النص المفهرس
صفحات 201-220
ولا يصح الرهن بدين أو نجوم الكتابة ، ولا يجعل الجعالة قبل الفراغ من العمل، لعدم لزوم الدين ؛ لأن للعبد المكاتب ، أو المجعول له أن يفسخ العقد متى شاء ، فيتنافى ذلك مع معنى الرهن : وهو التوثق . ٣ - أن يكون الدين معلوماً أو معيناً قدره وصفته للعاقدين : فلو جهلاه أو جهله أحدهما ، أو رهن بأحد الدينين ، لم يصح الرهن . وأما المالكية (١) فقالوا : يصح الرهن في المرهون فيه: وهو جميع الحقوق من بيع أو سلف أو غيرهما ، إلا بدل الصرف ورأس مال السلم. واشترطوا في المرهون فيه أن يكون ديناً فلا يصح الرهن بالأمانة من وديعة أو مضاربة ، وأن يكون في الذمة فلا يصح الرهن بالمعين ومنفعته(٣)، وأن يكون لازماً أو آيلاً للزوم، فلا يصح الرهن في نجوم الكتابة . المطلب الرابع - شروط المال المرهون : المرهون : مال حبس لدى المرتهن لاستيفاء الحق الذي رهن به. فإذا كان المرهون من جنس الحق ، أخذ الحق منه، وإن كان من غير جنسه بيع واستوفي الحق من ثمنه، إن أدى البيع إلى الاستيفاء، كأن يكون الدين نقوداً (دنانير أو ليرات مثلاً) والمرهون من الأموال القيمية، وإلا كان الوفاء من طريق المعاوضة، كأن يكون الدين حنطة ، والرهن نقوداً أو مالاً مثلياً من غير النقود . ولذا اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المرهون ما يشترط في المبيع حتى يمكن (١) القوانين الفقهية: ص ٣٢٣ ، الشرح الكبير والدسوقي : ٢٤٥/٣ . مثال الرهن في شيء معين : أن يبيع شخص دابة معينة ، ويأخذ المشتري من البائع رهناً على أنها إن استحقت (٢) أو ظهر بها عيب ، أتى له بعينها من ذلك الرهن . ومثال منفعة المعين : أن يؤجر إنسان سيارة بعينها ، على أن يدفع المستأجر رهناً فإن تلفت أو استحقت أتى له بعينها ، ليستوفي العمل منها ، وكل من المثالين مستحيل عقلاً فلا يجوز شرعاً ، لكن يصح الرهن بقيمة العين أو قيمة المنفعة . - ٢٠١ - بيعه، لاستيفاء الدين منه(١). وطريقة البيع عند الحنفية تتم بإذن الحاكم إذا كان الراهن غائباً، لا يعرف موته ولا حياته . أما إن كان حاضراً، فيجبر على بيع المرهون ، فإذا امتنع ، باعه القاضي، أو نائبه، وأوفى المرتهن حقه (٢). وشروط المرهون عند الحنفية(٣): أن يكون مالاً متقوماً، معلوماً، مقدور التسليم، مقبوضاً، محازاً، فارغاً عما ليس بمرهون ، منفصلاً، متميزاً عنه، عقاراً كان أو منقولاً، مثلياً كان أو قيمياً. ونفصل هذه الشروط تباعاً : أ- أن يكون المرهون قابلاً للبيع: وهو أن يكون موجوداً وقت العقد، مقدور التسليم ، فلا يجوز رهن ما ليس بموجود عند العقد، ولا رهن ما يحتمل الوجود والعدم، كما لو رهن ما يثمر شجره هذا العام، أو ما تلد أغنامه هذه السنة، أو رهن الطير الطائر، والحيوان الشارد، ونحوه، مما لا يتأتى استيفاء الدين منه ولا يمكن بيعه . رهن الثمر أو الزرع الأخضر قبل بدو صلاحه : هذا الشرط متفق عليه بين أغلب الفقهاء، فهو رأي الحنفية، والشافعية في الأظهر، وظاهر الروايات عند المالكية كما حقق الدسوقي، وفي وجه عند الحنابلة . فلا يجوز عندهم رهن الثمر قبل بدو صلاحه، ولا الزرع الأخضر من غير شرط القطع، لأنه لا يجوز بيعه، فلا يصح رهنه، كسائرما لا يجوز بيعه (٤). (١) المغني : ٣٣٧/٤ . (٢) رد المحتار : ٣٥٧/٥ . البدائع: ١٣٥/٦ - ١٤٠، الدر المختار: ٣٤٠/٥، ٣٤٨، ٣٥١، تكملة الفتح: ١٩٣/٨، ٢٠٨، اللباب : ٥٤/٢ (٣) وما بعدها ، ٥٧ . حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٢٣٣/٣ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢٦٩/٢، القوانين الفقهية: ص ٣٢٣ ، (٤) المغني : ٣٤٣/٤، مغني المحتاج: ١٢٤/٢، كشاف القناع: ٣١٥/٣، المهذب: ٣٠٩/١ . - ٢٠٢ - وقال ابن القاسم وابن الماجشون المالكيان، والحنابلة في الأصح عندهم: يستثنى من قاعدة: ((ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه)): رهن الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع، ورهن الزرع الأخضر بلا شرط القلع ، ورهن الشارد والضال من الحيوان ؛ لأن النهي عن البيع، إنما كان لعدم الأمن من العاهة أو للغرر والخطر، ولهذا أمر الشرع بوضع الجوائح، وهذا المعنى مفقود في الرهن ؛ لأن الدين في ذمة المدين الراهن ، والغرر أو الخطر قليل في الرهن، لأنه إذا تلف المرهون لا يضيع حق المرتهن من الدين ، وإنما يعود الحق إلى ذمة الراهن. وإذا لم يتلف المرهون بأن أدرك الزرع ، وأثمر الثمر، وعاد الضال، تحققت منفعة المرتهن، فيباع متى حل الحق، ويؤخر البيع متى اختار المرتهن . وعليه يجوز عند بعض المالكية، والحنابلة ارتهان ما لا يحل بيعه في وقت الارتهان، ولا يباع إلا إذا بدا صلاحه، وإن حل أجل الدين. ٣ - أن يكون مالاً: فلا يصح رهن ما ليس بمال، كالميتة، وصيد الحرم والإحرام ، لأنه ميتة لا يحل تناوله . رهن المنفعة : ولا يصح أيضاً رهن المنفعة عند الفقهاء، كأن يرهن سكنى داره مدة شهر أو أكثر(١) لأنها عند الحنفية ليست بال عندهم، وعند غير الحنفية: ليست مقدورة التسليم ، لأنها وقت العقد غير موجودة، ثم إذا وجدت فنيت(٢)، ووجد غيرها، فلا يكون لها استقرار ولا ثبوت، فلا يمكن تسليمها ولا وضع اليد عليها ، ولا بقاؤها إلى حلول أجل الدين أو وقت الاستيفاء. لكن امتناع رهن المنفعة عند الشافعية هو في حالة الابتداء، فيجوز جعل المنفعة مرهوناً بلا إنشاء الرهن ، كما لومات الشخص عن المنفعة وعليه دين . (١) عبارة الحنابلة: لا يصح ذلك، لأن مقصود المرتهن استيفاء الدين من ثمن المرهون، والمنافع تهلك إلى حلول الحق ( المغني: ٣٥٠/٤، كشاف القناع: ٣٠٧/٣) . (٢) عبارة الشافعية في ذلك هي : لا يصح رهن منفعة جزماً ، لأن المنفعة تتلف فلا يحصل بها استيثاق ( مغني المحتاج : ١٢٢/٢، حاشية الباجوري : ١٢٤/٢ ). - ٢٠٣ - ٣ - أن يكون متقوماً: أي يباح الانتفاع به شرعاً بحيث يمكن استيفاء الدين منه . رهن الخمر والخنزير: بناء على هذا الشرط: لا يصح للمسلم أن يرهن خمراً أو خنزيراً، ولا أن يرتهنها من مسلم أو ذمي ؛ لأن الرهن إيفاء الدين، والارتهان استيفاء، ولا يجوز للمسلم إيفاء الدين من الخمر ونحوه، ولا استيفاؤه. ولو رهن المسلم خمراً ونحوه عند ذمي ، لم يضمنها هذا للمسلم، كما لا يضمنها بالغصب منه لعدم ماليتها . ولو كان الراهن للخمر هو الذمي عند مسلم ، فعليه عند الحنفية ضمانها للذمي، كما يضمنها بالغصب منه؛ لأنها مال بالنسبة للذمي ، والتقى الدينان حينئذ قصاصاً أو مقاصة . ويصح لأهل الذمة رهن الخمر والخنزير، وارتهانها بينهم؛ لأن كلاً منهما مال متقوم في حقهم ، كالخل والشاة عندنا . ٤ - أن يكون معلوماً: كما يشترط في المبيع أن يكون معلوماً . 5 رهن المجهول : وعلیہ فکل ما صح بيعه مع نوع من الجهالة ، یصح رهنه ، وما لا يصح بيعه للجهالة، لا يصح رهنه. والعلم المشترط في المبيع : هو ما يرتفع به النزاع، أو هو ما لا يقع منه نزاع في العادة . فلو قال الراهن : رهنتك هذا المنزل بما فيه، وقبل المرتهن ، وتسلم المنزل، صح الرهن عند الحنفية، لصحة بيغه، على هذا الوضع. ولم يصح عند الشافعية والحنابلة(١)، لعدم صحة بيعه على هذا الوضع ، لجهالة ما يحويه . (١) المهذب: ٢٠٩/١، ٢٦٣، المغني: ٣٤٨/٤، الدر المختار: ٢٥٦/٥، الشرح الكبير: ٢٣١/٣. - ٢٠٤ - ولو قال: رهنتك أحد هذين البيتين، صح عند الحنفية(١)، لصحة بيعه على أن يكون للمرتهن خيار التعيين. ولم يصح عند الشافعية والحنابلة، لعدم التعيين(٢). ولو دفع الراهن للمرتهن ثوبين، وقال له: خذ أيها شئت رهناً بدينك، فأخذهما، لم يكن واحد منهما رهناً، قبل أن يختار أحدهما ، لأنه إنما رهن ما يختاره المرتهن منهما ، ففيما قبل الاختيار يكون المرهون غير معلوم ، وبعده يكون معلوماً، فیصح الرهن . ولو هلك الثوبان ، ذهب نصف قيمة كل منهما بالدين ، إن ساوى الدين قيمة أحدهما . ٥ - أن يكون مملوكاً للراهن : وهذا ليس شرطاً لجواز أو صحة الرهن ، وإنما هو عند الحنفية شرط لنفاذ الرهن ، وبه يعرف حكم رهن مال الغير. فيجوز رهن مال الغير بغير إذن بولاية شرعية كالأب والوصي ، يرهن مال الصبي بدينه، وبدين نفسه. ويجوز رهن مال الغير بإذنه، كالمستعار من إنسان ليرهنه بدين على المستعير. فإن لم يكن هناك إذن من المالك بالرهن ، كان الرهن كالبيع موقوفاً على الإجازة ، فإن أجاز نفذ، وإلا بطل . وقال الشافعية والحنابلة(٢): لا يصح رهن مال الغير بغير إذنه، لأنه لا يصح بيعه، ولا يقدر على تسليمه ، ولا على بيعه في الدين ، فلم يجز رهنه، كالطير الطائر، والحيوان الشارد. فإن رهن شيئاً يظنه لغيره، ثم تبين أنه لأبيه، وأنه قد مات، وصار ملكاً له بالميراث ، صح الرهن عند الحنابلة وفي وجه عند الشافعية، إذ العبرة في المعاملات بما في نفس الأمر. (١) الدر المختار: ٣٥٦/٥، ٦١/٤، البدائع : ١٥٧/٥. (٢) المرجعان السابقان عند الشافعية . (٣) المهذب : ٣٠٨/١، كشاف القناع : ٣١٥/٣ - ٢٠٥ - والمنصوص عند الشافعية: أن العقد باطل ، لأنه عُقِد، والعاقد لاعب ، فلم يصح . فإن استعار الراهن الشيء ليرهنه، جاز عند أئمة المذاهب اتفاقاً(١)؛ لأنه بالاستعارة يقبض ملك غيره لينتفع به وحده من غير عوض. وهو شأن الإعارة ، فهي جائزة لتحصيل منفعة واحدة من منافع العين المستعارة . ٦ - أن يكون مفرَّغاً أي غير مشغول بحق الراهن، فلا يصح رهن النخل المشغول بالثمرة بدون الثمر، ولا الأرض المشغولة بالزرع بدون الزرع، ولا الدار المشغولة بأمتعة الراهن بدون الأمتعة ونحوها . أما رهن الشاغل كحمل السيارة ومتاع الدار، غير المتصل بالمشغول ، فجائز رهنه . ٧ - أن يكون محوزاً (٢) أي مجموعاً منفصلاً، لامتفرقاً متصلاً بغيره، فلا يجوز رهن الثمر على شجر بدون الشجر، والزرع في الأرض بدون الأرض، إذ لا يمكن حيازة الثمر أو الزرع بدون الشجر أو الأرض. ٨- أن يكون متميزاً: أي غير مشاع، فلا يجوز رهن نصف دار أو ربع سيارة، ولو من الشريك . والسبب في اشتراط التفرغ، والحيازة، والتميز: هو أن القبض شرط لازم لاشرط صحة في الرهن ، والقبض متعذر مع وجود هذه الموانع . فإذا قبض الرهن مفرغاً محوزاً متميزاً، تم العقد فيه ولزم، ومالم يقبضه المرتهن ، فالراهن بالخيار: إن شاء سلمه، وإن شاء رجع عن الرهن ، كما في الهبة ؛ لأن الرهن كالهبة عقد تبرع غير لازم إلا بالقبض . وبه يظهر أن هذه الشروط الثلاثة هي في الواقع العناصر التي يتحقق بتوافرها قبض المرهون . بداية المجتهد : ٢٦٩/٢، تبيين الحقائق : ٨٨/٦ (١) (٢) المحوز : من الحوز : وهو الجمع وضم الشيء - ٢٠٦ - المطلب الخامس - شرط تمام الرهن ــ قبض المرهون : اتفق الفقهاء في الجملة على أن القبض شرط في الرهن ، لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾، واختلفوا في تحديد نوع الشرط ، هل هو شرط لزوم، أو شرط تمام ؟ وفائدة الفرق: أن من قال : شرط لزوم، قال : مالم يقع القبض ، لم يلزم الراهن بالرهن ، وله أن يرجع عن العقد. ومن قال : شرط تمام، قال : يلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أُو يمرض أو يموت (١). ١ - فقال الجمهور غير المالكية(٢): القبض ليس شرط صحة وإنما هو شرط لزوم الرهن ، فلا يلزم الرهن إلا بالقبض ، فما لم يتم القبض يجوز للراهن أن يرجع عن العقد، وإذا سلمه الراهن للمرتهن وقبضه، لزم الرهن ، ولم يجز للراهن أن يفسخه وحده بعد القبض . ودليلهم قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة ﴾ فلو لزم بدون القبض ، لم يكن للتقييد به فائدة فقد علقه سبحانه بالقبض فلا يتم إلا به، ولأن الرهن عقد تبرع أو إرفاق (أي نفع) يحتاج إلى القبول، فيحتاج إلى القبض ليكون دليلاً على إمضاء العقد وعدم الرجوع ، فلا يلزم إلا بالقبض كالهبة والقرض . ٢ - وقال المالكية(٢): لا يتم الرهن إلا بالقبض أو الحوز، فهو شرط تمام الرهن أي لكمال فائدته، وليس شرط صحة أو لزوم، فإذا عقد الرهن بالقول (الإيجاب والقبول) لزم العقد، وأجبر الراهن على إقباضه للمرتهن بالمطالبة به. فإن تراخى المرتهن في المطالبة به، أو رضي بتركه في يد الراهن ، بطل الرهن . بداية المجتهد : ٢٧٠/١ وما بعدها (١) الدر المختار : ٣٤٠/٥ وما بعدها، البدائع: ١٣٧/٦، اللباب: ٥٤/٢ وما بعدها، مغني المحتاج : ١٢٨/٢ ، (٢) المهذب : ٣٠٥/١ وما بعدها، كشاف القناع: ٣١٧/٣، المغني: ٣٢٨/٤ (٣) بداية المجتهد : ٢٧١/٢ ، القوانين الفقهية: ص ٣٢٣ وما بعدها ، الشرح الصغير : ٣١٣/٣ - ٢٠٧ - ودليلهم : قياس الرهن على سائر العقود المالية اللازمة بالقول، لقوله تعالى: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ والرهن عقد فيجب الوفاء به. كما أن الرهن عقد توثق كالكفالة، فيلزم بمجرد العقد قبل القبض . وبناء على اشتراط القبض : لو تعاقد الراهن والمرتهن على أن يكون الرهن في يد الراهن ، لم يصح الرهن . فلو هلك الرهن في يده لا يسقط الدين ، ولو أراد المرتهن أن يقبضه من يد الراهن ليحبسه رهناً، ليس له قبضه، إذ لا يصير الرهن صحيحاً بعد فساده (١). كيفية القبض أو ما يتحقق به القبض : اتفق الفقهاء على أن قبض العقار يكون بالتسليم الفعلي أو بالتخلية أي رفع المانع من القبض أو التمكن من إثبات اليد بارتفاع الموانع، فيُخلّى بين المرتهن والمرهون، و یمکن من إثبات يده عليه . أما قبض المنقول : ففي ظاهر الرواية عند الحنفية(٢): أنه يكتفى فيه بالتخلية ، فإذا حصلت، صار الراهن مسلّماً، والمرتهن قابضاً؛ لأن التخلية تعتبر إقباضاً في العرف والشرع، أما في العرف: فلأنه لا يكون في العقار إلا بها ، فيقال: هذه الأرض أو الدار في يد فلان ، فلا يفهم منه إلا التخلي : وهو التمكن من التصرف. وأما في الشرع: فإن التخلية تعتبر إقباضاً في البيع بالإجماع من غير نقل أو تحويل . وهذا الرأي هو المعقول تمشياً مع طبيعة التعامل وسرعته . وقال أبو يوسف: لاتكفي التخلية في المنقول، وإنما يشترط فيه النقل والتحويل، فما لم يوجد لا يصير المرتهن قابضاً؛ لأن القبض ورد مطلقاً في الآية : (١) البدائع : ٦ / ١٣٧ (٢) البدائع: ١٤١/٦، الدر المختار: ٣٤١/٥، تكملة الفتح: ١٩٣/٨، تبيين الحقائق: ٦٣/٦، اللباب : ٥٤/٢ - ٢٠٨ - ﴿فرهان مقبوضة﴾ فينصرف إلى القبض الحقيقي، وهو لا يتحقق إلا بالنقل ، أما التخلية فالذي يتحقق بها قبض حكمي ، فلا يكتفى فيه . ثم إن قبض الرهن يترتب عليه إنشاء ضمان على المرتهن لم يكن ثابتاً قبل العقد ، فلا بد فيه من تمام النقل بالقبض ليحدث الضمان ، كالشأن في الغصب ، بخلاف البيع فإن الذي يترتب عليه إنما هو نقل الضمان من البائع للمشتري، فيكتفى فيه بالتخلية . لكن يلاحظ أن هذا الفرق بين الرهن والبيع لا تأثير له . ويتفق الشافعية والحنابلة(١) مع أبي يوسف: فإنهم قالوا: المراد بالقبض هو القبض المعهود في البيع ، فقبض الرهن كقبض البيع ، فإن كان عقاراً أو مما لا ينقل کالدور والأرضين، يكون قبضه بالتخلية أي تخلية راهنه بينه وبين المرتهن من غير حائل . وذلك ينطبق على الثمر على الشجر والزرع في الأرض وإن كان منقولاً ، فقبضه يكون بنقله أو تناوله، أي أخذه إياه من راهنه فعلاً . فإن كان كالحلي فيتم قبضه بنقله، وإن كان كالدراهم والثوب ، فيتم نقله بتناوله، وإن كان مكيلاً أو موزوناً، فقبضه يكون بكيله أو وزنه. وإن كان مذروعاً، فقبضه بذرعه ، وإن كان معدوداً فقبضه بعده. ويعتبر العرف المتعارف في المذکور كله . الرهن الرسمي للعقار أو ما ينوب مناب القبض : الظاهر أن المقصود من قبض الرهن هو تأمين الدائن المرتهن ، وإلقاء الثقة والطمأنينة لديه، بتمكينه من حبس المرهون تحت يده، حتى يستوفي منه دينه، وليس المقصود من اشتراط القبض هو التعبد أي تنفيذ المطلوب بدون معنى . وقياساً عليه: يصح أن يقوم مقام القبض كل وسيلة تؤدي إلى تأمين الدائن ، ومنها ما أحدثه القانون المدني من الرهن الرسمي في العقار بوضع إشارة الرهن في (١) مغني المحتاج: ١٢٨/٢، المغني: ٣٢٨/٤، كشاف القناع: ٣١٨/٣ - ٢٠٩ - الفقه الإسلامي جـ ٥ (١٤) صحيفة العقار في دائرة التسجيل العقاري ، فهو محقق لحفظ المرهون وبقائه ضماناً للدائن ، وتأميناً لمصلحته، فيقوم هذا مقام القبض المطلوب شرعاً. وهذا ما أقره المالكية من جواز الرهن الرسمي ، بالإضافة لمشروعية الرهن الحيازي المتفق عليه بين الفقهاء . شروط القبض : يشترط لصحة القبض ما يأتي : أولاً - أن يكون بإذن الراهن: اتفق الفقهاء(١) على أنه لابد لصحة القبض من إذن الراهن بالقبض ، إذ به يلزم الرهن ، ويسقط حق الراهن في الرجوع عن الرهن . فإن تعدى المرتهن ، فقبضه بغير إذن ، لم يثبت حكمه وكان بمنزلة من لم يقبض رهناً. وإن أذن الراهن في القبض ، ثم رجع عن الإذن قبل القبض ، زال حكم الإذن . أما رجوعه بعد القبض فلا يؤثر. وإذا قبض المرتهن شيئاً بغصب ، ثم أقره المغصوب منه في يده رهناً، فقال مالك: يصح أن ينقل الشيء من ضان الغصب إلى ضمان الرهن ، فيجعل المغصوب منه الشيء المغصوب رهناً في يد الغاصب قبل قبضه منه. وقال الشافعي : لا يجوز، بل يبقى على ضمان الغصب، حتى يعود إلى الراهن ثم يأذن بقبضه ولا يبرأ الغاصب عن الضمان بارتهان المغصوب منه . والإذن نوعان : صريح، ودلالة . فالصريح: أن يقول الراهن : أذنت لك في القبض ، أو رضيت به ، أو يأمر المرتهن بقبض الرهن بأن يقول له : اقبض ، ونحوه ، سواء تم القبض في مجلس العقد، أم بعده . (١) البدائع: ١٣٨/٦، بداية المجتهد: ٢٦٩/٢، مغني المحتاج: ١٢٨/٢، المغني: ٢٣٢/٤، المهذب: ٣٠٥/١ وما بعدها . - ٢١٠ - والإذن دلالة أو ضمناً : أن يقبض المرتهن المال المرهون في مجلس العقد، والراهن ساكت، لا يعترض، فيصح قبضه ؛ لأن الإيجاب بالرهن يدل على إرادة ترتب الأثر على العقد، ولا يترتب إلا بالقبض، فكان الإيجاب إذناً بالقبض ضمناً، في مجلس العقد ، لابعده، إذ قد يتغير رأيه بعد انتهاء المجلس وقياس قول زفر في الهبة : أنه لابد من الإذن بالقبض صراحة ، ولا يجوز القبض بعد الافتراق من مجلس عقد الرهن ؛ لأن القبض ركن في نظره . ثانياً - أن يكون كل من عاقدي الرهن حين القبض أهلاً للعقد : بأن يكون عاقلاً بالغاً، غير محجور عليه لصغر، أو مجنون أو سفه، أو فلس عند مجيزي الإفلاس ؛ لأن القبض هو المولد لآثار الرهن ، فوجب فيه ما يجب للعقد. وهذا محل اتفاق بين أئمة المذاهب الأربعة( فإن جن أحد العاقدين بعد العقد ، وقبل القبض ، أوعته، أومات ، بطل العقد عند الحنفية لزوال أهلية العاقد قبل تمام العقد . وقال الشافعية في الأصح والحنابلة : لا يبطل الرهن ، كالبيع الذي فيه الخيار، ويقوم ولي المجنون أو المعتوه مقامه، كما يقوم الوارث مقام الميت المورث، وكذلك يقوم القيم على السفيه مقامه لو حجر عليه لسفه، أما إن حجر عليه لفلس لم يكن له تسليم الرهن . وإن أغمي عليه ، لم يكن للمرتهن قبض الرهن . وقال المالكية : يبطل الرهن بموت الراهن أو جنونه أو إفلاسه، أو مرضه المتصل بموته قبل القبض. ولا يبطل بموت المرتهن ، أو تفليسه، أو الحجر عليه للجنون ؛ لأن العقد تم بالقول، وفي إمضائه منفعة ظاهرة للمرتهن، فيقوم وارثه مقامه في القبض . (١) البدائع: ١٣٥/٦، ١٤١، بداية المجتهد: ٢٦٨/٢، ٢٧١، مغني المحتاج: ١٢٢/٢، ١٢٩، المغني: ٣٢٨/٤ وما بعدها ، الشرح الصغير: ٢١٦/٣، كشاف القناع: ٣١٩/٣، الشرح الكبير للدردير، ٢٤١/٣، المهذب : ٣٠٧/١ - ٢١١ - وإذا مرض الراهن مرض الموت قبل القبض ، لم يجزله عند الحنفية إقباض أو تسليم المرهون ، إذا كان ماله مستغرقاً بالدين ، وله غرماء آخرون ، إذ ليس له أن يوفي بعض الغرماء ديونهم دون بعض ، لتعلق حقوقهم جميعاً حينئذ بماله، إلا إذا رضي سائر الغرماء . وهذا موافق لرأي المالكية أيضاً كما بينا . وقال الشافعية في الأصح، والحنابلة في قول : للمريض أن يخص بعض غرمائه بالوفاء، ولو أحاط الدين بماله؛ لأنه يؤدي ما وجب عليه ، فله إقباض الرهن . وقيل في المذهبين : ليس له تسليم الرهن . ثالثاً - استدامة قبض الرهن : يشترط لصحة القبض عند الحنفية والمالكية والحنابلة(١) دوام القبض، فإن قبض الرهن ، ثم رده المرتهن باختياره إلى الراهن أو عاد إليه بإعارة أو ايداع أو إجارة أو استخدام أو ركوب دابة أو سيارة ، بطل الرهن عند المالكية والحنفية، وزال لزوم الرهن وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض عند الحنابلة، فإن عاد الراهن فرده إلى المرتهن، عاد اللزوم عند الحنابلة بحكم العقد السابق . وعند الحنفية والمالكية : لا يعود الرهن إلا بعقد جديد . ودليلهم عموم قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة ﴾ الذي يفهم منه اشتراط وجود القبض واستدامته . وقال الشافعية(٢) : ليس استدامة القبض فيما يمكن الانتفاع به مع بقائه من شروط صحة القبض ، فلا يمنع القبض إعارة المرهون المراهن ، أو أخذ الراهن المرهون بإذن المرتهن ، واستعماله للركوب والسكنى والاستخدام، ويبقى وثيقة بالدين ، لخبر البدائع : ١٤٢/٦، بداية المجتهد: ٢٧١/٢ وما بعدها ، الشرح الكبير للدردير والدسوقي : ٢٤١/٣ وما بعدها ، (١) ٢٤٣، القوانين الفقهية: ص ٣٢٤ ، المغني : ٣٣١/٤ (٢) المهذب: ٣١١/١، مغني المحتاج: ١٣٠/٢، ١٣١، ١٣٢ - ٢١٢ - الدارقطني والحاكم: ((الرهن مركوب ومحلوب)) وخبر البخاري ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً)»، ولأن الرهن عقد يعتبر القبض في ابتدائه، فلم يشترط استدامته كالهبة . وأما إذا كان المرهون مما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، لم يكن للراهن طلب استرداده للانتفاع به بعد قبضه، ووجب استمرار يد المرتهن عليه؛ إذ لاضمان لحقه إلا بذلك ، حتى لا يتعرض حقه للضياع والتلف . القبض السابق للرهن ، أو رهن ما في يد المرتهن : إذا كان المرهون موجوداً في يد المرتهن بطريق الإعارة أو الايداع أو الإجارة أو الغصب، فهل يكتفى بالقبض السابق على عقد الرهن عن قبض الرهن بعده، فيصح العقد ويلزم بمجرد الإيجاب والقبول، أم يلزم تجديد القبض المطلوب للرهن بعد العقد مرة أخرى ؟ فيه رأيان : رأي الجمهور ورأي الشافعية : تعالي ١ - قول الجمهور: يرى الحنفية والمالكية والحنابلة (١): أنه يكتفى بالقبض السابق عن قبض الرهن ، ولا حاجة لتجديد القبض . أما الحنفية فقرروا بالمناسبة مبدءاً ينطبق على الهبة والرهن ونحوهما . فقالوا: إن المرهون إذا كان مقبوضاً عند العقد ، فينوب عن قبض الرهن إذا تجانس القبضان ، بأن كان كل منهما مماثلاً للآخر في قوته، وإذا اختلفا ناب الأعلى عن الأدنى. وتوضيحه أن القبض كما بينا في الهبة نوعان : قبض أمانة ، وقبض ضمان . فقبض (١) البدائع: ١٤٢/٦، ١٢٦/٥ وما بعدها، الشرح الكبير للدردير: ٢٣٦/٣، المغني: ٣٣٤/٤ ، الشرح الصغير: ٣٠٩/٣، بداية المجتهد : ٢٦٩/٢ . - ٢١٣ - الأمانة كقبض الوديعة. وقبض الضمان كقبض الغصب ، والثاني أقوى من الأول . فإذا تجانس القبضان : السابق واللاحق المطلوب، أي أنها كانا من نوع واحد، بأن كان كلاهما قبض أمانة أو قبض ضمان ، قام القبض الأول مقام القبض الثاني المطلوب . وقبض الرهن قبض أمانة (١)، وليس هناك حالة يكون فيها القبض أدنى من قبض الرهن . فلو كان المال موجوداً بيد الدائن سابقاً على سبيل الإيداع أو الإعارة أو الإجارة ثم رهنه الراهن لدى الدائن ، لزم الرهن ، دون حاجة لتجديد قبض آخر؛ لأن قبض الوديعة ونحوه وقبض الرهن متجانسان ، فكل منهما قبض أمانة ، فينوب أحدهما مناب الآخر. ولو كان المال موجوداً بيد الدائن سابقاً بطريق الغصب ، فرهنه صاحبه لدى الغاصب بسبب علاقة دين من بيع أو قرض ، ناب قبض الغصب ؛ لأنه قبض ضمان أقوى ، عن قبض الرهن ؛ لأنه قبض أمانة أدنى، والأعلى ينوب مناب الأدنى، أو الأقوى ينوب مناب الأضعف . وأما المالكية : فينوب عندهم أيضاً أي قبض سابق عن قبض الرهن ؛ لأن غرضهم من القبض هو الحيازة، وهي متحققة. وقد نصوا على أنه يجوز رهن العين المستأجرة عند مستأجرها قبل انتهاء مدة الإجارة ، ورهن البستان عند العامل فيه بعقد المساقاة، ويكفي حوزها السابق بالإجارة والمساقاة . وأما الحنابلة فقالوا أيضاً: إذا ارتهن المرتهن ما في يده بطريق الإعارة أو (١) أما أن الدين يسقط كله أو بعضه بهلاك المرهون فلمعنى آخر : هو أن مالية المرهون تعتبر محبوسة لدى الدائن ضماناً لحقه ووفاء له من وجه ، بوضع يده على قيمة المرهون أو على بعضها ، فإذا هلك امتنع رد مالية المرهون إلى مالكه ، فيتقرر بذلك استيفاء دينه من المرهون ، فيسقط من الدين بقدر مالية المرهون . وعليه فإن ما يزيد من الرهن على الدين يهلك هلاك الأمانات ، لأنه ليس محبوساً على وجه الاستيفاء . - ٢١٤ - الايداع أو الغصب ونحوه، صح الرهن، ولزم بالإيجاب والقبول، من غير حاجة إلى أمر زائد عليهما ، لثبوت يده حينئذ على المال المرهون ، ولم يشترط القبض إلا لإثبات اليد . ٢ - وقال الشافعية والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (١): يكفي القبض السابق، لكن لا يصير الشيء رهناً مقبوضاً حتى تمضي مدة يتأتى فيها قبضه فيها. فإن كان منقولاً ، فبمضي مدة يمكن نقله فيها ، وإن كان مكيلاً فبضي مدة يمكن اكتياله فيها ، وإن كان غير منقول فيمضي مدة التخلية. وإن كان غائباً عن المرتهن ، لم يصر مقبوضاً حتى يوافيه هو أو وكيله، ثم تمضي مدة يمكن قبضه فيها؛ لأن العقد يفتقر إلى القبض ، والقبض إنما يحصل بفعله أو پامكانه، وهو لا يكون إلا في زمن . والجمهور يقولون : إذا كانت يد المرتهن على المال المرهون قبل رهنه ید ضمان ، فإنها تنقلب يد أمانة بارتهانه ؛ لأن السبب المقتضي للضمان قد زال بالارتهان ، فيزول أثره وهو الضمان بزوال سببه، بدليل أن الضمان يزول برد المال إلى مالكه لزوال السبب المقتضي للضمان ، وسبب الضمان هو الغصب أو الاستعارة، وبارتهان المال لم يبق المرتهن غاصباً ولا مستعيراً، فلا يبقى الحكم مع زوال سببه . وقال الشافعية: تظل اليد السابقة إذا كانت يد ضمان كما هي. فإذا كان المال المرهون في يد المرتهن بطريق اغتصابه أو إعارته، لا يبرئه ارتهانه عن الغصب (٣)، أو الإعارة، لأنه لا منافاة بين الأمرين ، فلا منافاة بين يد الغرض منها التوثق وهي يد المرتهن - يد الأمانة، وبين اعتبارها ضامنة، بدليل أن المرتهن لو تعدى على (١) المهذب: ٣٠٦/١ ، المغني: ٣٣٤/٤ ، مغني المحتاج : ١٢٨/٢. وإذا كان الارتهان لا يبرئ الغاصب من الغصب ، فلو أبرأ المالك غاصباً من ضمان المغصوب الباقي ، لم يبرأ ، (٢) لأن الأعيان لا يبرأ منها ، إذ الإبراء إسقاط ما في الذمة أو تمليكه ، وكذا لو أبرأه عن ضمان ما يثبت في ذمته بعد تلفه ، لأنه إبراء عما لم يجب . وكذلك لو أجره المغصوب ، أو ضاربه به ، أو وكله في التصرف فيه ، لم يبرأ ، كالارتهان . - ٢١٥ - المرهون ، ضمنه، مع بقاء الرهن ، بدليل اختصاصه بضمانه دون باقي الغرماء. وإذا كان عقد الرهن لا يبطل أو لا يرتفع بالضمان ، بل يبقى معه، فلا يرفع الضمان الرهن ابتداء من طريق أولى . لكن إيداع الشيء عند الغاصب برئه عن الغصب في الأصح ؛ لأن الايداع ائتمان، وهو ينافي الضمان ، بدليل أنه لو تعدى في الوديعة لم يبق أميناً ، بخلاف الرهن . من يتولى قبض الرهن : يتولى قبض الرهن المرتهن أو وكيله. ولا يصح أن يكون وكيله هو الراهن ؛ لأن المقصود من القبض تأمين المرتهن ، ولا يتم القبض مع بقاء الرهن في يد الراهن . ويجوز أن يتفق الراهن والمرتهن على أن يوضع الرهن عند شخص يختارانه، فيقبضه ويحفظه عنده، ويسمى بالعدل ، لأن الراهن قد يكره وضعه عند المرتهن ، والمرتهن قد يكره وضعه عنده، خوف الضمان إذا تلف، أو لسبب آخر(١). العدل - تعيينه، عزله ، ما له وما عليه أو أحكامه. تعيين العدل : العدل : هو الذي يثق الراهن والمرتهن بكون الرهن في يده(٢)، لحفظه وحيازته. ويعتبر نائباً عن الراهن والمرتهن جميعاً. أما الراهن فلقيامه على حفظ المرهون باختيار الراهن وثقته به واطمئنانه إلى أمانته. وأما المرتهن فيعد العدل وكيلاً عنه في القبض، برضا المرتهن ، بل إنه يعد احتباسه للرهن استيفاء للدين من وجه . فللعدل أو الأمين صفتان : صفة الأمانة ، باعتباره نائباً عن الراهن المالك ، فهو (١) الشرح الصغير : ٣٢١/٣ . حاشية الشلبي على تبيين الحقائق : ٨٠/٦ . (٢) - ٢١٦ - وديعة في عين المرهون . وصفة الضمان ، باعتباره نائباً عن المرتهن ، فهو وديعة في مالية المرهون . وبما أن العدل وكيل عن الراهن والمرتهن، فيشترط فيه ما يشترط في الوكيل(١)، فلا يكون صغيراً غير مميز، ولا محجوراً عليه لجنون أوعته عند جميع الفقهاء، كما لا يكون صبياً مميزاً ولا محجوراً عليه لسفه عند الجمهور غير الحنفية. ولا يصلح المدين المكفول عنه أن يكون عدلاً في رهن يقدمه كفيله ؛ لأنه يكون عاملاً لنفسه، والشريك لا يصلح عدلاً في رهن يقدمه شريكه، ورب المال في المضاربة لا يصلح أن يكون عدلاً في رهن يقدمه المضارب في دين للمضاربة؛ لأن يده كيد المضارب . ولو اتفق عاقدا الرهن على أن يكون العدل هو الراهن : فإن كان الاتفاق قبل قبض المرتهن ، لم يصح الرهن اتفاقاً لوجود شرط فاسد لحق العقد . وإن كان الاتفاق بعد قبض المرتهن الرهن ، فهو جائز عند الشافعية(٢)، إذ لا يشترط عندهم استدامة قبض الرهن لدى المرتهن ، ولا يصح الرهن عند غير الشافعية . ويحصل تعيين العدل باتفاق الراهن والمرتهن ، سواء قبل أن يقبضه المرتهن ، أو بعد قبض المرتهن ، إذ قد تدعو الحاجة إليه، كأن يأبى الراهن أن يكون الرهن في يد الدائن ؛ لأنه لا يثق به، أو لا يطمئن إلى حفظه، أو يخشى عليه منه، وهو في حاجة إليه . وإذا قبض العدل الرهن ، صح قبضه، ولزم الرهن به عند جمهور الفقهاء ؛ لأنه قبض في عقد، فجاز فيه التوكيل، كسائر أنواع القبض، وكان العدل وكيلاً عن البدائع: ١٥٠/٦، المغني: ٣٥١/٤، مغني المحتاج: ١٣٢/٢. (١) (٢) مغني المحتاج : ١٣٣/٢ وما بعدها . - ٢١٧ - المرتهن في القبض ، بالنسبة لمالية الرهن بصفة الضمان ، وإن كان وكيلاً أيضاً عن الراهن بالنسبة لعين الرهن ، بصفة الأمانة ، ويد الضمان غير يد الأمانة . وقال بعضهم كابن أبي ليلى وزفر وقتادة: لا يصح قبض العدل ؛ لأن القبض من تمام العقد، فوجب أن يقوم به أحد العاقدين ، وهو المرتهن، كالقبول والإيجاب(١). ويجوز لعاقدي الرهن أن يجعلا المرهون في يد عدلين، فيحفظانه معاً، ولا ينفرد أحدهما بحفظه، وإن سلمه أحدهما إلى الآخر، كان ضامناً لنصفه: وهو القدر الذي تعدى فيه، وهذا عند الحنابلة، والأصح عند الشافعية(٢)؛ لأن المتراهنين لم يرضيا إلا بحفظهما ، فلم يجز لأحدهما الانفراد بالحفظ ، ويجعلانه في مخزن لكل واحد منهما مفتاح . وقال أبو حنيفة : إن كان مما ينقسم اقتسماه، وإلا فلكل واحد منهما إمساك جميعه ؛ لأن اجتماعهما على حفظه يشق عليهما . وقال الصاحبان : إذا رضي أحدهما بإمساك الآخر، جاز. عزل العدل : ينعزل العدل في الأحوال التالية(٢) اً - الاستقالة: إذا استقال العدل، ورد الرهن إلى العاقدين، انتهت وكالته، لأنه أمين متطوع بالحفظ . فلا يلزمه الاستمرار عليه. فإن امتنعا رفع أمره إلى القاضي ، فأجبرهما على قبول استقالته ، أو دفعه إلى عدل آخر. ٢ - إنهاء ولايته: إذا اتفق العاقدان على عزل العدل، أو تغييره، أو أن يكون المغني: ٣٥١/٤ ، مغني المحتاج: ١٣٣/٢، المهذب: ٣١٠/١، تكملة الفتح: ٢٢٠/٨، تبيين الحقائق: ٨٠/٦ ، (١) الدر المختار : ٣٥٧/٥، الشرح الصغير: ٣٢١/٣. (٢) المغني: ٣٥٢/٤، مغني المحتاج: ١٣٤/٢، المهذب: ٣١٠/١. (٣) البدائع: ١٥١/٦، المغني: ٣٥٣/٤ وما بعدها، ومغني المحتاج: ١٣٤/٢ وما بعدها، المهذب: ٣٠٧/١. - ٢١٨ - م ۔ بيد المرتهن ، انعزل العدل؛ لأنه وكيل عنهما جميعاً. فإن لم يتفقا رفع الأمر إلى القاضي ليرى رأيه، فإن شاء غيره، وإن شاء أبقاه . ٣ - بيع الرهن وتسديد دین المرتهن من ثمنه . ٤ - موت الراهن، لا موت المرتهن، في ظاهر الرواية عند الحنفية، فإذا توفي الراهن ، وكان تعيين العدل متأخراً عن عقد الراهن ، انعزل العدل ؛ لأنه في هذه الحالة وكيل، وتنتهي الوكالة بموت الموكل. أما إذا مات المرتهن فلورثته عند الحنفية إمساك الرهن ؛ لأن الدين قد انتقل إليهم بوثيقته ، فينتقل إليهم حق إمساكه . أما إذا كان تعيين العدل في عقد الرهن ، فلا ينعزل بموت الراهن ، ولا بموت المرتهن ؛ لأن تعيين العدل تابع للرهن ، والرهن لا يبطل بموت أحد العاقدين ، فلا ينعزل العدل الذي هو تابع. وقال الحنابلة والشافعية(١): ينعزل العدل بموت الراهن ؛ لأنه وكيله، ولا ينعزل بموت المرتهن ؛ لأنه ليس وكيلاً له . ٥ - موت العدل: إذا توفي العدل لم يكن لورثته حق إمساك الرهن إلا إذا اتفق العاقدان على ذلك . ٦ً - جنون العدل : إذا جن العدل جنوناً لا ينتظر برؤه منه، انعزل به . أما إذا کان یرجی شفاؤه منه فلا ینعزل به . لاً - عزل الراهن العدل: ينعزل العدل عند الشافعية والحنابلة(٢) بعزل الراهن له ، سواء اشترط تعيينه في عقد الرهن ، أم بعده لأنه وكيله. ولا ينعزل عندهم بعزل المرتهن ؛ لأنه ليس وكيلاً له، كما هو الحكم في موت الراهن . وقال الحنفية(٢): إذا كان تعيين العدل عقب الرهن ، فللراهن عزله، ولا ينعزل المغني : ٣٥٤/٤ . (١) (٢) المغني : ٣٥٣/٤. البدائع : ١٥١/٦ . (٣) ١ - ٢١٩ - فيما إذا كان التعيين في نفس عقد الرهن . وقال مالك : لا ينعزل العدل بعزل الراهن ؛ لأن وكالته صارت من حقوق الرهن ، فلم يكن للراهن إسقاطه كسائر حقوقه . والخلاصة : أن موت الراهن وعزله العدل، ينعزل به العدل عند الشافعية والحنابلة ؛ لأن الوكالة عقد جائز غير لازم ، فلا يجبر الراهن على إبقائها . وقال الحنفية : ينعزل في تعيين متأخر عن الرهن ، ولا ينعزل في تعيين مقترن بالرهن . وقال المالكية : لا ينعزل. واتفقوا على أن العدل لا ينعزل بعزل المرتهن له ولا بموته؛ لأنه وكيل الراهن ، إذ الرهن ملكه، ولو انفرد بتوكيله صح، فلم ينعزل بعزل غيره . أحكام العدل أو ما له وما عليه : للعدل حقوق وواجبات هي ما يأتي () اً - يجب على العدل أن يحفظ الرهن، كما يحفظ ماله. فيحفظه بنفسه أو بواسطة من يحفظ ماله عنده ؛ لأنه في الحفظ بحكم الوديع . اً - وعليه أن يبقيه تحت يده، فليس له أن يدفعه إلى الراهن أو إلى المرتهن إلا يإذن الآخر، لاتفاقهما على وضع الرهن تحت يده، وعدم رضا كل منهما عن حفظ الآخر له. وليس للمرتهن ولا للراهن أخذ الرهن من يد العدل؛ لأن لكل منهما حقاً في الرهن ، فحق الراهن في الحفظ، وحق المرتهن في الاستيفاء، ولا يملك أحدهما إبطال حق الآخر. البدائع: ١٤٨/٦ وما بعدها ، تبيين الحقائق: ٨٠/٦ وما بعدها ، تكملة الفتح : ٢٢١/٨ وما بعدها ، الدر (١) المختار: ٣٥٨/٥ وما بعدها، اللباب : ٥٧/٢، الشرح الصغير: ٣٢١/٣ ، مغني المحتاج: ١٣٤/٢ وما بعدها ، المغني : ٣٥٣/٤ وما بعدها . - ٢٢٠ -