النص المفهرس
صفحات 181-200
وعرفه المالكية (١): بأنه شيء متوَّل يؤخذ من مالكه، توثقاً به، في دين لازم، أو صار إلى اللزوم، أي أنه تعاقد على أخذ شيء من الأموال عيناً كالعقار والحيوان والعروض (السلع)، أو منفعة، على أن تكون المنفعة معينة بزمن أو عمل ، وعلى أن تحسب من الدَّين . ولا بد من أن يكون الدين لازماً كثمن مبيع ، أو بدل قرض ، أو قيمة متلف، أو صائراً إلى اللزوم، كأخذ رهن من صانع أو مستعير، خوفاً من ادعاء ضياع ، فيكون الرهن في القيمة على ما يلزم. وليس المراد من الأخذ عند المالكية : التسليم الفعلي ؛ لأن التسليم بالفعل ليس شرطاً عندهم في انعقاد الرهن ، ولا في صحته، ولا في لزومه ، بل ينعقد ويصح ويلزم بالصيغة أي بمجرد الإيجاب والقبول، ثم يطلب المرتهن أخذه. صفة الرهن العامة : والرهن عقد من عقود التبرع؛ لأن ما أعطاه الراهن للمرتهن". مقابل بشيء (٢)، وهو من العقود العينية : وهي التي لا تعتبر تامة الالتزام إلا إذا حصل تسليم العين المعقود عليها، وهذه العقود خمسة : الهبة، والإعارة، والإيداع، والقرض ، والرهن . والسبب في اشتراط القبض لتمامها: هو أنها تبرع، والقاعدة تقول: ((لا يتم التبرع إلا بالقبض) فيعتبر العقد فيها عديم الأثر قبل 5 القبض ، والتنفيذ هو المولد لآثار العقد . مشروعيته وحكمه : الرهن مشروع بالقرآن والسنة والإجماع. أما القرآن : فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ﴾. والرهن باتفاق الفقهاء جائز في الحضر والسفر، خلافاً لمجاهد والظاهرية(٣)، لإطلاق مشروعيته في السنة، وذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، لكون (١) الشرح الصغير: ٢٠٣/٣ وما بعدها ، ٣٢٥ . (٢) رد المحتار : ٣٤٠/٥ . المغني: ٣٢٧/٤، المهذب: ٢٠٥/١، البدائع: ١٣٥/٦، بداية المجتهد: ٢٧١/٢، القوانين الفقهية: ص٣٢٣، (٣) الإفصاح: ٢٣٨/١، كشاف القناع: ٣٠٧/٣ وما بعدها . - ١٨١ - الكاتب في الماضي غير متوافر في السفر غالباً ، ولا يشترط أيضاً عدم وجود الكاتب، لثبوت جوازه في السنة مطلقاً . فالآية أرادت إرشاد الناس إلى وثيقة ميسّرة لهم عند فقدان كاتب يكتب لهم الدين . وأما السنة: فروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ((أن رسول الله ◌َّ اشترى من بهودي طعاماً، ورهنه درعاً من حديد))(١) وعن أنس قال: ((رهن رسول الله م ◌ّ درعاً عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيراً لأهله))(٣). وعن أبي هريرة عن النبي ◌ُّ الا أنه كان يقول: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)»(٣). وعن أبي هريرة أيضاً أن النبي ◌ُّ الّ قال: ((لا يَغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غُرْمه)) (٤) وغلق الرهن: استحقاق المرتهن إياه، لعجز الراهن عن فكاكه، أي لا ينفك ملك الرهن عن صاحبه، ولا يستحقه المرتهن ، إذا لم يفتكه في الوقت المشروط . وفي هذا رد على ما كان في الجاهلية، من أن المرتهن كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب، فأبطله الشارع. والحكمة من تشريع الرهن توثيق الديون، فكما أن الكفالة توثق الدين شخصياً، يوثق الرهن الدين مالياً، تسهيلاً للقروض. والرهن يفيد الدائن بإعطائه حق الامتياز أو الأفضلية على سائر الدائنين الغرماء. وحكم الرهن شرعاً : أنه جائز غير واجب بالاتفاق ؛ لأنه وثيقة بالدين ، فلم انظر هذا الحديث وما يليه في نصب الراية: ٣١٩/٤ وما بعدها ، نيل الأوطار : ٢٣٣/٥ وما بعدها . (١) (٢) رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه . (٣) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي (نيل الأوطار : ٢٣٤/٥) . رواه الشافعي والدارقطني ، وقال : هذا اسناد حسن متصل . (٤) - ١٨٢ - يجب، كما لم تجب الكفالة. وقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ أمر إرشاد للمؤمنين، لا إيجاب عليهم، بدليل قوله تعالى عقبه: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾، ولأنه تعالى أمر به عند عدم وجود الكاتب، وبما أن الكتابة غير واجبة، بدليل: ﴿فإن أمن ... ﴾ فكذلك بدلها(١). ركن الرهن وعناصره : للرمن عناصر أربعة: هي الراهن، والمرتهن ، والمرهون، والمرهون به. فالراهن : معطي الرهن، والمرتهن : آخذه، والمرهون أو الرهن : ما أعطي من المال وثيقة للدين ، والمرهون به هو الدين . وركن الرهن عند الحنفية(٢): هو الإيجاب والقبول، من الراهن والمرتهن ، كسائر العقود ، ولكن لا يتم ولا يلزم إلا بالقبض أي التخلية أو النقل كأن يقول الراهن : رهنتك هذا الشيء بما لك علي من الدين ، أو هذا الشيء رهن بدينك، ونحوه. ويقول المرتهن : ارتهنت أو قبلت، أو رضيت ونحوه. ولا يشترط لفظ ((الرهن)) فلو اشترى شيئاً بدراهم ، وسلم إلى البائع شيئاً، وقال له: أمسكه، حتى أعطيك الثمن ، انعقد الرهن ؛ لأن العبرة في العقود للمعاني. وقال غير الحنفية (٢): للرهن أركان أربعة: صيغة، وعاقد، ومرهون، ومرهون به . وهكذا الخلاف في قضية الركن بين الحنفية وغيرهم في كل العقود، فالركن عند الجمهور أوسع منه عند الحنفية، فإن الركن عند الحنفية: ما كان جزءاً من شيء، (١) المغني : ٣٢٧/٤ ، كشاف القناع: ٣٠٧/٣ . البدائع: ١٣٥/٦، الدر المختار: ٣٤٠/٥، تكملة الفتح: ١٨٩/٨ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٦٣/٦ ، اللباب (٢) شرح الكتاب : ٥٤/٢ . الشرح الصغير: ٢٠٤/٣ وما بعدها، مغني المحتاج: ١٢١/٢، كشاف القناع: ٣٠٧/٣ وما بعدها . (٣) - ١٨٣ - وتوقف وجوده عليه ؛ لأن من الأجزاء ما يتوقف عليها الوجود، ومنها ما لا يتوقف عليها الوجود . أما الركن عند الجمهور: فهو ما توقف عليه وجود الشيء، ولا يمكن تصوره إلا به ، سواء أكان جزءاً منه، أم لا. فالعاقد ركن، إذ لا يتصور عقد بدون عاقد، وإن لم يكن جزءاً من العقد ، أما العاقد عند الحنفية، فيعد من شروط العقد . أحوال الرهن : للرهن المتفق عليه أحوال ثلاثة (١): الأولى - أن يقع مع العقد المنشئ للدين : كأن يشترط البائع على المشتري بثمن مؤجل إلى المستقبل في مدة معينة تسليم رهن بالثمن . وهذا صحيح باتفاق المذاهب، لأن الحاجة داعية إليه . الثانية - أن يقع بعد الحق أو نشوء الدين : وهو صحيح أيضاً بالاتفاق ؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به كالضمان (الكفالة). وآية ﴿فرهان مقبوضة ﴾ تشير إليه ؛ لأن الرهن بدل عن الكتابة، والكتابة بعد وجوب الحق . الثالثة - أن يقع قبل نشوء الحق : مثل : رهنتك متاعي هذا بمئة تقرضنيها : يصح عند المالكية والحنفية ؛ لأنه وثيقة بحق ، فجاز عقدها قبل وجوبه، كالكفالة وهذا هو المعقول. ولا يصح عند الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب؛ لأن الوثيقة بالحق لا تلزم قبله ، كالشهادة ، ولأن الرهن تابع للحق ، فلا يسبقه . المبحث الثاني - شروط الرهن : للرهن شروط انعقاد ، وشروط صحة ، وشرط لزوم وهو القبض . المغني: ٤ /٣٢٧، مغني المحتاج: ١٢٧/٢، المهذب: ٣٠٥/١، كشاف القناع: ٣٠٨/٣، حاشية الدسوقي على (١) الدردير: ٢٤٥/٣. - ١٨٤ - المطلب الأول - شروط العاقدين : يشترط في عاقدي الرهن (الراهن والمرتهن) ما يأتي(١): الأهلية : الأهلية عند الحنفية : هي أهلية البيع، فكل من يصح بيعه يصح رهنه ؛ لأن الرهن تصرف مالي كالبيع ، فوجب أن يراعى في عاقديه ما يراعى في عاقدي البيع. فيشترط في عاقدي الرهن : العقل أو التمييز، فلا يجوز الرهن والارتهان من المجنون والصبي غير المميز أو الذي لا يعقل. ولا يشترط البلوغ، فيجوز الرهن من الصبي المأذون في التجارة ؛ لأن ذلك من توابع التجارة . ويصح رهن الصبي المميز والسفيه، موقوفاً على إجازة وليه . والأهلية عند غير الحنفية تتمثل في أهلية البيع والتبرع، فيصح الرهن ممن يصح بيعه وتبرعه ؛ لأن الرهن تبرع غير واجب ، فلا يصح من مستكره، ولا من صبي غير بالغ، ولا مجنون ، ولا سفيه، ولا مفلس، ولا يصح من ولي أباً أو جداً أو وصي أو حاكم إلا لضرورة أو مصلحة ظاهرة للقاصر، مثال الضرورة: أن يرهن على ما يقترض لحاجة المؤنة (القوت)، ليوفي مما ينتظر من غلة، أو حلول دين ، أو رواج متاع كاسد (بائر)، أو أن يرتهن على ما يقرضه أو يبيعه مؤجلاً لضرورة نهب أو نحوه . ومثال المصلحة (أو الغبطة) الظاهرة للقاصر: أن يرهن ما يساوي مئة على ثمن ما اشتراه بمئة نسيئة مؤجلة، وهو يساوي مئتين حالّتين. وأن يرتهن على ثمن ما يبيعه نسيئة بمصلحة ظاهرة . وإذا رهن الولي أو الوصي : فلا يرهن إلا من أمين غير خائن ، موسر، وأن يشهد على الرهن ، وأن يكون الأجل قصيراً عرفاً . فإن فقد شرط من هذه الشروط ، لم يجز (١) البدائع: ١٣٥/٦، بداية المجتهد: ٢٦٨/٢، حاشية الشرقاوي: ١٢٣/٢، كشاف القناع: ٣٠٩/٣، الشرح الكبير للدردير: ٢٦٤/٣ وما بعدها ، ٢٩٢ . - ١٨٥ - الرهن(١). ولا يصح للولي أو الوصي أن يرهن مال موليه لدين عليهما لأجنبي، إذ ليس فيه مصلحة المولى علیه . وعبر الحنابلة عن هذا الحكم بشرطين: أن يكون عند ثقة، وأن يكون للقاصر فيه حظ أي حاجة إلى نفقة أو كسوة أو إصلاح عقاره المتهدم أو رعاية بهائمه(٢). وللأب أن يرهن من نفسه لولده، ولنفسه من ولده، والجد كالأب عند الشافعية لوفور شفقتهما . رهن الولي والوصي مال الصغير عند الحنفية : هنا أمور ثلاثة : رهن مال الصغير بدين للصغير، أو بدين للولي، وموقف الصغير من الرهن بعد البلوغ(8، وقد عرفنا قبله مباشرة حكم رهن مال القاصر عند غير الحنفية . ١ - رهن مال الصغير أو المجنون بدين لهما : للولي أو الوصي أو القيم أن يرهن مال القاصر (صبي أو مجنون ونحوهما) لدين للقاصر استدين من أجل كسوته وطعامه، أو بسبب الاتجار في ماله ؛ لأن الاستدانة جائزة للحاجة ، والتجارة تثمير لمال القاصر، والرهن إيفاء للحق، فيجوز. وإذا كان الأب أو الجد هو الدائن للقاصر أو كان كل من الدائن والمدين تحت ولا يته، جاز له أن يتولى طرفي العقد، فيكون راهناً بالنيابة عن موليه، ومرتهناً بالنسبة إلى نفسه، في الحالة الأولى. وراهناً عن أحد مولييه، ومرتهناً بالنسبة إلى الآخر، في الحالة الثانية ، لأنه لوفور شفقته، نزل منزلة شخصين، وقامت عبارته مقام عبارتين ، كما في بيعه مال القاصر لنفسه . حاشية الشرقاوي: ١٢٣/٢، مغني المحتاج: ٠١٢٢/٢ (١) (٢) المغني: ٣٥٩/٤، كشاف القناع: ٣١٩/٣. تبيين الحقائق: ٧٢/٦ وما بعدها، تكملة الفتح: ٢٠٩/٨ وما بعدها، الدر المختار: ٣٥٢/٥، ٣٦٤. (٣) - ١٨٦ - ولا يجوز ذلك للحاكم، ولا للوصي، لقصور شفقتهما بالنسبة للأب ، ولأن كليهما وكيل محض ، والأصل أن الشخص الواحد لا يتولى طرفي العقد ، سواء في البيع أو الرهن ونحوهما . ٢ - رهن مال القاصر بدين للولي: الاستحسان عند أبي حنيفة ومحمد: يقتضي أن يجوز للأب أو الجد أو الوصي أن يرهن مال موليه بدين نفسه عد دائنه؛ لأن للولي أو الوصي إيداع مال موليه، والرهن أولى من الإيداع؛ لأن الوديع أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، والمرتهن یضمن الرهن إن هلك ، ولو بلا تعدٍ ولا تقصير. والقياس وهو رأي أبي يوسف وزفر : ألا يجوز للولي أو الوصي رهن مال القاصر بدين لهما؛ لأنها لا يملكان إيفاء دينهما بأموال موليهما ، وفي إقدامهما على رهن مال موليهما إيفاء لدينهما حكماً، فيمنع، كالإيفاء حقيقة . وإذا جاز الرهن عملاً بمقتضى الاستحسان، ثم هلك عند الدائن ، يضمن الولي للمولى عليه الأقل من قيمة الرهن ومن الدين، دون زيادة عليه، أما الوصي فيضمن قيمة الرهن في جميع الأحوال ؛ لأن للأب أو الجد أن ينتفع بمال الصغير، وليس للوصي الحق في الانتفاع . وللولي أباً أو جداً رهن ماله بدين عليه للصغير عند ولده الصغير، ويحبسه الولي لأجل الصغير، ولا يجوز هذا الرهن للوصي. كما يجوز للولي عكس المذكور: وهو أن يرهن عنده مال الصغير بدين عليه؛ لأنه لوفور شفقته جعل كشخصين، وتقوم عبارته مقام عبارتين أي عبارتي الإيجاب والقبول، كشرائه مال طفله. ولا يجوز هذا الرهن للوصي، لأنه وكيل محض ، فلا يتولى طرفي العقد في رهن ولا بيع ونحوهما مما يتطلب وجود عاقدين في عقود ذات حقوق متباينة . - ١٨٧ - ٣ - موقف الصغير من الرهن بعد البلوغ : إذا بلغ الصغير أو زال عارض الحجر، فوجد مالاً له مرهوناً ، فليس له إبطال الرهن ، أو استرداده حتى يقضى الدين ؛ لأن تصرف الولي بالرهن وقع نافذاً لازماً، وصدر ممن له ولاية إصداره، سواء أكان الرهن بدين على الصغير، أم بدين على الولي نفسه، أم بدين عليهما معاً . فإن قضي الدين عن الولي نفسه من مال الصغير المرهون أو هلك المرهون قبل أن يفتكه الراهن، كان للصغير بعد بلوغه حق الرجوع طبعاً في مال الولي، والمطالبة بتسديد حقه ؛ لأنه مضطر إلى إحياء ملكه، والمحافظة على حقوقه سواء أكان الولي حياً أم ميتاً، ويكون في هذه الحالة مثل من أعار متاعه لآخر، ليرهنه المستعير بدين عليه لشخص ثالث، فللمعير أن يفتك - عند الضرورة - رهنه، بدفع دين المستعير، ويرجع بما أوفى من الدين على المستعير. تعدد أطراف الرهن : قد يتعدد الراهن أو المرتهن ، كما لو رهن رجلان يدين عليهما رهناً عند آخر، أو يرهن رجل شيئاً بدين عليه عند رجلين، يصح الرهن في الحالتين لعدم الشيوع المانع من صحة الرهن عند الحنفية (١)؛ لأنه في حالة تعدد الراهن يحصل قبض المرهون من المرتهن بدون إشاعة ، فصار كرهن الواحد من الواحد، وفي حالة تعدد المرتهن أضيف الرهن إلى جميع العين المرهونة بصفقة واحدة، ومقتضى الرهن (أو موجبه) حبس المرهون بالدين ، والحبس لا يتجزأ، فصار الرهن محبوساً بكل من المرتهنين . بخلاف هبة الواحد لاثنين لا تجوز عند أبي حنيفة ؛ لأن المقصود من الهبة هو التملك، والشيء الواحد الموهوب لا يتصور كونه ملكاً لكل من الموهوب لهما على تبيين الحقائق : ٧٨/٦ وما بعدها ، الدر المختار ورد المختار: ٢٥٤/٥ وما بعدها، تكملة الفتح: ٢١٨/٨ وما (١) بعدها ، اللباب : ٦٣/٢ وما بعدها. - ١٨٨ - سبيل الكمال والاستقلال ، فلا بد من قسمة الموهوب ليتصور تملك الموهوب له للموهوب . وأحكام الحالتين كما يأتي : أ- في حالة تعدد الراهنين : يصح الرهن بكل الدين ، وللمرتهن حبس المرهون حتى يستوفي كل الدين من الراهنين. فإذا أدى أحد الراهنين ما عليه من الدين ، لم يكن له أن يقبض شيئاً من الرهن ؛ لأن فيه تفريق الصفقة على المرتهن في الإمساك . ب - في حالة تعدد المرتهنين: يعتبر المرهون كله أيضاً رهناً محبوساً عند كل واحد منهما بدينه، لحمل الراهن على وفاء الدين ، مادام الرهن قائماً . فإن قضى الراهن أحد المرتهنين دينه، كانت العين المرهونة كلها رهناً في يد الآخر، حتى يستوفي دينه؛ لأن العين كلها رهن في يد كل منهما بلا تفرق أو تجزئة . وكيفية حبس المرهون عند المرتهنين : هو أنه إذا كان المرهون مما يقبل التجزؤ، فعلى كل واحد من المرتهنين حبس النصف ، فلو سلم أحدهما كل المرهون للآخر، ضمنه عند أبي حنيفة، خلافاً للصاحبين. وأما إذا كان المرهون مما لا يتجزأ، فيحبسه المرتهنان على طريق المهايأة(١)، فإن تهاياً، كان كل واحد منهما في نَوْبته كالعَدْل في حق الآخر. وإذا هلك المرهون ، صار كل واحد من المرتهنين مستوفياً حصة دينه من المرهون؛ لأن الاستيفاء يتجزأ. وفي حالة الهلاك هذه لو قضى الراهن دين أحدهما، استرد ما قضاه من الدين ؛ لأن ارتهان كل منهما باق، حتى يعود الرهن إلى الراهن ؛ لأن كل مرتهن كالعدل بالنسبة للمرتهن الآخر في حالة عدم قابلية تجزئة المرهون . (١) المهايأة : أن يتفق الاثنان على أن يأخذ كل واحد منهما المرهون عنده مدة معلومة . - ١٨٩ - المطلب الثاني - شروط الصيغة : اشترط الحنفية(١) في صيغة الرهن ألا يكون معلقاً بشرط ، ولا مضافاً إلى زمن مستقبل ؛ لأن عقد الرهن يشبه عقد البيع من ناحية كونه سبيلاً إلى إيفاء الدين واستيفائه، فلا يقبل التعليق بشرط ، والإضافة للمستقبل، وإذا علق الرهن أو أضيف، كان فاسداً كالبيع (٢). وإذا اقترن الرهن بالشرط الفاسد أو الباطل ، صح الرهن ، وبطل الشرط ؛ لأن الرهن ليس من عقود المعاوضات المالية. جاء في الزيادات والبزازية : والرهن لا يبطل بالشروط الفاسدة؛ لأنه تبرع بمنزلة الهبة، إذ لا يستوجب الراهن على المرتهن شيئاً ، بتمليكه حبس الرهن عنده . ولكن جاء في البدائع (٢): أن الرهن تبطله الشروط الفاسدة كالبيع، بخلاف الهبة . والأصح في تقديري هو رواية البرازية والزيادات؛ لأن الرهن ليس من المعاوضات، فيصح الرهن وإن سقط الدين بهلاكه، جاء في الهداية : الرهن عقد تبرع، لأنه لا يستوجب بمقابلته شيئاً على المرتهن(٤).5 والشرط المشروط في الرهن عند غير الحنفية إما صحيح أو فاسد، والفاسد إما مفسد للعقد، وإما لاغ باطل وحده والعقد صحيح، على تفصيل فيما يأتي . قال الشافعية(6): الشروط المشروطة في الرهن ثلاثة أنواع: (١) البدائع : ١٣٥/٦ (٢) الدر المختار: ٢٧٤/٥، ٣٥٧ ، قال في الدر : الأجل في الرهن يفسده . (٣) ١٤٠/٦ تكملة فتح القدير على شرح الهداية : ١٩٠/٨ (٤) مغني المحتاج: ١٢١/٢ وما بعدها ، المهذب: ٣١٠/١ - ٣١٢، نهاية المحتاج: ٢٥٤/٣ وما بعدها . (٥) - ١٩٠ - ١ - الشرط الصحيح: وهو أن يشترط في الرهن ما يقتضيه كتقدم وفاء المرتهن عند تزاحم الغرماء، ليستوفي منه دينه، مفضلاً على بقية الدائنين ، أو أن يشرط فيه مصلحة للعقد ولا يترتب عليه جهالة، كالإشهاد به ، فيصح العقد والشرط ، كالبيع . ٢ - الشرط الباطل أو اللغو: وهو أن يشرط فيه مالا مصلحة فيه ولا غرض، لأن لا يأكل الحيوان المرهون كذا، فيبطل الشرط، ويصح العقد . ٣ - الشرط المفسد للعقد: وهو أن يشرط ما يضر المرتهن، كشرط ألا يبيعه بعد حلول أجل وفاء الدين إلا بعد شهر، أو ألا يباع بأكثر من ثمن المثل ، أو أن يشرط ما يضر الراهن وينفع المرتهن ، كشرط منفعة غير مقدرة بمدة للمرتهن ولا بأجر عليها ، أو إعطاء المرتهن زوائد الرهن، فيبطل الشرط للجهل بها ولعدمها حين الاشتراط ولحديث ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) (١)، ويبطل العقد في الأظهر، لمخالفة الشرط مقتضى العقد، كالشرط الذي يضر المرتهن . وكذلك يفسد الشرط والعقد إذا شرط جعل زوائد الرهن كالصوف والثمرة والولد مرهونة ؛ لأنها معدومة حين الاشتراط ومجهولة .. والظاهر أن الرهن يفسد أيضاً بتعليقه أو إضافته للمستقبل. وبه يتبين أن الشرط الفاسد: هو ما كان ضاراً بأحد العاقدين، أو كان فيه جهالة. والأظهر أنه متى فسد الشرط ، فسد العقد . وقال المالكية (٢): يصح الشرط الذي لا يتنافى مع مقتضى العقد، ولا يؤول إلى حرام ، أما ما يتنافى مع مقتضى العقد، فهو شرط فاسد ، مبطل للرهن ، كأن يشترط (١) أخرجه الشيخان عن عائشة بلفظ: (( ما كان من شرط ليس في كتاب الله ، فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق )) ( سبل السلام: ١٠/٢). (٢) الشرح الكبير: ٢٤٠/٣ وما بعدها ، بداية المجتهد : ٢٧١/٢ - ١٩١ - في الرهن أن يكون تحت يد الراهن ، لا يقبضه المرتهن ، أو ألا يباع المرهون في الدين عند حلول الأجل، أو ألا يباع الرهن إلا بما يرضى به الراهن من الثمن . وأما الشرط الحرام الممنوع الفاسخ للعقد: فهو أن يرهن الرجل رهناً، على أنه لو جاء بحقه عند أجله، وإلا فالرهن له، فهذا فاسخ للعقد، لقوله عَ لّ: (( لا يَغْلَقِ الرهن)»(١) والخلاصة أن الشرط عند المالكية نوعان : صحيح وفاسد . ومذهب الحنابلة(٢) كالمالكية: قالوا: الشرط في الرهن نوعان : شرط صحيح، وشرط فاسد . فالصحيح : ما كان فيه مصلحة للعقد، ولا يتنافى مع مقتضاه، ولا يؤول إلى حرمة يكرهها الشرع، مثل أن يشترط في الرهن أن يكون عند عدل، أو عدلين ، أو أكثر، أو أن يبيعه العدل عند حلول أجل الدين أو الحق . والفاسد: هو ما ينافي مقتضى العقد، مثل ألا يباع الرهن عند حلول أجل الحق ، أو لا يستوفى الدين من ثمنه، أو لا يباع إذا ما خيف تلفه، أو أن يباع بأي ثمن كان، أو ألا يباع إلا بما يرضى به الراهن . فهذه كلها شروط فاسدة ، لمنافاتها مقتضى عقد الرهن ؛ لأنها شروط تحول دون الوفاء بالدين عادة ، وذلك يتنافى مع الغرض المقصود من الرهن . ومن الشروط الفاسدة : أن يشترط الخيار للراهن نفسه، أو ألا يكون الرهن لازماً في حقه، أو توقيت الرهن، أو أن يكون الرهن يوماً، ويوماً لا يكون ، أو (١) سبق شرحه، والمعنى: أنه لا يستحقه المرتهن، إذا لم يستفكه صاحبه. وكان هذا من فعل الجاهلية: أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ، ملك المرتهن الرهن ، فأبطله الإسلام ( النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ٣/ ٣٧٩ ) . المغني: ٣٨١/٤ - ٣٨٣، كشاف القناع: ٣٠٩/٣ (٢) - ١٩٢ - كون الرهن في يد الراهن ، أو أن ينتفع به، أو أن ينتفع به المرتهن ، أو يكون مضموناً عليه، أو أنه متى حل أجل الحق ولم يوفه الراهن ، فالرهن للمرتهن بالدين أو فهو مبيع بالدين ولا يصح الرهن معلقاً بشرط كالبيع ، أي أنه فاسد . وهل يفسد الرهن بالشرط الفاسد عند الحنابلة ؟ فيه آراء عندهم. قال القاضي : يحتمل أن يفسد الرهن بهذا الاشتراط ؛ لأن العاقد إنما بذل ملكه، ورضي بالرهن على هذا الشرط ، فإذا لم يسلم له ، لم يصح العقد لعدم الرضا به بدونه . وقيل : إن شرط الرهن مؤقتاً، أو رهنه يوماً، ويوماً لا ، فسد الرهن ، وإن شرط غير ذلك من الشروط الفاسدة ، فعلى وجهين : قيل : يفسد الرهن ، وقيل : لا يفسد، وأيد أبو الخطاب عدم فساده؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((لا يغلق الرهن)) وقد قاله في رهن شرط فيه شرط فاسد، ولم يحكم بفساده، ولأن الراهن قد رضي برهنه مع هذا الشرط ، فمع بطلانه أولى أن يرضى به . وقيل : ما ينقص حق المرتهن يبطله وجهاً واحداً ، وما لا ، فعلى وجهين . المطلب الثالث - شروط المرهون به : المرهون به : هو الحق الذي أعطي به الرهن . ويشترط فيه عند الحنفية ما يأتي : الشرط الأول - أن يكون حقاً واجب التسليم إلى صاحبه : لأنه إذا لم يكن واجب التسليم، فلا محل لأن يعطى به رهن لتوثيقه، إذ لا إلزام على المطالب بالحق حتی یستوجب التوثق به(١) . وعبر الحنفيه عن هذا الشرط بقولهم: أن يكون ديناً مضموناً(٢)، أي أن يكون مذكرة بحث الرهن لأستاذنا الشيخ علي الخفيف : ص ٤٥ . (١) (٢) البدائع: ١٤٢/٦ وما بعدها، تكملة الفتح: ١٩٦/٨، ٢٠٦ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٦٦/٦، اللباب: ٥٥/٢ = وما بعدها ، الدر المختار: ٣٥٠/٥ . الفقه الإسلامي جـ ٥ (١٣) - ١٩٣ - الدين واجب التسليم على الراهن ، وعبارتنا أوضح؛ لأن الحق المرهون به : إما أن يكون ديناً، وإما أن يكون عيناً واجبة التسليم . أ- فإن كان ديناً، جاز الرهن به ، أياً كان سبب هذا الدين، قرضاً أو بيعاً، أو إتلافاً أو غصباً؛ لأن الديون واجبة الوفاء، فكان الرهن بها رهناً بحق واجب التسليم إلى صاحبه . وسواء في هذا أن يكون الدين مما يجوز استبداله قبل قبضه، أو مما لا يجوز استبداله قبل قبضه، كرأس مال السلم، وبدل الصرف، والمسلم فيه. وهذا عند أئمة الحنفية الثلاثة . وقال زفر: لا يجوز الرهن بما لا يصح الاستبدال فيه قبل القبض ؛ لأن سقوط الدين بهلاك الرهن إذا هلك، إنما يكون نتيجة لاستبداله بما وجب في ذمة المرتهن بذلك الهلاك ، بمعنى أن عين الرهن صارت بدلاً عن الدين الذي رهنت به ، واستبدال هذه الديون لا يصح، كما بينا في بحث السلم، فلو جاز الرهن بهذه الديون ، لزم منه استبدال هذه الديون قبل قبضها ، إذا هلك الرهن، وهو لا يجوز شرعاً . ولا يقال في هذه الحال : إن سقوط الدين، كان بطريق الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء لا يتحقق إلا عند اتحاد الرهن والدين جنساً، والغالب أن يكونا مختلفي الجنس . فيختص جواز الرهن بدين يمكن استبداله . ودليل جمهور الحنفية : أن سقوط الدين دائماً عند هلاك الرهن ، إنما هو بطريق ومعنى كون الدين مضموناً : أن يكون متحققاً من حيث الظاهر ، لامتحققاً في الواقع والباطن ، فلو ادعى = رجل على آخر حقاً من قرض مثلاً ، ثم صالحه المدعى عليه على مبلغ معين أعطاه به رهناً ، ثم تصادقا على أنه لم يكن حق ، ولم يكن للمدعي على المدعى عليه شيء ، ثم هلك الرهن في يد المرتهن ( المدعي ) ، فإنه يهلك بالأقل من ثمنه ، وما رهن به ( البدائع : ١٤٤/٦ ) . - ١٩٤ - الاستيفاء، لا بطريق الاستبدال. ويكفي في تحقق الاستيفاء وجود المجانسة في المالية ، إذ أن الاستيفاء يتم بمالية الرهن، لا بصورته ، والأموال كلها من ناحية المالية جنس واحد . وقد يسقط اعتبار المجانسة من حيث الصورة، ويكتفى بالمجانسة المالية للحاجة والضرورة، كما في إتلاف مالا مثل له من جنسه(١)، وقد تحققت الحاجة والضرورة في الرهن ، لحاجة الناس إلى توثيق ديونهم في جميع الأحوال(٢). وأما غير الحنفية(٣): فروي عن الإمام أحمد روايتان في دين السلم، رواية بالجواز، ورواية بعدم الجواز. وعلى الرواية الأولى : إذا كان الرهن بالمسلم فيه ، ثم تقايلا السلم أو فسخ العقد، بطل الرهن ، لزوال الدين الذي رهن به. وعلى المسلم إليه رد رأس مال السلم في الحال إلى رب السلم (المسلم) . وقال مالك والشافعي : لا يجوز الرهن في بدل الصرف ورأس مال السلم المتعلق بالذمة؛ لأنه يشترط التقابض في مجلس العقد. ويجوز أخذ الرهن في المسلم فيه ؛ لأنه دين ، والآية أجازت الرهن في المداينة . ب - وإن كان المرهون به عيناً، ففيه تفصيل : إن كانت العين أمانة كالوديعة والعارية والمأجور ومال الشركة والمضاربة فلا إذ لا يعد هذا من قبيل المبادلة والمعاوضة ، وإلا لتوقف على الرضا ، وإنما يعد استيفاء ، ولذا لا يتوقف على (١) رضا صاحب الحق . وإذا هلك الرهن المعطى برأس مال السلم أو بدل الصرف في مجلس العقد ، صح العقد ، لأنه صار المسلم إليه (٢) مستوفياً عين حقه في المجلس . وإن هلك بعد انقضاء المجلس ، بطل العقد ، لعدم تحقق قبض رأس المال أو بدل الصرف في المجلس . وإذا كان الرهن بالمسلم فيه ، فهلك عند رب السلم قبل الوفاء ، فإنه يهلك بالأقل من قيمته ومن قيمة المسلم فيه . ولو تفاسخا السلم وهناك رهن بالمسلم فيه ، يصير المرهون استحساناً رهناً برأس المال، لأنه بدل عن المسلم فيه . وحينئذٍ لو هلك الرهن بعد التماسخ ، فلا يهلك برأس المال ، وإنما يهلك بالمسلم فيه، لأنه رهن به ابتداء ، فيظل على هذا الحكم، وإن كان محبوساً بغيره ( تكملة الفتح : ٢٠٧/٨ ) . (٣) بداية المجتهد : ٢٦٩/١ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٢٣، مغني المحتاج: ١٢٧/٢، المهذب: ٣٠٥/١ ، المحرر في الفقه الحنبلي : ٣٣٥/١ . - ١٩٥ - يجوز الرهن بها بالاتفاق ؛ لأن قبض الرهن مضمون ، فلابد من أن يقابله مضمون ، أي لا رهن إلا بمضمون ، ليصبح القبض موصلاً إلى الاستيفاء. وإن كانت العين مضمونة بنفسها: وهي التي يجب ضمان مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل كالمغصوب في يد الغاصب، والمقبوض على سوم الشراء، والمهر في يد الزوج ، وبدل الخلع في يد الزوجة ، وبدل الصلح عن دم العمد ، فيجوز الرهن بها عند الحنفية، وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى يسترد العين المرهون بها. وإن هلك الرهن في يد المرتهن قبل استرداد العين، وهي قائمة باقية، يقال للراهن : سلم العين إلى المرتهن ، وخذ منه الأقل من قيمة الرهن ، ومن قيمة العين ؛ لأن المرهون مضمون بالأقل المذكور. وأجاز المالكية والحنابلة (١ كالحنفية كون المرهون به عيناً مضمونة بنفسها. وقال الشافعية(٢) لا يصح الرهن بالعين التي هي أمانة أو مضمونة لاشتراطهم كون المرهون به ديناً؛ لأنه تعالى ذكر الرهن في المداينة، فلا يثبت في غيرها؛ ولأن هذه العين لا تستوفى من ثمن المرهون ، وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع (٣). وأما إن كانت العين مضمونة بغيرها : كالمبيع في يد البائع ، فإنه مضمون بغيره، وهو الثمن ، فلو هلك المبيع في يد البائع، سقط الثمن عن المشتري، فلا يصح الرهن به، في رواية النوادر عن أبي حنيفة ؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء، ولا يتحقق معنى الاستيفاء في المضمون بغيره، إذ لو هلك الرهن في يد المشتري، لا يصير مستوفياً شيئاً بهلاك الرهن . بداية المجتهد : ٢٧٠/١ ، كشاف القناع: ٣١١/٣ . (١). (٢) مغني المحتاج: ١٢٦/٢، نهاية المحتاج: ٢٦٥/٣، المهذب: ٣٠٥/١. وبناء عليه : يعرف بطلان ما جرت به عادة بعض الناس من كونه يقف كتاباً ويشرط ألا يعار، أو (٣) لا يخرج من مكان محبوس إلا برهن ( البجيرمي على الخطيب: ٥٩/٣ ). - ١٩٦ - وفي ظاهر الرواية : إنه يصح الرهن بالمبيع قبل القبض ؛ لأنه مضمون ، وللمشتري أن يحبس المرهون حتى يقبض المبيع ؛ لأن الاستيفاء المطلوب يتحقق من حيث المعنى ؛ لأن المبيع قبل قبضه، إن لم يكن مضموناً بقيمته ، مضمون بالثمن، ويعد سقوط الثمن عن المشتري بهلاك المبيع قبل تسليمه إليه، كالعوض عنه، فيصير المشتري مستوفياً مالية المبيع . وبناء على اشتراط كون المرهون به حقاً واجب التسليم إلى صاحبه يتفرع ما يأتي : ١ - الرهن على نقود بعينها: لو تزوج شخص امرأة على نقود بعينها، أو اشترى شيئاً بنقود بعينها، فأعطى بها رهناً، لم يجز الرهن عند أبي حنيفة وصاحبيه؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين، وجازْ عند زفر؛ لأن النقود تتعين عنده بالتعيين . ٢ - الرهن بالدين الموعود به أو بما سيقرضه المرتهن للراهن : مقتضى هذا الشرط ألا يصح الرهن بالدين الموعود به، أو بما سيقرضه المرتهن للراهن؛ لأن الدين لا وجود له عند عقد الرهن ، حتى يكون واجب التسليم . ولكن الحنفية والمالكية : أجازوا الرهن بالدين الموعود به الذي سيقرض في المستقبل، استحساناً لحاجة الناس إليه (١)، أما إذا ارتهن المرتهن بما يثبت له على الراهن في المستقبل بدون وعد فلا يجوز، ولا يصح الرهن عند الشافعية ، والحنابلة في ظاهر المذهب(٢) بما سيقرضه، أي بدين مستقبل ؛ لأنه ليس بحق ثابت في الذمة عند عقد الرهن ، وقد شرع الرهن عند ثبوت الدين ، لا عند الوعد به . البدائع : ١٤٣/٣، الدر المختار: ٣٥١/٥، الشرح الكبير للدردير والدسوقي: ٢٤٥/٣ . (١) (٢) مغني المحتاج: ١٢٧/٢، المهذب: ٣٠٥/١، المغني : ٣٢٨/٤. - ١٩٧ - ٣ - الرهن بالدَّرَك(١): أي بما يدرك المبيع من استحقاق، كأن باع شخص شيئاً وقبض الثمن، وسلم المبيع إلى المشتري ، فخاف المشتري الاستحقاق، فأخذ بالثمن من البائع رهناً قبل الدَّرَك: لا يجوز هذا الرهن وإن جاز ضانه ( كفالته)؛ لأن استحقاق الشيء المبيع قد يتحقق وقد لا يتحقق، فكان الرهن به رهناً بما لا يجب فيه التسليم حالاً ، بل وبما لا وجود له في الحال ، وربما في المستقبل . وأما الكفالة بالدرك فجائزة ؛ لأن الكفالة التزام وضمان المطالبة، ويصح التزام الأفعال وضمانها في المستقبل ، كالنذور. قال الحنفية : الرهن بالدرك باطل، والكفالة بالدرك جائزة (٢). : أما الرهن فهو لاستيفاء الديون، وإذا لم يثبت الدين، فكيف يستوفى ؟ فلا استيفاء قبل ثبوت الدين أو وجوبه، والاستيفاء فيه معنى المعاوضة، والمعاوضات والتمليكات لا يصح أن تضاف إلى المستقبل ، لما في الإضافة من الخطر والغرر، والرهن بالدرك من هذا القبيل . فكأن الراهن البائع يقول للمرتهن المشتري : إن ظهر مستحق ، فهذا الشيء رهن ، تستوفي منه عوض الثمن . والفرق بين حالة الدرك والدين الموعود : أن الأول معدوم، والثاني كالموجود أي على وشك الثبوت ، وقد صحح الحنفية الثاني للحاجة ، كما بينا . الشرط الثاني - أن يمكن استيفاء الدين من المرهون به: فإن لم يمكن الاستيفاء منه، لم يصح الرهن ؛ لأن الارتهان استيفاء، فإذا انتفى الاستيفاء، انتفى الرهن والغرض منه(٣) . وعليه فلا يصح الرهن بما يأتي : (١) الدرك: هو رجوع المشتري بالثمن على البائع عند استحقاق المبيع ( العناية على الهداية بهامش تكملة الفتح: ٢٠٦/٨ ) . (٢) تكملة الفتح: ٢٠٦/٨، البدائع: ١٤٣/٦ وما بعدها، الدر المختار: ٣٥٠/٥. (٣) البدائع: ١٤٣/٦ وما بعدها، تكملة الفتح: ٢٠٨/٨، الدر المختار ورد المختار: ٣٥١/٥. - ١٩٨ - ١ - بالقصاص بالنفس أو ما دونها ، لا يجوز الرهن به؛ لأنه لا يمكن أو يتعذر استيفاء القصاص من المرهون. لكن يجوز الرهن بأرش (تعويض) الجناية؛ لأن استيفاء الأرش من الرهن ممكن . ٢ - بالكفالة بالنفس أي إحضار شخص إلى مجلس القضاء ونحوه : لا يجوز الرهن بها؛ لأن المكفول به لا يحتمل استيفاؤه من الرهن . مثل أن يكفل زيد نفس خالد، على أنه إن لم يواف به إلى سنة، فعليه الألف الذي عليه. ثم قدم خالد رهناً بالمال إلى سنة، فالرهن باطل، لأنه لم يجب المال بعد على خالد، ولأن استيفاء المكفول به ( وهو تسليم نفس من عليه الحق ) من الرهن غير ممكن . ٣ - بالشفعة: أي لا يجوز أخذ الرهن من المشتري الذي وجب عليه تسليم المبيع من أجل الشفعة ، فلا يصح للشفيع أن يقول للمشتري : أعطني رهناً بالدار المشفوعة ؛ لأن حق الشفعة لا يمكن استيفاؤه من الرهن، فلم يصح الرهن به. كما أن الشفعة ليست بمضمونة ( واجبة التسليم) على المشتري ، بدليل أنه لو هلك العقار المشفوع فيه، لا يجب عليه شيء . ٤ - بأجرة على فعل محرم: كأجر النائحة أو المغنية، أو الراقصة، كأن استأجرها شخص ، وأعطاها بالأجرة رهناً، لا يصح الرهن، لعدم صحة الإجارة ، فلا تجب الأجرة، فكان الرهن بشيء غير مضمون لعدم مقابلته بشيء مضمون ، فلم يصح الرهن . كما لا يصح الرهن بالمنفعة الثابتة في الذمة التي يلتزم بها الأجير المشترك، إذ لا يمكن استيفاء المنفعة من المال . الشرط الثالث - أن يكون الحق المرهون به معلوماً: فلا يصح الرهن بحق مجهول، فلو أعطاه رهناً بأحد دينين له، دون أن يعينه، لم يصح الرهن . - ١٩٩ - واشترط الشافعية والحنابلة(١) في المرهون به شروطاً ثلاثة : ١ - أن يكون ديناً ثابتاً واجباً كقرض وقيمة متلف، أو منفعة كالعمل في إجارة الذمة كالأجير المشترك الذي استؤجر لخياطة ثوب وبناء دار، وحمل معلوم إلى موضع معين ، لإمكان استيفاء المنفعة ببيع المرهون وتحصيلها من ثمنه، فإذا لم يقم الأجير بفعل المنفعة المستأجر عليها ، بيع الرهن ، واستؤجر منه من يعمل العمل المأجور عليه ، وذلك خلافاً للحنفية ، أما إجارة العين فلا يصح الرهن بها ، لتعذر استيفاء المرهون به من غير المعين ، وإن بيع المرهون . ويترتب على اشتراط الدين ألا يصح الرهن عند الشافعية بالأعيان المستعارة أو المغصوبة . وأجاز الحنابلة أخذ الرهن على عين مضمونة كالغصوب والعواري، والمقبوض على سوم الشراء، والمقبوض بعقد فاسد ، لأنهم قالوا: يصح الرهن بكل دين واجب أو مآله إلى الوجوب ، كثمن في مدة الخيار. ولا يصح عند الشافعية والحنابلة الرهن بدين لم يثبت بعد، وهو الدين الموعود به خلافاً للحنفية . ولا فرق في الدين بين أن يكون مستقراً، كدين القرض، وثمن المبيع المقبوض، أو غير مستقر، كثمن المبيع قبل قبضه، والأجرة قبل الانتفاع في إجارة العين ، والصداق قبل الدخول . أما الأجرة في إجارة الذمة فلا يصح الرهن بها لعدم لزومها في الذمة، إذ يلزم قبضها في مجلس العقد قبل التفرق ، فهي كرأس مال السلم . ٣ - أن يكون الدين لازماً في الحال أو آيلاً إلى اللزوم: فيصح الرهن بالثمن بعد لزوم البيع ، كما يصح أثناء مدة الخيار قبل لزوم العقد ؛ لأن العقد آيل إلى اللزوم بعد انتهاء مدة الخيار. (١) نهاية المحتاج: ٢٦٤/٣، مغني المحتاج: ١٢٦/٢ وما بعدها، البجيرمي على الخطيب: ٦٠/٣، كشاف القناع: ٣١١/٣ . - ٢٠٠ -