النص المفهرس

صفحات 21-40

أو الموزون ، لإجماع الصحابة على ذلك، ويظهر أن المراد بكون القبض شرط صحة
أنه شرط لزوم ، بدليل قول ابن قدامة : إن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة
إلا بالقبض ، وهو قول أكثر الفقهاء .
أما غير المكيل أو الموزون فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في
الموهوب قبل قبضه، لما روي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا : الهبة
جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض(١).
وقال المالكية : لا يشترط القبض لصحة الهبة، ولا للزوم الهبة، وإنما هو شرط
لتمامها ، أي لكمال فائدتها ، بمعنى أن الموهوب يملك بمجرد العقد أي القول، على المشهور
عندهم. والقبض أو الحيازة لتتم الهبة، ويجبر الواهب على تمكين الموهوب له من
الموهوب . ودليلهم تشبيه الهبة بالبيع وغيره من سائر التمليكات ، ولقول الأصحاب :
الهبة جائزة إذا كانت معلومة ، قبضت أو لم تقبض(٢).
والخلاصة: أن غير المالكية يرون أن الموهوب يملك بالقبض لا بالعقد(٣)، وعند
المالكية : يملك بالعقد .
٨- يشترط لصحة القبض عند جمهور العلماء : أن يكون بإذن
الواهب : فلو قبض بلا إذن لم يملكه، ودخل في ضمانه ؛ لأن التسليم غير مستحق على
الواهب، فلا يصح التسليم إلا بإذنه، ولأن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في
البيع، ففي الهبة من باب أولى ؛ لأن القبض فيها شرط لصحتها ، بعكس
(١)
المغني: ٥ ص ٥٩١ ومابعدها .
(٢)
بداية المجتهد: ٢ ص / ٣٢٤، حاشية الدسوقي: ٤ ص / ١٠١ .
لما روى الحاكم في صحيحه أنه عَ لّله(( أهدى إلى النجاشي ثلاثين أوقية مسكاً، ثم قال لأم سلمة: إني لأرى
(٣)
النجاشي قد مات، ولا أرى الهدية التي قد أهديت له ، إلا تستردّ ، فإذا ردت إلى ، فهي لك، فكان كذلك))
ولأن الهبة عقد إرفاق وتبرع كالقرض ، فلا يملك إلا بالقبض .
- ٢١ -

البيع (١) إلا أن الحنفية قالوا : القياس أن لا يجوز قبض الهبة إلا بإذن الواهب، سواء تم
القبض في مجلس العقد أم بعد الافتراق. والاستحسان أن الموهوب له إذا قبض
الموهوب في مجلس العقد بغير أمر الواهب، جاز. وإن قبض بعد الافتراق عن المجلس
لم يجز إلا أن يأذن له الواهب في القبض .
وجه القياس : أن القبض تصرف في ملك الواهب لأن ملكه قبل القبض باق ،
فلا يصح بدون إذنه .
ووجه الاستحسان : أن القبض في الهبة بمنزلة القبول ؛ لأنه يتوقف عليه ثبوت
الملك، والمقصود من الهبة إثبات الملك، فيكون الإيجاب من الواهب تسليطاً
للموهوب له على القبض ، فكان إذناً دلالة. وإنما قيد ذلك بالمجلس لأنه ثبت التسليط
فيه ، إلحاقاً له بالقبول ، والقبول يتقيد بالمجلس ، فكذلك ما يلحق به .
وقال المالكية : يصح القبض ولو بلا إذن من الواهب، ويجبر الواهب على
تمكين الموهوب من القبض حيث طلبه ؛ لأن الهبة تملك بالقول أي بالإيجاب ، على
المشهور عندهم(٢).
ويترتب على مذهب الحنفية أنه لو وهب إنسان ثوباً، أو عيناً من الأعيان،
مفرزاً، مقسوماً، ولم يأذن له في قبضه، فقبضه الموهوب له فإن كان بحضرة الواهب :
يجوز استحساناً ، والقياس أن لا يجوز قبضه بعد الافتراق من المجلس، وهو قول زفر؛
لأن القبض عنده ركن بمنزلة القبول في حق إثبات الحكم، فلا يجوز القبض بعد
الافتراق عن المجلس ، كما لا يجوز القبول بعد الافتراق .
ووجه الاستحسان : أن الإذن بالقبض وجد من طريق الدلالة ؛ لأن الإيجاب
فيه دلالة الإذن بالقبض .
البدائع: ٦ ص ١٢٣، الهداية وتكملة فتح القدير: ١١٥/٧ وما بعدها ، مغني المحتاج: ٢ ص / ٤٠٠، المغني:
(١)
٥ ص / ٥٩٢.
حاشية الدسوقي: ٤ ص ١٠١ .
(٢)
- ٢٢ -

وأما في هبة الدين لغير من عليه الدين، فلابد من الإذن صراحة
بالقبض ، ولا يكفي الإذن دلالة. وجه الفرق بين هبة العين وهبة الدين : هو أن
الإيجاب في هبة العين يدل على الإذن بالقبض دلالة ؛ لأن قصده تمليك ما هو ملكه
للموهوب له، أما في هبة الدين: فالإيجاب لا يعطي تلك الدلالة؛ لأن الدلالة
متوقفة على قصد التمليك، وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يتحقق إلا
بالتصريح بالإذن بالقبض ؛ لأنه بالتصريح يقوم قبضه مقام قبض الواهب ، فيصير
المقبوض ملكاً له أولاً ، ثم يصير الموهوب له قابضاً لنفسه من الواهب. وبناء على هذا
التقدير: يصير الواهب واهباً ملك نفسه، والموهوب له قابضاً ملك الواهب .
وتجويزهبة الدين لغير من عليه الدين ثابت استحساناً، وصورتها : أن يهب
رجل لرجل ديناراً له على رجل، ويأمره بقبضه ويقبضه فعلاً ، فيجوز استحساناً؛
لأنه أنابه في القبض مناب نفسه، فيجعل قبض الموهوب له كقبض الواهب . وأما
قياساً فلا يجوز، وهو قول زفر؛ لأن الدين ليس بمال عند الحنفية، حتى إن حلف
لا مال له ، وله دين على إنسان : لا يحنث في يمينه. والهبة عقد مشروع لتمليك المال ،
فإذا أضيف إلى ماليس بمال لا يصلح(١).
نوعا القبض :
قبض الهبة عند الحنفية نوعان : قبض بطريق الأصالة ، وقبض بطريق
النيابة (٢).
أما القبض بطريق الأصالة : فهو أن يقبض بنفسه لنفسه ، وشرط جوازه
العقل فقط ، فلا يجوز قبض الصبي غير المميز والمجنون . وأما البلوغ: فليس بشرط
(١)
المبسوط السرخسي: ١٢ / ٧٠، البدائع: ١١٩/٥، ١٢٤، حاشية ابن عابدين: ٤ / ٥٤٤.
(٢)
أنظر التفصيل في البدائع: ١٢٦/٥ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ١٢٥/٧ وما بعدها، حاشية ابن عابدين:
٤ /٥٣٥، الكتاب مع الباب: ١٧٣/٢.
- ٢٣ -

لصحة القبض استحساناً ، فيجوز قبض الصبي العاقل (أي المميز) ما وهب له .
والقياس وهو رأي غير الحنفية: أن يكون البلوغ شرطاً؛ لأن القبض من باب
الولاية، ولا ولاية للصبي على نفسه، فلا يجوز قبضة في الهبة ، كما لا يجوز في البيع .
ووجه الاستحسان : أن قبض الهبة من التصرفات النافعة نفعاً محضاً، فيملكه
الصبي العاقل .
وأما القبض بطريق النيابة ، فالنيابة في القبض نوعان :
نوع يرجع إلى القابض ، ونوع يرجع إلى نفس القبض .
أما الأول - فهو القبض للصبي ، وشرط جوازه وجود ولاية أو عيلة أي كون
الصبي في جحر وعيال شخص أي في رعايته وتربيته عند عدم الولي .
فلو وهب أجنبي للصغير شيئاً، فيقبض عنه وليه على هذا الترتيب عند
الحنفية : الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه، ومن غاب من هؤلاء غيبة منقطعة
تنتقل الولاية إلى الأبعد ، كما في ولاية النكاح ؛ لأن التأخير إلى قدوم الغائب يؤدي
إلى تفويت المنفعة على الصغير، فتنتقل الولاية إلى ما يتلوه .
وبناء على ذلك لو وهب أحد هؤلاء الأولياء للصغير شيئاً ، والمال في أيديهم صحت
الهبة، ويصيرون قابضين للصغير، وكذلك إذا باع الأب ماله من ابنه الصغير، ثم هلك
المبيع عقب البيع ، كان الهلاك على الصغير ؛ لأنه صار قابضاً بقبض الأب .
ولو قبض الصغير العاقل ما وهب له أحد أوليائه المذكورين، جاز قبضه
استحساناً، والقياس: أن لا يجوز، كما بينا في القبض بطريق الأصالة .
ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأولياء الأربعة المذكورين مع وجود واحد منهم،
أجنبياً كان أوذا رحم محرم منه، كالأخ والعم والأم؛ لأنه ليس لهم ولاية التصرف في
مال الصبي .
-
- ٢٤ -

فإن لم يكن أحد من هؤلاء الأولياء الأربعة ، جاز قبض من كان الصبي في
حجره وعياله استحساناً، والقياس : أن لا يجوز لعدم الولاية، وإنما جاز ذلك
استحساناً ؛ لأن من هو في عياله، له عليه نوع ولاية ، إذ أنه يؤدبه، ويعمل له ما فيه
المنفعة ، وللصبي في قبض الهبة منفعة محضة، فيكون ذلك من باب الحفظ .
وأما النوع الثاني من النيابة: وهو الذي يرجع إلى نفس القبض فهو أن
القبض الموجود بسبب من الأسباب ينوب عن قبض الهبة، سواء أكان مثل قبض الهبة
أم أقوى منه، وبيانه:
أ - إذا كان الموهوب في يد الموهوب له وديعة أو عارية، فوهب منه، جازت
الهبة، ولا يحتاج إلى تجديد القبض بعد العقد استحساناً ، والقياس : أن لا يصير قابضاً
مالم يجدد القبض ، وهو أن يخلي بين الموهوب له وبين الموهوب بعد العقد ؛ لأن يد
الوديع هي يد صورية، وهي في الحقيقة والمعنى يد المودع، فكان المال في يده
فيحتاج إلى تجديد القبض .
ووجه الاستحسان : أن قبض الهبة وقبض الوديعة أو العارية متماثلان في
القوة ؛ لأن كل واحد منهما قبض أمانة غير مضمون ، إذ الهبة عقد تبرع، وكذا الوديعة
والعارية ، فتماثل القبضان ، فيقوم أحدهما مقام الآخر.
ب - وإذا كان الموهوب في يد الموهوب له مضموناً بنفسه، كالمغصوب والمقبوض
على سوم الشراء(١)، والمقبوض ببيع فاسد، فوهب منه: تصح الهبة، ويبرأ عن
الضمان ؛ لأن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة، فينوب عنه، لوجود المستحق
بالعقد وهو القبض ، وزيادة ضمان .
(١) وهو أن يقبض الإنسان شيئاً لينظره أو ليشتريه، فإن بين البائع للمقبوض ثمناً، كان المقبوض مضموناً على
القابض ، بخلاف المقبوض على سوم النظر، فإنه أمانة. وعلى هذا فالمقبوض على سوم الشراء مضمون بالقيمة عند
بيان الثمن، لا المقبوض على سوم النظر، فهو ليس بمضمون مطلقاً ( راجع مجمع الضمانات للبغدادي: ص ٢١٣ ،
٢١٧، الدر المختار ورد المختار: ٥٢/٤ وما بعدها، حاشية الشرقاوي على التحفة: ٢/ ١٥٠، عقد البيع للأستاذ
الزرقاء : ص ٩٦).
- ٢٥ _

ج - وإذا كان الموهوب في يد الموهوب له مضموناً بغيره، كالمرهون المضمون
بالدين ، والمبيع المضمون بالثمن ، فوهبه مالكه لصاحب اليد : فإنه لا يصير قابضاً
بذلك عند الكرخي ما لم يجدد القبض ؛ لأن قبض الرهن أو البيع ، وإن كان قبض
ضمان ، لكنه ضمان لاتصح البراءة منه، فلا يحتمل الإبراء بالهبة ، ليصير قبض أمانة،
وبالتالي يتماثل القبضان ، وحينئذ يظل قبض ضمان ، فاختلف القبضان ، فلا
يتناوبان، بخلاف المغصوب والمقبوض على سوم الشراء ؛ لأن ذلك الضمان مما تصح
البراءة عنه، فيبرأ عنه بالهبة ؛ ويبقى قبضاً بغير ضمان ، فتماثل القبضان فيتناوبان .
وفي الجامع الصغير والبدائع، وهو الأرجح: يصير الموهوب له في المضمون بغيره
قابضاً؛ لأن قبض الضمان أقوى من قبض الأمانة ، والأقوى ينوب عن الأدنى.
المبحث الرابع - حكم الهبة:
أصل حكم الهبة : هو ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض .
صفة حكم الهبة : قال الحنفية : حكم الهبة ثبوت الملك للموهوب له غير لازم،
فيصح الرجوع والفسخ، لقوله عليه السلام: ((الواهب أحق بهبته مالم يُثَبت منها(١))
أي يعوض، فإنه عليه السلام جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض ، وهذا
نص في المراد، فيصح الرجوع ما لم يحصل تعويض، وإن تم القبض ، وهناك موانع
أخرى من الرجوع سنذكرها. ولكن يكره الرجوع؛ لأنه من باب الدناءة،
وللموهوب له أن يمتنع عن الرد . ولا يصح الرجوع إلا بتراض أو بقضاء القاضي؛ لأن
(١) روي من حديث أبي هريرة وابن عباس وابن عمر. فحديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه والدارقطني، وفيه
ضعيف. وحديث ابن عباس له طريقان: أحدهما عند الطبراني في معجمه، والثاني عند الدارقطني في سننه،
وحديث ابن عمر رواه الحاكم وصححه، كما صححه ابن حزم، وعن الحاكم رواه البيهقي وقال: والصحيح من
هذه الرواية عن عمر من قوله (راجع نصب الراية: ١٢٥/٤، التلخيص الحبير: ص ٢٦٠ وما بعدها، سبل
السلام: ٩٣/٣).
- ٢٦ -

١
الرجوع فسخ بعد تمام العقد ، فصار كالفسخ بسبب العيب بعد القبض(١)، فالرجوع
في الهبة بالتراضي يعد من الإقالة .
وقال المالكية : يثبت الملك في الهبة بمجرد العقد ويصبح لازماً بالقبض ، فلا
يحل الرجوع بعدئذ ، أما قبل القبض فيصح فقط للواهب الأب أن يرجع فيما وهبه
لابنه، ما لم يترتب عليه حق الغير كأن يتزوج مثلاً، أو يستحدث ديناً. والرجوع
في الهبة يعرف عندهم بالاعتصار في الهبة (٢).
والاعتصار أو الرجوع في الهبة جائز عند المالكية فيما يهبه الوالد لولده صغيراً أو
كبيراً بشروط خمسة : وهي ألا يتزوج الولد بعد الهبة، ولا يحدث ديناً لأجل ، وألا
يتغير الموهوب عن حاله، وألا يحدث الموهوب له في الموهوب حدثاً، وألا يمرض
الواهب أو الموهوب له. فإن وقع شيء من ذلك يمتنع الرجوع، هذا في هبة التردد
والمحبة. أما الهبة لوجه الله تعالى وهي التي تسمى صدقة فلا رجوع فيها أصلاً ولا
اعتصار، ولا ينبغي للواهب أن يرتجعها بشراء ولا غيره، وإن كانت شجراً فلا يأكل
من ثمرها ، وإن كانت دابة فلا يركبها إلا أن ترجع إليه بالميراث ، وأما هبة الثواب
على أن يكافئه الموهوب له فهي جائزة عند المالكية، والموهوب له مخير بين قبولها أو
ردها ، فإن قبلها فيجب أن يكافئه بقيمة الموهوب، ولا يلزمه الزيادة عليها، ولا
يلزم الواهب قبول ما دونه .
وقال الشافعية والحنابلة : لا يحل للواهب أن يرجع في هبته، إلا الوالد فيما
أعطى ولده، لقوله عليه السلام: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه))، ((ليس لنا مثل
السوء: العائد في هبته، كالكلب يعود في قيئه))(٢) وقال التر: «ليس لأحد أن
٠
(١)
البدائع: ١٢٧/٦، تكملة فتح القدير: ١٢٩/٧، مجمع الضمانات: ص ٣٣٨.
حاسية الدسوقي: ٤/ ١١٠، بداية المجتهد: ٣٢٤/٢، ٣٢٧، المنتقى على الموطأ: ١١٦،١١٣/٦، القوانين الفقهية:
(٢)
ص ٣٦٧ وط فاس
تقدم تخريجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، والرواية الأولى عند النسائي والثانية عند أبي داود (راجع سبل
(٣)
السلام: ٣/ ٩٠).
- ٢٧ -

يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد، فيما يعطي ولده))(١)، وكالوالد: سائر الأصول
.. (٢)
عند الشافعية(٢).
المبحث الخامس - موانع الرجوع في الهبة عند الحنفية :
نظم بعضهم هذه الموانع وهي سبعة ، فقال :
ومانع من الرجوع في الهبة يا صاحبي حروف ((دمع خزقه))
الدال رمز للزيادة المتصلة في نفس العين، والميم للموت، والعين للعوض،
والخاء لخروج الموهوب عن ملك الموهوب له، والزاي للزوجية، والقاف للقرابة،
والهاء للهلاك .
وتفصيل ذلك يعرف مما يأتي:
أولاً - العوض المالي : إذا عوض الموهوب له الواهب من هبته عوضاً، وقبضه
الواهب، امتنع على الواهب الرجوع في هبته، لقوله عليه السلام: ((الواهب أحق
بهبته ما لم يُثَب منها)) أي يعوض وذلك هو هبة الثواب أي العوض، ولأن التعويض
دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى العوض، فإذا عوض امتنع الرجوع،
لكن يشترط في المعوض أن يقول شيئاً من الألفاظ يؤذن بالعوض، أما إذا سكت ولم
يقل شيئاً، جاز الرجوع فيما أعطى .
(١) أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر وابن عباس عن النبي مؤ لّ قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية،
أو بهب هبة ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يرجع في عطيته أو هبته كالكلب يأكل
فإذا شبع قاء، ثم عاد فيه)) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس
وصححاه، ورواه أحمد والطبراني والدارقطني وعبد الرزاق عن طاوس عن النبي عَ ◌ّل مرسلاً، وله طريق آخر
عند النسائي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: ((لا يرجع في هبته إلا الوالد من ولده»
(راجع جامع الأصول: ٢٦٦/١٢، نصب الراية: ١٢٤/٤، سبل السلام: ٩٠/٣، التلخيص الحبير: ص ٢٦٠).
(٢) مغني المحتاج: ٤٠١/٢، المهذب: ص ٤٤٧، المغني: ٦٢١/٥.
- ٢٨ -

والعوض نوعان : عوض مشروط في العقد، وعوض متأخر عن العقد(١).
أ - العوض المشروط في العقد (أو الهبة بشرط العوض أو هبة
الثواب ):
إذا قال الواهب: ((وهبت لك هذا القلم على أن تعوضني هذا الثوب)) فقد اتفق
الأئمة الأربعة على صحة هذا الشرط ، والعقد الذي اشتمل عليه، واختلفوا في تكييف
العقد المذكور.
فقال الحنفية ما عدا زفر: يعتبر هذا العقد هبة ابتداء، بيعاً انتهاءً،
فتطبق عليه أحكام الهبة قبل القبض ، فلا تجوز هبة المشاع ويشترط القبض ، ويجوز
الرجوع في السلعتين ، ما لم يتقابضا. وأما بعد التقابض فيعد العقد بمنزلة البيع ،
بحيث يرد البدلان بالعيب وعدم الرؤية، ويرجع في الاستحقاق ، وتجب الشفعة في
العقار.
وقال زفر: هو عقد بيع ابتداءً وانتهاءً، وتثبت فيه أحكام البيع ، فلا يفسد
بالشيوع، ويفيد الملك بنفسه ، بدون اشتراط القبض ؛ لأن معنى البيع موجود في هذا
العقد ، إذ البيع تمليك العين بعوض .
5
واعتمد جمهور الحنفية على أنه وجد في هذا العقد لفظ الهبة، ومعنى البيع ،
فيعطى شبه العقدين(٢).
وقال المالكية: يعتبر هذا العقد كالبيع في غالب الأحوال، ويخالفه في الأقل
منها؛ لأن هبة الثواب تجوز مع جهل عوضها، وجهل أجله ، وليس للواهب رد
(١) انظر التفصيل في المبسوط: ٧٥/١٢ وما بعدها، البدائع: ١٣٠/٦، تكملة فتح القدير: ١٣٣/٧، حاشية ابن
عابدين: ٥٣٩/٤ وما بعدها .
(٢) البدائع: ٦ /١٣٢.
- ٢٩ -

الثواب المعيب، وإنما يلزم بقبوله، ما لم يكن العيب فادحاً كجذام وبرص، وإلا
فلا يلزم الواهب قبوله، ولو كمل له القيمة(١).
وقال الشافعية والحنابلة : يعتبر العقد بيعاً على الصحيح، فيلتزم الموهوب
له بدفع العوض المشروط ، وتطبق عليه أحكام البيع من الشفعة والخيار وضمان
الدرَك أي ما يدرك المبيع من استحقاق، ونحو ذلك(٢). والسبب هو أن اشتراط
العوض صراحة يبطل الهبة ، لأنه شرط مخالف لمقتضى العقد .
ب - العوض المتأخر عن العقد :
العوض المتأخر عن العقد إما أن يضاف إلى الهبة الأولى مثل : هذا عوض عن
هبتك، أو بدل عنها أو مكانها، وإما ألا يضاف إليها .
فإذا لم يضف العوض إلى الهبة الأولى، تكون الهبة الثانية هبة مبتدأة ، ويثبت
حق الرجوع في الهبتين .
وأما إذا أضيف العوض إلى الهبة الأولى، فيكون التعويض المتأخر عن الهبة
الأولى هبة مبتدأة بلا خلاف ، تصح بما تصح به الهبة، وتمطل بما تبطل به الهبة ،
ولكن يخالف الهبة المبتدأة في إسقاط الرجوع في الهبة الأولى، فكان فيه معنى
العوض(٣).
ولكن هل الهبة المطلقة عن شرط التعويض عنها تقتضي الإثابة
والتعويض ؟
اختلف العلماء: فقال الحنفية، والحنابلة، والشافعية في الأرجح عندهم :
(١)
بداية المجتهد: ٣٢٦/٢، حاشية الدسوقي: ١١٤/٤، القوانين الفقهية: ص ٣٥٢.
(٢)
المهذب: ١/ ٤٤٧، مغني المحتاج: ٤٠٤/٢. ضمان الدرك: هو التزام سلامة المبيع مما يمكن أن يلحقه ويدركه من
حقوق لغير البائع في عينه، وتحمل التبعة عند ظهور حق فيه لأحد. (عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ٩٧).
(٣)
البدائع: ٦/ ١٣١، المبسوط: ١٢ / ٧٦، ٨٢.
- ٣٠ -

لا تقتضي ثواباً، سواء أكانت من الإنسان لمثله، أم دونه، أم أعلى منه، فلا يلزم
الموهوب له بالإثابة والتعويض للواهب(١).
وقال المالكية : الهبة تقتضي الثواب وتحمل على إرادة التعويض إذا اختلف
الواهب والموهوب له في ذلك، وخصوصاً : إذا دلت قرينة الحال على قصد الثواب .
مثل : أن يهب الفقير الغني، أو لمن يرى أنه إنما قصد بذلك الثواب . ودليلهم قول عمر
رضي الله عنه: ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ، إذا لم
يرض منها(٢).
ثانياً - العوض من حيث المعنى: وهو ليس بعوض مالي، وهو ثلاثة
(٣)
أنواع (٣).
الأول - الثواب من الله تعالى: فلا رجوع في الهبة من الفقير بعد قبضها؛ لأن
الهبة إلى الفقير صدقة، ويطلب بها الثواب، ولا رجوع في الصدقة .
الثاني - صلة الرحم : فلا يصح الرجوع في هبة ذوي الأرحام المحارم؛ لأن هذه
الصلة عوض معنوي ؛ لأن التواصل سبب التناصر والتعاون في الدنيا ، فيكون وسيلة
إلى استيفاء النصرة، وسبب الثواب في الدار الآخرة، فكان ذلك أقوى من المال .
الثالث - صلة الزوجية : فلا يصح الرجوع في هبة الزوجين ؛ لأن هذه الصلة
تجري مجرى صلة القرابة الكاملة ، بدليل أنه يتعلق بها التوارث في جميع الأحوال .
ثالثاً - الزيادة المتصلة في الموهوب بفعل الموهوب له أو بفعل غيره :
هذه الزيادة تمنع الرجوع، سواء أكانت متولدة أم غير متولدة، كأن يكون الموهوب
داراً، فبنى الموهوب له فيها بناء، أو كان أرضاً فغرس فيها أشجاراً، أو أقام مضخة ماء
البدائع: ١٣٢/٦، المهذب: ٤٤٧/١، مغني المحتاج: ٤٠٤/٢، المغني: ٦٢٣/٥.
(١)
(٢)
بداية المجتهد: ٣٢٦/٢، حاشية الدسوقي: ١١٤/٤، المنتقى على الموطأ: ١١١/٦.
(٣)
البدائع: ١٣٢/٦، تكملة فتح القدير: ١٣٤/٧، حاشية ابن عابدين: ٤ / ٥٤١.
- ٣١ -

وثبتها في الأرض وبنى عليها ، أو كان الموهوب ثوباً فصبغه بصباغ زادت به قیمته ، أو
قطعه قميصاً وخاطه، أو طرأ سمن وجمال، فلا يصح الرجوع ؛ لأن الموهوب اختلط
بغيره، والرجوع لا يمكن في غير الموهوب، لأنه ليس بموهوب، وبما أنه لا يمكن
الرجوع في الأصل بدون الزيادة ، فامتنع الرجوع أصلاً.
وأما الزيادة المنفصلة : فلا تمنع من الرجوع، سواء أكانت متولدة من الأصل
كالولد واللبن والثمر، أم غير متولدة كالأرش(١) والكسب والغلة؛ لأن هذه الزوائد لم
يرد عليها العقد، فلا يرد عليها الفسخ، وإنما ورد على الأصل، ويمكن فسخ العقد في
الأصل دون الزيادة ، بخلاف المتصلة ، وبخلاف زوائد المبيع، فإنها تمنع الرد بالعيب،
حتى لا يحصل هناك ربا؛ لأنه يترتب على فسخ البيع وردّ الأصل أن يبقى الولد
مثلاً عند المشتري بدون مقابل، وهذا هو معنى الربا ، ومعنى الربا لا يتصور في
الهبة ؛ لأن الربا يختص بالمعاوضات®.
وأما نقصان الموهوب فلا يمنع من الرجوع في الهبة، لأنه ما دام له الحق في
الرجوع في كل الموهوب، فيكون له الرجوع في بعض الموهوب مع بقائه، فكذا عند
نقصانه. ولا يضمن الموهوب له النقصان؛ لأن قبض الهبة ليس بقبض مضمون(١).
رابعاً - خروج الموهوب عن ملك الموهوب له : بأي سبب كان ، كالبيع
أو الهبة ونحوهما ؛ لأن الملك يختلف بهذه التصرفات، واختلاف الملكين كاختلاف
العينين، فلو وهب عيناً لم يكن له أن يرجع في عين أخرى، فكذا إذا أوجب ملكاً لم
يكن له أن يفسخ ملكاً آخر (٣).
الأرش: هو العوض المالي الذي يقدر ويجب على الجاني في غير النفس أو الأعضاء، وذلك في كل جناية بحسبها
(١)
كما في الكسر أو الرض.
(٢)
راجع المبسوط: ٨٨/١٢، البدائع: ١٢٩/٦، تكملة فتح القدير: ١٣٢/٧ وما بعدها، حاشية ابن عابدين:
٥٣٨/٤ وما بعدها، المبسوط: ١٢ / ٨٣.
البدائع: ١٢٨/٦، حاشية ابن عابدين: ٥٤١/٤، تكملة فتح القدير، المرجع السابق، المبسوط: ٨٤/١٢.
(٣)
- ٣٢ -

خامساً - موت أحد العاقدين: إذا مات الموهوب له امتنع الرجوع؛ لأن
الملك انتقل إلى ورثته، فصار كما إذا انتقل في حياته. وكذا إذا مات الواهب ؛ لأن
الملك ينتقل إلى وارثه، وهو أجنبي ، لم تحدث منه الهبة (١).
سادساً - هلاك الموهوب أو استهلاكه : لأنه لا سبيل إلى الرجوع في
الهالك، ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته ؛ لأنها ليست بموهوبة، لعدم ورود العقد
عليها ، وقبض الهبة غير مضمون(٢).
ماهية الرجوع : لا خلاف في أن الرجوع في الهبة بقضاء القاضي فسخ .
واختلف العلماء في الرجوع فيها بالتراضي ، فقال جمهور الحنفية : إنه فسخ أيضاً
كالرجوع بالقضاء ، فيجوز في المشاع، ولا يشترط لصحته القبض .
وقال زفر: إنه هبة مبتدأة ؛ لأن ملك الموهوب عاد إلى الواهب بتراضيهما ،
فصار يشبه الرد بالعيب، فيعتبر عقداً جديداً بالنسبة لشخص ثالث غير
المتعاقدين .
واستدل جمهور الحنفية بأن الواهب بالفسخ يستوفي حق نفسه ، واستيفاء الحق
لا يتوقف على قضاء القاضي، بخلاف الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضي :
إنه يعتبر بيعاً جديداً في حق شخص ثالث (أي غير المتعاقدين)، لأنه لا حق
للمشتري في الفسخ، وإنما حقه في كون المبيع سالماً من العيوب، فإذا لم يسلم اختل
رضاه(٣).
تكملة فتح القدير، المرجع السابق ، حاشية ابن عابدين : ٤ / ٥٣٩.
(١)
(٢)
البدائع: ١٢٨/٦، حاشية ابن عابدين: ٤ / ٥٤٢.
(٣)
البدائع : ١٣٤/٦.
- ٣٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٥ (٣)

المبحث السادس - عطية الأولاد:
لا خلاف بين جمهور العلماء في استحباب التسوية في العطاء بين الأولاد،
وكراهة التفضيل بينهم في حال الصحة كما قدمنا ، واختلفوا في بيان المراد من التسوية
المستحبة .
فقال أبو يوسف من الحنفية ، والمالكية والشافعية وهو رأي الجمهور: يستحب
للأب أن يسوي بين الأولاد - الذكور والإناث - في العطية، فتعطى الأنثى مثلما
يعطى الذكر؛ لقوله ◌ُ ؤلّ: («سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثراً لآثرت
النساء على الرجال))(١) رواه سعيد بن منصور في سننه والبيهقي بإسناد حسن، وفي
رواية للبخاري: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))(٢)، ولأن العدل في القسمة والمعاملة
مطلوب(٣)، وقد حملوا الأمر في هذه الأحاديث على الندب.
وقال الحنابلة، ومحمد من الحنفية : للأب أن يقسم بين أولاده على حسب قسمة
الله تعالى في الميراث ، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ لأن الله تعالى قسم بينهم
كذلك، وأولى ما اقتدي به: هو قسمة الله، ولأن العطية في الحياة أحد حالي
العطية، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كحالة الموت ، والميراث المترتب عليه .
(١) ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس عن النبي عَ لَّه قال: ((سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً
أحداً لفضلت النساء» وفي إسناده سعيد بن يوسف، وهو ضعيف، وذكر ابن عدي في الكامل أنه لم يرو له
أنكر من هذا (راجع التلخيص الحبير: ص ٢٦٠، مجمع الزوائد: ٤ /١٥٣).
أخرجه البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير قال: «تصدق علي أبي ببعض
(٢)
ماله، فقالت أمي - عمرة بنت رواحة -: لا أرضى حتى تشهد رسول اللّه ◌ٍَّ، فانطلق أبي إلى النبي ليشهده على
صدقتي، فقال له رسول الله عَ لٍ: أَفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم؟
فرجع أبي، فرد تلك الصدقة)» وله روايات أخرى (راجع جامع الأصول: ٢٦٦/١٢ وما بعدها، التلخيص
الجبير: ص ٢٦٠، سبل السلام: ٨٩/٣).
(٣) تحفة الفقهاء: ٢٧٤/٣، الطبعة القديمة، الميزان: ٢/ ١٠٠، المهذب: ٤٤٦/١. مغني المحتاج: ٤٠١/٢.
- ٣٤ -

يدل لهذا أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت، فينبغي أن تكون على حسبه (١).
أما عن حكم التسوية في العطية : فقال جمهور العلماء(٢): لا تجب التسوية
بل تندب ، فإن فضل بعض الورثة صح وكره، وحملوا الأمر بالتسوية في الأحاديث
على الندب، وكذلك حملوا النهي الثابت في رواية لمسلم بلفظ ((أيسرك أن يكونوا
لك في البرسواء ؟ قال: بلى، قال: فلا إذن)) على التنزيه، فالعدل: هو التسوية بين
الأولاد.
وقال جماعة ( وهم أحمد والثوري وطاوس وإسحق وآخرون ) : تجب التسوية
بين الأولاد في العطية أو الهبة، وتبطل العطية مع عدم المساواة، عملاً بظاهر الأمر
في الأحاديث، الذي يقتضي الوجوب مثل قوله عليه السلام: ((اتقوا الله)) وقوله :
((اعدلوا بين أولادكم)(٢) وقوله: ((فلا إذن)) وقوله في حالة إعطاء بعض دون بعض :
(( لا أشهد على جور)).
واختلف هؤلاء في كيفية التسوية ، فقيل بأن تكون عطية الذكر والأنثى سواء
وهو ظاهر رواية عند النسائي: ((ألا سويت بينهم)) وعند ابن حبان: ((سووا
بينهم)» وحديث ابن عباس: ((سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً
لفضلت النساء)).
وقال الحنابلة : بل التسوية أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين على حسب
التوريث .
وروي عن أحمد : أنه يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد
المغني: ٦٠٤/٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٣٦٧، ط فاس، غاية المنتهى: ٢٣٥/٢.
(١)
(٢)
نيل الأوطار: ٧/٦، سبل السلام: ٨٩/٣، كشاف القناع: ٣٤٢/٤ -٣٤٥.
(٣)
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير (نيل الأوطار: ٦/٦).
- ٣٥ -

الزمانته المرضية أو لعمى ، أو لقضاء دينه، أو كثرة عائلته، أو للاشتغال بالعلم ، أو
(١)
نحو ذلك دون الباقين
-- ---
الله تعالى
أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر جواباً عن سؤال حول إمكان التمييز بين الورثة، وتضمنت الفتوى ما يلي :
(١)
أولاً - يجب على الوالدين التسوية بين الأولاد في العطية والهدايا والإنفاق، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا
يجوز الخروج عن هذا الأصل إلا لمبرر يأتي، عملاً بالأحاديث السابقة الآمرة بالتسوية.
ثانياً - إذا أنفق أحد الوالدين على أحد الأولاد نفقة ذات قيمة بأن زوجه ودفع له مهر الزوجة، أو أنفق على
تعليمه بما أوصله إلى وظيفة ذات غناء، أو جهز إحدى بناته، كان عليه أن يعوض سائر ولده الآخرين بمقدار
ما أنفقه على ولده الأول.
ثالثاً - يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض لمبرر شرعي، ومن المبررات الشرعية: العاهات المانعة من
التكسب كالزمانة، والعمى المانع، والشلل، وكذلك العجز عن التكسب، والاشتغال بالعلم الديني (مجلة
الأزهر - العدد الثالث من السنة الرابعة عشرة).
- ٣.٦ -

الفصل السابع
الإيداع
خطة الموضوع :
نتكلم عن عقد الإيداع في المباحث الخمسة الآتية :
المبحث الأول - تعريف الإيداع ومشروعيته .
المبحث الثاني - ركن الإيداع وشرائطه .
المبحث الثالث - حكم عقد الإيداع ، وطريقة حفظ الوديعة .
المبحث الرابع - حال الوديعة : هل يد الوديع يد أمانة أم يد ضمان
المبحث الخامس - حالات ضمان الوديعة .
المبحث الأول - تعريف الإيداع ومشروعيته :
الودع في اللغة : الترك ، والوديعة لغة : الشيء الموضوع عند غير صاحبه
للحفظ. وشرعاً: تطلق على الإيداع، وعلى العين المودعة ، والراجح أنها عقد إلا أن
الأصح أن يقال: الإيداع عقد، لا الوديعة عقد؛ لأن الأرجح أنها عقد. وتعريف
الإيداع عند جماعة من شراح الحنفية: هو تسليط الغير على حفظ ماله صريحاً أو
دلالة(١) مثل قول المودع لغيره: أودعتك(٣)، فيقبل الآخر ويتم الإيداع صراحة
تكملة فتح القدير: ٨٨/٧، حاشية ابن عابدين: ٥١٥/٤، مجمع الضمانات: ص ٦٨ .
(١)
(٢)
أودعتك الشيء من الأضداد، تطلق على: جعلته عندك وديعة، وقبلته منك وديعة
- ٣٧ -

عندئذ، أو كأن يجيء رجل بثوب إلى رجل ويضعه بين يديه، ويقول: هذا وديعة
عندك، ويسكت الآخر، فيصير مودعاً دلالة.
وعرفه الشافعية والمالكية بقولهم : توكيل في حفظ مملوك ، أو محترم مختص ،
على وجه مخصوص(١) ، فيصح إيداع الخمر المحترمة(٢)، وجلد ميتة يطهر بالدباغ،
وزبل وكلب معلم للصيد. أما غير المختص كالكلب الذي لا يقتنى، والثوب الذي
طيرته الريح ونحوه، فهذا لا اختصاص فيه ؛ لأنه مال ضائع مغاير لحكم الوديعة .
ويقال الدافع الوديعة : مودع - بكسر الدال ـ ولآخذها : مودع - بفتح الدال -
وودیع .
والإيداع مشروع ومندوب إليه لقوله سبحانه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات
إلى أهلها) وقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ وقال ◌َ له: ((أدالأمانة إلى من
ائتمنك، ولا تخن من خانك))(٣)، وأجمع العلماء في كل عصر من العصور الإسلامية على جواز
الإيداع والاستيداع، ولأن بالناس حاجة، بل ضرورة إلى الإيداع (8).
(١) مغني المحتاج: ٧٩/٣، قليوبي وعميرة: ٣/ ١٨٠ شرح التحرير: ص ١٦٧، نهاية المحتاج: ٥ ص ٨٧، حاشية
الشرقاوي: ٩٦/٢ وما بعدها، حاشية الدسوقي: ٤١٩/٣.
(٢)
الخمر المحترمة: هي التي يملكها امرؤ أسلم وكانت عنده، أو ورثها منه وارثه.
(٣)
رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه، واستنكره أبو حاتم الرازي
وأخرجه جماعة من الحفاظ، فرواه البيهقي ومالك والدارقطني، وأحمد وأبو نعيم من طرق مطعون فيها. وفي
موضوعه عن أبي بن كعب عند ابن الجوزي والدارقطني، وعن أبي أمامة عند البيهقي والطبراني، وفيهما
ضعيف، وعن أنس عند الدارقطني والطبراني والبيهقي،، وأبي نعيم، وعن رجل من الصحابة عند أحمد وأبي داود
والبيهقي وفي إسناده مجهول آخر غير الصحابي، قال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت. قال في نيل الأوطار:
ولا يخفى أن وروده بهذه الطرق المعتبرة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضهما، وتحسين إمام ثالث
منهم مما يصير به الحديث منتهضاً للاحتجاج به. (راجع التلخيص الحبير: ص ٢٧٠، نيل الأوطار: ٢٩٧/٥،
سبل السلام: ٦٨/٣).
(٤) المراجع السابقة، المغني لابن قدامة: ٣٨٢/٦، المبسوط: ١٠٩/١١.
- ٣٨ -
- --

المبحث الثاني - ركن الإيداع وشرائطه :
ركن الإيداع عند الحنفية هو الإيجاب والقبول . وهو أن يقول لغيره: أودعتك
هذا، أو احفظ هذا الشيء لي ، أو خذ هذا الشيء وديعة عندك، ونحو ذلك ويقبله
الآخر (١).
وأركانه عند الجمهور أربعة (٢): عاقدان (مودع ووديع)، ووديعة (الشيء المودع)
وصيغة (إيجاب وقبول) والقبول إما أن يكون لفظاً مثل: قبلت، أو دلالة كمن يضع
ماله عند شخص فيسكت ، فيكون السكوت قائماً مقام القبول كالمعاطاة في البيع .
شرائط الركن :
يشترط عند الحنفية في العاقدين : العقل ، فلا يصح الإيداع من الصبي الذي
لا يعقل، والمجنون، كما لا يصح قبول الوديعة من المجنون والصبي الذي لا يعقل، ولا
يشترط البلوغ، فيصح الإيداع من الصبي المأذون في التجارة ؛ لأن ذلك مما يحتاج
إليه التاجر، كما يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون ؛ لأنه من أهل الحفظ. وأما
الصبي المحجور عليه فلا يصح قبول الوديعة منه ؛ لأنه لا يحفظ المال عادة (٣).
ويشترط عند الجمهور في الإيداع ما يشترط في الوكالة من البلوغ والعقل
والرشد .
ويشترط في الوديعة: أن يكون المال قابلاً لإثبات اليد عليه، فلو أودع الآبق
أو الطير في الهواء أو المال الساقط في البحر: لم يضمن(٤).
البدائع : ٦ /٢٠٧، مجمع الضمانات: ص ٦٨ .
(١)
الشرح الكبير: ٤١٩/٣، مغني المحتاج: ٨٠/٣، كشاف القناع: ١٨٦/٤، غاية المنتهى: ٢٦٩/٢. قال
(٢)
الشافعية: الأصح أنه لا يشترط في الوديع القبول لفظاً، ويكفي القبض للوديعة، كما في الوكالة بل أولى، عقاراً
كانت أو منقولاً .
(٣)
البدائع : المرجع السابق .
حاشية ابن عابدين: ٤ /٥١٦.
(٤)
- ٣٩ -

المبحث الثالث - حكم عقد الإيداع وطريق حفظ الوديعة :
حكم عقد الإيداع: لزوم الحفظ للمالك؛ لأن الإيداع من جانب المالك
استحفاظ وائتمان ، ومن جانب الوديع التزام بالحفظ ، فيلزمه الحفظ ، لقوله عليه
السلام: ((المسلمون عند شروطهم))(١).
...
إيداع رجلين من رجل : لو أودع رجلان عند رجل وديعة ، وغابا ثم حضر
أحدهما وطلب نصيبه، فليس له أن يدفع إليه حصته، حتى يحضر الآخر، وقال
الصاحبان : للوديع أن يقسم الوديعة، ويدفع إلى أحد المودعين نصيبه، ولا يكون
ذلك قسمة على الغائب، حتى إنه لو هلك النصف الباقي في يد الوديع ، كان للغائب
أن يشارك القابض فيما قبض .
دليلهما : أن أحد المودعين طالب الوديع بدفع نصيبه، فيؤمر بالدفع إليه كما في
الدين المشترك .
واستدل لأبي حنيفة : بأنه لا نسلم أن أحد المودعين طالب بتسليم نصيبه، بل
بدفع نصيب الغائب؛ لأنه يطالب بالنصيب المفرز، وحقه ليس فيه، وإنما في
المشاع، وهو كل الوديعة ، والمفرز المعين منها يشتمل على الحقين، ولا يتميز حقه إلا
بالقسمة ، وليس للوديع ولاية القسمة ؛ لأنه ليس بوكيل في ذلك ، بخلاف الدين
المشترك ؛ لأن الشريك يطالب المديون بتسليم حقه أي بقضاء حقه ، وحقه من
حيث القضاء ليس بمشترك بين الدائنين ؛ لأن الديون تقضى بأمثالها ، والمثل مال
(١) هذا جانب من حديث: ((الصلح جائز بين المسلمين)) الذي روي عن أبي هريرة وعمرو بن عوف. فحديث أبي
هريرة أخرجه أبو داود قال: قال رسول اللّه عَ ل: ((الصلح جائز)) إلخ، ورواه ابن حبان والحاكم. وحديث
عمرو بن عوف أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه أن رسول الله وسلّم قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا
صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً)) زاد الترمذي ((والمسلمون على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم
حلالاً)) وقال: حديث صحيح، ورواه بتمامه الحاكم في المستدرك، وسكت عنه (راجع نصب الراية: ١١٢/٤،
سبل السلام: ٥٩/٣).
- ٤٠ -