أو أجرة دار، لحديث أبي هريرة المتقدم: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)) والنماء من الغنم ، فوجب أن يكون له. ولأن الرهن عقد لا يزيل الملك عن رقبة المرهون ، فلا يسري إلى الماء المتميز كالإجارة . ٤ - وقال الحنابلة(٢): إن جميع ماء الرهن وغلاته، متصلاً أو منفصلاً، متولداً أو غير متولد ، غلة أو غيرها، يكون رهناً في يد المرتهن ، أو نائبه، وتباع مع الأصل، وفاء للدين إن دعت الحاجة إلى بيعه ؛ لأن تعلق الدين بالمال المرهون يثبت فيه بعقد، فيدخل فيه النماء والمنافع ، كما في البيع، ولأن الماء المنفصل متولد من عين مرهونة، فيكون حكمه حكم المتصل بها ، فيسري إليه حكم الرهن . والخلاصة : أن مذهب الحنابلة موسع، يلحق نماء الرهن وزياداته في الرهنية مطلقاً، ثم يليهم الحنفية الذين يلحقون بالرهن النماء المتولد المنفصل أو المتصل ، دون غير المتولد ، ثم يليهم المالكية الذين يلحقون بالرهن الماء المنفصل الذي ليس في معنى الغلة كالولد والفسيل والصوف التام وقت الرهن ، دون المتولد المنفصل الذي فيه معنى الغلة . ثم يليهم الشافعية الذين يلحقون بالرهن الزيادة الوصفية فقط ، ولا يدخل في الرهنية أي زيادة منفصلة . (١) مغني المحتاج: ١٣٩/٢، المهذب : ٣١٠/١ وما بعدها . المغني: ٣٨٨/٤ وما بعدها ، كشاف القناع: ٣٢٦/٣ . (٢) - ٢٨٦ - المبحث الخامس - الزيادة على الرهن أو على الدين المرهون به : الزيادة في الرهن : بأن يضم إلى المرهون عيناً أخرى تصير معها رهناً بالدين المرهون به، كأن يستدين من شخص مئة ، يرهن بها ثوباً، ثم يزيد الراهن عليه ثوباً آخر أو كتاباً، ليكون مع الأول رهناً بالمئة . وهي جائزة عند الجمهور؛ لأنها زيادة في التوثيق ، وهو الغرض من الرهن . وقال زفر: لا تجوز، لأنها تؤدي إلى الشيوع في الدين ؛ لأنه لا بد للرهن الثاني من أن تكون له حصة من الدين ، فيخرج من الرهن الأول بقدره من أن يكون رهناً، وهو شائع، والشيوع مفسد للرهن . ورد عليه بأن الشيوع في الدين غير مانع من صحة الرهن . ويقسم الدين على الأصل وعلى الزيادة بحسب قيمتها يوم القبض . وأما الزيادة في الدين المرهون به: فهي أن يقترض الراهن من المرتهن قرضاً آخر على رهن واحد، أن يقترض منه ألفاً ویرھنه سجادة ، ثم يقترض منه ألفاً آخر على أن تكون السجادة رهناً بالألفين . وللفقهاء رأيان فيها : تعالـ أ - لا تجوز الزيادة في الدين عند أبي حنيفة ومحمد، والحنابلة، وفي قول للشافعي ؛ لأنها رهن ثان، أو رهن مرهون ، ولا يجوز رهن المرهون ، لتعلق الدين الأول به كاملاً . ب - وقال مالك وأبو يوسف، وأبو ثور والمزني وابن المنذر: تجوز الزيادة، لأنه لو زاده رهناً جاز، فكذلك إذا زاد في دين الرهن ، ولأن الزيادة في الدين فسخ للرهن الأول، وإنشاء رهن جديد بالدينين جميعاً، وهو جائز اتفاقاً(١). (١) تكملة الفتح: ٢٤١/٨، الدر المختار: ٣٧٢/٥، تبيين الحقائق: ٩٥/٦، اللباب: ٦٢/٢، كشاف القناع : ٢٠٩/٣ ، المغني : ٣٤٧/٤ وما بعدها . - ٢٨٧ - المبحث السادس - انتهاء عقد الرهن : ينتهي عقد الرهن بحالات كالإبراء والهبة ووفاء الدين ونحوها ، وهي ما يأتي : اً - تسليم المرهون لصاحبه: ينتهي به الرهن عند الجمهور غير الشافعية؛ لأنه وثيقة بالدين فإذا سلم المرهون، لم يعد الاستيثاق قائماً، فينتهي الرهن، كما ينتهي عند الجمهور بإعارة المرتهن المرهون للراهن، أو لغيره بإذنه. اً - تسديد الدين كله: إذا وفى الراهن الدين المرهون به ، انتهى الرهن . ٣ - البيع الجبري: الصادر من الراهن بأمر القاضي، أو من القاضي إذا أبى الراهن البيع، فإذا بيع المرهون وفي الدين من ثمنه، وزال الرهن . أما البيع الاختياري الحاصل من الراهن بإذن المرتهن ، فإن كان بعد حلول أجل الدين ، تعلق الحق بثمنه. وإن كان قبل حلوله، تعلق الحق أيضاً عند أبي حنيفة ومحمد بالثمن ، فيصبح رهناً؛ لأن الراهن باع الرهن بإذن المرتهن ، فوجب أن يثبت حقه فيه ، كما لوحل الدين . وقال المالكية والشافعية والحنابلة: يبطل الرهن ببيع المرهون، ولم يكن على 5 الراهن عوضه، ويبقى الدين بلا رهن(١). ٤ - البراءة من الدين بأي وجه، ولو بحوالة المرتهن على مدين للراهن. ولو اعتاض المرتهن عن الدين عيناً أخرى غير الأولى، انفك الرهن(٣). ٥ - فسخ الرهن من قبل المرتهن، ولو بدون الراهن ؛ لأن الحق له، والرهن جائز غير لازم من جهة . ولا ينتهي الرهن بفسخه من الراهن، للزومه من جهته (٣). (١). المغني: ٤٠٣/٤، الشرح الكبير والدسوقي : ٢٤٢/٣ (٢) مغني المحتاج : ١٤١/٢ مغني المحتاج : ١٤١/٢ (٣) - ٢٨٨ - ويشترط الحنفية لانفساخ الرهن بقول المرتهن رد المال المرهون إلى الراهن ؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض ، فكذا فسخه لا يتم إلا بالقبض ، عن طريق المال المرهون إلى الراهن . ويبطل الرهن عند المالكية بترك الرهن في يد الراهن حتى باعه ؛ لأن تركه على هذا الوضع كتسليم المرتهن بالأمر، فصار في معنى الفسخ(١). ٦ً - يبطل الرهن عند المالكية(٢) قبل قبضه بموت الراهن أو إفلاسه، أو قيام الغرماء بمطالبته بأداء الدين ، أو برفع أمره إلى الحاكم يطلبون الحجر عليه، أو بمرضه أو بجنونه المتصلين بوفاته ؛ لأن الرهن يلزم عندهم بمجرد الإيجاب والقبول. ويبطل الرهن أيضاً عند الحنفية بموت الراهن أو المرتهن قبل التسليم ، ولا يبطل بإفلاس الراهن ، ولا يبطل الرهن عند الشافعية والحنابلة بوفاة الراهن أو المرتهن ، قبل التسليم ، ولا يجنون أحدهما، ولا بإفلاس الراهن . أما بعد قبض المرهون فلا يبطل الرهن بالاتفاق بموت الراهن أو المرتهن ، أو بإفلاس الراهن . لاً - هلاك المرهون: ينتهي عقد الرهان باتفاق الفقهاء بهلاك المال المرهون ، سواء عند الجمهور القائلين بأن المرهون أمانة غير مضمونة على المرتهن إلا بالتعدي أو التقصير، أو عند الحنفية القائلين بأن المرهون بالنسبة لماليته مضمون إذا هلك بالأقل من قيمته ومن الدين ، لانعدام محل العقد . ٨ - التصرف بالمرهون بالإِجارة أو بالهبة أو الصدقة: ينتهي الرهن إذا أقدم كل من الراهن أو المرتهن على إجارة الرهن أو هبته أو التصدق به أو بيعه لأجنبي بإذن صاحبه. كما ينقضي باستئجار المرتهن العين المرهونة من الراهن إذا جدد القبض بناء على الإجارة . الشرح الكبير : ٢٤٢/٣ وما بعدها . (١) (٢) الشرح الكبير : ٢٤١/٣ وما بعدها . - ٢٨٩ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (١٩) أما البيع من المرتهن للراهن فلا ينقضي به الرهن ؛ لأن للمال المرهون خلفاً ، هو الثمن ، فيحل الثمن محل أصله في الرهنية(١)، كما بينا في بحث التصرف بالرهن . المبحث السابع - اختلاف الراهن والمرتهن هذا المبحث يتعلق بدور القاضي أو غيره في توزيع عبء الإثبات على الطرفين المتنازعين في قضايا الرهن أو الدين المرهون به . أ - إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الحق أو الدين المرهون به ، فقال الراهن : رهنتك متاعي بألف ، فقال المرتهن : بل بألفين ، فقال الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة ): القول قول الراهن بيمينه ؛ لأنه منكر للزيادة التي يدعيها المرتهن ، والقول قول المنكر، لقوله ◌َّ ل: (( لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه))(٣). والراهن هنا مدعى عليه، والمرتهن مدع فوجب أن تكون اليين على الراهن على ظاهر السنة المشهورة . وقال المالكية : القول قول المرتهن ، إلا فيما زاد على قيمة الرهن ، فالقول قول الراهن ؛ لأن المرتهن ، وإن كان مدعياً، فله ههنا شبهة، بنقل اليمين إلى حيِّزه، وهو كون الرهن شاهداً له لأنه أكثر من قدر المرهون به. ومن أصول مالك : أن يحلف أقوى المتداعيين شبهة . وهذا لا يلزم عند الجمهور؛ لأنه قد يرهن الراهن الشيء، وقيمته ليست أكثر من المرهون فيه . ولا خلاف في أنه إن اختلف المتراهنان في قدر الرهن ، فقال الراهن : رهنتك (١) الدر المختار : ٣٦٤/٥ رواه مسلم والبخاري عن ابن عباس. ورواه البيهقي بلفظ «لو يعطى الناس بدعواه لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر)» ( الأربعين النووية ) (٢) - ٢٩٠ - هذا الشيء، فقال المرتهن: بل هو وشيء آخر، فالقول قول الراهن ؛ لأنه منكر(١). ب - إذا اختلف المتراهنان في تلف العين المرهونة، فقال المرتهن : هلكت ، ولم يذكر سبباً ، فالقول باتفاق أئمة المذاهب قول المرتهن بيمينه؛ لأنه أمين(٣). والقول للمرتهن أيضاً إذا اختلفا في مقدارقيمة المرهون بعد هلاكه؛ لأنه (٣) غارم(). فإن اختلفا في قدر قيمة المرهون يوم الرهن ، أو في أصل الرهن ، هل هو موجود أم لا ، فالقول قول الراهن بيمينه(٤)، كالاختلاف في قدر الرهن . ج - إن اختلف المتراهنان في قبض المرهون، هل حدث أم لا ، فالقول عند الحنفية والشافعية للراهن بيمينه، سواء أكان في يد الراهن أم في يد المرتهن؛ لأن الأصل عدم لزوم الرهن، وعدم إذنه في القبض . وقال الحنابلة : القول قول صاحب اليد في حالة الاختلاف في القبض، فإن كان بيد الراهن فالقول له؛ لأن الأصل عدم القبض، وإن كان بيد المرتهن فالقول له ؛ لأن الظاهر قبضه بحق . فإن اختلفا في الإذن في القبض، فقال الراهن : أخذت المرهون بغير إذني ، فلم يلزم، وقال المرتهن: بل أخذته بإذنك، وهو الآن في يد المرتهن، فالقول للراهن ؛ لأنه منكر (٥). د - إن اختلفا في وقت هلاك الرهن ، فقال المرتهن : هلك في وقت العمل ، البدائع : ١٧٤/٦، تكملة الفتح: ٢٣١/٨، بداية المجتهد: ٢٧٤/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٢٥ ، (١) مغني المحتاج : ١٤٢/٢، المهذب: ٣١٦/١ وما بعدها، المغني: ٣٩٨/٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٣٣١/٣ البدائع: ١٥٤/٦، بداية المجتهد: ٢٧٥/٢، الشرح الكبير: ٢٦٠/٣، مغني المحتاج: ١٣٨/٢، المهذب: ٣١٩/١ ، (٢) كشاف القناع : ٣٤٠/٣ . المراجع السابقة ، المغني : ٣٩٨/٤ ، البدائع : ١٧٤/٦ (٣) (٤) البدائع: ١٧٤/٦ ، مغني المحتاج : ١٤٢/٢ المراجع السابقة ، كشاف القناع : ٣٢١/٣ (٥) - ٢٩١ - وقال الراهن : هلك في غير وقت العمل ، فالقول للمرتهن عند الحنفية؛ لأنه منكر، (١) والبينة للراهن هـ - قال الحنفية: إن اختلفا في نوع المرهون، فقال الراهن: الرهن غير هذا، وقال المرتهن : بل هذا هو الذي رهنته عندي، فالقول للمرتهن ؛ لأنه القابض(٢). والقول للمرتهن أيضاً إن حدث اختلاف في مقدار ثمن بيع المرهون، أو في بيعه بثمن المثل أم لا ؛ لأن المرهون خرج عن كونه رهناً بالمبيع، وتحول الضمان إلى الثمن، والراهن يدعي زيادة الضمان، والمرتهن ينكر، فكان القول قوله(٣). و- قال المالكية(٤) : إذا تنازع الراهن والمرتهن في كيفية وضع الرهن ، فقال الراهن مثلاً: يوضع على يد أمين ، وقال المرتهن : يوضع عندي، أو بالعكس، فالقول قول من طلب وضعه عند الأمين . الله تعالى الدر المختار : ٣٦٤/٥ (١) (٢) الدر المختار : ٣٤٧/٥ (٣) البدائع : ١٧٤/٦ الشرح الكبير : ٢٤٤/٣ (٤) - ٢٩٢ - الفصل الثالث عشر الصُّلح خطة الموضوع : نتكلم عن عقد الصلح في المباحث الآتية : المبحث الأول - تعريف الصلح ومشروعيته وأنواعه وركنه المبحث الثاني - شروط الصلح المبحث الثالث - حكم الصلح 8 المبحث الرابع - مبطلات عقد الصلح وحكمه بعد البطلان. ونبدأ بأولها : المبحث الأول - تعريف الصلح ومشروعيته وأنواعه وركنه : تعريف الصلح: الصلح لغة: قطع النزاع. وشرعاً : عقد وضع لرفع المنازعة(١). وبعبارة أخرى عند الحنابلة: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين. ولا يقع غالباً إلا بالأقل من المدعى به على سبيل المداراة لبلوغ الغرض (١). والمقصود من الكلام هنا هو الصلح في المعاملات بين الناس، لا الصلح بين (١) نتائج الأفكار: تكملة فتح القدير: ٢٣/٧، تبيين الحقائق للزيلعي: ٢٩/٥، الدر المختار: ٤٩٣/٤، مغني المحتاج : ١٧٧/٢ ، حاشية البجيرمي على الخطيب : ٧٠/٢ (٢) المغني : ٤٧٦/٤، غاية المنتهى : ١١٨/٢ - ٢٩٣ - المسلمين والكفار ، ولا الصلح بين الإمام والبغاة، ولا الصلح بين الزوجين عند الشقاق . مشروعيته : الصلح بين الناس مندوب، ولا بأس بأن يشير الحاكم بالصلح على الخصوم، ولا يجبرهم عليه، ولا يلح فيه إلحاحاً يشبه الإلزام، وإنما يندبهم إلى الصلح مالم يتبين له أن الحق لأحدهما، فإن تبين له أنفذ الحكم لصاحب الحق . والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع(١): أما الكتاب : فقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ الوارد عقب ذكر مشروعية الصلح بين الزوجين . قال تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً، والصلح خير﴾ . وأما السنة: فهو ما روي عن النبي ◌ُّ ◌ِّ مرفوعاً، وموقوفاً على عمر، وهو: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)) رواه ابن حبان وصححه(٢). مثال ما أحل حراماً: الصلح على حل الخمر، ومثال ما حرم حلالاً: الصلح على ألا يطأ الزوج الضرة وهي امرأته الأخرى . وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعية الصلح ، لكونه من أكثر العقود فائدة ، لما فيه من قطع النزاع والشقاق(٢). ولا يقع الصلح في الغالب إلا من رتبة لما هو دونها ، على سبيل المداراة للوصول إلى بعض الحق . أنواع الصلح : يكون الصلح بين مسلمين وأهل حرب بعقد الذمة أو الهدنة أو المبسوط: ١٢٣/٢٠، مغني المحتاج: ١٧٧/٢، المغني: ٤٧٦/٤، كشاف القناع: ٣٧٨/٣ ، القوانين الفقهية: (١) ص ٣٣٧ قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وقد سبق تخريجه في بحث الوديعة عن أبي هريرة عند أبي داود ، (٢) والحاكم وابن حبان ، وعن عمرو بن عوف عند الترمذي وابن ماجه والحاكم (راجع نصب الراية: ١١٢/٤ ، التلخيص الحبير: ص ٢٤٩ ، نيل الأوطار : ٢٥٤/٥). (٣) لذلك أبيح فيه الكذب - ٢٩٤ _ الأمان، وبين أهل بغي وأهل عدل، وبين زوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت المرأة إعراض زوجها عنها ، وبين متخاصمين في غير مال، وبين متخاصمين في المال، وهذا هو محل بحثنا هنا، وقسمه المالكية قسمين : صلح إسقاط وإبراء وهو جائز مطلقاً، وصلح على عوض، وهذا يجوز إلا إن أدى إلى حرام، وحكمه حكم البيع . والصلح في الأموال قسمان : أحدهما - أن يجري بين المدعي والمدعى عليه. وثانيهما - أن يجري بين المدعي والأجنبي أي الشخص الآخر غير المدعى عليه . وكل واحد من هذين القسمين أنواع ثلاثة : ١ - صلح مع إقرار المدعى عليه: وهو أن يدعي شحص على شخص شيئاً، فيقر به المدعى عليه، ثم يصالح المدعي عنه على عين غير المدعاة كدار، أو على منفعة لغير العين المدعاة، كخدمة في مكان مدة معينة أو سكنى دار أو على بعض العين المدعاة كربع الدار، وهو جائز باتفاق المسلمين(١). وهذا الصلح إن وقع عن مال بمال أي إن وقع على عين غير المدعاة كثوب بدلاً عن بساط فهو كالبيع لوجود معنى البيع فيه - وهو مبادلة المال بالمال - في حق المتعاقدين بتراضيهما . فتجري فيه الشفعة إذا كان عقاراً ، ويرد بالعيب، ويثبت فيه خيار الشرط ، ويفسده جهالة العوض أو البدل، لأنها هي المفضية إلى المنازعة دون جهالة المصالح عنه ؛ لأنه يسقط بالصلح. ويشترط القدرة على تسليم البدل . وإن وقع هذا الصلح عن مال بمنافع كسكنى دار، فله حكم الإجارة لوجود معنى الإجارة، وهو تمليك المنافع بمال. والاعتبار في العقود لمعانيها، فيشترط التوقيت فيها ، ويبطل العقد بموت أحد العاقدين في أثناء مدة الإجارة لأنه إجارة . (١) المبسوط: ١٣٩/٢٠، البدائع: ٤٠/٦، تكملة فتح القدير: ٢٤/٧، تبيين الحقائق: ٣٠/٥، بداية المجتهد : ٢٩٠/٢، الشرح الكبير: ٣٠٩/٣، مغني المحتاج: ١٧٧/٢، المهذب: ٣٣٣/١، المغني: ٤٨٢/٤، غاية المنتهى: ١١٨/٢، الكتاب مع اللباب : ١٦٣/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٣٨ - ٢٩٥ - ٢ - صلح مع إنكار المدعى عليه: وهو أن يكون للمدعي حق لا يعلمه المدعى عليه، كأن يدعي شخص على آخر شيئاً، فينكره المدعى عليه، ثم يصالح عنه ببعض الحق المدعى به، وهذا هو الغالب في منازعات الناس ، وهو جائز عند المالكية والحنفية والحنابلة ، وغير جائز عند الشافعية وابن أبي ليلى(١). وجوازه عند القائلين به مشروط بأن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق ، والمدعى عليه يعتقد أنه لاحق عليه فيدفع إلى المدعي شيئاً قطعاً للخصومة(٢). وصورة الصلح على الإنكار: صالح فلان فلاناً على جميع الدار الفلانية التي ادعى المصالح الأول على الثاني استحقاقها من وجه شرعي ، وأنكر المدعى عليه الاستحقاق ، وطلب من المدعى عليه يمينه على استحقاقها، فرأى أن يصالحه عن هذه الدعوى بمال ، افتداء ليمينه)، ودفعاً للخصومة ، وقطعاً للمنازعة ، فاصطلحا عن المدعى به، مع الإنكار لصحة الدعوى، واعتقاده بطلانها، وإصراره على الإنكار إلى حين هذا الصلح وبعده، ودفع إليه مبلغ كذا وكذا، فقبضه منه قبضاً شرعياً ... إلخ(٣). استدل الفريق الأول وهم الجمهور بعموم قوله تعالى: ﴿ والصلح خير﴾ وقوله عليه السلام: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)) فدل هذا العموم على أن كل صلح مشروع إلا ما خص بدليل ، قال سيدنا عمر رضي الله عنه: ((ردوا الخصوم حتى يصطلحوا ، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن)) وقال أبو حنيفة رحمه الله: ((أجوز ما يكون الصلح على الإنكار)) أي لأنه يحقق الحاجة إلى قطع الخصومة والمنازعة . ودليل الشافعية وابن أبي ليلى: هو القياس على ما لو أنكر الزوج الخلع ، ثم ١١) المراجع السابقة، معني المحتاج: ص ١٧٩ وما بعدها . المغني : ص ٤٧٦ (٢) المغني: ٤٧٨/٤ ، غاية المنتهى : ١٢٠/٢ (٣) الإفصاح : ١٧٤/١ - ٢٩٦ - تصالح مع زوجته على شيء ، فلا يصح، ودليلهم أيضاً أن المدعي إن كان كاذباً في دعواه، فقد استحل من المدعى عليه ماله، وهو حرام عليه. وإن كان صادقاً في دعواه فقد عاوض على مالم يثبت له، فلم تصح المعاوضة، كما لو باع مال غيره، ولأن الصلح عقد معاوضة خلا عن العوض في أحد جانبيه، فبطل، كالصلح على حد القذف. وفي الملة: يكون ما يأخذه المدعي أكلاً للمال بالباطل من غير عوض فدخل هذا الصلح في قوله مع اتّ (( إلا صلحاً أحل حراماً، أوحرم حلالاً)) ولو بذل المدعى عليه المال لقطع الخصومة يكون البذل رشوة . وهذا مناقش، ولا يسلم الفريق الأول بدخول الصلح مع الإنكار في مفهوم هذا الحديث؛ لأن الممنوع أن يحل الصلح شيئاً محرماً مع بقائه على تحريمه، كما لو تم الصلح على استرقاق حر أو إحلال بضع محرم، أو تم الصلح بخمر أو خنزير، ثم إن للمدعي أن يأخذ حقه الثابت له بأي طريق . وأما المدعى عليه فإنه يدفع ادعاء المدعي لدفع المسؤولية عنه، ولإنهاء النزاع ولصيانة نفسه من التبذل وحضور مجلس الحاكم، فإن ذوي النفوس الشريفة والمروءة يصعب عليهم هذا، ويرون دفع ضررها عنهم من أعظم مصالحهم ، والشرع لا يمنعهم من وقاية أنفسهم وصيانتها ودفع الشر عنهم ببذل أموالهم، والمدعي يأخذ المبذول عوضاً عن حقه الثابت له ، فلا يمنعه الشرع منه أيضاً ، سواء أكان المأخوذ من جنس حقه، أم من غير جنسه بقدر حقه أو دونه . ٣ - الصلح مع سكوت المدعى عليه: وهو ألا يقر المدعى عليه ولا ينكر كأن يدعي شخص شيئاً على شخص آخر فيسكت من غير إقرار ولا إنكار، ثم يصالح عنه، وهو جائز عند الجمهور، ومنهم ابن أبي ليلى، وغير جائز عند الشافعية ، ودليل كل فريق: هو ما ذكرناه في الصلح عن إنكار، وقد قرر الشافعية أن الساكت منكر حكماً ، فيعامل معاملة المنكر (١). (١) المراجع السابقة - ٢٩٧ - والخلاصة : أن الصلح بأنواعه الثلاثة السابقة جائز عند الحنفية بحيث يثبت الملك للمدعي في بدل الصلح، ويزول حق المدعى عليه في استرداد شيء ؛ لأن الصلح سبب لرفع التنازع المحظور، قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا﴾ فكان مشروعاً. والصلح عن السكوت أو الإنكار عند الحنفية هو في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة ؛ لأنه في زعمه أنه مالك لما في يده، وفي حق المدعي بمعنى المعاوضة ؛ لأنه في زعمه يأخذ عوضاً من حقه، فيعامل كل طرف على حسب معتقده (١). ما يتضمنه الصلح من العقود: يتضمن الصلح أحد معان ستة هي . (٢) ما يأتي (٢) : ١ - صلح بمعنى البيع: وهو أن يدعي شيئاً في يد رجل، فيصالح عنه على دراهم أو دنانير، أي أن الصلح تم على عين غير المدعاة، وكان عوض الصلح ذهباً أو فضة، فهو بيع بلفظ الصلح ويسمى صلح المعاوضة . ٢ - صلح بمعنى الهبة: وهو أن يدعي الرجل عيناً في يد رجل، ثم يصالح عنها على بعضها ، فيكون الباقي هبة . ٣ - صلح بمعنى الإجارة: وهو أن يجري الصلح من العين المدعاة على منفعة لغير العين المدعاة ، كخدمة مدة معلومة ، وسكنى في دار معينة . ٤ - صلح بمعنى الإعارة: وهو أن يصالح على منفعة العين المدعاة، فإن عين مدة فإعارة مؤقتة وإلا فمطلقة . ٥ - صلح بمعنى الإبراء والخطيطة : وهو أن يدعي دراهم أو دنانير في ذمة رجل، فيصالح منها على بعضها ، ويبرئ عن البعض الآخر، كأبرأتك من خمسمائة من الألف الذي لي عليك أو نحوها . (١) الكتاب مع اللباب : ١٦٤/٢ (٢) معنى المحتاج: ١٧٧/٢ - ١٧٩، الإفصاح: ١٦٩/١ وما بعدها . - ٢٩٨ - ٦ - صلح بمعنى السلم: وهو أن يصالح عن شيء بعوض موصوف في الذمة كثوب موصوف بصفة السلم . ركن الصلح : ركن الصلح عند الحنفية: هو الإيجاب والقبول، وهو أن يقول المدعى عليه: صالحتك من كذا على كذا، أو من دعواك كذا على كذا. ويقول الآخر: قبلت أو رضيت، أو ما يدل على قبوله ورضاه، فإذا وجد الإيجاب والقبول تم عقد الصلح(١). وأركان الصلح عند الجمهور أربعة: عاقدان (متصالحان) وصيغة (إيجاب وقبول) ومصطلح عنه (محل النزاع) ومصطلح عليه (بدل الصلح). المبحث الثاني - شروط الصلح يشترط في عقد الصلح شروط تتعلق إما بالمصالح أو بالمصالح عليه أو بالمصالح عنه . شروط المصالح : يشترط في المصالح شروط هي ما يأتي(٣): ١ - أن يكون عاقلاً: فلا يصح صلح المجنون والصبي الذي لا يعقل ، لانعدام أهلية التصرف بانعدام العقل ، ولا يشترط البلوغ، فيصح صلح الصبي المأذون في التصرف إذا كان له فيه نفع ظاهر ، أو لا يكون له فيه ضرر ظاهر. ٢ - ألا يكون المصالح بالصلح على الصغير مضراً به مضرة ظاهرة : سواء أكان الصغير مدعى عليه أم كان وليه مدعياً له . فإذا ادعى إنسان على صبي ديناً فصالح أبوه مما ادعي به على مال الصغير: فإن كان للمدعي بينة وكان ما أعطاه الأب من المال مثل الحق المدعى به، أو بزيادة يتغابن الناس في مثلها، فالصلح جائز؛ لأن الصلح في هذه الصورة فيه معنى البدائع: ٤٠/٦، تكملة فتح القدير: ٢٣/٧، الدر المختار : ٤٩٣/٤. (١) (٢) البدائع: ٤٠/٦ وما بعدها. الدر المختار ورد المختار : ٤١٣/٤ وما بعدها. - ٢٩٩ - المعاوضة ، والأب يملك المعاوضة من مال الصغير بالغبن اليسير. وإن لم تكن للمدعي بينة لا يجوز الصلح؛ لأن الصلح حينئذ يقع تبرعاً بمال الصغير، والتبرع ضرر محض ، فلا يملكه الأب ، فإن صالح الأب من مال نفسه جاز، لأنه لم يضر الصغير، وإنما نفعه حيث أنهى أمر الخصومة أو الدعوى عنه . وإذا ادعى أب الصغير على إنسان ديناً للصغير، فصالح المدعى عليه على أن يحط بعضه عنه ويأخذ الباقي: فإن كان للأب بينة على المدعى به كسند مثلاً فلا يجوز الصلح؛ لأن الحط منه تبرع من مال الصغير، والأب لا يملك ذلك. وإن صالحه على مثل قيمة الشيء، أو نقص منه شيئاً يسيراً جاز الصلح؛ لأنه في هذه الصورة بمعنى البيع، وهو يملك البيع ، فيملك الصلح . ٣ - أن يكون المصالح عن الصغير ممن يملك التصرف في ماله، كالأب والجد والوصي ؛ لأن الصلح تصرف في المال، فيختص بمن يملك التصرف فيه . ٤ - ألا يكون المصالح مرتداً: وهذا شرط عند أبي حنيفة بناء على أن القاعدة عنده في تصرفات المرتد هي أنها موقوفة . وأما عند الصاحبين فلا يشترط هذا الشرط بناء على القاعدة المقررة عندهما : وهي أن تصرفات المرتد نافذة . وأما المرتدة فصلحها جائز بلا خلاف عندهم . شروط المصالح عليه : يشترط في بدل الصلح الذي يتم عليه العقد شروط هي ما يلي : ١ - أن يكون المصالح عليه مالاً(١): فلا يصح الصلح على الخمر والميتة والدم وصيد الحرم والإحرام ونحوها مما ليس بمال؛ لأن في الصلح معنى المعاوضة، فما لا يصلح عوضاً في البيوع لا يصلح بدل الصلح . (١) البدائع: ٤٢/٦، مجمع الضمانات: ص ٣٩٠. - ٣٠٠ -