النص المفهرس

صفحات 41-60

المديون ليس بمشترك بين الدائنين ، فلا يكون هذا تصرفاً في حق الغير، بل يكون
المدين متصرفاً في مال نفسه، فيجوز (١).
إيداع رجل من رجلين : لو أودع رجل عند رجلين وديعة مما يقسم ، فلهما
أن يقسماه، ويأخذ كل واحد نصفه للحفظ ؛ لأن المالك رضي بحفظها، ولم يرض
بحفظ أحدهما لكل الوديعة .
ولو دفع أحدهما الوديعة كلها إلى صاحبه، ضمن النصف عند أبي حنيفة؛ لانه
رضي بحفظها، لا يحفظ أحدهما؛ لأن الأصل أن فعل الاثنين إذا أضيف إلى ما يقبل
التجزئة ، تناول البعض ، فإذا سلم أحدهما الكل إلى الآخر، ولم يرض المالك به،
ضمن .
وقال الصاحبان: لا يضمن ؛ لأنه رضي بأمانتهما ، فكان لكل واحد منهما أن يسلم
إلى الآخر، ولا يضمنه، كما هو الشأن فيما لا يقسم.
واتفقوا على أن الوديعة إذا كانت لا تقسم، لا تضمن؛ لأنه لا يمكن حفظها إلا في
مكان واحد، فكان المالك راضياً بحفظ أحدهما لعلمه أنها لا يجتمعان عليه أبداً(٢).
طريقة حفظ الوديعة : اختلف العلماء في طريقة حفظ الوديعة، فقال
الحنفية والحنابلة : على الوديع أن يحفظ الوديعة ، كما يحفظ به ماله في حرز مثله،
وذلك بيده أو بيد من هو في عياله(٣) من تلزمه نفقته، كامرأته وولده وغلامه
وخادمه ؛ لأن حفظها بهؤلاء مثلما يحفظ به ماله ، فأشبه مالو حفظها بنفسه .
وله عند الحنفية أن يحفظ الوديعة أيضاً بيد من ليس في عياله ، ممن يحفظ عنده
تكملة فتح القدير: ٩٤/٧ وما بعدها، المبسوط: ١٢٢/١١، مجمع الضمانات: ص ٧٨.
(١)
(٢)
تكملة فتح القدير: ٩٦/٧، مجمع الضمانات: ص ٧٨، الكتاب مع اللباب: ١٩٩/٢.
وهو الذي يسكن معه ويمونه، فيكفيه طعامه وشرابه وكسوته، كائناً من كان، قريباً أم أجنبياً كولده
(٣)
وامرأته، وخادمه، وأُجیره .
- ٤١ -

ماله بنفسه عادة كشريكه المفاوض والعنان، لا المستأجر مياومة(١). فإن حفظ
الوديع الوديعة عند غير هؤلاء فتلفت ، ضمنها ؛ لأن المالك رضي بيده لا بيد غيره
والأيدي تختلف في الأمانة إلا أن يقع في دار الوديع حريق ، فيسلمها إلى جاره أو
يكون الوديع في سفينة وهاجت الريح وصار بحيث يخاف الغرق ، فيلقيها إلى سفينة
أخرى، فله ذلك لأنه إجراء تعين طريقاً للحفظ في هذه الحالة، فيرتضيها المالك .
ولا يصدق الوديع على ذلك إلا ببينة ؛ لأنه يدعي ضرورة مسقطة للضمان بعد تحقق
سبب الضمان .
وقال المالكية: للوديع حفظها عند عياله الذين يأمنهم كالزوجة والابن
والأجير الذين اعتيد حفظ ماله عندهم بأن طالت إقامتهم عنده، ووثق بهم
بالتجربة، بخلاف ما لم يعتادواذلك كالزوجة إثر تزوجه بها، والأجير إثر
(٢)
استئجاره(٢).
وقال الشافعية : على الوديع أن يحفظ الوديعة بنفسه، ولا يجوز حفظها عند
زوجته أو ولده بلا إذن من المودع، أو إذا لم يكن هناك عذر بذلك؛ لأن المودع لم
يرض بأمانة غير هذا الوديع لا بيد غيره . فإن خالف الوديع طريق الحفظ ضمن ، إلا
إذا كان الايداع لعذر كمرض أو سفر، فإنه لا يضمن(٢).5
المبحث الرابع - حال الوديعة : هل هي أمانة أم مضمونة :
اتفق علماء المذاهب على أن الوديعة قربة مندوب إليها ، وأن في حفظها ثواباً،
وأنها أمانة محضة ، لا مضمونة، وأن الضمان لا يجب على الوديع إلا بالتعدي أو
(١) المبسوط: ١٠٩/١١، تكملة فتح القدير: ٨٩/٧، مجمع الضمانات: ص ٧٧، البدائع: ٢٠٧/٦، المغني: ٣٨٥/٦،
الكتاب مع اللباب: ٢ /١٩٧ .
(٢)
حاشية الدسوقي: ٤٢٣/٣، بداية المجتهد: ٣٠٧/٢ .
(٣)
مغني المحتاج: ٣/ ٨١، المهذب: ٢/ ٣٦١.
- ٤٢ -

التقصير، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس على المستودع غير المغل ضمان(١)) وقوله
((لا ضمان على مؤتمن(٢)) واشتراط الضمان على الأمين باطل، وهو المفتى به عند
الحنفية .
!
ويترتب عليه أنه يجب ردها عند طلب المالك مع الإمكان ، لقوله تعالى:
﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ .
فإذا طالب المالك الوديع بها، فقال: ((ما أودعتني شيئاً)) ثم قال بعدئذ:
ضاعت، فيضمن، لخروجه عن حد الأمانة ، وإذا قال: ما تستحق عندي شيئاً، ثم
قال: ضاعت، كان القول قوله بيمينه. ويترتب عليه أنه يجب أداء الوديعة إلى نفس
المالك؛ لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانات إلى أهلها ، فلو ردها إلى منزل المالك، من
غير حضرته ، أو دفعها إلى من هو في عيال المالك يضمن ؛ لأنه لم يرض بيد عياله
حيث أودع عند غيرهم. بخلاف العارية والإجارة: لو رد المستعار أو العين المؤجرة
إلى بيت المالك أو إلى من في عياله: لا يضمن، العادة الناس الجارية في رد المستعار
ونحوه، حتى لو كانت العارية شيئاً نفيساً كعقد جوهر ونحوه، يضمن، لعدم جريان
العادة به .
ويترتب عليه أيضاً أن القول قول الوديع في التلف والرد على الإطلاق مع يمينه
على التفصيل الآتي(٢) :
أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننيها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((ليس على
(١)
المستودع غير المغل ضمان، ولا على المستعير غير المغل ضمان)» المغل: الخائن. قال الحافظ ابن حجر: وفي إسناده
ضعيفان. قال الدارقطني: وإنما يروى هذا من قول شريح غير مرفوع. ورواه من طريق أخرى ضعيفة بلفظ
((لا ضمان على مؤمن)) (راجع نصب الراية: ٤ /١١٥، التلخيص الحبير: ص ٢٧٠، نيل الأوطار: ٢٩٦/٥).
رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي إسناده ضعف (نيل الأوطار: ٢٩٦/٥)
(٢)
البدائع: ٢١٠/٦، تكملة فتح القدير: ٨٩/٧، الكتاب مع اللباب: ١٩٦/٢، مجمع الضمانات: ص ٦٨، ٨٧، ٨٩،
(٣)
حاشية ابن عابدين: ٥١٦/٤، مغني المحتاج: ٨١/٣، قليوبي وعميرة: ١٨٢/٣، المغني: ٣٨٢/٦.
- ٤٣ -

تعارض الادعاءات والبينات :
إذا اختلف المودع مع الوديع، فقال الوديع: هلکت الوديعة عندي أو « رددتها
إليك)) وأنكر المودع، وقال: ((لا ، بل أتلفتها)) فالقول قول الوديع، لأنه أمين في
الحفظ ، ولکن مع الیین ، کما بينا .
فإن أقام المودع البينة على الإتلاف : يضمن الوديع، وكذا إذا استحلف الوديع
على الإتلاف، فنكل. فلو أقام المودع البينة على أن الوديع أتلفها، وأقام الوديع
البينة على أنها هلكت بنفسها ، فبينة المودع أولى؛ لأنها أكثر إثباتاً؛ لأن فيها إثات
الهلاك وزيادة عليه وهو التعدي. فإذا أقام الوديع البينة على إقرار المودع أنها
هلكت، تقبل بينته، ويكون هذا الإثبات تكذيباً لبينة المودع.
المبحث الخامس - حالات ضمان الوديعة :
يتغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان بحالات ، هي(١) :
١ - ترك الوديع الحفظ : لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك
حفظها حتى هلكت، يضمن بدلها بطريق الكفالة، فلو رأى انساناً يسرق الوديعة ،
وهو قادر على منعه ضمن ، لترك الحفظ الملتزم بالعقد .
٢ - ايداع الوديع عند من ليس في عياله، ولا هو ممن يحفظ ماله
بيده عادة :
إذا أخرج الوديع الوديعة من يده، وأودعها عند غيره بغير عذر، يصير ضامناً؛
لأن المودع ارتضى بحفظ الوديع الأول، دون حفظ غيره إلا إذا كان هناك عذر فلا
يضمن، كأن وقع في داره حريق، أو كان في سفينة فخاف الغرق ، فدفعها إلى غيره ؛
(١) البدائع: ٢١١/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٩١/٧ وما بعدها، المبسوط: ١١/ ١١٣، مجمع الضمانات:
ص ٦٨ .
-٤٤_

لأن الدفع إليه في هذه الحالة تعين طريقاً للحفظ، فكان الدفع بإذن المالك دلالة (١).
وإذا أودعها عند شخص آخر بغير عذر، فهلكت أو ضاعت وهي في يد الثاني،
فالضمان على الأول، لا على المودع الثاني عند أبي حنيفة والحنابلة(٢)؛ لأن الثاني محسن
إلى المالك بصيانة الوديعة عن أسباب الهلاك، والله سبحانه يقول: ﴿ما على المحسنين
من سبيل) وأما المودع الأول فهو مخصوص عن النص.
وقال الصاحبان : المالك بالخيار، إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني،
فإن ضمن الأول، لا يرجع بالضمان على الثاني؛ لأنه ملك الوديعة بأداء الضمان، وإن
ضمن الثاني يرجع به على الأول ؛ لأن الأول غره بالإيداع، فيلزمه ضان الغرور.
وسبب التخيير هو أنه وجد من كل منهما سبب لوجوب الضمان فيخير المالك. أما
الأول : فلأنه دفع مال الغير إلى غيره بغير إذنه ، وأما الثاني: فلأنه قبض مال الغير
بغير إذنه .
وأما إذا استهلك المودع الثاني الوديعة، فالمالك بالخيار: إن شاء ضمن الأول
وإن شاء ضمن الثاني بالاتفاق ، غير أنه إن ضمن الأول يرجع بالضمان على الثاني، وإن
ضمن الثاني لا يرجع بالضمان على الأول ؛ لأن سبب وجوب الضمان وجد من الثاني
حقيقة وهو الاستهلاك، ولم يوجد من الأول إلا الدفع إلى الثاني على طريق
(٢)
الاستحفاظ
٠
والقاعدة عند جمهور الحنفية: أن الوديعة إذا صارت مضمونة ، ثم أزيل سبب
الضمان ، كأن يسترد الوديع الأول من المودع الثاني الوديعة، ويحفظها بنفسه أو نحو
ذلك مما سيأتي، فإنه يبرأ عن الضمان ؛ لأنه في عودته لحالته الأولى يعتبر وديعاً،
البدائع: ٦ /٢٠٨، تكملة فتح القدير: ٩١/٧، المبسوط: ١٢٥/١١، ١٣٢، حاشية ابن عابدين: ٤ /٥١٦.
(١)
(٣)
(٢)
القواعد لابن رجب : ص ٢١٧.
المراجع السابقة عند الحنفية .
- ٤٥ _

والوديع إذا هلكت الوديعة بدون سبب منه لا ضمان عليه(١). هذا بخلاف المستأجر
والمستعير، إذا خالفا ، ثم تركا الخلاف بقي الضمان .
والقاعدة عند زفر والشافعي وبقية الأئمة أن الوديعة متى صارت مضمونة
بانتفاع وغيره مما سيأتي ، ثم ترك الوديع الخيانة ، لم يبرأ من الضمان؛ لأن الوديعة لما
صارت مضمونة ، فقد ارتفع العقد، لتغير طبيعته، فلا يعود إلا بالتجديد ، ولم
یوجد، فصار كما لو جحد الوديعة، ثم أقر بها(٣).
٣ - استعمال الوديعة: إذا انتفع الوديع بالوديعة كركوب الدابة ولبس
الثوب ، فإنه يصير ضامناً، فإن ترك الاستعمال ، فقال جمهور الحنفية كما عرفنا من
قاعدتهم: لاضمان عليه؛ لأنه مسك لها بإذن مالكها، فأشبه ما قبل الاستعمال(٣).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إذا تلفت الوديعة بعد استعمالها يضمنها ،
ولو كان التلف بسبب سماوي ؛ لأنه بالتعدي في الاستعمال قد ارتفع حكم الوديعة
وبطل الاستئمان ، فصار كما لو جحد الوديعة ثم أقر بها، فلا يبرأ من الضمان إلا بالرد
على المالك ، كما قررنا(٤).
٤ - السفر بالوديعة: قال أبو حنيفة: للوديع أن يسافر بالوديعة إذا كان
الطريق آمنا ، ولم ينهه صاحب الوديعة، بأن كان العقد مطلقاً؛ لأن الأمر بحفظ
الوديعة صدر مطلقاً عن تعيين المكان ، فلا يجوز التعيين إلا بدليل ، وعلى هذا فلو
سافر فتلفت الوديعة لا يضمن .
البدائع: ٢١٢/٦، تكملة فتح القدير: ٩٢/٧، مجمع الضمانات: ص ٧٣، ٧٦ وما بعدها .
(١)
(٢)
مغني المحتاج: ٣/ ٩٠.
(٣)
البدائع: ٦/ ٢١١، المبسوط: ١١ / ١٢٣.
مغني المحتاج، المرجع السابق: ٨٨/٣، المهذب: ٣٦٢/١، حاشية الدسوقي: ٤ / ٤٢٠، ٤٢٧، القوانين الفقهية:
(٤)
ص ٣٧٤ ، المغني: ٦ / ٤٠١.
- ٤٦ -

وقال الصاحبان : إن كان للوديعة حمل ومؤنة، لا يملك المسافرة بها؛ لأن في
المسافرة بما له حمل ومؤنة ضرراً بالمالك، لجواز أن يموت الوديع في السفر، فيحتاج
المالك إلى الاسترداد من موضع يكلفه حِمْلاً ومؤنة عظيمة ، فيتضرر به، بخلاف ما إذا
لم يكن لها حمل ومؤنة(١).
وقال المالكية : ليس للوديع أن يسافر بالوديعة ، إلا أن تعطى له في سفر، فإذا
أراد السفر، فله إيداعها عند ثقة مؤتمن من أهل البلد، ولا ضمان عليه ، سواء قدر على
دفعها إلى الحاكم، أولم يقدر(٢).
وقال الشافعية والحنابلة : ليس للوديع المسافرة بالوديعة ، فإن أراد السفر ردها
إلى صاحبها أو وكيله إن قدر على الرد، فإن لم يقدر، كأن لم يجد صاحبها سلمها إلى
الحاكم؛ لأنه متبرع بإمساكها، فلا يلزمه استدامته، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند
غيبته، فإن سافر بها ضمن؛ لأنه عرضها للضياع، والحرز في السفر دون حرز الحضر،
سواء أكان الطريق آمناً أم مخوفاً(٢)، وقال عليه السلام ((إن المسافر وماله لعلى قَلَت
إلا ما وفى الله)) أي على خطر الهلاك (٤).
٥ - جحود الوديعة : إذا طلب المودع الوديعة فجحدها الوديع، أو حبسها
البدائع: ٢٠٩/٦، تكملة فتح القدير: ٩٣/٧، حاشية ابن عابدين: ٥٢١/٢٤، المبسوط: ١٢٢/١١، مجمع
(١)
الضمانات : ص ٦٩.
بداية المجتهد : ٣٠٧/٢، حاشية الدسوقي: ٣/ ٤٢١، ٠٤٢٣
(٢)
(٣)
مغني المحتاج: ٨٢/٣ وما بعدها، المهذب: ٣٦١/١، القاموس المحيط: ١ / ١٨٣.
(٤)
رواه السلفي في أخبار أبي العلاء المعري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله مُؤ قال: ((لو علم الناس رحمة الله
بالمسافر، لأصبح الناس وهم على سفر، إن المسافر ورحله على قلت إلا ما وقى الله)) قال الخليل: والقلت:
الهلاك. قال ابن حجر: وكذا أسنده أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من هذا الوجه من غير طريق
المعري. وكذا ذكره القاضي النهرواني في كتاب الجليس والأنيس بعد أن ذكره مرفوعاً عن النبي عَ لِّ، لكنه لم
يسق له إسناداً. وقد أنكره النووي في شرح المهذب، فقال: ليس هذا خبراً عن النبي ◌ُ ◌ّر، وإنما هو من كلام
بعض السلف، قيل: إنه علي بن أبي طالب (راجع التلخيص الحبير: ص ٢٧١، كشف الخفا للعجلوني :
ص ٢٥٥).
- ٤٧-

عنه وهو يقدر على تسليمها ضمن ؛ لأنه لما طالبه بالرد ، فقد عزله عن الحفظ ، فيكون
بعدئذ بالإمساك غاصباً مانعاً ، فيضمنها إذا أقام المودع البينة على الإيداع أو نكل
الوديع عن اليمين أو أقر به . فإن جحد ثم عاد إلى الاعتراف لم يبرأ عن الضمان لارتفاع
العقد .
ولو جحد الوديعة ثم أقام الوديع البينة على هلاكها فثلاثة أوجه : إن أقام البينة
على أنها هلكت بعد الجحود أو مطلقاً لا ينتفع ببينته ؛ لأن العقد ارتفع بالجحود ، أو
عنده، فيضمن . وإن أقام البينة على أنها هلكت قبل الجحود تسمع بينته، ولا ضمان
عليه ؛ لأن الهلاك قبل الجحود يؤدي إلى انتهاء العقد .
ولو ادعى الهلاك قبل الجحود، ولا بينة له، وطلب اليمين من المودع حلفه
القاضي ((بالله تعالى ما يعلم أنها هلكت قبل جحوده)) فإن حلف، يقضى بالضمان ،
وإن نكل، يقضى بالبراءة(١).
٦ - خلط الوديعة بغيرها : إذا خلط الوديع الوديعة بمال نفسه فإن كان يمكن
التمييز بينهما، لاشيء عليه ويميز. وإن كان لا يمكن التمييز، يضمن المثل عند أبي
حنيفة؛ لأن الخلط إتلاف للوديعة من حيث المعنى. (S
وكذلك إذا كانت وديعتان كدراهم مثلاً، فخلط إحداهما بالأخرى، يضمن
مثلها لكل منهما عنده .
وكذا في سائر المكيلات والموزونات إذا خلط الجنس بالجنس خلطاً لا يتميز،
كالحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، أو بغير جنسه كخلط الحنطة بالشعير، يضمن
عند أبي حنيفة لكل واحد مثل حقه ، دليله: أنه لما خلطهما خلطاً لا يتميز، فقد عجز
(١) المبسوط: ١١٦/١١ وما بعدها، البدائع: ٢١٢/٦، تكملة فتح القدير: ٩٣/٧، مجمع الضمانات: ص ٨٤ وما
بعدها .
- ٤٨ -

كل منهما عن الانتفاع بالمخلوط ، فكان الخلط منه إتلافاً للوديعة لكل واحد منهما
فيضمن .
وقال الصاحبان في كل ما سبق: المالك بالخيار إن شاء ضمن الوديع مثل
حقه ، وإن شاء أخذ نصف المخلوط أو باعه المالكان وقبضا الثمن ، دليلهما : أن الوديعة
قائمة بعينها ، لكن عجز المالك عن الوصول إليها بعارض الخلط (١).
ولومات الوديع ولم يبين الوديعة ، فإن كانت معروفة وهي قائمة، ترد إلى
صاحبها؛ لأن هذا عين ماله و ((من وجد عين ماله، فهو أحق به)) على لسان الرسول
مَّالٍّ(٢)، وإن لم تعرف بعينها، يضمن ، وتكون ديناً في تركته لأنه لما مات مجهلاً
الوديعة فقد أتلفها معنى . وعلى هذا فالأمانات تصبح مضمونة بالموت عن تجهيل
إلا في ثلاثة أحوال :
١ - إذا مات ناظر الوقف مجهلاً غلات الوقف .
٢ - إذا مات القاضي مجهلاً أموال اليتامى عند من أودعها أو عنده.
٣ - إذا مات الحاكم ولم يبين عند من أودع بعض الغنائم الحربية، ونحو ذلك(٢).
والأئمة الآخرون قالوا مثل قول أبي حنيفة : إذا تعذر التمييز بين الوديعة وغيرها
أو تعسر كخلط الدراهم بالدراهم، والدهن بالدهن، والزيت بالزيت، والسمن
بغيره ، سواء خلطها بمثلها ، أو دونها أو أجود منها ، من جنسها ، أو من غير جنسها،
فيضمنها الوديع ؛ لأن المودع لم يرض بذلك . إلا أن المالكية قالوا: إذا كان الخلط
المبسوط: ١١٠/١١، تكملة فتح القدير: ٩٢/٧، البدائع: ٢١٣/٦، حاشية ابن عابدين: ٤ /٥١٩، مجمع
(١)
الضمانات : ص ٨٣ وما بعدها ، ٨٧ .
(٢)
رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله عَ ل: ((من وجد عين ماله عند رجل
فهو أحق به، ويتبع البيِّع من باعه)) وفي لفظ: ((إذا سرق من الرجل متاع، أو ضاع منه، فوجده بيد رجل
بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن)) رواه أحمد وابن ماجه ( راجع نيل الأوطار: ٢٤٠/٥).
الأشباه والنظائر لابن نجيم: ٦٧/٢، فتح القدير: ٢٧/٥.
(٣)
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٤)
- ٤٩ -

بالمثل كخلط الحنطة بمثلها ، والدنانير بمثلها ، فلا يضمن الوديع ، إذا كان الخلط بقصد
الإحراز والحفظ والرفق ، وإلا ضمن .
وأما إذا لم يتعذر التمييز بين الوديعة وغيرها، كخلط الدراهم بالدنانير أو الجيد
بالرديء، فإن الوديع لا يضمن شيئاً ، إلا إذا حدث بالخلط نقص في القيمة، فيضمن
عند الشافعية والحنابلة (١).
٧ - مخالفة شرط المودع في حفظ الوديعة : إذا شرط المودع على الوديع
حفظ الوديعة في مكان معين كدار أو بيت أو صندوق ، فنقلها إلى مكان آخر بدون
عذر، فقال الحنفية وغيرهم من الأئمة :
إذا نقلها إلى حرز دون الحرز السابق في الحفظ يضمن ، وإن نقلها إلى مكان مماثل
للحرز السابق ، أو أحرز منه ، فلا يضمن .
أما إذا أمره بحفظ الوديعة في مكان، ونهاه عن حفظها في مكان آخر، كأن قال
له : احفظها في هذه الدار، ولا تحفظها في دار أخرى .
فقال الحنفية والمالكية والشافعية : إذا نقلها إلى الدار الأخرى، وكانت مماثلة
للدار الأولى في الحرز، أو أحرز منها ، فلا يضمن ؛ لأن التقييد غير مفيد(٢)، فإن نقلها
من بلد إلى بلد ضمنها عند المالكية .
وقال الحنابلة في الأرجح عندهم : يضمن سواء نقلها إلى مثل المكان أو دونه أو
فوقه ، لأنه خالف صاحب الوديعة لغير فائدة ولا مصلحة ، ولا يجوز تفويت غرض
رب الوديعة من تعيينه المكان من غير ضرورة . ولكن إن خاف عليها في موضعها
فعليه نقلها ، فإن تركها فتلفت ضمنها ؛ لأن نهي صاحبها عن نقلها إنما كان لحفظها ،
حاشية الدسوقي: ٤٢٠/٣، مغني المحتاج: ٨٩/٣، المهذب: ٣٦١/١، المغني: ٦/ ٣٨٢، ٣٨٧.
(١)
المبسوط: ١١ / ١٢١، تكملة فتح القدير: ٩٧/٧، جمع الضمانات: ص ٦٩ وما بعدها، البدائع: ٢١٠/٦، حاشية
(٢)
الدسوقي: ٤٢٣/٣، حاشية الشرقاوي: ٩٩/٢، المهذب: ٣٥٩/١ وما بعدها، مغني المحتاج: ٨٤/٣ - ٨٦.
- ٥٠ -

وحفظها ههنا في نقلها ، فأشبه ما لو لم ينهه عن نقلها (١).
وإذا قال صاحب الوديعة للوديع: ((لا تسلمها إلى زوجتك)) فسلمها إليها
وهلكت، لم يضمن عند الحنفية؛ لأنه لا يجد بداً من التسليم ، فإنه إذا خرج، كان
البيت وما فيه مسلماً إليها، فلا يمكنه الحفظ مع مراعاة هذا الشرط وإن كان
ا (٢)
مفيداً(٢).
وبه يتبين أن أسباب ضمان الوديعة عند المالكية (١) ستة هي:
١ - إيداع الوديعة عند غير الوديع لغير عذر، حتى ولو استردها بعدئذ
فضاعت .
٢ - نقل الوديعة من بلد إلى بلد، بخلاف نقلها من منزل إلى منزل.
٣ - خلط الوديعة بما لا يتميز عنها مما هو غير مماثل لها كخلط القمح بالشعير،
فإن خلطها بما تنفصل عنه ، لم يضمن .
٤ - الانتفاع بالوديعة، فلو لبس الثوب أو ركب الدابة فهلكت في حال
الانتفاع، ضمن، وكذا إن تسلف الدنانير والدراهم أو ما يكال أو يوزن ، فهلك في
تصرفه فيه .
٥ - التضييع والإتلاف بأن يلقيه في مضيعة أو يدل عليها سارقاً .
٦ - المخالفة في كيفية الحفظ، مثل أن يأمره ألا يقفل عليها، فقفل ، فإنه يضمن .
وكذلك قال الشافعية(٤) قريباً من مذهب المالكية: إن أسباب الضمان ستة :
المغني: ٦ / ٣٨٧ وما بعدها .
(١)
(٢)
الكتاب مع اللباب: ٢ /٢٠٠.
(٣)
القوانين الفقهية : ص ٢٧٤ .
تحفة الطلاب : ص ١٦٧ .
(٤)
- ٥١ -

١ - إيداع الوديعة عند غيره بلا إذن ولا عذر له .
٢ - وضعها في غير حرز مثلها .
٣ - نقلها إلى دون حرز مثلها .
٤ - إهمال حفظها الواجب عليه بالتزامه، كما لوترك علف دابة فماتت .
٥ - العدول عن الحفظ المأمور به مع تلفها بذلك .
٦ - الانتفاع بها، كما لو لبس الثوب أو ركب الدابة لغير غرض المالك، فإنه
يضمن لتعديه ، كما يضمن كل أنواع التعدي عليها . ومتى صارت مضمونة بانتفاع أو
غيره، ثم ترك الخيانة ، لم يبرأ إلا أن يحدث المالك له استئماناً .
وقال الحنابلة(١) : تضمن الوديعة بما يلي:
١ - إيداعها عند غيره بلا عذر.
٢ - إهمال حفظها أو دلالة لص عليها .
٣ - المخالفة في كيفية الحفظ المتفق عليه ولو أنه حرز مثلها .
٤ - خلطها بغيرها خلطاً لا يتميز.
٥ - الانتفاع بها . ومتى خان لا تعود وديعة بغير عقد متجدد .
أحكام فرعية للوديعة : ذكر ابن جزي المالكي طائفة من أحكام الفروع
الفقهية في الوديعة هي ما يأتي(٢) :
أولاً - الاتجار بالوديعة: من اتجر بمال الوديعة، فالربح له حلال. وقال أبو
حنيفة : الربح صدقة . وقال قوم : الربح لصاحب المال .
ثانياً - سلف الوديعة: من أقرض الوديعة، فإن كانت عيناً كره، وأجازه
أشهب إن كان له وفاء بها، وإن كانت عروضاً لم يجز، وإن كانت مما يكال أو يوزن
غاية المنتهى: ٢٦٩/٢ - ٢٧٢، الإفصاح: ص ٢٦٨ وما بعدها .
(١)
(٢)
القوانين الفقهية : ص ٣٧٤ وما بعدها .
- ٥٢ _

كالطعام ، ففيه قولان مفرعان على موضوع: هل يلحق الطعام بالنقد أو
بالعروض ؟
ثالثاً - الاختلاف في الوديعة: إذا طولب الوديع بالوديعة، فادعى التلف،
فالقول قوله مع يمينه، وكذلك إذا ادعى الرد، إلا أن يكون قبضها ببينة، فلا يقبل
قوله في الرد إلا ببينة . وقال ابن القاسم وأبو حنيفة والشافعي : إن القول قوله وإن
قبضها ببينة .
رابعاً - طلب الأجرة على حفظ الوديعة: إذا طلب الوديع أجرة على حفظ
الوديعة ، لم يكن له ذلك ، إلا أن تكون مما يشغل منزله، فله كراؤه . وإن احتاجت
إلى غلق أو قفل فهو على صاحبها .
خامساً - الجحود الماثل لوديعة أخرى: إذا أودع شخص وديعة عند آخر،
فخانه وجحده ، ثم إن المودع استودع الوديع الأول مثلها ، فهل له أن يجحده فيها ؟
المشهور عند المالكية المنع ، وقيل : بالكراهة ، وقيل بالإباحة .
عالى
- ٥٣ -

الفصل الثامن
الإعارة
خطة الموضوع :
الكلام في عقد الإعارة يشتمل على المباحث الأربعة التالية :
المبحث الأول - تعريف الإعارة ومشروعيتها .
المبحث الثاني - ركن الإعارة وشرائطها .
المبحث الثالث - حكم عقد الإعارة .
المبحث الرابع - حال العارية، هل هي مضمونة أم أمانة .
المبحث الأول - تعريف الإعارة ومشروعيتها :
العارية: بتشديد الياء، وقد تخفف، والأول أفصح وأشهر. وهي اسم لما
يعار، أو لعقد العارية: مأخوذة من عار إذا ذهب وجاء، وقيل : من التعاور أي
التداول أو التناوب . وقال الجوهري: كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار
وعيب، واعترض عليه بأنه مؤ لٍّ فعلها، ولو كانت عاراً وعيباً ما فعلها(١).
وعرف السرخسي والمالكية الإعارة بأنها: تمليك المنفعة بغير عوض . سميت
إعارة : لتعريها عن العوض(٢). وعرفها الشافعية والحنابلة(٣) بأنها إباحة المنفعة بلا
مغني المحتاج: ٢٦٣/٢، تكملة فتح القدير: ٩٩/٧ وما بعدها ، حاشية ابن عابدين : ٥٢٤/٤ .
(١)
(٢)
المبسوط : ١٣٣/١١، القوانين الفقهية: /٣٧٣ .
مغني المحتاج: ٢٦٤/٢، كشاف القناع: ٦٧/٤ .
(٣)
- ٥٤ -

عوض. فهي تختلف عن الهبة بأنها واردة على المنافع، أما الهبة فترد على عين المال،
والفرق بين التعريفين أن الأول يفيد التمليك ، فللمستعير إعارة الشيء لغيره، والثاني
يفيد الإباحة ، فليس له إعارة الشيء لغيره، أو إجارته .
والإعارة قربة مندوب إليها ، لقوله تعالى: ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾،
وفسر جمهور المفسرين قوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ بما يستعيره الجيران بعضهم
من بعض، كالدلو والفأس والإبرة، ونحوها (١). وفي الصحيحين أنه صلى الله عز ال
استعار فرساً من أبي طلحة فركبه(٢). وفي رواية لأبي داود بإسناد جيد أنه عال
استعار درعاً من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال: أغصباً يامحمد ؟ فقال: بل
عارية مضمونة (٣).
المبحث الثاني - ركن الإعارة وشرائطها :
ركن الإعارة عند الحنفية: هو الايجاب من المعير. وأما القبول من المستعير
فليس بركن عند جمهور الحنفية استحساناً . والقياس أن يكون ركناً وهو قول زفر كما
مغني المحتاج ، المرجع السابق ، المهذب: ٣٩٢/١ وما بعدها، المغني: ٢٠٢/٥ .
(١)
رواه أحمد والشيخان عن أنس بن مالك، قال: ((كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ◌َ ◌ّ فرساً من أبي طلحة
(٢)
يقال له : المندوب فركبه ، فلما رجع قال: ما رأينا من شيء وإن وجدناه لبحراً )) أي ماوجدناه إلا بحراً أي
واسع الجري (راجع نيل الأوطار : ٢٩٩/٥ ) .
أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه الحاكم عن صفوان بن أمية أن النبي ◌ُ ◌ّر استعار منه يوم حنين
(٣)
أدرعا، فقال أغصباً يامحمد؟ قال: بل عارية مضمونة، قال: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي عَ ◌ّ أن
يضمنها له ، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب. وله شاهد صحيح عن ابن عباس ولفظه: ((بل عارية
مؤداة)) وأخرجه الدارقطني ثم البيهقي عن اسحاق بن عبد الواحد وهو متروك الحديث ، وأخرجه الحاكم أيضاً
من حديث جابر ، وذكر أنها مائة درع وما يصلحها . وفي رواية أبي داود أن الأدراع كانت مابين الثلاثين إلى
الأربعين . وللحديث طريق أخرى مرسلة في السنن عند أبي داود والنسائي (راجع جامع الأصول : ١٠٩/٩،
نصب الراية: ١١٦/٤، التلخيص الحبير: ص ٢٥٢، نيل الأوطار: ٢٩٩/٥، سبل السلام: ٦٩/٣ ) والفرق بين
لفظي ((مضمونة)) و((مؤداة)) هو أن المضمونة: هي التي تضمن إن تلفت بالقيمة، والمؤداة : هي التي تجب
تأديتها مع بقاء عينها فإن تلفت لم تضمن بالقيمة .
- ٥٥ _

في الهبة، حتى إن من حلف: لا يعير فلاناً، فأعاره، ولم يقبل ، يحنث عند جمهور
الحنفية، ولا يحنث عنده، كما سبق في الهبة .
والإيجاب : أن يقول: أعرتك هذا الشيء، أو منحتك هذا الثوب، أو هذه
الدار، أو أطعمتك هذه الأرض، فلفظ الإعارة صريح فيها، والمنحة : هي العطية
التي ينتفع الإنسان بها زماناً، ثم يردها على صاحبها وهو معنى العارية. والإطعام
المضاف إلى الأرض : هو إطعام منافعها التي تحصل منها بالزراعة من غير عوض عرفاً
وعادة ، وهو معنى العارية(١).
واشترط الشافعية في الأصح عندهم وجود لفظ من المعير أو المستعير في صيغة
العقد: مثل أعرتك أو أعربي؛ لأن الانتفاع بمال الغير يعتمد إذنه(٢).
وأركان الإعارة عند الجمهور " أربعة: المعير والمستعير والمعار، والصيغة وهي
كل ما يدل على هبة المنفعة من قول أو فعل .
شروط الإعارة :
يشترط عند الفقهاء ما يأتي :
الله تعالـ
اً - كون المعير عاقلاً، فلا تصح الإعارة من المجنون والصبي غير العاقل.
ولا يشترط البلوغ عند الحنفية، ويشترط عند غيرهم كون المعير أهلاً للتبرع مختاراً؛
لأن العارية تبرع بإباحة المنفعة ، فلا تصح ممن لا يصح تبرعه كصبي وسفيه ومفلس ،
ولا من مستکره(٤).
اً - القبض من المستعير: لأن الإعارة عقد تبرع، فلا يثبت حكم العارية بدون
القبض كالهبة .
(١)
البدائع : ٢١٤/٦.
مغني المحتاج : ٢٦٦/٢ .
(٢)
القوانين الفقهية: /٣٧٣ ، مغني المحتاج: ٢٦٤/٢، غاية المنتهى: ٢٢٧/٢، كشاف القناع: ٦٧/٤ .
(٣)
المراجع السابقة .
(٤)
- ٥٦ _

٣ - أن يكون المستعار مما يكن الانتفاع به بدون استهلاكه، وإلا لم تصح
إعارته(١).
وقد قرر العلماء أنه تصح الإعارة في كل عين ينتفع بها مع بقائها كالدور
والأرضين والثياب والدواب وسائر الحيوان، وجميع ما يعرف بعينه، إذا كانت منفعته
مباحة الاستعمال. فلا تجوز إباحة الجواري للاستمتاع، ويكره للاستخدام، إلا أن
تكون لذي رحم محرم؛ لأنه لا يأمن أن يخلو بها فيواقعها(٢)، ويحرم إعارة السلاح
والخيل للحربي، والمصحف وما في معناه للكافر، وإعارة الصيد للمحرم(".
المبحث الثالث - حكم عقد الإعارة :
نتكلم فيه في أصل حكم الإعارة، وفي بيان صفته .
أصل حكم الإعارة :
يطلق اسم العارية في العرف بطريقتين: بطريق الحقيقة، وبطريق المجاز.
أما الإطلاق بطريق الحقيقة فهو محل بحثنا هنا وهو إعارة الأعيان التي ينتفع بها،
مع بقائها . وحكمها عند المالكية وجمهور الحنفية: هوملك المنفعة للمستعير، بغير
عوض ، أو ما هو ملحق بالمنفعة عرفاً وعادة(٤).
وقال الكرخي والشافعية والحنابلة: إن موجب الإعارة هو إباحة الانتفاع
بالعين ، فهي عقد إباحة (٥). والإعارة عندهم : إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال .
ويترتب على الخلاف بين الفريقين : أن المستعير يجوز له عند الفريق الأول
(١)
البدائع : المرجع السابق .
(٢)
المهذب : ٢٦٢/١، القوانين الفقهية: /٣٧٣ .
(٣)
مغني المحتاج : ٢٦٦/٢ .
المبسوط: ١٣٣/١١، البدائع: ٢١٤/٦، تكملة فتح القدير: ٩٨/٧، ١٠٦، حاشية ابن عابدين : ٥٢٤/٤،
(٤)
حاشية الدسوقي : ٤٣٣/٣ .
مغني المحتاج: ٢٦٤/٢، المهذب: ٢٦٤/١، المغني : ٢٠٩/٥ .
(٥)
- ٥٧ -

إعارة الشيء المستعار لغيره، وإن لم يأذن له المالك، إذا كان لا يختلف باختلاف
المستعمل. غير أن المالكية قالوا: إذا منع المستعير من الإعارة، فلا يجوز له أن يعير.
ودليل الحنفية : أن المعير سلط المستعير على تحصيل المنافع ، والتسليط على هذا
الوجه تمليك، لا إباحة ، كما في الأعيان ، ومقتضى التمليك أن للمستعير حرية التصرف
في الانتفاع بالعارية بنفسه أو بغيره .
ولا يجوز للمستعير عند الفريق الثاني أن يعير العارية لغيره؛ لأن الإعارة
إباحة المنفعة ، فلا يملك بها الإباحة لغيره، كإباحة الطعام، فالضيف لا يبيح لغيره ما
قدم له .
ودليلهم أيضاً اتفاق العلماء على أن عقد الإعارة يجوز من غير أجل ، فلو كان
مقتضى الإعارة تمليك المنفعة ، لما جازت من غير أجل، كالإجارة .
واتفق الفريقان على أن المستعير لا يملك إجارة العين المعارة. والسبب عند
الفريق الثاني هو أن العارية تبيح المنافع فقط، ولكن لا تملكه إياها. وأما السبب
عند الفريق الأول فهو أن المستعير لا يملك الإجارة، لأنها عقد لازم، والإعارة عقد
تبرع، جائز غير لازم، فلا يملك به ما هو لازم، فيؤدي إلى تغيير طبيعة الإعارة .
كذلك ليس للمستعير أن يرهن ما استعاره؛ لأن الشيء لا يتضمن ما فوقه(١).
وأما إطلاق الإعارة بطريق المجاز: فهو إعارة المكيل والموزون والمعدود
المتقارب، مثل الجوز والبيض وكل مالا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كإعارة
الدراهم والدنانير، فهو قرض حقيقة، فعليه المثل أو القيمة ، ولكنه إعارة مجازاً، لأنه
لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه، ولا سبيل إليه إلا بالتصرف بالعين ، بخلاف
(١) أما الوديعة فلا تؤجر ولا ترهن ولا تودع ولا تعار (الدر المختار: ٥٢٥/٤).
- ٥٨ -

الإعارة حقيقة، فإن محل العقد فيها هو المنفعة لا العين ، سواء قلنا: إنها تفيد تمليك
المنفعة أو إباحة المنفعة(١).
حقوق الانتفاع بالعارية :
قال الجمهور غير الحنفية : للمستعير الانتفاع بالعارية حسب الإذن .
وقال الحنفية : الحقوق التي يمنحها عقد الإعارة للمستعير تختلف بين ما إذا كانت
الإعارة مطلقة أو مقيدة .
فالإعارة المطلقة: هي أن يستعير إنسان شيئاً، ولم يبين في العقد أنه
يستعمله بنفسه أو بغيره، ولم يبين كيفية الاستعمال، مثل: أن يعير شخص دابته
لآخر، ولم يسم مكاناً ولا زماناً ، ولم يحدد الركوب ولا الحمل. فحكمها: أن المستعير
ينزل منزلة المالك، فكل ما ينتفع به المالك ينتفع به المستعير، فله أن يستعمل الدابة
في أي مكان وزمان، وله أن يركب أو يحمل، أو يركب غيره؛ لأن الأصل في
المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملكه منافع العارية مطلقاً، إلا أنه لا يحمل عليها
فوق المعتاد لمثلها ولا يستعملها ليلاً ونهاراً، مالم يستعمل مثلها من الدواب، فلو
فعل فعطبت : يضمن ؛ لأن العقد المطلق مقيد بالعرف والعادة ضمناً، كما يتقيد نصاً،
5
كما في الإجارة(٢).
وأما الإعارة المقيدة : فهي أن تكون مقيدة في الزمان والانتفاع معاً أو في
أحدهما . وحكمها : أنه يراعى فيها القيد ما أمكن ؛ لأن الأصل في المقيد اعتبار القيد
فيه ، إلا إذا تعذر اعتباره لعدم الفائدة ونحوه، فيلغو القيد ؛ لأن التقييد يجري مجرى
البدائع: ٢١٥/٦، المبسوط : ١٤٥/١١، تكملة فتح القدير: ١٠٨/٧، مجمع الضمانات: /٥٥، الكتاب مع
(١)
اللباب : ٢٠٣/٢.
(٢)
المبوط ١١ : /١٤٤، البدائع، المرجع السابق، تكملة فتح القدير: ١٠٧/٧، حاشية ابن عابدين : ٥٢٧/٤،
مجمع الضمانات : /٥٧ وما بعدها .
- ٥٩ -

العبث(١) . وبيانه فيما يأتي :
إذا قيده في استعمال العارية بنفسه: فإن كان الاستعمال مما يتفاوت
الناس فيه كالركوب واللبس ، فإنه يختص به، ولا يجوز أن يركب غيره، أو يلبس
الثوب غيره .
وإن كان الاستعمال لا يتفاوت بتفاوت الناس ، مثل سكنى الدار فله أن يسكن
غيره ؛ لأن المملوك بالعقد هو السكنى ، والناس لا يتفاوتون فيه عادة، فلم يكن
التقييد بسكناه مفيداً، فيلغو القيد، إلا إذا كان الذي يسكنها إياه حداداً، أو
قصاراً(٣)، ونحوهما ممن يوهن البناء، فليس له أن يسكنها إياه ولا أن يعمل بنفسه
ذلك؛ لأن المعير لا يرضى به عادة .
وإذا حدد زماناً أو مكاناً: فجاوز ذلك المكان ، أو زاد على الوقت : يضمن ؛
لآن التخصص مفيد .
وإذا بين مقدار الحمل والجنس: فإن حمله عليه وزاد: يضمن ، بقدر
الزيادة، فلو ركب الدابة بنفسه، وأردف غيره، فعطبت فإن كانت الدابة مما تطيق
حملهما جميعاً: يضمن نصف قيمة الدابة ؛ لأنه لم يخالف إلا في قدر النصف، وإن كانت
الدابة مما لا تطيق حملها، ضمن جميع قيمتها ، لأنه استهلكها .
ولو حمل على الدابة شيئاً بخلاف الجنس المحدد في العقد : فإن كان مثله في الخفة
أو أخف منه : لا يضمن . وإن كان أثقل منه : يضمن .
وإن كان الحمل مثل المعين في العقد في الوزن والثقل : بأن استعار دابة ليحمل
عليها مئة رطل من القطن ، فحمل عليها مئة رطل من الحديد : فإنه يضمن ؛ لأن
البدائع: ٢١٥/٦ - ٢١٦، تكملة فتح القدير: ١٠٧/٧ وما بعدها، حاشية ابن عابدين : ٥٢٧/٤ ، المبسوط :
(١)
١٢٧/١١ وما بعدها، مجمع الضمانات: /٦٠ وما بعدها .
(٢)
القصار : محور الثياب ومبيضها .
- ٦٠ -