النص المفهرس

صفحات 241-260

والأصح عند الحنابلة(١): أنه لا يصح رهن المصحف؛ لأنه لا يصح بيعه،
والمقصود من الرهن استيفاء الدين من ثمنه، ولا يحصل ذلك إلا ببيعه، وبيعه غير
جائز. ولكن يصح رهن كتب الحديث والتفسير، ولو لكافر إذا شرط أن تكون بيد
مسلم عدل .
المبحث الثالث - أحكام الرهن أو آثاره:
الكلام عن أحكام الرهن يتناول قسمين: أولاً - أحكام الرهن الصحيح. وثانياً .
أحكام الرهن الفاسد .
والرهن الصحيح : هو ما توافرت فيه شروط الرهن . وغير الصحيح : هو
مالم تتوافر فيه شروط الرهن . وغير الصحيح عند الحنفية نوعان : باطل وفاسد .
فالباطل : هو ما كان الخلل فيه في أصل العقد، بأن يفقد أهلية التعاقد عند
العاقد كالمجنون والمعتوه، أو يزول محل العقد مثل رهن غير مال أصلاً، أو أن يكون
المرهون به لا يستوفى بالمال كالقصاص والشفعة، أو يفقد معناه كاشتراط ألا يباع
المرهون في الدين ، أو ألا يكون للمرتهن فيه امتياز على سائر الغرماء.
والفاسد: ما لحق الخلل فيه وصف العقد، كأن يكون المرهون مشغولاً بغيره،
أو أن يكون المرهون به مضموناً بغيره كالمبيع في يد البائع، على رواية النوادر.
وظاهر الرواية أنه يصح الرهن بالمبيع قبل القبض ، كما بينا في بحث الشروط .
وغير الصحيح عند غير الحنفية نوع واحد : باطل أو فاسد : وهو مالم تتوافر فيه
شروط الرهن الصحيح التي يشترطونها ، على خلاف بينهم في بعضها .
أولاً - أحكام الرهن الصحيح :
فيه بيان حكم لزوم الرهن ، وعشرة مطالب في آثار الرهن :
(١) كشاف القناع: ٣١٤/٣، المغني: ٣٤٢/٤.
الفقه الإسلامي جـ ٥ (١٦)
- ٢٤١ -

حكم الرهن الصحيح أو حكم لزوم الرهن :
يلزم الرهن بالنسبة للراهن لا للمرتهن ، فلا يملك الراهن فسخه ؛ لأنه عقد
وثيقة بالدين ، ويملك المرتهن فسخه في أي وقت ؛ لأن العقد لمصلحته(١)، ولا تترتب
آثاره عند جميع الفقهاء إلا بالقبض ، فلا يختص المرتهن بثمن العين المرهونة ، ولا يثبت
له حق الامتياز على غيره من الدائنين إلا بالقبض .
ولا يتحقق لزوم الرهن عند الجمهور إلا بالقبض ، ويلزم عند المالكية بالإيجاب
والقبول . وتفصيل المذاهب فيما يأتي :
قال الجمهور من الحنفية والشافعية، والحنابلة في الأصح(٢): لا يلزم الرهن في
جميع أحواله إلا بالقبض ، أما قبل القبض ، فللراهن إمضاء الرهن أو فسخه. ودليلهم
- كما بينا سابقاً - قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ إذ المعنى فرهن رهان مقبوضة،
لأن المصدر المقترن بالفاء في جواب الشرط هو في معنى الأمر، أي ((فارهنوا))،
والأمر بالشيء الموصوف يقتضي أن يكون الوصف شرطاً فيه، فما شرع بصفة
لا يوجد شرعاً إلا بها، فلا يلزم الرهن إلا بالقبض، ولأن الرهن عقد تبرع، لا يجبر
الراهن على شيء فيه، فوجب لنفاذه وإمضائه القبض، إذ ليس للرهن قبل قبضه
مظهر في الخارج إلا القبض ، كما هو الشأن في الهبة والصدقة، فلا يوجد عقد الرهن
شرعاً ، ويترتب عليه أثره إلا مع القبض ، ولا يلزم إلا بالقبض .
وقال المالكية (٣): يلزم الرهن بالإيجاب والقبول، ويتم بالقبض . فإذا ما صدر
الإيجاب والقبول، لزم العقد، ويجبر الراهن على تسليم الرهن إلى المرتهن مالم يوجد
أحد الموانع الأربعة التالية وهي :
(١)
المهذب : ٣٠٥/١، ٣٠٧ .
(٢)
الدر المختار ورد المختار: ٣٤٠/٥ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٦٣/٦، المهذب: ٢٠٥/١، المغني: ٣٢٨/٤ وما
بعدها .
بداية المجتهد : ٢٧٠/٢ وما بعدها ، الشرح الكبير : ٢٤٠/٣ وما بعدها .
(٣)
- ٢٤٢ -

موت الراهن بعد العقد وقبل التسليم، مطالبة الغرماء بأداء الراهن ديونهم ،
حالة التفليس العام ( أي أن تكون الديون محيطة بمال الراهن ). مرض الراهن
الخوف، أو جنونه المتصلان بوفاته .
ودليلهم - كما سبق بيانه - على أن الرهن يلزم بالعقد: أن العقد والالتزام
يتحققان بالإيجاب والقبول، وقد قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾
والرهن عقد، والأمر للوجوب، فكان الوفاء به واجباً ، من طريق لزومه بالنسبة
للراهن ، لأنه هو الملتزم .
آثار عقد الرهن :
إذا تم عقد الرهن بتسليم العين المرهونة إلى المرتهن ، ترتب على تمامه وتسليمه
الأحكام الآتية :
١ - تعلق الدين بالمرهون
٢ - حق حبس الرهن
٣ - حفظ الرهن
٤ - مؤنة الرهن
٥ - منع الراهن من التصرف بالرهن
٦ - عدم الانتفاع بالرهن
٧ - ضمان الرهن ( ضمان ما قبل الدين من الرهن عند الحنفية )
٨ - بيع الرهن ، أو مطالبة المرتهن ببيع الرهن لسداد الدين
امتياز الدائن المرتهن عن سائر الغرماء
٩ - تسليم الرهن أو رده عند انتهاء الدين
- ٢٤٣ -
لله تعالى

المطلب الأول - تعلق الدين بالمرهون :
المبدأ العام في هذا هو عدم تجزئة الرهن ، فإذا رهنت عين بدين ، تعلق هذا
الدين بجميع أجزاء العين المرهونة ، أو بجميع وحداتها ، كما أنها هي رهن بجميع أجزاء
الدين. فإذا سقط جزء من الدين بإبراء أو وفاء مثلاً، ظل باقيه متعلقاً بجميع العين
المرهونة . وبه أخذ القانون المدني المصري والسوري .
والدين الذي تعلق بالرهن : هو الذي جعل المال رهناً به فقط ، ولا يتعلق غيره
من الديون بالمرهون .
وعلى أساس هذا التعلق، يثبت حق الحبس للمرتهن، فله حبس جميع المرهون،
حتى يوفى كل الدين، سواء أكان المال شيئاً أم عدة أشياء.
وهذا المبدأ أو الأصل السابق متفق عليه فقهاً ، لكن الفقهاء اختلفوا في تطبيقه
في حالة تعدد العقد ، وعدم تعدده .
فقال الحنفية(١): إن اتحاد العقد يقوم على اتحاد الصيغة، فإذا اتحدت الصيغة
اتحد العقد، سواء أكان الرهن في دين واحد أم أكثر، فلو وفى المدين أحد الديون
لا يسترد ما يقابله من المرهون، سواء اتحد المرهون أم تعدد. فلو وفى الراهن
ما يقابل أحد الأعيان المرهونة لا يسترده، حتى ولو سمي في عقد الرهن لكل عين
مرهونة حصة من الدين ؛ لأن العقد واحد، لا يتعدد بالتسمية .
وسواء تعدد الراهن ( كأن يرهن مدينان شيئاً عند دائن) أو تعدد المرتهن (بأن
كانا شريكين أو كان لكل واحد منهما دين مستقل على الراهن ).
فإذا اتحد العقد لا يتحررشيءمن الرهن ؛ لأن الرهن محبوس بجميع الديون،
البدائع : ١٥٣/٦، تبيين الحقائق : ٧٨/٦ .
(١)
- ٢٤٤ _

أو بجميع الدين . وإذا تعدد العقد بتعدد الصيغة يتحرر من الرهن ما يقابله.
وقال المالكية(١): يتعدد العقد بتعدد كل من الراهن والمرتهن، أو بتعدد أحد
الطرفين. ويكون عقد الرهن واحداً إذا كان كل من الراهن والمرتهن واحداً . فإذا
اتحد عقد الرهن ، يكون جميع المرهون رهناً بما بقي من الدين بعد وفاء بعضه ؛ لأن
كل جزء من المرهون رهن بكل جزء من الدين .
وإذا تعدد الرهن ، بأن كان الراهن اثنين، والمرتهن واحداً، فوفى أحد الراهنين
ما عليه من دين ، استرد حصته. أو كان الراهن واحداً والمرتهن متعدداً، فوفى الراهن
حصة أحد الدائنين ، فإنه يسترد من الرهن ما قابلها .
ويلاحظ أن الراهن إذا كان واحداً، والمرتهن متعدداً، وكان المرهون مما
لا ينقسم، ووفى أحد الدائنين، يجعل الرهن تحت يد أمين، أو تبقى الحصة في يد
المرتهن أمانة .
وقال الحنابلة(٢) بمثل قول المالكية : يتعدد العقد بتعدد الموجب أو القابل ، فإذا
كان الموجب اثنين والقابل واحداً، نشأ عقدان. وإذا كان الموجب واحداً، والقابل
اثنين ، نشأ أيضاً عقدان . وإذا كان كل من الموجب والقابل اثنين ، نشأ أربعة عقود .
ويكون عقد الرهن واحداً إذا كان كل من الراهن والمرتهن واحداً، سواء أكان
الدين واحداً أم متعدداً . فإذا وفى المدين بعض الدين ، أو ديناً من الديون ، لم يكن
له أن يسترد ما يقابله من الرهن .
وإذا تعدد الراهن، فمن وفى دينه، خرجت حصته من الرهن . وإذا تعدد
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ٢٥٨/٣، الدردير: ٢٥٧/٣ .
(١)
(٢)
المغني : ٣٤٦/٤، ٤٠٢ .
- ٢٤٥ -

المرتهن ، فوفى الراهن أحد الدائنين ، خرجت حصته من الرهن ، واستردها الراهن .
وإذا تعدد الراهن والمرتهن معاً ، وهذه أربعة عقود، فيصير كل ربع من المرهون
رهناً بربع الدين ، فإذا وفي ربع الدين أو أكثر، انفك من الرهن ما يقابله قدراً ، قال
القاضي أبو يعلى : وهذا هو الصحيح .
وقال الشافعية (١): يتعدد الرهن ويتحد بتعدد الدين ووحدته. والغالب أن
يتعدد الدين بتعدد العاقدين، ولو اتحد وكيلهما ، بخلاف البيع ، العبرة فيه بتعدد
العاقد المباشر للعقد، ولو وكيلاً؛ لأن المال المرهون وثيقة بالدين ، فإذا تعدد
الدين ، تعددت الوثيقة ، وتعدد الدائن أو المدين يستلزم تعدد الدين غالباً . أما
البيع فهو عقد ضمان ، فكان النظر فيه لمن باشره .
فالمناط عندهم هو تعدد الدين وعدم تعدده، ويتعدد الدين بتعدد المدين أو
الدائن غالباً ، ويتحد بعدم تعددهما، أو بكون الدين مشتركاً ولو كان الدائن اثنين،
وبهذه الحالة الأخيرة يفترق مذهب الشافعية عن مذهبي المالكية والحنابلة .
وبناء عليه: لو رهن شخص داراً عند دائنين، ثم وفى دين أحدهما، انفك من
الرهن ما يقابل هذا الدين من المرهون ، لتعدد الدين بسبب تعدد الدائن ، بشرط أن
يختص أحد الدائنين بما يقبضه، فإن شاركه فيه الآخر، لم ينفك شيء من الرهن ،
لعدم وفاء الدين على التمام .
ولو استعار مالاً من اثنين ليرهنه، ثم أدى نصف الدين ، انفك نصف المال
المرهون .
والخلاصة : أن العبرة باتفاق الفقهاء في فكاك شيء من المرهون أو عدم فكاكه
بتعدد عقد الرهن وعدم تعدده ، إلا أن مناط تعدده عند الحنفية : هو تعدد الصيغة،
(١) مغني المحتاج: ١٤١/٢ وما بعدها، المهذب: ٣٠٧/١.
- ٢٤٦ -

دون نظر لتعدد العاقدين أو عدم تعددهما . ومناطه عند المالكية والحنابلة : هو تعدد
العاقد. وعند الشافعية : هو تعدد الدين وعدم تعدده، ويتعدد الدين عندهم بتعدد
المدين أو الدائن غالباً ، فيصبح مذهبهم قريباً من مذهبي المالكية والحنابلة .
المطلب الثاني - حق حبس الرهن :
حق الحبس : يترتب على تعلق الدين بالمرهون ؛ لأن التعلق شرع وسيلة لوفاء
الدين من المرهون أو من غيره، ولا يتم التعلق على وضع مأمون إلا بحبس ما يتعلق
به الدين لدى المرتهن ، حتى يكون حبسه حاملاً للمدين على الوفاء، مخافة بيع المال
المحبوس جبراً عنه عند إبائه . فكان تعلق الدين بالرهن ، وحبس المرهون من عناصر
التوثق .
وبناء عليه قال الحنفية(١): يترتب على صحة الرهن ثبوت حق المرتهن في
حبس العين المرهونة ، على وجه الدوام ، وعدم تمكين الراهن من استرداد المرهون قبل
وفاء الدين ؛ لأن الرهن شرع للتوثق ، والتوثق لا يكون إلا بحبس ما يكون به
الوفاء، وهو المال المرهون .
وإثبات حق الحبس يكون عند الحنفية بإثبات يد استيفاء الدين للمرتهن على
المرهون ؛ لأن معنى الاستيفاء : هو ملك عين المستوفى، وملك اليد عليه معاً، وبما أن
ملك عين المرهون ممنوع شرعاً بالحديث الصحيح: ((لا يغلق الرهن من صاحبه))،
بقي ملك اليد، ويصير موجب عقد الرهن الذي شرع وثيقة للاستيفاء: وهو ثبوت
ملك اليد فقط دون ملك العين ؛ لأنه مدلول لفظ الرهن لغة وهو الحبس ، والمعاني
الشرعية تثبت على وفق المعاني اللغوية .
المبسوط: ٦٣/٢١، البدائع: ١٤٥/٦، تبيين الحقائق: ٦٤/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ١٩٤/٨ - ١٩٦،
(١)
الدر المختار : ٣٤٥/٥ .
- ٢٤٧ -

وبما أن المرهون عين لها مالية، والوفاء إنما هو بماليتها، كانت يد المرتهن هي
بالنظر إلى ماليتها ، فتكون يد المرتهن يد استيفاء بالنسبة لماليتها ، فتقتصر على
ما يقابل الدين من ماليتها ، والزائد عنه أمانة في يد المرتهن .
وقال الجمهور (الشافعية والمالكية والحنابلة): إن موجب الرهن هو موجب
سائر الوثائق ، وهو أن تزداد به طرائق المطالبة بالوفاء، فيثبت به للمرتهن حق
تعلق الدين بالعين المرهونة عيناً، والمطالبة بإيفائه من ماليتها، عن طريق بيعها
واختصاصه بثمنها .
أما حق الحبس ، فليس بحكم لازم لعقد الرهن ، فللراهن أن يسترد الرهن لينتفع
به بدون استهلاكه، فإذا انتهى انتفاعه، رده إليه. بدليل الحديث ((لا يغلق الرهن
من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)) أي لا يحبس، وأضافه النبي ◌َ ◌ّ إلى
الراهن بلام التمليك ، وسماه صاحباً، فاقتضى أن يكون هو المالك للرهن رقبة
وانتفاعاً وحبساً .
والحبس على الدوام يتنافى مع كون الرهن توثيقاً، فقد يهلك الرهن ، فيسقط
الدين أي كما قال الحنفية، فيكون توهيناً لا توثيقاً. ثم إن في الحبس تعطيلاً للانتفاع
بالرهن ، فهو تسييب، والتسييب ممنوع شرعاً .
والخلاصة: أن عقد الرهن يثبت حق الحبس الدائم للمرتهن على المرهون عند
الحنفية . أما عند الشافعية : فيقتضي الرهن عندهم فقط تعين المرهون للبيع لوفاء الدين .
وفي تقديري أن رأي الحنفية أسلم لاتفاقه مع واقع الرهن وهو الاحتفاظ به لحمل
المدين على الوفاء بالدين . لذا قرر المالكية والحنابلة كما بينا في شروط القبض ضرورة
استدامة قبض المرهون في يد الدائن ، حتى يؤدي الراهن ما عليه(١) .
(١) بداية المجتهد: ٢٧٢/٢، المغني : ٣٣١/٤ .
- ٢٤٨ -

وانبنى على الخلاف بين الحنفية والشافعية في مقتضى عقد الرهن ، أهو الحبس،
أم تعينه للبيع مسائل هي :
١ - استرداد الرهن: لا يجيز الحنفية استرداد الرهن لينتفع به؛ لأنه يتنافى مع
مقتضى عقد الرهن وهو حبس المرهون لدى المرتهن . ويجيز الشافعية استرداده
للانتفاع به ؛ لأن استرداده لا يتنافى مع مقتضى العقد: وهو تعين المرهون للبيع في
سبيل وفاء الدين .
٢ - الزوائد المنفصلة المتولدة: يسري الحبس عند الحنفية إلى الزوائد المنفصلة
المتولدة، فتحبس مع أصلها ، لأنها كالجزء منها . ولا يسري عليها حكم الرهن عند
الشافعية ، فلا تباع في الدين، لأنها عين أخرى .
٣ - رهن المشاع: لا يصح رهن المشاع عند الحنفية؛ لأن الحبس الدائم
لا يتصور فيه. وعند الشافعية والمالكية والحنابلة: يجوز لجواز بيعه، وحكم الرهن
هو تعينه للبیع واستيفاء الدين من ثمنه .
مطالبة المرتهن بوفاء دينه مع استمرار حبس الرهن :
قال الحنفية(١): للمرتهن أن يطالب الراهن بدينه مع استمرار حبسه للمال
المرهون إذا كان الدين حالاً .
فإذا أراد المدين أداء الدين ، كان له أن يطالب المرتهن بإحضار الرهن، وعلى
المرتهن إحضاره ليعلم أنه لا يزال موجوداً لم يهلك. وهذا إذا لم يكن للرهن حمل
ومؤنة ، كأن كان في بلد عقد الرهن. ولا يكلف المرتهن بإحضار الرهن إذا كان للرهن
حمل ومؤنة ، وكانت المطالبة في بلد غير بلد عقد الرهن ؛ لأن الواجب عليه حينئذ
التخلية، لا نقله إلى مكان الإيفاء، لئلا يترتب عليه ضرر كبير. فإن كانت المطالبة
(١) البدائع: ١٤٨/٦، ١٥٣ وما بعدها، الدر المختار: ٣٤٣/٥ وما بعدها، اللباب : ٥٨/٢.
- ٢٤٩ -

في البلد الذي تم فيه عقد الرهن ، فإنه يحضره ، لعدم ترتب ضرر كبير على إحضاره .
كذلك لا يكلف المرتهن إحضاره إذا كان في يد عدل (أمين)، لأنه لا قدرة له على
إحضاره ؛ إذ العدل ممنوع من تسليم الرهن إلى أحد العاقدين ، وإلا كان ضامناً وآخذه
غاصباً .
والخلاصة : أن المطالبة إن كانت في بلد الرهن ، يؤمر المرتهن بإحضاره مطلقاً.
وإلا فإن لم يكن له حمل ومؤنة فيؤمر كذلك، وإن كان له حمل، لا يؤمر. وقال ابن
عابدين : فيه نظر، فالمعول عليه على وجود المؤنة ، فإن احتاج إلى نفقة حمل بأن كان
في موضع آخر، لم يكلف إحضاره، وإن لم يحتج كلف إحضاره . وفي تقديري أن هذا
هو الأدق والأولى .
المطلب الثالث - حفظ المال المرهون :
بناء على ثبوت حق حبس المال المرهون عند المرتهن في مذهب الحنفية، فإن
المرتهن يحفظ المرهون تحت يده بما يحفظ به مال نفسه عادة ، فيحفظه بنفسه ،
وزوجته، وولده وخادمه إذا كانا يسكنان معه، وبأجيره الخاص ؛ لأن عين المرهون
أمانة في يد المرتهن ، فصار من هذه الناحية كالوديعة ، يحفظه كما تحفظ .
ولا يجوز له حفظه بغير هؤلاء، فإذا أودعه أو قصر في حفظه ، ضمن قيمته بالغة
ما بلغت. والضامن عند أبي حنيفة: هو المرتهن لا الوديع، وعند الصاحبين : كلاهما
ضامن ، المرتهن بالدفع ، والوديع بتسلمه ما ليس مملوكاً للدافع ، لكن يستقر الضمان
في النهاية على المرتهن ، كما في ودیع الوديع .
ويجوز للمرتهن السفر بالمرهون إذا كان الطريق آمناً، كما في الوديعة، وإن كان
- (١)
له حمل ومؤنة
الدر المختار : ٣٤٥/٥، ٣٤٧ وما بعدها، اللباب: ٦٤/٢ وما بعدها، تكملة الفتح: ٢٠٢/٨ .
(١)
- ٢٥٠ _

المطلب الرابع - الإنفاق على الرهن أو مؤنة الرهن :
اتفق الفقهاء على أن نفقة أو مؤنة الرهن على المالك الراهن ؛ لأن الشارع قد
جعل الغنم والغرم للراهن: ((لا يغلق - لا يُتملك - الرهن من صاحبه الذي رهنه، له
غنه، وعلیە غرمه))(١).
لكنهم اختلفوا على رأيين في نوع النفقة الواجبة على الراهن .
١ - فقال الحنفية(٢): توزع النفقة على الراهن، باعتباره مالك العين، وعلى
المرتهن ، باعتباره مكلفاً بحفظها ، على النحو التالي :
كل ما يحتاج إليه من النفقات لمصلحة المرهون وتبقيته، فهو على الراهن ؛ لأنه
ملكه. وكل ما كان لحفظ المرهون، فهو على المرتهن ؛ لأن حبسه له ، فلزمه توابعه .
وبناء عليه، على الراهن : طعام الحيوان وشرابه وأجرة الراعي . وعليه سقي
الشجر ونفقة تلقيحه وجذاذه (قطفه) والقيام بمصالحه، وسقي الأرض وإصلاحها
وكري أنهارها وإنشاء مصارفها ، وضريبة خراجها وعشر حاصلاتها ؛ لأن كل ما ذكر
من مؤونة (ما به بقاؤه) المال المملوك ، ومؤونة المملوك على مالكه.
ولا يجوز للراهن أن يجعل النفقة على الرهن منه، أو من زوائده، إلا برضا
المرتهن ، لأن المرهون كله قد تعلق به حق المرتهن ، وفي بيعه للإنفاق على الباقي اعتداء
علی حقه، فلا يجوز بغير إذنه .
وعلى المرتهن أجرة الحفظ، للحارس أو المحل الذي يحفظ فيه المرهون ، مثل أجر
(١) سبق تخريجه ، رواه الشافعي والدارقطني وغيرهما عن أبي هريرة ، وقال عنه الدارقطني : هذا إسناد حسن
متصل ( نيل الأوطار : ٢٣٥/٥) فإن قيل : إن نهاية الحديث من كلام ابن المسيب ، أجيب بأن مراسيله
يعمل بها ، بل إنه تأيد بمرفوع عند غيره .
(٢) البدائع : ١٥١/٦، تبيين الحقائق: ٦٨/٦، اللباب: ٦١/٢، الدر المختار وحاشيته: ٣٤٦/٥، تكملة الفتح:
٢٠٢/٨.
- ٢٥١ -

حظيرة الحيوان ، وأجرة المخزن المحفوظ فيه، لأن الأجرة مؤنة الحفظ، وهي عليه .
وبناء عليه لا يجوز أن يشترط في عقد الرهن أجر للمرتهن على قيامه بحفظ الرهن ،
لأنه واجب عليه ، ولا أجر على واجب.
وروي عن أبي يوسف : أن أجرة المأوى على الراهن ، بمنزلة النفقة؛ لأنه سعي
في تبقیته .
وأما نفقات رد المرهون عند ضياعه، ونفقات علاجه من القروح أو
الأمراض(١) ، فعلى كل من الراهن والمرتهن، المرتهن بقدر ضانه: وهو ما يقابل
الدين ، والباقي: وهو ما زاد على قدر الدين ، وهو الأمانة التي لا تدخل في ضمان
المرتهن ، على الراهن .
٢ - وقال المالكية والشافعية والحنابلة (الجمهور)(٢): إن جميع نفقات أو مؤونات
الرهن على الراهن، سواء منها ما كان لبقاء عينه، أو بقصد حفظه وعلاجه،
للحديث السابق: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه))
وكل إنفاق من غرمه ، ولأن نفقة المملوك على مالكه .
فإن لم ينفق الراهن ، ما الحكم؟
قال المالكية: إن لم ينفق الراهن ، واحتاج الرهن إلى نفقة كعلف حيوان
وإصلاح عقار، أنفق المرتهن ، ويرجع بجميع ما أنفق على الراهن، وإن زاد على قيمة
الرهن . وتكون النفقة ديناً في ذمة الراهن ، لا بمالية الرهن أو عينه ، سواء أنفق بإذن
منه، أم بغير إذن ، لأنه قام بواجب على الراهن .
وقال الشافعية : يجبر القاضي الراهن على النفقة على المرهون إذا كان حاضراً
وجاء في الفتاوى البزازية : أن ثمن الدواء وأجرة الطبيب على المرتهن .
(١)
(٢)
الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: ٢٥١/٣ وما بعدها ، مغني المحتاج: ١٣٦/٢، المغني : ٢٩٢/٤ ، كشاف القناع:
٣٢٦/٣ وما بعدها ، المهذب : ٣١٤/١.
- ٢٥٢ -

موسراً، فإن تعذر الجبر بسبب إعساره أو غيبته ، ففي حال الغيبة يمونه القاضي من
مال الراهن إن كان له مال. وفي حال الإعسار: يقترض القاضي، أو يبيع جزءاً من
الرهن لإبقائه، أو يأمر المرتهن بالإنفاق عليه ، على أن يكون ديناً في ذمة الراهن .
وإذا أنفق المرتهن ، رجع على الراهن إن كان الإنفاق بإذن القاضي، أو أشهد عند
الإنفاق. وعند غيبة الراهن : أشهد أنه إنما أنفق ليرجع .
وقال الحنابلة : إن أنفق المرتهن بدون إذن الراهن ، مع قدرته على استئذاته ،
كان متبرعاً، لا حق له في الرجوع بما أنفق . فإن عجز عن استئذانه لغيبة أو نحوها،
وأنفق ، يرجع بأقل المبلغين : نفقة المثل، وما أنفقه فعلاً ، بشرط أن ينوي الرجوع
بالنفقة . ولا يشترط استئذان القاضي ، ولا الإشهاد على النفقة .
المطلب الخامس - الانتفاع بالرهن :
لا يجوز تعطيل منفعة الرهن ؛ لأنه تضييعٌ للمال وإهدارٌ له، وإنما يجب
الإفادة منه أثناء الرهن ، فمن الذي ينتفع به، الراهن أم المرتهن ؟
نبحث كل حالة على حدة ، انتفاع الراهن ، ثم انتفاع المرتهن .
أولاً - انتفاع الراهن بالرهن :
5
هناك في انتفاع الراهن بالرهن رأيان : رأي الجمهور غير الشافعية بعدم جواز
الانتفاع. ورأي الشافعية بجوازه ما لم يضر بالمرتهن (١). وتفصيل الأقوال فيما يأتي:
١ - قال الحنفية(٢): ليس للراهن أن ينتفع بالمرهون استخداماً أو ركوباً أو لبساً
أو سكنى وغيرها ، إلا بإذن المرتهن، كما أنه ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن إلا بإذن
الراهن ، ودليلهم على الحالة الأولى : أن حق الحبس ثابت للمرتهن على سبيل الدوام ،
(١) الإفصاح: ٢٣٨/١.
(٢) البدائع : ١٤٦/٦، الدر المختار : ٣٤٢/٥ وما بعدها .
- ٢٥٣ -

وهذا يمنع الاسترداد. فإن انتفع الراهن من غير إذن المرتهن ، فشرب لبن البقرة
المرهونة، أو أكل ثمر الشجر المرهون، ونحوهما ، ضمن قيمة ما انتفع به؛ لأنه تعدى
بفعله على حق المرتهن ، وتدخل القيمة التي هي بدل الاستهلاك في حبس المرتهن
للرهن، ويتعلق بها الدين .
وإذا استعاد الراهن الرهن لاستعماله بدون إذن المرتهن ، فركب الدابة المرهونة،
أو لبس الثوب المرهون، أوسكن الدار المرهونة أو زرع الأرض، ارتفع ضمان المرتهن
للرهن، وكان غاصباً للرهن ، فيرد إلى المرتهن جبراً عنه. وإذا هلك في يده هلك
عليه. فإن لم يترتب على انتفاع الراهن بالرهن رفع يد المرتهن ، فله الانتفاع به،
كإيجار آلة يشغلها المرتهن ، مثل آلة طحن ونحوه، فأجرما تطحنه حينئذ للراهن ؛
لأن نماء الرهن وزوائده للراهن(١)، وإذا أخذه المرتهن احتسب من دينه. وهذا
المذهب مبني على أن الرهن يلحق الزيادة المتولدة من الرهن متصلة أو منفصلة عنه.
٢ - وقال الحنابلة(٢) مثل الحنفية: لا يجوز للراهن الانتفاع بالرهن إلا بإذن أو
رضا المرتهن . فليس له استخدامه ولا ركوبه ولا لبسه ولا سكناه. وتعطل منافعه
أي على كره من الشرع، إذا لم يتفق الراهن والمرتهن على انتفاع الراهن، فتغلق الدار
مثلاً حتى يفك الرهن ؛ لأن الرهن عين محبوسة، فلم يجز للمالك أن ينتفع بها، كالمبيع
الحبوس لدی الراهن حتی یوفی ثمنه .
وهذا المذهب مبني على مبدأ أن جميع منافع الرهن ونمائه تكون رهناً مع أصلها ،
كالحنفية تماماً .
إصلاح الرهن : ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه ومداواته
إن احتاج إليها ، وإنزاء الفحل على الأنثى المرهونة عند الحاجة .
(١)
الدر المختار : ٣٧٠/٥ .
(٢)
المغني : ٣٩٠/٤ وما بعدها ، كشاف القناع: ٣٢٣/٣.
- ٢٥٤ _

٣ - وتشدد المالكية(١) أكثر من المذهبين السابقين، فقرروا عدم جواز انتفاع
الراهن بالرهن ، وقرروا أن إذن المرتهن للراهن بالانتفاع مبطل للرهن ، ولو لم
ينتفع؛ لأن الإذن بالانتفاع يعد تنازلاً عن حقه في الرهن .
وبما أن منافع الرهن مملوكة للراهن ، فله أن ينيب المرتهن في أن ينتفع بالرهن
نيابة عنه ولحساب الراهن ، حتى لا تتعطل منافع الرهن . فإن عطل المرتهن
استغلال المرهون، كإغلاق الدار، ضمن عند بعض المالكية أجرة المثل في مدة
التعطيل ؛ لأنه ضيعها عليه. وقال بعضهم : لا يضمن ، إذ ليس عليه أن يستغل
للراهن ماله. وقال بعضهم : يضمن إلا إذا علم الراهن بالاستغلال ولم ينكر عليه
التعطيل .
٤ - وأما الشافعية(٢) فقالوا خلافاً للجمهور السابق: للراهن كل انتفاع بالرهن
لا يترتب عليه نقص المرهون، كالركوب، والاستخدام ، والسكنى، واللبس، والحمل
على الدابة أو السيارة؛ لأن منافع الرهن ونماءه ملك للراهن ، ولا يتعلق بها الدين
عندهم، ولخبر الدارقطني والحاكم: ((الرهن مركوب ومحلوب)) وخبر البخاري :
((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً)).
أما ما يترتب عليه نقص قيمة الرهن كالبناء والغرس في الأرض المرهونة ، فلا
يجوز للراهن إلا بإذن المرتهن مراعاة لحقه. وللمرتهن أن يرجع عن إذنه قبل تصرف
الراهن .
وإذا أمكن الراهن الانتفاع بالمرهون بغير استرداد كإيجار آلة عند المرتهن ، لم
يسترد من المرتهن . وإن لم يكن الانتفاع به بغير استرداد كأن يكون داراً يسكنها ، أو
دابة أو سيارة يركبها ، فیسترد للحاجة إلیه، حتى إذا انتهى انتفاعه به، رده على
المرتهن .
(١)
الشرح الكبير مع الدسوقي : ٢٤١/٣ وما بعدها
(٢)
مغني المحتاج ١٣١/٢ وما بعدها .
- ٢٥٥ -

ثانياً- انتفاع المرتهن بالرهن :
يرى الجمهور غير الحنابلة : أنه ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن . وحملوا
ما ورد من جواز الانتفاع بالمحلوب والمركوب بمقدار العلف على ما إذا امتنع الراهن
من الإنفاق على الرهن ، فأنفق عليه المرتهن ، فله الانتفاع بمقدار علفه. والحنابلة
يجيزون الانتفاع للمرتهن بالرهن إذا كان حيواناً، فله أن يحلبه ويركبه بقدر
ما يعلفه وينفق عليه(١). وتفصيل المذاهب كما يأتي :
١ - قال الحنفية(٢): ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون استخداماً ولا ركوباً ولا
سكنى ولا لبساً ولا قراءة في كتاب، إلا بإذن الراهن ؛ لأن له حق الحبس دون
الانتفاع. فإن انتفع به، فهلك في حال الاستعمال يضمن كل قيمته ، لأنه صار غاصباً .
وإذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بالمرهون ، جاز مطلقاً عند بعض الحنفية .
ومنهم من منعه مطلقاً؛ لأنه ربا أو فيه شبهة الربا، والإذن أو الرضا لا يحل الربا
ولا يبيح شبهته . ومنهم من فصل فقال: إن شرط الانتفاع على الراهن في العقد، فهو
حرام؛ لأنه ربا ، وإن لم يشرط في العقد، فجائز؛ لأنه تبرع من الراهن للمرتهن .
والاشتراط كما يكون صريحاً، يكون متعارفاً، والمعروف كالمشروط .
وهذا التفصيل هو المتفق مع روح الشريعة ، والغالب من أحوال الناس أنهم عند
دفع القرض إنما يريدون الانتفاع، ولولاه لما أعطوا الدراهم ، وهذا بمنزلة الشرط ؛
لأن المعروف كالمشروط ، وهو ما يُعيِّن المنع، كما قال ابن عابدين .
وأرى أن الاحتياط في الدين أمر واجب، وكل قرض جر نفعاً مشروطاً أو
(١)
بداية المجتهد : ٢٧٣/٢ .
الدر المختار ورد المختار: ٣٤٢/٥، البدائع: ١٤٦/٦، تبيين الحقائق: ٦٧/٦، الهداية مع تكملة الفتح :
٢٠١/٨ .
(٢)
- ٢٥٦ -

متعارفاً فهو عند الحنفية ربا ، وقد صرح ابن نجيم في الأشباه أنه يكره (أي تحريماً)
للمرتهن الانتفاع بالرهن(١). وقال في التتارخانية ما نصه: ((ولو استقرض دراهم،
وسلم حماره إلى المقرض ليستعمله إلى شهرين ، حتى يوفيه دينه، أو داره ليسكنها ،
فهو بمنزلة الإجارة الفاسدة، إن استعمله، فعليه أجر مثله، ولا يكون رهناً)).
وعليه نرى أن ما اعتاده الناس في زماننا من رهن الدور على أن يسكنها المرتهن ،
ريثما يرد إليه الراهن دينه، وهو قرض، غير جائز باتفاق المذاهب ، وليس العقد من
قبيل بيع الوفاء ، لعدم انصراف مقاصد الناس إلى البيع .
٢ - وفصل المالكية(٢) فقالوا: إذا أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع أو اشترط المرتهن
المنفعة، جاز إن كان الدين من بيع أو شبهه (معاوضة)، وعينت المدة بأن كانت
معلومة ، للخروج من الجهالة المفسدة للإجارة، لأنه بيع وإجارة، وهو جائز.
والجواز كما قال الدردير بأن يأخذ المرتهن المنفعة لنفسه مجاناً، أو لتحسب من الدين
على أن يعجل دفع باقي الدين. ولا يجوز إن كان الدين قرضاً (سلفاً)؛ لأنه قرض
جر نفعاً . ولا يجوز الانتفاع في حالة القرض إن تبرع الراهن للمرتهن بالمنفعة أي لم
يشترطها المرتهن؛ لأنها هدية مديان، وقد نهى عنها النبي علىاله (٣).
والخلاصة : أن هناك صوراً ثمانية لاشتراط المرتهن منفعة الرهن لنفسه ، سبعة
منها ممنوعة ، وواحدة منها فقط جائزة . أما الممنوعة فأربع صور منها في القرض :
وهي ما إذا كانت مدة المنفعة معينة، أو مجهولة ، مشترطة أو متطوعاً بها، وثلاث
صور منها في البيع: وهي ما إذا كانت متطوعاً بها، سواء كانت مدتها معينة أم
مجهولة ، أو كانت مشترطة ولم تعين مدتها أي المدة مجهولة .
المقرر في القانون المدني السوري والمصري يتفق مع الشريعة ، فقد نص فيهما على أنه ليس للمرتهن أن ينتفع
(١)
بالرهن دون مقابل .
(٢)
الشرح الكبير للدردير والدسوقي: ٢٤٦/٣، بداية المجتهد : ٢٧٣/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٢٤ .
عن أنس عن النبي ◌ّ قال: ((إذا أقرض فلا يأخذ هدية)) أي قبل الوفاء. رواه البخاري في تاريخه ( نيل
(٣)
الأوطار : ٢٣١/٥ ) .
الفقه الإسلامي جـ ٥ (١٧)
- ٢٥٧ -

وأما الصورة الجائزة : فهي ما إذا كانت المنفعة مشترطة في عقد البيع، والمدة
معينة. ومحل الجواز فيها إذا اشترطت ليأخذها المرتهن مجاناً، أو لتحسب من الدين
على أن يعجل الباقي منه .
٣ - وقال الشافعية(١) كالمالكية إجمالاً: ليس للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة
لقول النبي ◌َ ◌ّ: ((لا يغلق الرهن من صاحبه، الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه))
قال الشافعي : غنمه: زياداته. وغرمه : هلاكه ونقصه. ولا شك أن من الغنم سائر
وجوه الانتفاع . وهذا رأي ابن مسعود .
فإن شرط المرتهن في عقد القرض ما يضر الراهن ، كأن تكون زوائد المرهون أو
منفعته له، أي للمرتهن ، بطل الشرط، والرهن في الأظهر لحديث ((كل شرط ليس
في كتاب الله تعالى، فهو باطل))، وأما بطلان الرهن فلمخالفة الشرط مقتضى
العقد ، كالشرط الذي يضر المرتهن نفسه .
أما إن كانت المنفعة مقدرة أو معلومة ، وكان الرهن مشروطاً في بيع ، فإنه يصح
اشتراط جعل المنفعة للمرتهن ؛ لأنه جمع بين بيع وإجارة في صفقة، وهو جائز. مثل
أن يقول شخص لغيره : بعتك حصاني بمئة بشرط أن ترهنني بها دارك، وأن تكون
منفعتها لي سنة ، فبعض الحصان مبيع ، وبعضه أجرة في مقابلة منفعة الدار.
٤ - وأما الحنابلة(٣) فقالوا في غير الحيوان: ما لا يحتاج إلى مؤنة (قوت ) كالدار
والمتاع ونحوه، لا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال؛ لأن الرهن
ومنافعه ونماءه ملك الراهن ، فليس لغيره أخذها بغير إذنه ، فإن أذن الراهن للمرتهن
في الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن من قرض لم يجز؛ لأنه قرض جر منفعة ،
(١)
حاشية البجيرمي على الخطيب: ٦١/٣، الإفصاح لابن هبيرة: ٢٣٨/١، مغني المحتاج: ١٢١/٢ .
(٢)
المغني: ٣٨٥/٤ وما بعدها، كشاف القناع: ٣٤٢/٣ وما بعدها. وعبارتهم في الموضوع: ((لا ينتفع المرتهن من
الرهن بشيء ، إلا ما كان مركوباً أو محلوباً، فيركب ويحلب بقدر العلف)) .
- ٢٥٨ -
----- -

وذلك حرام. قال أحمد : أكره قرض الدور وهو الربا المحض ، يعني إذا كانت الدار
رهناً في قرض ينتفع بها المرتهن .
وإن كان الرهن بثمن مبيع، أو أجر دار أو دين غير القرض ، فأذن له الراهن في
الانتفاع، جاز، أي ولو مع المحاباة في الأجرة .
وإن كان الانتفاع بعوض هو أجر المثل من غير محاباة، جاز في القرض وغيره،
لكونه لم ينتفع بالقرض ، بل بالإجارة . وإن حاباه لا يجوز في القرض، ويجوز في
غيره .
والخلاصة : أن الانتفاع إن كان بعوض جاز في القرض وغيره إن كان بأجر
المثل ، وإن كان بغير عوض لا يجوز في القرض، وإذا انتفع المرتهن من غير إذن
الراهن ، حسب من دينه .
وأما الحيوان : فيجوز للمرتهن أن ينتفع به إن كان مركوباً أو محلوباً، على أن
يركب ويحلب، بقدر نفقته ، متحرياً العدل في النفقة ، وإن لم يأذنه الراهن .
ودليلهم الحديث السابق: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبَن الدَّر
يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) وجملة ((الظهر
يركب، والدر يشرب)) جملة خبرية في معنى الإنشاء مثل: ﴿والوالدات يرضعن
أولادهن ) ولأن التصرف معاوضة، والمعاوضة تقتضي المساواة بين البدلين .
لكن قال ابن القيم في أعلام الموقعين : لا ضرورة إلى المساواة بين البدلين ؛ لأن
الشارع ساوى بينهما ، ويعسر علينا أمر الموازنة بين الركوب واللبن وبين النفقة .
ولم يعمل الجمهور بهذا الحديث، وقالوا: إنه حديث ترده أصول وآثار صحيحة .
ويدل على نسخه حديث: ((لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه)) (١)، وحديث :
(١) أخرجه البخاري في أبواب المظالم عن ابن عمر ( سبل السلام: ٥١/٣).
- ٢٥٩ -

«لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه ، له غنمه وعليه غرمه)).
وأجاب الحنابلة : بأن السنة أصل، فكيف تردها الأصول ؟! وأما الحديث
الناسخ فهو عام ، وحديث الرهن خاص، فيكون الخاص مقيداً له .
وأرى الأخذ بهذا الاستثناء الوارد عند الحنابلة؛ لأن الحديث صحيح. وفيما
عداه القول الراجح هو ما عليه اتفاق المذاهب، بدليل أن الحنابلة قالوا :
إن شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن ، فالشرط فاسد ؛ لأنه ينافي مقتضى
الرهن، وأما الرهن في البيع فجائز لأنه بيع وإجارة كما قال الشافعية .
المطلب السادس - التصرف في الرهن :
إما أن يصدر التصرف في الرهن من الراهن أو من المرتهن .
أولاً - تصرف الراهن بالرهن :
أ- قبل التسليم : ينفذ عند الحنفية والشافعية والحنابلة تصرف الراهن بالرهن
قبل القبض بدون إذن المرتهن ؛ لأنه لم يتعلق به حق المرتهن حينئذ .
أما المالكية (١) القائلون بأن الرهن يلزم بالإيجاب والقبول، وبأن الراهن يجبر
على تسليم الرهن للمرتهن ، فيجيزون - بالرغم مما ذكر - للراهن أن يتصرف في الرهن
قبل القبض ، فلو باع الراهن الرهن المشترط في عقد المبيع أو القرض نفذ بيعه، إن
فرط مرتهنه في طلبه حتى باعه، وصار دينه بلا رهن لتفريطه. فإن لم يفرط في
الطلب وجدَّ في المطالبة ، ففيه ثلاثة آراء :
الأول لابن القصار: وهو أنْ للمرتهن رد البيع ولا ينفذ، إن كان المبيع باقياً.
وإن فات (ذهب من يد البائع) كان ثمنه رهناً عنده مكانه ، وينفذ البيع .
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ٢٤٨/٣ .
- ٢٦٠ -