النص المفهرس
صفحات 81-100
وقال الشافعية: لا يجوز التوكيل في إثبات حدود الله تعالى، لأن الحق فيها لله
سبحانه، وهو قد أمرنا بدرء الحدود والتوصل إلى إسقاطها، وبالتوكيل يتوصل إلى
إيجاب الحد، فلا يجوز. أما إثبات القصاص وحد القذف فيجوز التوكيل فيها؛ لأنها
حق آدمي ، فجاز التوكيل في إثباته، كالحق في المال(١).
وقال الحنابلة(٢): يجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف في حضرة
الموكل وغيبته ؛ لأنهما من حقوق الآدميين، وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما . وكذلك
الحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا والسرقة : يجوز التوكيل في إثباتها ؛ لأن الرسول
عَّ الّ وكل أنيساً في إثبات واستيفاء حد الزنا، فإنه قال: ((فإن اعترفت فارجمها))
وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت، وقد وكله في إثبات الحد واستيفائه جميعاً .
والوكيل يقوم مقام الموكل في درء الحدود بالشبهات .
٢ - التوكيل في استيفاء الحدود: اتفق أئمة المذاهب الأربعة في الجملة على
أنه يجوز للحاكم التوكيل في استيفاء(٢) حدود الله تعالى وفي القصاص، غير أنه قد
يوجد خلاف في المذهب في صحة التوكيل بالاستيفاء حال غياب الموكل عن مجلس
الاستيفاء أي والموكل غير حاضر. وهنا سنذكر تفصيل كل مذهب على حدة :
قال أبو حنيفة ومحمد: أما التوكيل من صاحب الحق باستيفاء الحدود التي تحتاج
إلى إقامة الدعوى كحد القذف وحد السرقة، فإن كان الموكل حاضراً بأن يحضر هو
ووكيله حال تنفيذ الحد، فإنه يجوز التوكيل إذ ليس كل أحد يحسن الاستيفاء إما
لضعف قلبه أو لنقص خبرته ومعرفته . وأبو يوسف : لا يجيز التوكيل في استيفاء حد
(١)
المهذب: ١ / ٣٤٩ ، مغني المحتاج: ٢ / ٢٢١ .
(٢)
المغني: ٥ / ٨١ وما بعدها، غاية المنتهى : ٢ / ١٥٠.
استيفاء : أي توفية الحد وتنفيذه على الجاني . وحقوق الله أي أن الله تعالى قرر لها عقوبة ثابتة ليس للمجني
(٣)
عليه فيها ثأن ، فلا بد من تنفيذها .
الفقه الإسلامي جـ٥ (٦)
- ٨١ -
القذف وحد السرقة، كما لا يجوز التوكيل في إثباتها ، والظاهر أنه يقول: إن التوكيل
في الحدود التي هي من حقوق الله تعالى لا معنى له، سواء احتاجت لدعوى أم لا ؛
لأن ولي الأمر مطالب باستيفائها ، فلابد له من تنفيذها ، وليس للمجني عليه فيها
شأن(١).
وأما إن كان المقذوف والمسروق منه غائباً وقت الاستيفاء فاختلفت فيه مشايخ
الحنفية .
فقال بعضهم : يجوز التوكيل ؛ لأن عدم الجواز لاحتمال حدوث العفو والصلح،
وهنا لا يتأتى ذلك الاحتمال؛ لأن الأمر وصل إلى القاضي، والحق صار لله تعالى
وحده، فلو عفا عنه المسروق منه لا يلتفت إليه .
وقال بعضهم وهو الأرجح عند الحنفية: لا يجوز التوكيل بالاستيفاء؛ لأن
الحدود تدرأ بالشبهات ، وغيبة الموكل شبهة ؛ لأنه لو كان حاضراً وقت الاستيفاء وإن
لم يملك العفو والصلح إلا أنه إذا كان مقذوفاً قد يصدق القاذف فيا قذفه به، وإذا
كان مسروقاً منه فقد يترك الخصومة (أي يسقط ادعاءه)، فلا يجوز استيفاء الحد مع
الشبهة .
وإذاً لا يصح وقوع الحد بدون حضور الموكل وهو المجني عليه .
وأما التعازير: فيجوز التوكيل بإثباتها واستيفائها باتفاق الحنفية وباقي
المذاهب(٢)، وللوكيل أن يستوفي سواء أكان الموكل غائباً أم حاضراً؛ لأن التعزير حق
الشخص ، ولا يسقط بالشبهات بخلاف الحدود .
وأما التوكيل باستيفاء القصاص : فإن كان الموكل وهو ولي الدم حاضراً جاز،
راجع الفقه على المذاهب الأربعة: ٣ / ٢٣٢ ، الإفصاح لابن هبيرة: ص ٢٠٨ .
(١)
(٢)
البدائع، المرجع السابق، الشرح الصغير : ٣ / ٥٠٣، روضة الطالبين: ٤ / ٢٩٣، الشرح الكبير مع المغني :
٥ / ٢٠٧ .
- ٨٢ -
لأنه قد لا يقدر على الاستيفاء، فيحتاج إلى التوكيل، وإن كان غائباً لا يجوز،
لاحتمال صدور العفو منه عن القاتل إذا كان حاضراً، فلا يجوز استيفاء القصاص مع
قيام الشبهة .
هذا هو مذهب الحنفية في الاستيفاء (١)، وخلاصته: أنه لا يجوز التوكيل
باستيفاء الحدود والقصاص بدون حضور الموكل وهو المجني عليه وقت الاستيفاء ؛
لأنها تدرأ بالشبهات ، وشبهة العفو ثابتة حال غيبة الموكل ، بخلاف حال حضرته أو
وجوده لانتفاء الشبهة .
وقال المالكية : تجوز الوكالة باستيفاء العقوبات في حضرة الموكل وغيبته(٢).
وقال الحنابلة في ظاهر المذهب عندهم : تجوز الوكالة باستيفاء الحدود والقصاص
في حضرة الموكل وغيبته؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن
اعترفت فارجمها، فغدا عليها أنيس، فاعترفت، فأمر بها فرجمت)) (٣) وأمر النبي عد له
برجم ماعز، فرجموه ، ووكل عثمان علياً في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة،
ووكل علي الحسن في ذلك ، فأبى الحسن ، فوكل عبد الله بن جعفر، فأقامه وعلي يعد ،
ولأن الحاجة قد تدعو إلى التوكيل ؛ لأن الإمام لا يمكنه تولي الحد بنفسه .
وقال بعض الحنابلة كالحنفية : لا يجوز استيفاء القصاص وحد القذف في غيبة
الموكل ؛ لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته فيسقط العقاب، وهذا الاحتمال
شبهة تمنع الاستيفاء، ولأن العفو مندوب إليه، فإذا حضر احتمل أن يرحم المقتص
منه أو القاذف ، فيعفو .
المبسوط: ١٩ / ٩، ١٠٦، فتح القدير: ٦ / ١٠٤ ومابعدها، تكملة فتح القدير: ٦ / ٦ وما بعدها ،
(١)
البدائع: ٦ / ٢١ وما بعدها، رد المحتار على الدر المختار: ٤ / ٢١٨ .
(٢)
بداية المجتهد : ٢ / ٢٩٧ ، الشرح الكبير: ٣ / ٣٧٨ .
تقدم تخريجه في الحدود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ، رواه الموطأ وأحمد وأصحاب الكتب الستة إلا
(٣)
ابن ماجه .
- ٨٣ -
إلا أن الرأي الأول هو ظاهر مذهب الحنابلة كما قلنا؛ لأن ما جاز استيفاؤه في
حضرة الموكل جاز في غيبته كالحدود وسائر الحقوق ، واحتمال العفو بعيد، والظاهر
أنه لوعفا أعلم وكيله بعفوه، والأصل عدم العفو فلا يؤثر (١).
وقال الشافعية: يصح التوكيل في استيفاء عقوبة آدمي كقصاص وحد قذف
كسائر الحقوق المالية ، بل قد يجب التوكيل في حد القذف، وكذا في حد قطع
الطريق ، سواء في حضرة الموكل أو في غيبته .
ويصح التوكيل أيضاً للإمام في استيفاء حدود الله تعالى؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ بعث
أنيساً لإقامة الحد، وقال: ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)
وقال عليه السلام في قصة ماعز: ((اذهبوا به فارجموه)) ووكل عثمان رضي الله عنه علياً
كرم الله وجهه ليقيم حد الشرب على الوليد بن عقبة (٢).
والخلاصة : أن المالكية والشافعية والحنابلة يجيزون استيفاء الحدود والقصاص
مع غيبة الخصم ، أما الحنفية : فلا يجيزون ذلك إلا بحضور الخصم.
ولا يجوز التوكيل في المعصية كالظهار، فلا يؤكل من يظاهر عنه زوجته؛ لأنه
.. (٣)
منكر ومعصية (٢).
5
ثانياً - الوكالة في حقوق العباد : حقوق العباد تنقسم إلى قسمين :
نوع لا يجوز استيفاؤه مع وجود شبهة كالقصاص في القتل أو الأطراف. ونوع
يجوز استيفاؤه مع الشبهة. وحكم النوع الأول كما عرفنا: هو أنه يصح التوكيل في
إثباته عند أبي حنيفة ومحمد .
ولا يجوز التوكيل في استيفائه حال غيبة المجني عليه ؛ لأنه قد يرتفع بحضور
المغني : ٨٤/٥، الإفصاح لابن هبيرة : /٢٠٨ .
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ٢٢١/٢ ، المهذب : ٣٤٩/١ .
الشرح الصغير: ٥٠٤/٣ ، نهاية المحتاج : ٢٢/٥.
(٣)
- ٨٤ -
.---
.--- -
.----
المجني عليه وعفوه عنه ، ففيه شبهة العفو، والحدود تدفع بالشبهات كما بينا .
وأما النوع الثاني: وهو ما يجوز استيفاؤه مع الشبهة فهو كالديون والأعيان
وسائر الحقوق غير القصاص، فإنه يجوز للوكيل أن يستلمها مع وجود شبهة عفو
صاحبها ، وتركها لمن هي عليه. فحكم هذا النوع أنه يصح التوكيل باستيفائه
وإثباته باتفاق الحنفية، والدليل على جواز التوكيل بالخصومة هو حاجة الناس؛ إذ
ليس كل أحد يهتدي إلى وجوه الخصومات، وقد صح أن علياً وكل عقيلاً، وبعد ما
أسن وكل عبد الله بن جعفر.
غير أن الحنفية اختلفوا في اشتراط توافر رضا الخصم للزوم التوكيل بإثبات
الدين والعين وسائر الحقوق .
فقال أبو حنيفة: لا يلزم التوكيل بالخصومة إذا لم يكن الموكل حاضراً
مجلس القضاء مع الوكيل إلا برضا الخصم إلا أن يكون الموكل مريضاً أو مسافراً مسيرة
ثلاثة أيام فصاعداً أو لا يحسن الادعاء والتقاضي؛ أو كانت امرأة مستورة في خدرها،
أو كانت المرأة حائضاً أو نفساء والقاضي في المسجد؛ لأنه تستحي من الحضور لمحافل
الرجال، وعن الجواب بعد الخصومة ، فيضيع حقها ، وفي غير المذكور للخصم أن يمتنع
من محاكمة الوكيل إذا لم يكن حاضراً مجلس القضاء؛ لأن حضوره مجلس الحكم
ومخاصمته حق لخصمه عليه، فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه كالدين الذي
عليه(١). والخلاصة: أن أبا حنيفة لا يجيز التوكيل بغير رضا الخصم لمن لا عذر له إذا لم
يكن الموكل حاضراً مجلس القضاء مع الوكيل. أما إذا كان الموكل حاضراً مجلس الحكم
فتجوز الوكالة بلا خلاف بين الإمام وصاحبيه .
(١) المبسوط: ٧/١٩ وما بعدها، فتح القدير: ١٠٤/٦ - ١٠٥، تكملة فتح القدير: ٨/٦ ومابعدها، البدائع:
٢٢/٦، مختصر الطحاوي: /١٠٨، رد المحتار: ٤١٨/٤، تكملة ابن عابدين: ٢٨٠/٧، الفرائد البهية في القواعد
الفقهية للشيخ محمود حمزة: /١٣٤ ، قال ابن عابدين : لاخلاف في الجواز، إنما الخلاف في اللزوم يعني هل
ترتد الوكالة برد الخصم ؟ عند أبي حنيفة : ترتد ، وعند الصاحبين : لا ترتد ويجبر عليها .
- ٨٥ -
وقال الصاحبان وبقية الأئمة غير الحنفية : يجوز التوكيل في مطالبة
الحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها، حاضراً كان الموكل أو غائباً، صحيحاً أو مريضاً وإن لم
يرض الخصم ، بشرط ألا يكون الوكيل عدواً للخصم ؛ لأن المذكور حق تجوز النيابة
فيه ، فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضا خصه كحال غيبته ومرضه، وكدفع المال
الذي عليه ، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، فإن علياً رضي الله عنه وكل عقيلاً
عند أبي بكر رضي الله عنه، وقال: ((ما قضي له فلي، وما قضي عليه فعلي)» ووكل
عبد الله بن جعفر عند عثمان، وقال: ((إن للخصومة قُحَاً - أي مهالك - وإن
الشيطان ليحضرها، وإني لأكره أن أحضرها)» ولأن الحاجة تدعو إلى التوكيل في
الخصومات ، فإنه قد يكون له حق أو يدعى عليه ولا يحسن الخصومة(١)، أولا يريد
أن يتولاها بنفسه(٢).
واستثنى المالكية حالة ما إذا جالس الموكل خصمه ثلاث جلسات فأكثر عند
القاضي، فحينئذ لا يجوز له التوكيل إلا لعذر كمرض. واشترط الحنابلة شرطين لجواز
الوكالة بالخصومة وهما :
١ - ألا يكون التوكيل ممن علم ظلم موكله في الخصومة، لقوله تعالى: ﴿ولا تكن
للخائنین خصیاً ﴾ .
٢ - ألا يخاصم الوكيل عن الموكل في إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمر
موكله .
والمختار للفتوى عند الحنفية تفويض التوكيل للحاكم، فإن علم القاضي التعنت
إن أصل معنى الخصومة في اللغة : هو النزاع والجدال ، ولكن هذا المعنى غير مقصود في اصطلاح الفقهاء ،
(١)
فيحمل مجازاً على معنى الإجابة على دعوى المدعي من قبيل ذكر المطلق وإرادة المقيد .
مختصر خليل: ص ٢١٦، الميزان: ٨٣/٢، المغني: ٨١/٥، المهذب: ٣٤٨/١، الشرح الكبير للدردير :
(٢)
٣٧٨/٣، الإفصاح لابن هبيرة: ص ٢٠٧ ، كشاف القناع: ٤٧١/٣ .
- ٨٦ -
من الخصم يقبل التوكيل من غير رضاه. وإن علم الموكل قصد إضرار خصمه لا يقبل
(١)
التوكيل(١).
والتوكيل بالشهادة : لا يجوز؛ لأن الشهادة تتعلق بعين الشاهد ، لكونها
خبراً عما رآه أو سمعه ، ولا يتحقق هذا المعنى في وكيله(٢).
وأما التوكيل بالإقرار في الوكالة بالخصومة : فيجوز عند الحنفية كما
ذكر محمد في (الأصل)) وعند المالكية والحنابلة، كأن يقول ((وكلتك لتقر عني لفلان
بكذا» فيقول الوكيل: ((أقررت عنه بكذا، أو جعلته مقراً بكذا)»؛ لأن هذا الإقرار
معناه إثبات حق في الذمة بالقول ، فجاز التوكيل فيه كالبيع(٣).
وأما الشافعية : فلا يجوز عندهم في الأصح التوكيل في الإقرار؛ لأنه إخبار عن
حق، فلا يقبل التوكيل كالشهادة، فإنه لا يصح التوكيل بها؛ لأنها تتعلق بعين
الشاهد؛ لكونها خبراً عما رآه أو سمعه، ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه(٤). ورد الجمهور
على قياس الإقرار على الشهادة بأن هناك فرقاً بينهما ، فإن الشهادة لا تثبت الحق،
وإنما هي إخبار بثبوت الحق على غيره .
ويجوز فيما عدا ذلك التوكيل بقبض الدين ؛ لأن الموكل قد لا يقدر على
الاستيفاء بنفسه، فيحتاج إلى التفويض إلى غيره كالوكيل بالبيع والشراء وسائر
التصرفات، إلا أن التوكيل بقبض رأس مال السلم وبدل الصرف: إنما يجوز في مجلس
العقد ، لا خارج المجلس ؛ لأن الموكل نفسه يملك القبض فيه لا في غيره، وبالقبض
يبرأ المدين(٥) .
(١)
الدر المختار : ٤١٨/٤ .
(٢)
نهاية المحتاج : ٢٢/٥، المغني : ٨٢/٥.
(٣)
البدائع: ٢٢/٦، بداية المجتهد : ٢٩٧/٢، المغني : ٨٢/٥.
(٤)
مغني المحتاج: ٢٢١/٢، المهذب: ٣٤٩/١ .
البدائع ، المرجع السابق .
(٥)
- ٨٧ -
وتجوز الوكالة بقضاء الدين ، لأن الموكل يملك القضاء بنفسه، وقد
لا يتهيأ له القضاء بنفسه ، فيحتاج إلى التفويض إلى غيره .
وتجوز الوكالة بالإبراء من الدين ؛ لأنه إذا جاز التوكيل في اثباتها واستيفائها،
جاز التوكيل في الإبراء عنها .
وتجوز الوكالة بطلب الشفعة وبالرد بالعيب وبالقسمة ؛ لأن هذه حقوق
يتولاها المرء بنفسه ، فيملك توليتها غيره .
ويجوز التوكيل بالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد والصلح على إنكار؛ لأنه
يملك هذه التصرفات بنفسه ، فيملك تفويضها إلى غيره .
ويجوز أيضاً بالهبة والصدقة والإعارة والايداع والرهن والاستعارة والارتهان
والاستيهاب (أي طلب الهبة من الغير) كما ذكرنا .
ويجوز بالشركة والمضاربة أيضاً، كما يجوز بالإقراض والاستقراض، إلا أن في
التوكيل بالاستقراض لا يملك الموكل ما استقرضه الوكيل إلا إذا قال: «أرسلني فلان
إليك ليستقرض كذا)) وحينئذ يكون المرسل رسولاً، لا وكيلاً، وإذاً يكون التوكيل
بالاستقراض باطلاً .
ويجوز التوكيل بالصلح والإبراء، كما يجوز بالطلاق والإجارة والاستئجار لما
ذكرنا .
ويجوز بالسلم والصرف، لأنه يملكها بنفسه، فيملك تفويضهما إلى غيره ، ولكن
بشرط قبض البدل في مجلس العقد، كما هو معروف(١).
(١) راجع البدائع: ٢٣/٦، بداية المجتهد: ٢٩٧/٢ ، مغني المحتاج: ٢٢٠/٢ وما بعدها، المغني: ٨١/٥ ، المهذب:
٣٤٨/١ ، تكملة فتح القدير: ٢١/٦ ومابعدها .
- ٨٨ -
إلا أن بعض هذه العقود لا يصح للو کیل فيها أن يسندها إلى نفسه ، بل لابد
من إسنادها إلى الموكل، ومنها النكاح، فلا بد من أن يقول الوكيل: ((قبلت الزواج
لفلان موكلي)) أو ((زوجت فلانة موكلتي)) فإذا قال: ((قبلت الزواج)» ولم يقيده بأحد
غيره، أوقال: ((قبلت الزواج لنفسي)) فإنه ينعقد له، لا لموكله .
ومنها - الهبة فإنه لابد من أن يقول الوكيل فيها: ((وهب موكلي)) فإذا قال :
((وهبت)) لا تصح الهبة .
ومنها - الصلح عن دم العمد، والصلح عن انكار: فإذا ادعى شخص على
آخر مائتي درهم ، فأنكر المدعى عليه، ثم وكل من يصالح على مئة، فإنه لا بد في
الصلح من أن يقول الوكيل: ((قبلت الصلح لفلان على مئة مثلاً» وإلا لم يصح
الصلح. وهذا بخلاف الصلح عن إقرار فإنه يصح إضافته إلى الوكيل والموكل .
ومنها - التصدق: فإذا وكله في أن يتصدق من ماله بكذا، فإنه ينبغي للوكيل
أن يضيف الصدقة إلى موكله، وإلا كانت من ماله.
ومنها - الإيداع والإعارة والرهن والشركة والمضاربة، فلا بد من
إضافتها إلى الموكل (١) .
والخلاصة : أن كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه، جازأن يوكل به غيره،
كما قال الحنفية (٢).
وتجوز الوكالة بفسخ العقود؛ لأنه إذا جاز التوكيل في عقدها، ففي فسخها أولى.
وأما التوكيل في تملك المباحات وتحصيلها : كإحياء الموات وسقاية الماء
والاصطياد والاحتشاش واستخراج المعادن، فلا يجوز عند الحنفية، فإذا حصل
الفقه على المذاهب الأربعة : ٣ / ٢٣٣.
(١)
(٢)
راجع البداية : ٣ / ١٠٩ .
- ٨٩ -
الوكيل على شيء مما ذكر فهو له، وليس للموكل منه شيء. ويجوز عند المالكية وعند
الشافعية في الأظهر، وعند الحنابلة ، لأنها تملك مال بسبب لا يتعين عليه ، فجاز
التوكيل فيه كسائر أسباب الملك من بيع أو هبة ونحوهما (١).
أما الوكالة بالخصومة كالمحاماة اليوم : فتجوز في حقوق الناس ، لما روي
أن علياً وكل عقيلاً في الخصومة عند أبي بكر وعمر، ووكل جعفراً عند عثمان (٢)، ولأن
الحاجة تدعو إلى التوكيل فيها ، إذ قد لا يحسن المرء الدفاع عن حقوقه، أو يكره أن
يتولى الخصومة بنفسه(٣).
وأما التوكيل بالبيع والشراء : فيجوز بلا خلاف بين الفقهاء، لأنها مما
يملك الموكل مباشرتها بنفسه، فيملك التفويض إلى غيره ، إلا أن لجواز التوكيل
بالشراء شرطاً : وهو الخلو عن الجهالة الكثيرة إذا كانت الوكالة خاصة .
وبيان المذكور عند الحنفية أن التوكيل بالشراء نوعان : عام وخاص(":
فالوكالة العامة : كأن يقول الموكل : اشتر لي ماشئت أو ما رأيت، أو أي ثوب
شئت أو أي دار شئت ونحوها . وهي تصح مع الجهالة الفاحشة من غير بيان النوع
والصفة والثمن ؛ لأنه فوض الرأي إليه، فتصح مع الجهالة الكثيرة، كما في عقد
المضاربة .
ووافق المالكية الحنفية في تجويز الوكالة العامة، ويدخل فيها جميع ما تصح فيه
النيابة من الأمور المالية والزواج والطلاق وغيرها ، إلا ما يستثنيه الموكل من
الأشياء .
(١)
المراجع السابقة .
(٢)
سنن البيهقي : ٦ / ٨١ .
الهداية: ٣ / ١٣٦، مختصر خليل: ص ٢١٦، المهذب: ١ / ٣٤٨، المغني : ٥ / ٨١.
(٣)
(٤)
القوانين الفقهية: ص ٢٢٨ ، تحفة الطلاب: ص ١٦٩، غاية المنتهى: ٢ / ١٥١.
- ٩٠ -
وقال الشافعية والحنابلة : لا يصح التفويض العام، كأن يوكله في كل قليل
وكثير، لوجود الغرر الكثير الذي لاضرورة إلى احتماله .
والوكالة الخاصة: كأن يقول الموكل: اشتر لي ثوباً أو بيتاً أو جوهراً أو شاة
ونحوها ، ويتنازع أمر الجهالة فيها قياس واستحسان. فالقياس: أنها لا تصح مع
الجهالة قليلة كانت أم كثيرة ، فلابد من بيان الجنس والنوع والصفة ومقدار الثمن ؛
لأن البيع والشراء لا يصحان مع الجهالة اليسيرة، فلا يصح التوكيل بها أيضاً.
والاستحسان : أن الجهالة اليسيرة لا تؤثر، وإنما تؤثر الجهالة الكثيرة في صحة
التوكيل. وجه الاستحسان: ما ثبت أن الرسول صَ لّ ((دفع ديناراً إلى حكيم بن حزام
ليشتري له به أضحية».
ولو كانت الجهالة القليلة مانعة من صحة التوكيل بالشراء، لما فعله الرسول
عليه السلام ؛ لأن جهالة الصفة لا ترتفع بذكر الأضحية وقدر الثمن ، ولأن الجهالة
القليلة في باب الوكالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن مبنى التوكيل على المسامحة .
وضابط الجهالة القليلة : هو أنه إذا كان اسم ما وكل بشرائه مما لا يتناول إلا
نوعاً واحداً، وذكر فيه أحد أمرين : إما الصفة أو مقدار الثمن ، فتكون الجهالة قليلة .
وأما إذا كان اسم ما وكل بشرائه يتناول أنواعاً مختلفة أو في حكم الأنواع المختلفة،
فإن الجهالة تكون كثيرة ، فلا تجوز الوكالة إلا إذا بين النوع الموكل بشرائه، ولا يكفي
بيان مقدار الثمن أو الصفة .
وعلى هذا فإن الجهالة اليسيرة : هي جهالة النوع المحض أي الذي لا تتفاوت قيم
آحاده تفاوتاً فاحشاً .
وأما الجهالة الكثيرة : فهي جهالة الجنس . فعلى هذا، يغتفر الحنفية من
- ٩١ -
الغرر في الوكالة ما لا يغتفرونه في البيع، فالجهالة التي اعتبروها يسيرة هنا: هي
جهالة فاحشة مانعة من صحة البيع عند أكثرهم ومن لزومه عند بعضهم (١).
من أمثلة الجهالة القليلة ما يلي :
إذا قال الموكل للوكيل: ((اشتر لي صوفاً انكليزياً أو هندياً أو يابانياً)) تصح
الوكالة لأنه بين الصفة، أو قال: ((اشتر لي صوفاً بألف ليرة)) تصح الوكالة ، لأنه بين
مقدار الثمن .
ولو قال: ((اشترلي حماراً أو بغلاً أو فرساً أو بعيراً)» ولم يبين له صفة ولا ثمناً،
قالوا : تصح الوكالة؛ لأن النوع معلوم، وهو لا يختلف باختلاف أفراده، وأما الصفة
فهي معلومة هنا أيضاً، وذلك بحسب حال الموكل .
ولو قال ((اشتر لي شاة أو بقرة)) ولم يذكر صفة ولا ثمناً: لا تصح الوكالة؛ لأن
الشاة والبقرة لا تصير معلومة الصفة بحال الموكل ، ولا بد من أن يكون أحدهما معلوماً
کما ذکرنا .
ومن أمثلة الجهالة الكثيرة ما يأتي :
إذا قال الموكل للوكيل : اشتر لي حيواناً أو ثوباً أو دابة أو أرضا أو جوهراً أو
حنطة أو داراً ونحوها ، لا تصح الوكالة لوجود الجهالة الفاحشة؛ لأن كل واحد من
هذه الأشياء اسم يقع على أنواع مختلفة، فالثوب مثلاً يطلق على ثوب الحرير
والقطن والكتان والصوف ونحوها، فكان لابد من ذكر نوع معين بأن يقول : اشتر
لي ثوباً قطنياً من صنع دمشق مثلا، أو يقول: ((اشتر لي حنطة بثمن كذا، أو بوزن
كذا))(٢).
رسالة الغرر وأثره في العقود للدكتور الصديق الأمين : ص ٥٥٩ .
(١)
(٢) راجع المبسوط ١٩ / ٣٨ وما بعدها، البدائع: ٦ / ٢٣، تكملة فتح القدير: ٦ / ٢٧ وما بعدها، رد المحتار
على الدر المختار: ٤ / ٤٢٠، تكملة رد المحتار: ٧ / ٣٦٥.
- ٩٢ -
المبحث الثالث - أحكام الوكالة :
إذا وقعت الوكالة صحيحة كان لها أحكام تتعلق بالتصرفات التي يملكها
الوكيل، وبالحقوق التي ترجع له في التوكيل بالبيع والشراء، وبحال المقبوض في
يده ، هل يعتبر أمانة أم مضموناً ؟
أولاً - تصرفات الوكيل :
يترتب على الوكالة ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل ، وسنبحث هنا
أنواع الوكالات لمعرفة أوجه التصرف التي يملكها الوكيل والتي لا يملكها .
١ - الوكيل بالخصومة (المحامي ):
أ - صلاحية الإقرار: الوكيل بالخصومة أي بالمرافعة أمام القضاء مثل المحامي
اليوم، يملك الإقرار على موكله بغير القصاص والحدود عند جمهور الحنفية؛ لأن
الوكيل بالخصومة وكيل بالجواب عن دعوى المدعي لبيان الحق وإثباته، لا المنازعة
فيه. والجواب قد يكون إنكاراً، وقد يكون إقراراً(١). وقيده أبو حنيفة ومحمد أن
يكون الإقرار في مجلس القاضي ، بينما لم يقيده أبو يوسف ، فأجاز إقرار الوكيل في
مجلس القاضي وغيره .
وقال زفر ومالك والشافعي وأحمد : إذا كانت الوكالة مطلقة، فلا تتضمن
الإقرار على الموكل ، فلو وكل رجلاً في الخصومة لم يقبل إقراره على موكله بقبض الحق
وغيره ؛ لأن الوكالة بالخصومة معناها التوكيل بالمنازعة ، والإقرار مسالمة ؛ لأنه معنى
(١) البدائع ٦ / ٢٤، تكملة فتح القدير: ٦ / ١٠، المبسوط: ١٩ / ٤ وما بعدها، الدر المختار: ٤ / ٤٣٠،
الكتاب مع اللباب : ٢ / ١٥١ .
- ٩٣ -
يقطع الخصومة، فهو يتنافى مع معنى الوكالة بالخصومة ، فلا يملكه الوكيل فيها
كالإبراء. وفارق الإقرار الإنكار: بأنه لا يقطع الخصومة، ولأن الوكيل لا يملك
الإنكار على وجه يمنع الموكل من الإقرار، فلو ملك الإقرار لامتنع على الموكل الإنكار،
وهو لا يجوز بدليل أن الوكيل لا يملك المصالحة عن الحق ولا الإبراء منه بدون
خلاف(١).
واستثنى المالكية حالة كون الوكيل عاماً وجعل له الموكل الإقرار في عقد
الوكالة، وحالة اشتراط خصم الموكل أن يجعل الإقرار لوكيله، بأن يقول له :
لا أتعاطى المخاصمة مع وكيلك حتى تجعل له الإقرار.
ومنشأ الخلاف في الحقيقة هو في قاعدة ((هل الأمر المطلق الكلي يقتضي الأمر
بشيء من جزئياته أم لا يقتضي؟)) قال الحنفية: يقتضي ماذكر، لاشتمال الكلي على
الجزئي ضرورة، فيصح إقرار الوكيل بالخصومة .
وقال غير الحنفية: لا يقتضي ماذكر، إذ لا إختصاص للجنس بنوع من أنواعه
ولا فرد من أفراده، فلم يصح إقرار الوكيل بالخصومة ؛ لأن اللفظ من حيث إطلاقه
لا يتناوله ، والقرينة العرفية إن لم تنفه فلا تقتضيه .
وبناء عليه قال الجمهور غير الحنفية :
ليس للوكيل المطلق ببيع شيء كأن يقول الموكل للوكيل : بع هذه العين ، أن
يبيعه بالغبن الفاحش ولا بثمن المثل ولا بدون ثمن المثل، ولا بالنقد ولا بالنسيئة، إذ
لا اختصاص للجنس بنوع من أنواعه ولا فرد من أفراده، وإنما ملك البيع بثمن المثل،
لقيام القرينة الدالة على الرضا بسبب العرف (٢).
بداية المجتهد : ٢ / ٢٩٧، الشرح الكبير: ٣ / ٣٧٩، المهذب: ١ / ٣٥١، المغني: ٥ / ٩١ .
(١)
(٢)
تخريج الفروع على الأصول : ص ١٠٠ .
- ٩٤ _
ثم إن الحنفية القائلين بجواز إقرار الوكيل اختلفوا في مكان صحته :
فقال أبو حنيفة ومحمد: يصح إقرار الوكيل في مجلس القاضي لا في غيره ، فيما عدا
الحدود والقصاص ؛ لأن الموكل فوض الأمر إليه، لكن في مجلس القضاء؛ لأن
التوكيل هو بالخصومة أو بجواب الخصومة ، وكل ذلك يختص بمجلس القاضي ، بدليل
أن الجواب لا يلزم في غير مجلس القاضي .
وقال أبو يوسف : يصح إقرار الوكيل في مجلس القاضي وفي غيره ؛ لأن التوكيل
تفويض ما يملكه الموكل إلى غيره، وإقرار الموكل لا تقف صحته على مجلس القاضي ،
فكذا إقرار الوكيل (١).
واتفق الحنفية على أنه إذا وكل بالخصومة ، واستثنى الإقرار وتزكية الشهود في
عقد الوكيل يصح، ويكون وكيلا بالإنكار. وإذا كان الاستثناء بكلام منفصل عن
العقد بعد أن تم التوكيل مطلقاً، فيصح عند أبي يوسف. ولا يصح عند محمد .
واتفق العلماء على أن إقرار الأب والوصي وأمين القاضي على الصغير لا يصح .
ب - صلاحية القبض : إن الوكيل بالخصومة في مال إذا قضى القاضي به
يملك قبضه عند جمهور الحنفية، وعند زفر: لا يملك، ودليله : أن المطلوب من
الوكيل بالخصومة الاهتداء إلى الحق ، ومن الوكيل بالقبض الأمانة ، وليس كل من
يهتدي إلى شيء يؤتمن عليه ، فلا يكون التوكيل بالخصومة توكيلاً بالقبض .
ورد جمهور الحنفية على دليل زفر بأن الموكل لما وكل غيره بالخصومة فقد ائتمنه
على قبضه ؛ لأن الخصومة فيه لا تنتهي إلا بالقبض ، فكان التوكيل بها توكيلاً
بالقبض(٢).
(٢)
البدائع ، المرجع السابق ، تكملة فتح القدير: ٦ / ١٠٢ وما بعدها .
(١)
البدائع : ٦ ص ٢٤ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٦ / ٩٦ .
- ٩٥ _
قال صاحب الهداية : والفتوى اليوم على قول زفر رحمه الله ، لظهور الخيانة في
الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال(١).
وقال الشافعية والحنابلة: إن الوكيل بالخصومة لا يملك القبض ؛ لأنه غير
مأذون به صراحة ولا عرفاً، إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت حقه يرضاه لقبضه (٢).
جـ - صلاحية الصلح والإبراء : لا يملك الوكيل بالخصومة عند الحنفية
والشافعية المصالحة عن الحق الموكل به ولا الإبراء عنه (٢).
د - توكيل الوكيل بالخصومة غيره : ليس للوكيل بالخصومة أن يوكل
غيره ، إلا إن أذن له الموكل ؛ لأن الناس متفاوتون في الكفاءة في الخصومة ، وقد رضي
الموكل برأي الوكيل لا برأي غيره(٤) .
٢ - الوكيل بتقاضي الدين(٥): إن أصل الرواية المنقولة عن أئمة الحنفية
تقضي بأن الوكيل بتقاضي الدين يملك قبض الدين ؛ لأن حق التقاضي لا يتم
المقصود منه إلا بالقبض ، فكان التوكيل به توكيلاً بالقبض، ولأن التقاضي بمعنى
القبض في الوضع اللغوي ، يقال : تقاضيته ديني وبديني ، واقتضيته ديني واقتضيت
منه حقي أي أخذته . وقال في القاموس : وتقاضاه الدين : قبضه منه .
ولكن المتأخرين من الحنفية قالوا : إن الوكيل بتقاضي الدين لا يملك القبض
عرفاً؛ لأن الناس في هذا الزمان فسدت أحوالهم فلا يرضون بقبض الوكلاء لتهمة
الخيانة في أموال بعضهم بعضاً . وهذا هو المفتى به عملاً بتعارف الناس ، والعرف قاض
على أصل وضع المذهب(٦).
تكملة فتح القدير: ٩٧/٦، المبسوط: ١٩/١٩، مجمع الضمانات: ص ٢٦١.
(١)
(٢)
المهذب: ١ / ٣٥١، المغني: ٩١/٥.
(٣)
تكملة ابن عابدين: ٧ /٣٦٥، المهذب: ١ / ٣٥١.
(٤)
المبسوط: ١٩ / ٠١٢
تقاضي الدين لغة: هو أخذ الدين، وعرفاً: هو المطالبة بالدين، والعرف قاضٍ على اللغة، كما هو معروف.
(٥)
انظر البدائع: ٢٥/٦، تكملة فتح القدير: ٩٧/٦، المبسوط: ٦٧/١٩ وما بعدها، رد المحتار على الدر المختار
(٦)
لابن عابدين: ٤ /٤٢٩، الكتاب مع اللباب: ٢ /١٥٠.
- ٩٦ -
والوكيل بتقاضي الدين لا يملك أن يوكل غيره ؛ لأن الناس يتفاوتون في
التقاضي ، فقد يتضايق المدين من تقاضي بعض الناس .
٣ - الوكيل بقبض الدين : اختلف أئمة الحنفية في أن الوكيل بقبض الدين،
هل يملك الخصومة في إثبات الدين إذا أنكر المدين أم لا ؟
فقال أبو حنيفة : يملك الخصومة في إثبات الدين، حتى لو أقيمت عليه البينة
على استيفاء الموكل الدين من المدين أو إبرائه المدين عن الدين تقبل البينة. ودليله :
أن التوكيل بقبض الدين توكيل بالمبادلة (أي أن يتملك المقبوض بمقابلة ما في ذمة
المدين قصاصاً) والحقوق في مبادلة المال بالمال تتعلق بالعاقد كما في البيع والإجارة ،
والوكيل هنا هو العاقد .
ولإيضاح كون قبض الدين يعتبر مبادلة قيل : إن الديون تقضى بأمثالها؛ لأن
قبض نفس الدين غير متصور استيفاؤه ، لأنه وصف ثابت في ذمة من عليه الدين ،
فكان استيفاء الدين عبارة عن نوع مبادلة، وهو مبادلة ما يأخذه عيناً بما في ذمة
المدين ، فأشبهت هذه العملية عملية البيع ، وحقوق عقد البيع يمارسها نفس العاقد ،
فإذا كان البيع قد تم بواسطة وكيل عن البائع ، فإن الوكيل هو المسؤول أمام المشتري
عن كل ما يتعلق بالتزامات العقد مثل تسليم المبيع وكونه خالياً من العيوب
ونحوهما ، كما أنه هو الذي يطالب بتسليم الثمن .
وقال الصاحبان : إن الوكيل بقبض الدين لا يكون وكيلاً بالخصومة؛ لأن
القبض هو استيفاء عين الحق، فهو غير الخصومة ، وليس كل من يؤتمن على المال
يهتدي إلى وجه الخصومة ، فلا يكون الرضا بالقبض رضا بالخصومة .
واتفق الحنفية على أن الوكيل بقبض العين كالكتاب مثلاً لا يملك
الخصومة، لأنه أمين محض حيث لا مبادلة هنا، لكونه وكيلاً بقبض عين حق
الموكل ، والقبض ليس بمبادلة ، فأشبه الرسول . وعلى هذا إذا وكل إنسان غيره بقبض
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٧)
- ٩٧ -
كتاب له من شخص آخر، فأقام من بيده الكتاب بينة على أن الموكل باعه إياه،
وقف الأمر حتى يحضر الموكل .
واتفقوا أيضاً على أن الوكيل بملازمة المدين ليحمله على وفاء الدين: لا يملك
قبض الدين ولا الخصومة فيه .
وكذلك اتفق أئمة الحنفية الثلاثة على أن الوكيل بالخصومة وكيل بالقبض ؛ لأن
من ملك شيئاً ملك تمامه، وتمام الخصومة بالقبض. وقال زفر: ليس وكيلاً بالقبض
لأن الموكل رضي بخصومته والقبض غير الخصومة، ولم يرض به. والفتوى على قول
زفر، لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخصومة من لا يؤتمن على المال .
أما الوكيل بطلب الشفعة أو بالرد بالعيب أو بالقسمة فإنه يملك الخصومة بالاتفاق
أيضاً؛ لأن الوكيل بأخذ الشفعة وكيل بالمبادلة ؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء ،
وكذا الرد بالعيب والقسمة فيهما معنى المبادلة، فكانت الخصومة فيها من حقوقها(١).
وقال الشافعية والحنابلة: إن الوكيل بقبض الدين أو العين يكون وكيلاً
بالخصومة في إثباته في أحد الوجهين ؛ لأنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالإثبات ، فكان
إذناً فيه عرفاً ، ولأن القبض لا يتم إلا به. وفي وجه آخر لا يكون وكيلاً بالخصومة؛
لأن الإذن بالقبض ليس بإذن في الإثبات لا نطقاً ولا عرفاً؛ لأنه ليس في العرف أن
من يرضاه للقبض يرضاه للإثبات . وكذلك هناك وجهان عندهم في الوكالة بطلب
الشفعة أو قسمة شيء (٢).
ويظهر لنا أن الأصح من الوجهين هو الثاني عند الشافعية، والأول عند
الحنابلة .
المبسوط: ١٧/١٩، البدائع: ٢٥/٦، تكملة فتح القدير: ٩٩/٦ - ١٠٢، رد المحتار: ٤٢٩/٤، الكتاب مع
(١)
اللباب: ٢ /١٥٠.
المهذب: ٣٥١/١، المغني: ٩١/٥ وما بعدها .
(٢)
- ٩٨ -
وهناك أحكام أخرى عند الحنفية تتعلق بالوكيل بالقبض ، منها :
توكيل الوكيل بالقبض غيره : القاعدة العامة هي أن الوكيل لا يجوزله
أن يوكل غيره فيما وكل به، بدون إذن موكله أو أن يقول له: اعمل برأيك ؛ لأن الموكل
رضي برأيه وأمانته وحده، والناس متفاوتون في الآراء والأمانة. ولكن مع هذا
ينبغي أن نقسم الوكالة عند الحنفية إلى قسمين لمعرفة مدى انطباق هذه القاعدة،
وهما : الوكالة العامة والوكالة الخاصة .
فإذا كانت الوكالة عامة : بأن قال الموكل وقت التوكيل بالقبض : اصنع
ما شئت، أوما صنعت من شيء فهو جائز علي، أو نحوه ، فإنه يجوز للوكيل أن
يوكل غيره بالقبض ، عملاً بمقتضى العموم .
وإذا كانت الوكالة خاصة: بأن لم يقل الموكل لفظاً يشعر بعموم الإذن
بالتصرف ، فإنه لا يجوز للوكيل أن يوكل غيره بالقبض ؛ لأن الوكيل يتصرف
بتفويض الموكل ، فيملك قدرما فوض إليه .
فإن وكل مع ذلك وقبض الوكيل الثاني لم يبرأ المدين من الدين، لأن توكيله
بالقبض إذا لم يصح، فقبضه وقبض الأجنبي سواء، إلا إذا وصل ما قبض إلى الوكيل
الأول، فيبرأ المدين من الدين ، لأنه وصل إلى يد من هو نائب الموكل في القبض .
فإن هلك المقبوض في يد القابض قبل أن يصل إلى الوكيل الأول ، ضمن القابض
للمدين ، وكان للدائن أن يأخذ الدين من المدين؛ لأن التوكيل بالقبض لم يصح،
فإذا أخذه منه، رجع على من دفعه إليه، فيرجع هذا بما ضمن على الوكيل الأول إن
هلك ما قبض في يده، لأنه صار مغرراً به من جهته بتوكيله بالقبض ، فيرجع عليه ،
إذ كل غار ضامن للمغرَّر به بما لحقه من المسؤولية من جهة ضمان الكفالة (١).
(١) البدائع: ٦ /٢٥، تكملة فتح القدير: ٨٩/٦ وما بعدها .
- ٩٩ _
وقال المالكية : ليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن يكون الوكيل لا يليق به
تولي ما وكل فيه بنفسه، كأن يكون وجيهاً، والموكل به أمر حقير، فله التوكيل
حينئذ(١).
وقال الشافعية والحنابلة : ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل به بلا إذن الموكل متى
كان قادراً على ما وكل فيه، أما إذا لم يكن قادراً على القيام بكل ما وكل فيه فله أن
(٢)
یوکل غيره(٢).
أخذ العوض عن الدين : ليس للوكيل بقبض الدين أن يأخذ عيناً مكان
الدين ؛ لأن هذا يعتبر معاوضة ، وعقد المعاوضة ليس من صلاحية الوكيل بالقبض،
لأنه موكل بقبض الحق لا غير، لا بالاستبدال ولا بالاعتياض(٣).
توكيل اثنين بقبض الدين : لو وكل إنسان و کیلین بقبض دینه، فليس
لأحدهما أن ينفرد بالقبض دون صاحبه؛ لأن الموكل رضي برأيها لا برأي أحدهما،
فإن قبض أحدهما لم يبرأ الغريم ، حتى يصل ما قبض أحدهما إلى صاحبه، فيقع
المقبوض في أيديهما جميعاً، أو يصل إلى الموكل؛ لأن المقصود بالقبض قد حصل،
عالي
فكأنها قد قبضاه من ابتداء الأمر (٤).
قبض الشيء معيباً : لو أن الوكيل بقبض الدين قبضه، فوجده معيباً، فما
كان للموكل رده فله رده ، وأخذ بدله، لأنه قائم مقام الموكل ، فهو يملك قبض حقه
أصلاً ووصفاً ، فكذا الوكيل(٥).
(١)
الشرح الكبير للدردير: ٣٨٨/٣.
(٢)
مغني المحتاج: ٢٢٦/٢، المغني: ٨٨/٥.
(٣)
البدائع ، المرجع السابق : ص ٢٦ .
تكملة فتح القدير، المرجع السابق: ص ٨٦ وما بعدها .
(٤)
البدائع ، المرجع السابق.
(٥)
- ١٠٠ -