النص المفهرس

صفحات 861-880

١ - نوع يملكه المضارب عرفاً: وهو جميع ماتتناوله أعمال التجارة عادة، كالبيع
والشراء، والتوكيل فيهما ، وإن لم يؤذن له بذلك صراحة، ويكون شراؤه على
المعروف، فلا يتجاوز ما يتغابن فيه الناس عادة، لأنه وكيل ، وشراء الوكيل يقع
بحسب المعتاد، أما البيع ففيه خلاف بين الحنفية ، والراجح أنه يتقيد أيضاً بالمعتاد .
٢ - ونوع لا يملكه إلا إذا فوض إليه العمل في المضاربة برأيه، فقال له : اعمل
فيها برأيك، أو كما ترى: وهو ما يحتمل أن يلحق بأعمال التجارة، كإعطاء المال
مضاربة لشخص آخر يضارب فيه، أو جعله رأس مال الشركة عنان ، فإذا فوض له
ذلك صح .
٣ - ونوع لا يملكه المضارب إلا بالنص عليه صراحة، كالتبرعات ، من هبة أو
محاباة بالبيع والشراء، والإقراض، والشراء لأجل عند الشافعية والمالكية والحنابلة،
والشراء بأكثر من رأس المال والربح عند أكثر الفقهاء.
وأما المضاربة المقيدة : فحكمها حكم المضاربة المطلقة في جميع الأحكام التي
ذكرناها ، وإنما تفارقها في قدر القيد الذي قيدت به، فإن خصص رب المال تصرف
المضارب في بلد بعينه، أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها، لأنه توكيل ، وفي
التخصیص بما ذكر فائدة ، فیتخصص به .
أ - تعيين المكان : وعلى هذا إذا كان القيد متعلقاً بالمكان ، كأن دفع رجل إلى
رجل مالاً مضاربة على أن يعمل به في بلدة معينة كدمشق مثلاً، فليس له أن يعمل
في غير دمشق؛ لأن قوله ((على أن)) من ألفاظ الشرط، وهو شرط مفيد؛ لأن
الأماكن تختلف بالرخص والغلاء، وفي السفر خطر.
وكذا لا يعطيها بضاعة(١) لمن يخرج بها من دمشق، لأنه إذا لم يملك الإخراج
بنفسه فلأن لا يملك الإذن به أولى .
(١) أي أن يدفعها إلى شخص ليتجر في المال تبرعاً أي ( بغير عوض ).
- ٨٦١ -
۔۔

فإن أخرجها من دمشق: فإن اشترى بها وباع ضمن؛ لأنه تصرف لا على الوجه
المأذون فيه فصار مخالفاً فيضمن ، وكان ما اشتراه لنفسه له ربجه وعليه خسارته، لكن
لا يطيب له الربح عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: يطيب.
وإن لم يشتر بمال المضاربة شيئاً حتى رده إلى البلدة المعينة المذكورة برئ من
الضمان، ورجع المال مضاربة على حاله، كالوديع إذا خالف أمر المودع ثم عدل عن
المخالفة(١).
ولو دفع المال إلى رجل ليعمل في سوق دمشق العام ، فعمل في دمشق نفسها في
غير سوقها ، فهو جائز على أساس المضاربة استحساناً عند الحنفية. والقياس ألا
يجوز. وجه القياس : أنه شرط علیه العمل في مکان معین، فلا يجوز في غيره، كما لو
شرط العمل في بلد معين .
ووجه الاستحسان أن التقييد بسوق دمشق غير مفيد غالباً؛ لأن البلد الواحد
بمنزلة بقعة واحدة ، فلا فائدة في هذا الشرط ، فيلغو، ومن المقرر أن الشرط معتبر
إذا كان مفيداً.
ولو قال له: ((لا تعمل به إلا في سوق دمشق)) فعمل في غير السوق ، فباع
واشترى ، فهو ضامن ؛ لأن قوله السابق حجر له، فلا يجوز تصرفه بعد الحجر. وفي
المثال الأول لم يحجر عليه، وإنما شرط عليه أن يكون عمله في السوق ، والشرط غير
مفيد ، فيلغو.
وكذلك إذا قال له: ((خذ هذا المال تعمل به في دمشق أو فاعمل به في دمشق)» لم
يجز له العمل في غيرها؛ لأن ((في)) كلمة ظرف، فتصبح دمشق ظرفاً للتصرف الذي
(١) المبسوط: ٢٢ / ٤٢، ٤٦، تبيين الحقائق: ٥ / ٥٩، البدائع: ٦ / ٩٨، تكملة فتح القدير : ٧ / ٦٤ وما
بعدها ، مختصر الطحاوي : ص ١٢٥ .
- ٨٦٢ -

أذن له فيه، فلو جاز في غير دمشق لم تكن دمشق ظرفاً لتصرفه. وأما قوله «فاعمل
به .. )) فالفاء للوصل والتعقيب، والمتصل المتعقب للمبهم تفسير له .
وكذا قوله: ((خذه بالنصف بدمشق)» لأن الباء تفيد الإلصاق، فتقتضي
التصاق الصفة بالموصوف : يعني أنه يجب عليه العمل بالمال ملصقاً بدمشق ، وهو أن
يكون العمل فيها .
أما لو قال: «خذ هذا المال واعمل به بدمشق» فله أن يعمل به فيها وفي غيرها ،
لأن الواو للعطف، وهو مما يجوز الابتداء به، فيجعل مشورة، كأنه قال: ((إن فعلت
كذا كان أنفع» .
ب - تعيين الشخص: ولوقال: ((على أن تشتري من فلان وتبيع منه)) صح
التقييد عند الحنفية والحنابلة لأنه مفيد لزيادة الثقة به في المعاملة. وخالف في هذا
المالكية والشافعية كما عرفنا؛ لأن هذا التقييد يمنع مقصود المضاربة وهو التقلب في
الأسواق وطلب الربح.
جـ - توقيت المضاربة: ولو وقَّت المضاربة بوقت معين، على أنه إذا مضى بطل
العقد، صح العقد عند الحنفية والحنابلة ؛ لأنه توكيل ، فيتأقت بما وقته، والتوقيت
مفيد، وأنه تقييد بالزمان ، فصار كالتقييد بالنوع والمكان(١).
ولم يصح العقد عند الشافعية والمالكية كما عرفنا لإخلال التأقيت بمقصود
القراض، إذ قد لا يربح في المدة، وقد يكون الربح والحظ في إبقاء المتاع وبيعه بعد
المدة المعينة(٢).
والضابط في تقييد المضاربة عند الحنفية: هو أن المضاربة تقبل التقييد المفيد
(١)
البدائع: ٦ / ٩٩، تكملة فتح القدير والعناية : ٧ / ٦٥ .
(٢) مغني المحتاج: ٢ / ٣١٢، المغني: ٥ /٦٣، الشرح الكبير للدردير: ٣ / ٥٢١.
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٥٥) ...
- ٨٦٣ -

ولو بعد العقد مالم يصر المال عرضاً؛ لأنه إذا صار المال من العروض التجارية،
لا يملك رب المال عزل المضارب، فلا يملك تخصيصه. أما التقييد بغير المفيد فلا يعتبر
أصلاً كنهيه عن بيع المال حالاً(١).
ويرى الشافعية والمالكية : أن وظيفة المضارب هو التجارة في المال للاسترباح
والتنمية ، وهو بالبيع والشراء مما جرت العادة بأن يتولاه التجار. وعليه فكل شرط
يحول دون عمله المعتاد المتعارف مفسد للقراض عندهم(٢).
التقييد الطارئ على المضاربة المطلقة : قال الحنفية : إذا كانت المضاربة
مطلقة فخصصها رب المال بعد العقد :
فإن كان رأس المال بحاله نقداً أو اشترى به المضارب متاعاً ثم باعه وقبض ثمنه
من النقود: فإن تخصيصه جائز، كما لو خصص المضاربة في الابتداء ؛ لأن رب المال
يملك التخصيص إذا كان فيه فائدة .
أما إذا كان مال المضاربة عروضاً فلا يصح تقييد رب المال للمضارب أو نهيه عن
أمر حتى يصير رأس المال نقداً، مثل أن يقول له: ((لا تبع بالنسيئة)) لأن المضاربة
تمت بالشراء.
٣ - وأما حقوق المضارب : التي يستحقها بعمله في مال المضاربة فهي
شيئان : النفقة، والربح المسمى في العقد .
أولاً - أما النفقة من مال المضاربة : فاختلف الفقهاء في وجوبها للمضارب
على أقوال ثلاث ، فقال الإمام الشافعي في الأظهر من قوليه : لا نفقة للمضارب على
نفسه من مال المضاربة لا حضراً ولا سفراً إلا أن يأذن له رب المال ؛ لأن للمضارب
(١)
الدر المختار : ٤ / ٥٠٨ .
المراجع السابقة ، الشركات في الفقه الإسلامي للأستاذ علي الخفيف : ص ٧٤ .
(٢)
- ٨٦٤ _

نصيباً من الربح، فلا يستحق شيئاً آخر، ويكون المأخوذ زيادة منفعة في المضاربة ،
ولأن النفقة قد تكون قدر الربح، فيؤدي أخذه إلى انفراده به، وقد تكون أكثر،
فيؤدي إلى أن يأخذ جزءاً من رأس المال، وهذا ينافي مقتضى العقد، فلو شرطت
النفقة للمضارب في العقد فسد (١).
وقال قوم منهم إبراهيم النخعي والحسن البصري: له نفقته حضراً وسفراً(٢).
وقال جمهور الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والزيدية: للمضارب النفقة في
السفر من مال المضاربة بما يحتاج إليه من طعام وكسوة (٢)، إلا أن الإمام مالك قال:
إذا كان المال يحمل ذلك .
وأما الحنابلة فأجازوا اشتراط المضارب نفقة نفسه في الحضر أو في السفر (٤)، أي
أنهم في هذا كالشافعية لا يوجبون النفقة للمضارب في السفر أو الحضر إلا بالشرط.
ودليل هؤلاء المجيزين : هو أنه لو لم تجعل نفقة المضارب من مال المضاربة
لامتنع الناس من قبول المضاربات مع مساس الحاجة إليها . والسبب في استحقاق
المضارب النفقة في السفر دون الحضر: هو أنه حبس نفسه عن الكسب وسافر لأجل
المضاربة ، فأشبه حبس الزوجة التي تستحق النفقة بالاحتباس بخلاف الحضر، فلو
أنفق المضارب في السفر من ماله الخاص تضرر بذلك .
والنفقة الواجبة للمضارب في مال المضاربة، كما ذكر الحنفية: هي ما تصرف إلى
الحاجة الراتبة وهي الطعام والكسوة والإدام والشراب، وأجر الأجير وأجرة الحمام،
(١)
المهذب : ١ / ٣٨٧ ، مغني المحتاج: ٢ / ٣١٧ .
(٢)
بداية المجتهد : ٢ / ٢٣٨ .
البداية، المرجع السابق، البدائع: ٦ / ١٠٥، تكملة فتح القدير: ٧ / ٨١، المبسوط: ٢٢ / ٦٣، مختصر
(٣)
الطحاوي: ص ١٢٥، الدردير: ٣ / ٥٣٠، المنتزع المختار: ٣٣٣/٥، القوانين الفقهية: ص ٢٨٣ ، الخرشي:
٦ / ٢١٧ وما بعدها ، ط ثانية .
(٤) المغني: ٥ / ٦٤، كشاف القناع: ٢ / ٢٦٥.
- ٨٦٥ -

ودهن السراج والحطب، وفراش ينام عليه وعلف دابته التي يركبها في سفره
ويتصرف عليها في حوائجه، وغسل ثيابه ونحوه مما لابد في السفر منه عادة. أما ثمن
الدواء ففي مال المضارب خاصة في ظاهر الرواية ؛ لأن الحاجة إلى النفقة معلومة
الوقوع، وإلى الدواء بعارض المرض، ولهذا كانت نفقة المرأة على الزوج، ودواؤها في
مالها .
وعن أبي حنيفة رحمه الله : أن الدواء يدخل في نفقة المضارب؛ لأنه لإصلاح
بدنه، ولا يتمكن من التجارة إلا به، فصار كالنفقة (١).
وأما قدر النفقة : فهو أن يكون بالمعروف عند التجار من غير إسراف، فإن
جاوز المعروف ضمن الفضل ؛ لأن الإذن ثابت بالعادة ، فيعتبر القدر المعتاد.
ولو سافر فلم يتفق له شراء متاع من حيث قصد، وعاد بالمال، فنفقته ما دام
مسافراً في مال المضاربة ؛ لأن عمل التجارة على هذا، وهو أن الشراء قد يحصل في
وقت دون وقت، ومکان دون مکان .
ويكون للمضارب النفقة، سواء سافر بمال المضاربة وحده، أو بماله ومال
المضاربة ، أو بمال المضاربة لواحد أو لاثنين، إلا أنه إذا سافر بماله ومال المضاربة أو
بمالين لرجلين، كانت النفقة من المالين بالحصص ؛ لأن السفر لأجل المالين ، فتكون
النفقة فيهما(٢).
وأما ما تحتسب النفقة منه: فالنفقة تحتسب من الربح إن حدث ربح،
فإن لم يحدث فهي من رأس المال؛ لأن النفقة جزء هالك من المال، والأصل أن
الهلاك ینصرف إلى الربح .
البدائع: ٦ / ١٠٦، تكملة فتح القدير: ٧ / ٨١، تبيين الحقائق: ٥ / ٧٠، الدر المختار: ٤ / ٥١٢، مجمع
(١)
الضمانات : ص ٣٠٨ .
(٢)
البدائع : المصدر السابق .
- ٨٦٦ -

ولو أقام المضارب في بلد من البلدان للبيع والشراء، ونوى الإقامة خمسة عشر
يوماً، فنفقته من مال المضاربة ، مالم يتخذ من البلد داراً للتوطن . وقال المالكية :
مالم يتزوج .
وإذا رجع المضارب إلى بلده: فما فضل عنده من الكسوة والنفقة رده إلى مال
المضاربة؛ لأن الإذن له بالنفقة كان لأجل السفر، فإذا انقطع السفر لم يبق الإذن،
فيجب رد ما بقي إلى مال المضاربة .
وإذا أنفق المضارب من ماله على نفسه فيما يحق له أن ينفقه من مال المضاربة،
فما أنفقه فهو دين في مال المضاربة، كالوصي إذا أنفق على الصغير من مال نفسه ؛ لأن
تدبير أمره مفوض إليه(١).
ثانياً - وأما الحق الثاني للمضارب فهو الربح المسمى : يستحق المضارب
بعمله في المضاربة الصحيحة الربح المسمى إن كان في المضاربة ربح، فإن لم يكن ربح
فلا شيء للمضارب، لأنه عامل لنفسه فلا يستحق الأجر.
وإنما يظهر الربح بالقسمة، وشرط جواز القسمة قبض رأس المال، فلا تصح
قسمة الربح قبل أخذ رأس المال من يد المضارب .
فلو دفع رجل إلى آخر ألف دينار مضاربة بالنصف، فربح ألفاً فاقتسما الربح،
ورأس المال في يد المضارب لم يقبضه رب المال، فهلك(٢) في يد المضارب بعد قسمة
الربح، فلا تصح هذه القسمة، ويكون ما قبض رب المال محسوباً عليه من رأس
ماله، وما قبضه المضارب دین علیه یرده إلى رب المال حتى يستوفي رأس ماله، فإن
فضل ربح فهو بينهما .
والدليل على أن رب المال يأخذ رأس ماله قبل قسمة الربح: هو ما روي عن
البدائع، المصدر السابق: ص ١٠٧ .
(١)
(أ)
أي رأس المال.
- ٨٦٧ -

الرسول ےپاے أنه قال: «مثل المؤمن مثل التاجر لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس
ماله، كذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه))(١) فدل الحديث على أن
قسمة الربح قبل قبض رأس المال لا تصح ؛ لأن الربح زيادة، والزيادة على الشيء
لا تكون إلا بعد سلامة الأصل .
وإذا اختلف المضارب مع رب المال في رد المال، فقال المضارب: قد كنت
دفعت إليك رأس مالك قبل قسمة الربح، وقال رب المال: لم أقبض رأس المال قبل
القسمة ، فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال، ويرد المضارب ما قبضه لنفسه
لإتمام رأس المال. فإن بقي شيء بعدئذ مما قبضه المضارب كان بينهما نصفين. وإنما
كان الحكم هو قبول قول رب المال ؛ لأن المضارب في هذه الحالة مدعي ، ورب المال
منكر، والمضارب وإن كان أميناً لكن القول قول الأمين في إسقاط الضمان عن نفسه،
لا في التسليم إلى غيره(٢).
ويتفق الحنفية مع المالكية والشافعية في الأظهر عندهم، في أنه لا يملك العامل
حصة من الربح الحاصل بعمله إلا بقسمة المال لا بظهور الربح. وقال الحنابلة
والزيدية: إن العامل يملك حصته من الربح بظهوره ولو لم يقسم المال. واتفق
الفقهاء على أنه يجب على العامل أن يسلم لرب المال أولاً رأس ماله، فلا يستحق شيئاً
من الربح حتى يسلم رأس المال إلى ربه. وما زاد عنه فهو ربحه، ويكون بين العامل
ورب المال بحسب الشرط(٣).
٤ - وأما حق رب المال: فهو أن يأخذ حصته من الربح المسمى إذا كان في
المال ربح، وإن لم يكن فلا شيء له على المضارب(٤) .
ذكره الكاساني في البدائع: ١٠٧/٦، ولم أجده في كتب الحديث المشهورة.
(١)
(٢)
البدائع: ١٠٧/٦ وما بعدها، المبسوط: ٢٠/٢٢، ١٠٥، تبيين الحقائق: ٦٨/٥، رد المحتار: ٥١١/٤.
(٣)
مغني المحتاج: ٣١٨/٢، المهني: ٥١/٥، غاية المنتهى: ١٧٥/٢.
البدائع. المرجع المذكور: ص ١٠٨ .
(٤)
- ٨٦٨ -

المطلب الرابع - حكم اختلاف رب المال والعامل المضارب :
قد يختلف رب المال والمضارب في أمور تتعلق بتنفيذ مقتضى المضاربة
كالاختلاف في عموم التصرفات أو خصوصها ، وفي تلف المال، وفي رد المال، وفي قدر
الربح المشروط ، وفي قدر رأس المال.
فإن اختلفا في عموم التصرفات أو خصوصها ، فيقبل قول من يدعي العموم،
كأن ادعى أحدهما المضاربة في عموم التجارات أو في عموم الأمكنة أو مع عموم
الأشخاص الذین یضارب معهم، وادعى الآخر نوعاً دون نوع، ومكاناً دون مكان ،
وشخصاً دون شخص ، فيقبل قول مدعي العموم ؛ لأنه يتفق مع مقصود عقد
المضاربة، إذ المقصود من العقد هو الربح، وهذا المقصود يتحقق بنحو أوفر في
التعميم
وكذلك يقبل قول من يدعي الإطلاق إذا اختلفا في الإطلاق والتقييد كأن قال
رب المال: أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها، وقال المضارب: ما سميت
لي تجارة بعينها، فيقبل قول المضارب مع يمينه؛ لأن الإطلاق أقرب إلى تحقيق
المقصود من العقد .
أما لو اختلف المتعاقدان في النوع المخصص للمضاربة فيه، فقال رب المال:
دفعت المال إليك مضاربة في القماش ، وقال المضارب : في الحبوب ، فالقول قول رب
المال؛ لأنه لا يمكن الترجيح هنا بالمقصود من العقد ؛ لأن المضاربة تصلح في النوعين
فيرجح أحدهما بالإذن الصادر من رب المال(١).
ب- وإن اختلف رب المال والمضارب في تلف المال، فادعاه المضارب وأنكره
رب المال، أو اختلفا في الخيانة أو ((التعدي)) فادعاها رب المال وأنكر المضارب،
(١) البدائع: ١٠٩/٦، تكملة فتح القدير: ٨٧/٧، المبسوط: ٢٢/ ٤٢، تبيين الحقائق: ٧٥/٥.
- ٨٦٩ -

فالقول قول المضارب باتفاق العلماء؛ لأن المضارب - كما عرفنا - أمين، والأصل عدم
الخيانة ، فكان القول قوله كالوديع .
جـ ـ وإن اختلف العاقدان في رد المال، فادعاه العامل وأنكره رب المال،
فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال، كما بينا، ولأن المضارب قبض المال لنفع
نفسه، فلم يقبل قوله بالنسبة للرد كالمستعير.
وعند المالكية والشافعية في الأصح : القول هو قول المضارب ، لأنه مأمون
(١)
کالودیع(١).
د - وإن اختلفا في قدر رأس المال يقبل قول المضارب باتفاق الفقهاء(٢) كأن قال
رب المال : دفعت إليك ألفين، وقال المضارب : دفعت إلي ألفاً، فيقبل قول
المضارب؛ لأن المتعاقدين اختلفا في مقدار المقبوض، فكان القول قول القابض بدليل
أنه لو أنكر القبض أصلاً، وقال: لم أقبض منك شيئاً كان القول قوله، فكذا لو أنكر
البعض دون البعض .
ولو اختلف المتعاقدان في قدر رأس المال وفي مقدار الربح أيضاً، كأن قال رب
المال: رأس المال ألفان، والمشروط ثلث الربح. وقال المضارب: رأس المال ألف،
والمشروط نصف الربح ، فقال الحنفية والحنابلة : القول قول المضارب أيضاً في قدر
رأس المال، وقول رب المال في مقدار الربح .
هـ - وإذا اختلف رب المال مع المضارب في مقدار الربح المشروط في العقد :
فقال الحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد : القول قول رب المال، مثل أن
البدائع: ١٠٨/٦، المغني: ٧٠/٥، مغني المحتاج: ٣٢٢/٢، المهذب: ٣٨٩/١، الشرح الكبير: ٥٣٦/٣، غاية
(١)
المنتهى : ٢ /١٧٨.
تبيين الحقائق: ٧٤/٥، البدائع: ١٠٩/٦، تكملة فتح القدير: ٨٦/٧، المبسوط: ٢٧/٢٢، بداية المجتهد:
(٢)
٢/ ٢٤١، مغني المحتاج: ٢/ ٣٢١، المهذب: ٣٨٩/١، المغني: ٦٩/٥، غاية المنتهى: ١٧٨/٢.
- ٨٧٠ -

يقول المضارب: شرطت لي نصف الربح، فيقول رب المال : بل ثلثه، فيقبل قول
رب المال؛ لأن صاحب المال ينكر الزيادة على النصف والقول قول المنكر(١)؛ لأن
النبي ◌َّ قال: ((ولكن اليمين على المدعى عليه))(٣).
وقال المالكية : القول قول المضارب بيمينه في قدر جزء الربح؛ لأنه أمين ،
وذلك بشرطين: أولهما - أن يأتي بما يشبه أحوال الناس في المضاربة. وثانيهما - أن
يكون المال ما زال موجوداً في يد المضارب حساً أو معنى، ككونه وديعة عند شخص
(٣)
أجنبي(٣).
وقال الشافعية: إذا اختلفا في القدر المشروط للعامل من الربح، كأن قال :
شرطت النصف، فقال المالك : بل الثلث ، تحالفا، كاختلاف المتبايعين في قدر
الثمن ، فلا ينفسخ العقد بالتحالف، بل يفسخانه أو يفسخه أحدهما أو الحاكم.
ويكون للعامل حينئذ أجرة المثل لعمله، بالغة ما بلغت ، لتعذر رجوع عمله إليه،
فوجب له قيمته وهو الأجرة(٤).
و- وإن اختلف المتعاقدان في صفة رأس المال، فقال رب المال: دفعت إليك
مضاربة أو وديعة أو بضاعة لتشتري به وتبيع(٥)، وقال العامل : بل أقرضتني المال،
والربح لي، فالقول عند الحنفية والحنابلة قول رب المال؛ لأن الشيء المدفوع ملكه،
المبسوط: ٨٩/٢٢، البدائع: ١٠٩/٦، المغني: ٧٠/٥، غاية المنتهى: ١٧٨/٢ .
(١)
أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس، ولفظه عند البيهقي في سننه: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى
(٢)
رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) (انظر نصب الراية: ٩٦/٤) وهناك
حديث أخرجه الترمذي والدارقطني في سننيها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ◌ُ ◌ّ قال في
خطبته: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)) (راجع نصب الراية: ٤ /٣٩٠).
(٣)
الشرح الكبير: ٥٢٧/٢، بداية المجتهد: ٢٤١/٢.
(٤)
مغني المحتاج: ٢٢٢/٢، المهذب: ٣٨٩/١.
أي أن الربح جميعه لرب المال، لأن العامل لم يطلب لعمله بدلاً، وعمله لا يتقوم إلا بالتسمية، فكان وكيلاً
(٥)
متبرعاً ، وهذا هو معنى البضاعة .
- ٨٧١ -

فالقول قوله في صفة خروجه عن يده، ولأن المضارب يدعي على رب المال التليك،
وهو منكر(١)، وذلك كالخلاف في نوع رأس المال .
ولو قال رب المال : أقرضتك، وقال المضارب : دفعت إلي مضاربة فالقول قول
المضارب باتفاق العلماء(٢)؛ لأنهما اتفقا على أن الأخذ كان بإذن رب المال، ورب المال
يدعي على المضارب الضمان ، وهو ينكر، فكان القول قوله .
المطلب الخامس - مبطلات المضاربة
تبطل المضاربة في الحالات التالية(٣):
١ - الفسخ والنهي عن التصرف أو العزل : تبطل المضاربة بالفسخ،
وبالنهي عن التصرف أو العزل إذا وجد شرط الفسخ والنهي : وهو علم صاحبه
بالفسخ والنهي ، وأن يكون رأس المال ناضاً أي نقداً وقت الفسخ والنهي ، حتى
يتبين ما إذا كان هناك ربح مشترك بين المضارب ورب المال، فإن كان متاعاً لم يصح
العزل. ويترتب عليه أنه إذا لم يعلم المضارب بالفسخ أو بالنهي وتصرف، جاز
تصرفه، وإذا علم بالعزل وكان المال أمتعة ((عروضاً)) فله أن يبيعها لينض رأس المال
ويظهر الربح، ولا يملك رب المال عندئذ نهيه عن البيع لما فيه من إبطال حقه.
وهذا متفق عليه بين فقهاء المذاهب الأربعة .
٢ - موت أحد العاقدين: إذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة عند
الجمهور؛ لأن المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل والوكيل .
تبيين الحقائق: ٧٥/٥، تكملة فتح القدير: ٨٦/٧، البدائع: ١١٠/٦، المبسوط: ٩١/٢٢، المغني: ٧١/٥.
(١)
(٢)
المراجع السابقة، الشرح الكبير: ٥٣٦/٣، مغني المحتاج: ٣٢١/٢.
البدائع: ٦ ص ١١٢ ومابعدها، تكملة فتح القدير: ٧ ص ٧٤ وما بعدها، تبيين الحقائق للزيلعي: ٥ ص ٦٦
(٣)
وما بعدها، مجمع الضمانات: ص ٣٠٨، رد المحتار على الدر المختار: ٤ ص ٥١٠، وانظر مغني المحتاج: ٢ ص ٣١٩
وما بعدها، المهذب: ١ ص ٣٨٨، المغني: ٥ ص ٥٨، كشاف القناع: ٢ ص ٢٦٩، الشرح الكبير للدردير:
٣ ص ٥٣٥ .
- ٨٧٢ -

ويتم بطلان المضاربة سواء علم المضارب بموت رب المال أم لم يعلم ؛ لأن الموت عزل
حكمي، فلا يقف على العلم، كما في الوكالة .
وقال المالكية : لاتنفسخ المضاربة بموت أحد العاقدين ، ولورثة العامل القيام
بالمضاربة إن كانوا أمناء، أو يأتوا بأمين(١).
٣ - جنون أحد العاقدين: تبطل المضاربة بجنون أحد المتعاقدين إذا كان
عند غير الشافعية مطبقاً ؛ لأن الجنون يبطل الأهلية ، وكل ماتبطل به الوكالة تبطل
به المضاربة ، مثل الإغماء والحجر على رب المال نفسه. أما الحجر على المضارب للسفه
فإنه لا ينعزل عند الحنفية؛ لأنه يصبح حينئذ كالصبي المميز، والمميز عندهم أهل لأن
يوكل عن غيره ، فكذلك السفيه .
٤ - ارتداد رب المال عن الإسلام: إذا ارتد رب المال عن الإسلام، ومات
أو قتل على الردة، أو لحق بدار الحرب وقضى القاضي بلحاقه، بطلت المضاربة من
يوم الردة عند أبي حنيفة رحمه الله ؛ لأن اللحوق بدار الحرب بمنزلة الموت، وهو
يزيل أهلية رب المال بدليل أن المرتد يقسم ماله بين ورثته .
وإذا ارتد المضارب فالمضاربة على حالها لتوافر أهليته، حتى إنه لو اشترى وباع
وربح، ثم قتل على ردته أومات أو لحق بدار الحرب فإن جميع مافعل مما ذكر جائز،
والربح بينهما على ماشرطا ؛ لأن عبارة المرتد صحيحة لتوافر التمييز والآدمية دون
خلل فيهما .
ويلاحظ أنه إذا صار رأس المال متاعاً ، فبيع المضارب فيه وشراؤه جائز حتى
ينض رأس المال ((أي يتحول إلى النقدية))، وحينئذ لا ينعزل المضارب بالعزل
والنهي ولا بموت رب المال ولا بردته أيضاً(٢).
(١)
القوانين الفقهية : ص ٢٨٣ .
(٢)
المبسوط: ١٩ ص ١٠٤، ٢٢ ص ٨٦، تكملة فتح القدير: ٧ ص ٧٦، البدائع، المرجع السابق.
- ٨٧٣ -

٥ - هلاك مال المضاربة في يد المضارب: إذا هلك رأس المال في يد
المضارب قبل أن يشتري به شيئاً بطلت المضاربة ؛ لأن المال تعين لعقد المضاربة
بالقبض ، فيبطل العقد بهلاكه كالوديعة .
وكذا تبطل المضاربة باستهلاك المضارب مال المضاربة أو إنفاقه أو دفعه إلى
غيره، فاستهلكه، حتى إن المضارب لا يملك أن يشتري به شيئاً للمضاربة . فإن أخذ
المضارب مثل المال من الذي استهلكه، كان له أن يشتري به على المضاربة .
هذه هي الحالات التي تبطل بها المضاربة كما ذكر الحنفية. وإذا انفسخت
المضاربة ومال المضاربة ديون على الناس، وامتنع المضارب عن تقاضي الديون
وقبضها : فإن كان المضارب قد ربح، أجبره الحاكم على اقتضاء الديون ، لأنه بمنزلة
الأجير، والربح كالأجرله، والأجير مجبور على العمل فيما التزم. وإن لم يكن هناك
ربح لم يلزمه اقتضاء الدين، لأنه يعتبر وكيلاً، والوكيل متبرع، والمتبرع لا يجبر على
إيفاء ما تبرع به ، غير أنه يؤمر المضارب أو الوكيل أن يحيل رب المال على الذي عليه
الدين ، حتى يمكنه قبضه ؛ لأن حقوق العقد ترجع إلى العاقد، فلا تثبت ولاية
القبض لرب المال إلا بالحوالة من العاقد ، فيلزمه أن يحيله حتى لا يضيع حقه .
وما هلك من مال المضاربة فهو من الربح دون رأس المال ؛ لأن الربح تابع
للمال، ورأس المال أصل له، ولا يعتبر التبع قبل حصول الأصل، فيكون صرف
الهلاك إلى التابع أولى. فإذا زاد الهلاك على الربح فلا ضمان على المضارب ؛ لأنه أمين .
- ٨٧٤ -

الشركات بين القديم والحديث
في الفقه الإسلامي
الإسلام دين الحياة كما هو معروف، فما من كسب مشروع حلال إلا أقرته
الشريعة، وما من كسب مشبوه يوقع في النزاع والجدال، ويحطم علاقات الود
والتعاون بين الناس إلا حظرته الشريعة ، وأوصدت الباب أمامه، فالشريعة مع
الناس يسرأ وسماحة إذا تحققت مصالحهم دون تصادم بينهم ، وهي لا تقرهم إذا هم
أوقعوا أنفسهم في متاهات الجهالة والمنازعات والظلم والاستغلال، وعليه نظمت
الشركات في الإسلام على أساس التراضي المشترك، والعدل، ومراعاة المصالح،
والأعراف الصحيحة المشروعة ، وأن الأصل في العقود هو الإباحة والحل، وما أجمل
قول الفقهاء في هذا الصدد: ((الشركة تنعقد على عادة التجار)).
ومن أهم موارد الكسب المشروع ثلاثة هي : التجارة والصناعة والزراعة، وقد
يقوم الفرد عند استطاعته بها ، والغالب أنه يحتاج إلى التعاون مع غيره، لعدم توافر
القدرات والإمكانات المالية أو البشرية لديه، سواء بالنسبة للخبرة الفنية، أو الجهد،
أو من أجل التخفيف من احتمالات المخاطر التي قد تصادف المرء في خضم الحياة
الرهيب. ومن هنا شرعت الشركة في الشرائع السماوية ؛ لأن التعاون بين الناس أمر
ضروري، وقد قص القرآن الكريم علينا على لسان داود عليه السلام نبأ الشركاء فقال
تعالى: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ، إلا الذين آمنوا وعملوا
الصالحات، وقليل ماهم﴾(١) ، وأشرك الله بعض الورثة في بعض الأنصبة فقال عن
الإخوة لأم: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾.
(١)
الخلطاء هنا أي الشركاء.
- ٨٧٥ _

وأكدت السنة النبوية مبدأ مشروعية الشركة، ففي الحديث القدسي: ((إن الله
عز وجل يقول : أنا ثالث الشريكين مالم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت
من بينهما)» والمعنى: أنا معهما بالحفظ والإعانة، أمدهما بالمعونة في أموالهما ، وأنزل
البركة في تجارتها ، فإذا وقعت بينهما الخيانة رفعت البركة والإعانة عنهما . وقد أقر
النبي ◌ُ ◌ٍّ تعاون الناس بالشركة، كما في أحاديث كثيرة، وقال: ((يد الله على
الشريكين مالم يتخاونا)) وصح أن السائب بن أبي السائب قال للنبي ◌ُ لّ بعد بعثته:
(( كنت شريكي في الجاهلية، فكنت خير شريك لا تداريني ولا تماريني)) [ أي
لا تمانعني ولا تحاورني] رواه أبو داود. ولفظ ابن ماجه: ((كنت شريكي ونعم
الشريك، كنت لا تداري ولا تماري)) وجاء السائب يوم الفتح ، فقال له النبي عليه
السلام: «مرحباً بأخي وشریکي، كان لا يداري ولا یماري)».
والشركة كما أبان الحنفية هي: عبارة عن عقد بين المتشاركين في رأس المال
والربح .
وتعددت أنواع الشركات قديماً وحديثاً، إما على أساس الاشتراك في الأموال،
أو في الأعمال والتصرفات ، أو في الضمان (الالتزام).
فشركة الأموال تعتمد على عنصر الاشتراك في رأس المال . وشركة الأعمال تعتمد
على الحرفة والصنعة وضمان العمل ، وشركة الوجوه ترتكز على عنصر ثقة الناس
بالشريكين ، من غير أن يكون لهما رأس مال .
وقد أجاز فقهاء الحنفية والزيدية كل أنواع الشركات : الإجبارية وهي
شركات الأملاك، والاختيارية وهي شركات العقود. ومن أهم أنواع الشركات في
الماضي والحاضر: شركة المضاربة وهي التي يكون المال فيها من جانب، والعمل من
جانب آخر، أجازها الشرع لحاجة الناس إليها ، إذ قد يوجد ذو المال الذي لا يتمكن
من التصرف فيه، ويوجد من يحسن التصرف ولا مال له، ويوزع الربح بينهما
- ٨٧٦ -

حسب الاتفاق، ويتحمل صاحب رأس المال الخسارة وحده، ويكفي العامل ضياع
جهده وعمله .
وتعارف الناس في عصرنا الحاضر أنواعاً جديدة من الشركات ، نظم القانون
المدني بعضها كشركة التضامن والتوصية البسيطة والمساهمة وغيرها ، وأغفل تنظيم
بعضها الآخر كشركة المحاصة والشركة على البهائم، وشركة السيارات إما مع إجارة أو
بدون إجارة ، ولا بد لنا من بيان حكم هذه الشركات في الشريعة، لكثرة سؤال الناس
عنها ، وتعارفهم ألواناً من الشركات قد تكون معقدة وغير جائزة .
واكتفى القانون المدني الأردني المستمد من الشريعة ببيان أحكام بعض أنواع
الشركات بنحو خاص وهي شركة الأعمال، وشركة الوجوه، وشركة المضاربة في
المواد ٦١١ - ٦٣٥ بعد بيان الأحكام العامة للشركات بوجه عام في المواد ٥٨٢ - ٦١٠
وقد استقى هذا القانون أحكام شركتي الأعمال والوجوه من المذهبين الحنفي
والحنبلي ، وأحكام شركة المضاربة من المذهب الحنفي .
والقانون المدني الوضعي في سورية ومصر قسم الشركات إلى قسمين : شركات
أشخاص وشركات أموال .
أما شركات الأشخاص : فهي التي يبرز فيها العنصر الشخصي، فتقوم على
شخصية الشركاء والثقة المتبادلة بينهم ، بصرف النظر عن المال الذي يقدمه كل
شريك . وهي تشمل شركة التضامن ، وشركة التوصية البسيطة ، وشركة المحاصة .
وأما شركات الأموال فهي التي تعتمد عند تكوينها على عنصر المال، بقطع النظر
عن شخصية الشريك، وهي تشمل شركة المساهمة ، وشركة التوصية بالأسهم ،
والشركة ذات المسؤولية المحدودة .
فما حكم كل نوع من هذه الأنواع في الشريعة الإسلامية ؟
- ٨٧٧ -

١ - شركة التضامن: وهي الشركة التي يعقدها اثنان أو أكثر بقصد الاتجار
في جميع أنواع التجارات أو في بعضها، ويكون الشركاء فيها مسؤولين بالتضامن عن
جميع التزامات الشركة ، ليس في حدود رأس المال فقط ، بل قد يتعدى ذلك إلى
الأموال الخاصة لكل شريك .
ويلاحظ أن لعنصر الضمان (أو الكفالة أو الالتزام) في هذه الشركة شبهاً فيما
تتميز به شركة المفاوضة التي لم يجزها غير الحنفية والزيدية، وهي التي تتطلب
الاشتراك في عموم التجارات، بشرط التساوي بين الشركاء في رأس المال والتصرف
والدين أي الملة، ويكون كل شريك كفيلاً عن الآخر فيما يلتزم به من التزامات
تتعلق بالشركة. وبما أن تحقيق المساواة بين الشركاء أمر عسير، لاحتمال حدوث
زيادة في أموال كل من الشركاء، فتصبح هذه الشركة نادرة الوجود، أو قصيرة
الأجل وعديمة الاستمرار، مما يجعلها سريعة التحول والانقلاب إلى شركة عنان .
وشركة العنان لاتتطلب المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الملة، وهي أن
يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرافيه، والربح بينهما . فيجوز أن يكون مال
أحدهما أكثر من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة، والآخر غير
مسؤول، فليس فيها كفالة ، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات ،
أما تصرفات شريكه فهو غير مسؤول عنها . ويقسم الربح بينهما حسب شرطهما الذي
اتفقا عليه عند جمهور الفقهاء (خلافاً للشافعي فإن الربح عنده على قدر المال)،
فيجوز أن يزيد ربح أحدهما عن الآخر بسبب خبرته في التجارة، مع التساوي في
رؤوس الأموال أو التفاوت فيها ، وتكون الوضيعة أو الخسارة على قدر رأس المال
باتفاق المذاهب عملاً بالحديث ((الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين))
ولا مانع في تقديري خلافاً لرأي الكمال بن الهمام الحنفي من اشتراط الكفالة في شركة
العنان، فيصبح كل شريك كفيلاً عن صاحبه وضامناً له ؛ لأن الكفالة عقد تبرع،
وقد شرطها الشريكان، وهي جائزة في غير الشركة، وإذا جازت الكفالة بين
- ٨٧٨ -

شخصين لا علاقة مالية بينهما ، فلأن تجوز بين شخصين ارتبطا بعقد الشركة أولى .
ويؤكد ذلك أن الأصل في العقود هو التراضي، والشركة عقد يقوم على التراضي،
فيلزم الوفاء بكل شرط لا يصادم النصوص الشرعية .
٢ - شركة التوصية البسيطة: هي الشركة التي تعقد بين شركاء بعضهم
متضامنون، وبعضهم موصون ، فالمتضامنون هم الذين لهم أموال ويقومون بأعمال
إدارة الشركة ، وهم مسؤولون عن الإدارة ، متحملون لالتزاماتها ، متضامنون في هذه
المسؤولية وفي إيفاء ديون الشركة. والموصون : يقدمون المال، ولا يسألون عن
إدارتها ، ولا يتحملون التزاماتها .
وهذه الشركة جائزة أيضاً، لأن فقهاءنا أجازوا في شركة العنان أن يشترط
العمل لأحد الشريكين، ويسأل عنه دون غيره، ويجوز بناء على ذلك أن تشترط
زيادة الربح للعامل، أو يقدر له مرتب خاص، ويكون أجيراً. ولافرق بين أن
يكون المسؤول عن إدارة الشركة شريكاً واحداً أو أكثر، وغير المسؤول واحداً أو
أكثر، فاشتراط الكفالة والمسؤولية بين الفريق الأول دون الثاني جائز، كما بينًا في
شركة التضامن .
كما أنه يمكن جعل هذه الشركة نوعاً من أنواع شركة المضاربة، الشريك
المتضامن هو المضارب، المتصرف في الشركة، المسؤول عن الحقوق المتعلقة بها أمام
الغير. والشريك الموصي هو رب المال في شركة المضاربة، وهو غير مسؤول عن إدارة
الشركة ، ولا يضمن لأصحاب الحقوق المتعاملين حقوقهم ، ولا يتحمل من الالتزامات
إلا خسارة رأس ماله في حالة الخسارة، ولا يسأل العامل المضارب عن الخسارة فيما
يسمح له من التصرفات، ويكون المضارب حر التصرف بحسب عادة التجار، وتوزع
الأرباح على حسب الاتفاق بين المتشاركين في شركة المضاربة .
والخلاصة : أن هذه الشركة تعتبر شركة مضاربة مع بعض الفروق الطفيفة
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٥٦)
- ٨٧٩ -

بينهما في الأحكام الفقهية. ويلاحظ أن انتشار شركات المساهمة حدَّ كثيراً من انتشار
شركات التوصية؛ لأن شركات المساهمة تمارس عادة نشاطاً واسعاً في الاستثمارات،
وكثيراً ما يكون التوفيق حليفها لما يتوفر لها من رؤوس أموال كبيرة. ومزية شركة
التوصية تتحقق في شركة المساهمة، وهذه المزية هي أن المساهم لا يكتسب صفة
التاجر، ولا يسأل إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها .
٣ - شركة المحاصة: هي عقد كباقي العقود، بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر
بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال، أو من عمل، لاقتسام
ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو من خسارة، إلا أنها تمتاز بخفائها عن
الجمهور، فليس لها رأس مال شركة ، ولا عنوان شركة، فهي غير معروفة من الناس ،
وليس لها وجود ظاهر، وليس لها شخصية معنوية مستقلة كباقي الشركات . فهي
شركة وقتية كالتي تنشأ في مزاد مثلاً أو في صفقة خاصة تنتهي بانتهائها، وتصفى
الأرباح عقب الفراغ منها . فالذي يبرز منها شريك واحد يتعامل في الظاهر
باسمه، وتبقى الشركة مستترة، ليس لها شخصية اعتبارية .
وهذه الشركة إجمالاً جائزة شرعاً؛ لأنها نوع من أنواع شركة العنان ، ليست
فيها مساواة ، ولا تضامن ، ولا تكافل ، وهي معقودة على نوع خاص من أنواع
التجارات، والربح يوزع فيها حسب الاتفاق ، والخسارة تکون حسب رؤوس
الأموال التي استعملت فيها .
وبصفة دقيقة تعد شركة المحاصة شركة عنان إذا كانت حصص الشركاء شائعة
الملكية بين الشركاء. وتعد شركة عنان ومضاربة إذا احتفظ كل شريك بملكية
حصته، لكنه سلمها لواحد لاستثمارها مع بقية الحصص لمصلحة الكل، على أن
يقتسموا الربح أو الخسارة فيما بينهم بحسب الاتفاق أو الحصص. فالمال المقدم من
أصحابه إلى أحدهم يعد مضاربة ، ويكون الشريك المتصرف مضارباً، لكنه لما كان
متقدماً بجزء من رأس المال فهو شريك عنان أيضاً، كما أنه إذا تصرف معه بعض
- ٨٨٠ -