النص المفهرس
صفحات 841-860
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد : العقد غير لازم، ولكل من العاقدين الفسخ إذا شاء، وليس هو عقداً يورث . ومرجع الخلاف بين الفريقين : أن الإمام مالك جعل العقد لازماً بعد الشروع في العمل لما يترتب على الفسخ من ضرر، فكان من العقود الموروثة. وأما الفريق الثاني فقد شبهوا الشروع في العمل بما قبل الشروع في العمل ؛ لأن المضاربة تصرف في مال الغير بإذنه، فيلك كل واحد من العاقدين فسخ العقد، كما في الوديعة والوكالة(١). ولكن الحنفية ومن وافقهم اشترطوا لصحة الفسخ وانتهاء المضاربة علم المتعاقد الآخر بالفسخ، كما في سائر أنواع الشركات ، وأن يكون عند الحنفية رأس المال ناضاً أي نقوداً(٢) وقت الفسخ، فإن كان من العروض من عقار أو منقول، لم يصح الفسخ عندهم . وقال الشافعية والحنابلة : إذا انفسخت المضاربة ورأس المال عروض، فاتفق المتعاقدان على بيعه أو قسمته جاز؛ لأن الحق لهما لا يعدوهما. وإن طلب العامل البيع، وأبى رب المال، أجبر رب المال على البيع؛ لأن حق العامل في الربح، وهو لا يحصل إلا بالبيع(٣). تعدد المضارب : قال المالكية(٤): إذا تعدد عامل القراض، فإن الربح يوزع عليهم على قدر العمل كشركاء الأبدان ، أي فيأخذ كل منهما من الربح بقدر عمله، فلا يجوز أن يتساويا في العمل، ويختلفا في الربح، أو بالعكس، بل الربح على قدر العمل على المشهور. انظر بداية المجتهد: ٢ / ٢٣٧، الخرشي: ٦ / ٢٢٣، ط ثانية، البدائع: ٦ / ١٠٩، المهذب: ١ / ٣٨٨ ، (١) مغني المحتاج: ٢ / ٣١٩، المغني : ٥ / ٥٨ . (٢) نصَّ المال : أي صار مثل حاله وقت العقد عليه دنانير أو دراهم . (٣) المراجع السابقة . (٤) الخرشي: ٦ / ٢١٧ . - ٨٤١ - حكم الشركات القانونية الحديثة: إن شركات الأشخاص التجارية في القانون الوضعي وهي شركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة تعتبر جميعها في الجملة من قبيل شركة المضاربة في الفقه الإسلامي مع اختلاف بعض الأحكام بين القانون والشريعة حسبما تقتضيه مصلحة الناس وطبيعة التطور . ففي شركة التضامن حيث يكون المال من جميع الشركاء ، والعمل من بعضهم ، يكون العامل مضارباً في مال غيره . وفي شركة التوصية البسيطة حيث تتكون الشركة من شركاء متضامنين مسؤولين عن التزامات الشركة ، وشركاء موصين تنحصر مسؤولية كل واحد فيما يقدمه من حصة في المال، تكون الشركة مضاربة في مال الموصين . وفي شركة المحاصة إذا سلمت الحصص لأحد الشركاء لاستثمارها، يكون هذا الشريك وكيلاً عنهم في استثمار هذا المال، وعمله في مال غيره يكون قراضاً (مضاربة). وكذلك شركات الأموال أو شركات المساهمة حيث يكون العمل في مالها عادة لغير أرباب الأموال فيها ، تعد من قبيل القراض في هذه الحال. وكذلك الشركات ذات المسؤولية المحدودة التي لا يزيد عدد الشركاء فيها على خمسين شريكاً، يكون عمل المدير فيها قراضاً، كما يرى أستاذنا الشيخ علي الخفيف(١). والأدق أن يعتبر عمله من باب التوظف، فهو يعمل بأجر بحكم التوظف لا بحكم المشاركة. ولا مانع شرعاً في شركة المساهمة وشركة التضامن من اعتبار مدير الشركة أجيراً موظفاً على العمل ، ولا مانع من وجود صفتي الشركة والإجارة في شيء واحد ؛ لأن المنع من وجود عقدين أو شرطين في عقد يزول إذا زالت علته أو حكمته وهو عدم إثارة النزاع والخلاف، وعدم التنازع جرى عليه العرف والعادة، فلم يعد شرطاً مفسداً. وسنوضح ذلك قريباً . (١) راجع الشركات في الفقه الإسلامي لأستاذنا الشيخ علي الخفيف: ص ٩٢ - ٩٧ . - ٨٤٢ - المطلب الثاني - شرائط المضاربة : يشترط لصحة المضاربة شروط في العاقدين وفي رأس المال وفي الربح. أما ما يشترط في العاقدين وهما رب المال والمضارب : فهو أهلية التوكيل والوكالة ؛ لأن المضارب يتصرف بأمر رب المال، وهذا معنى التوكيل، ولا يشترط كونها مسلمين، فتصح المضاربة بين المسلم والذمي والمستأمن في دار الإسلام، والمذهب عند المالكية الكراهة بين مسلم وذمي إذا لم يعمل بمحرم كالربا . وأما شروط رأس المال فهي : أولاً - أن يكون رأس المال من النقود الرائجة أي الدراهم والدنانير ونحوها، كما هو الشرط في شركة العنان . فلا تجوز المضاربة بالعروض من عقار أو منقول عند جمهور العلماء، ولو كان المنقول مثلياً عند الحنفية والحنابلة ، وأجازها ابن أبي ليلى والأوزاعي ، وتنعقد حينئذ على قيمها عند انعقاد المضاربة . وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضاً كان غرراً؛ لأن المضاربة تؤدي حينئذ إلى جهالة الربح وقت القسمة ، إذ أن قيمة العروض تعرف بالحزر والظن ، وتختلف باختلاف المقومين، والجهالة تفضي إلى المنازعة، والمنازعة تفضي إلى الفساد(١)، وللعامل حينئذ أجر مثله في ذمة رب المال . وكون القراض لا يجوز بالعروض عند المالكية مع جواز ذلك في شركة العنان ، فلأن القراض رخصة يقتصر على ما ورد فيها . أما إذا كان رأس المال ما به تباع العروض، بأن دفع إنسان لآخر عروضاً، وقال : بعها واعمل بثمنها مضاربة، فباعها بنقود، وتصرف فيها ، جاز العقد عند أبي المبسوط: ٣٣/٢٢، تبيين الحقائق: ٥٣/٥، البدائع: ٨٢/٦، بداية المجتهد: ٢٣٤/٢، المهذب: ٣٨٥/١، مغني (١) المحتاج: ٣١٠/٢، تكملة فتح القدير: ٥٨/٧، الخرشي: ٢٠٣/٦ - ٢٠٩، ط ثانية، الدردير: ٥١٨/٣ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٨٢ . - ٨٤٣ - حنيفة ومالك وأحمد، لأنه لم يضف المضاربة إلى العروض، وإنما أضافها إلى الثمن ، والثمن تصح به المضاربة . ولم يجز العقد عند الشافعي، لأنه قارضه على ما تباع به السلعة، وذلك مجهول ، فكأنه قارضه علی رأس مال مجهول . وكما أنه لا تصح المضاربة على العروض لا تصح أيضاً على تبر الذهب والفضة والنقرة (القطعة الخالصة من الذهب والفضة)، ولا على الفلوس عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك، لأنها لا تعتبر أثماناً مطلقة، وعند محمد: تجوز، لأنها أثمان للأشياء عنده، كما عرفنا في بحث شركات الأموال . والخلاصة : أن كل ما يصلح رأس مال في الشركة، ويصح به عقد الشركة، تصح به المضاربة ، وإلا فلا. ثانياً - أن يكون رأس المال معلوم المقدار: فإن كان مجهولاً لا تصح المضاربة ؛ لأن جهالة رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح، وكون الربح معلوماً شرط لصحة المضاربة . ثالثاً - أن يكون رأس المال عيناً(١) حاضرة لا ديناً: فلا تصح المضاربة على دين ولا على مال غائب. وعليه لا يجوز أن يقال لمن عليه دين : ضارب بالدين الذي عليك. وهذا الشرط والذي قبله باتفاق العلماء. والمضاربة بالدين فاسدة؛ لأن المال الذي في يد من عليه دين له، وإنما يصير لدائنه ((أو غريمه)) بقبضه، ولم يوجد القبض ههنا(٢). أي معيناً . (١) (٢) راجع البدائع: ٨٣/٦، فتح القدير: ٥٩/٧، رد المحتار على الدر المختار: ٥٠٦/٤، بداية المجتهد: ٣٣٥/٢، مغني المحتاج: ٣١٠/٢، المغني: ٦٧/٥، كشاف القناع: ٢٦٣/٢، القوانين الفقهية، المكان السابق، الخرشي: ٢٠٢/٦، ٢٠٤، ط ثانية . - ٨٤٤ - والشرط أن يكون المال حاضراً عند التصرف، فلا يشترط الحضور في مجلس العقد، فلو وفي الدين، وسلم إلى المضارب أو أحضر المال الغائب، فسلم إليه ، صحت المضاربة . وبناء عليه: إذا كان لرب المال دين على رجل، فقال له: «اعمل بديني الذي في ذمتك مضاربة بالنصف)» فقال أبو حنيفة: إذا اشترى المدين بذلك وباع، فجميع ما اشترى وباع يملكه هو، وله ربحه وعليه وضيعته ((خسارته)» والدين يظل قائماً في ذمته بحاله، وهذا مبني على الأصل المقرر عنده فین وکل رجلاً ليشتري له بالدین الذي في ذمته : وهو أنه لا يجوز. وهذا متفق مع مذهب المالكية والشافعية والحنابلة أيضاً، فلا تصح عندهم المضاربة بما في ذمة المضارب من دين لآخر، وإنما لا بد من تسليمه إلى الدائن ، ثم يسلمه الدائن مرة أخرى للمضارب . وقال الصاحبان : إن جميع ما اشترى وباع لرب المال، له ربحه وعليه خسارته. وهذا مبني على الأصل المقرر عندهما في الوكالة السابقة: وهو أن هذا التوكيل جائز، ويبرأ المدين من الدين ، ولكن المضاربة فاسدة؛ لأن الشراء وقع للموكل، فتصير المضاربة بعدئذ مضاربة بالعروض، كأنه وكله بشراء العروض ، ثم دفعه إليه مضاربة ، والمضاربة بالعروض لا تصح . قبض الدين: أما إذا قال إنسان لرجل: ((اقبض ما لي على فلان من الدين واعمل به مضاربة)) جاز باتفاق العلماء؛ لأن المضاربة هنا أضيفت إلى المقبوض الذي هو أمانة في يده، فكان رأس المال عيناً لا ديناً، أي أن المضارب يكون وكيلاً في قبضه مؤتمناً عليه ؛ لأنه قبضه بإذن مالكه من غيره، فجاز أن يجعله مضاربة، كما لو قال : اقبض المال من غلامي وضارب به . الوديعة: وكذلك تجوز المضاربة عند الحنفية والشافعية والحنابلة إذا كان في - ٨٤٥ _ يد شخص وديعة ، فقال له المودع: ضارب بها؛ لأن الوديعة ملك رب المال، فجاز أن يضاربه عليها، كما لو كانت حاضرة، فقال: ((قارضتك على هذا الألف)) وأشار إليه في زاوية البيت. والفرق بين هذه الحالة والدين: أن عين المال في حالة الدين لا يصير ملكاً للدائن إلا بقبضه . وقال المالكية: المرهون أو الوديعة لا يجوز أن يكون أحدهما رأس مال القراض ؛ لأنه شبيه بالدین . المغصوب: والمضاربة تجوز أيضاً فيما إذا كان المال مغصوباً، فضارب به الغاصب؛ لأنه مال لرب المال يباح له بيعه من غاصبه ومن يقدر على أخذه منه، فأشبه الوديعة(١). رابعاً - أن يكون رأس المال مسلّماً إلى العامل: ليتمكن من العمل فيه، ولأن رأس المال أمانة في يده، فلا يصح إلا بالتسليم وهو التخلية كالوديعة ، ولا تصح المضاربة مع بقاء يد رب المال على المال، لعدم تحقق التسليم مع بقاء يده. ويترتب عليه أنه لو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة . وهذا الشرط محل اتفاق بين الجمهور (أبي حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وابن المنذر). وأما الحنابلة فقد أجازوا اشتراط بقاء يد المالك على المال . وأجاز المالكية للعامل أن يشترط عمل رب المال مجاناً أي يعمل معه في مال القراض، أو يشترط دابة رب المال حيث كان المال كثيراً. كما أجازوا أيضاً لمريد القراض أن يدفع مالين متعاقبين ، أي واحداً بعد واحد لعامل واحد، إذا شرطا خلط. (١) انظر البدائع: ٨٣/٦، المغني: ٦٨/٥ وما بعدها، المهذب: ٣٨٥/١، مغني المحتاج: ٣١٠/٢. - ٨٤٦ - المالين عند دفع الثاني ؛ لأنه يرجع حينئذ إلى أجر واحد معلوم . وفي هذا الشرط تختلف المضاربة عن شركات الأموال، فإنها تصح مع بقاء يد رب المال على ماله. والفرق هو أن المضاربة انعقدت على رأس مال من أحد الجانبين، وعلى العمل من الجانب الآخر، ولا يتحقق العمل إلا بعد خروج المال من يد صاحبه ليتمكن من التصرف فيه. أما الشركة فإنها انعقدت على العمل من الجانبين ، فإذا شرط زوال يد رب المال عن العمل، فيكون هذا الشرط مناقضاً لمقتضى العقد، كما لو شرط في المضاربة عمل رب المال، فإن المضاربة تفسد، سواء عمل رب المال مع المضارب، أم لم يعمل ؛ لأن شرط عمله معه معناه اشتراط بقاء يده على المال، وهذا شرط فاسد، لأنه يمنع المضارب من التمكن من التصرف، فلا يتحقق المقصود من العقد (١). وهذا الشرط مطلوب ، سواء أكان المالك عاقداً أم غير عاقد، فلا بد من زوال يد رب المال عن ماله لتصح المضاربة . ويترتب عليه أن الأب أو الوصي إذا ضارب في مال الصغير، وشرط عمل الصغير، لم تصح المضاربة؛ لأن يد الصغير ثابتة له، وبقاء يده يمنع التسليم إلى المضارب(٢). وكذلك أحد شريكي المضاربة أو العنان إذا دفع مالاً مضاربة وشرط عمل شريكه مع المضارب، فالمضاربة فاسدة لقيام الملك لشريكه، وإن لم يكن عاقداً، فيمنع تحقق التسليم(٣). (١) يلاحظ أن الخلاف في هذا الشرط إذا كان عمل رب المال مشترطاً في العقد. أما إذا عمل متبرعاً من غير شرط، كأن استعان به المضارب فلا يؤثر ذلك في صحة المضاربة اتفاقاً (الشركات للأستاذ الخفيف: ص ٧٠). (٢) أما إذا اشترط على المضارب أن يعمل معه نفس الأب أو الوصي فذلك جائز اتفاقاً (المرجع السابق). انظر المبسوط: ٨٣/٢٢ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٥٦/٥، البدائع: ٨٤/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: (٣) ٦٣/٧، الدر المختار: ٥٠٦/٤، مغني المحتاج: ٣١٠/٢، كشاف القناع: ٢٦٢/٢، الشرح الكبير للدردير: ٥٢٠/٣ وما بعدها، نهاية المحتاج: ١٦٣/٤، الخرشي: ٢١٠/٦، ٢١٢، ط ثانية. - ٨٤٧ - الفقه الإسلامي جـ٤ (٥٤) ويترتب على هذا الشرط أن المضارب لو دفع المال إلى رب المال مضاربة بالثلث فالمضاربة الثانية فاسدة، والمضاربة الأولى على حالها جائزة . وأما شروط الربح فهي ما يأتي : أولاً - أن يكون الربح معلوم القدر: لأن المعقود عليه أو المقصود من العقد هو الربح، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد (١). وإذا دفع شخص لآخر ألف درهم على أن يشتركا في الربح، ولم يبين مقدار الربح، جاز العقد، ويكون الربح بينهما نصفين ؛ لأن الشركة تقتضي المساواة كما في قوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ في الثلث ﴾ . حالة فساد المضاربة وحالة فساد الشرط فقط عند الحنفية : إن كان هناك شرط يؤدي إلى جهالة الربح فسدت المضاربة ، لاختلال المقصود من العقد : وهو الربح . وإن كان الشرط لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط ويصح العقد. مثل أن يشترط المالك أن تكون الخسارة على المضارب أو عليهما، فالشرط يبطل، ويبقى العقد صحيحاً، والخسارة تكون على المالك في مال المضاربة. والسبب في أن شرط الخسارة عليهما شرط فاسد: هو أن الخسارة تعتبر جزءاً هالكاً من المال، فلا يكون إلا على رب المال، لا أنه يؤدي إلى جهالة الربح، فيؤثر في العقد فيجعله فاسداً . ومثله أيضاً : أن يدفع شخص لآخر ألف دينار مضاربة على أن الربح بينهما نصفان، وعلى أن يدفع إليه رب المال أرضه ليزرعها سنة أو داراً ليسكنها سنة فالشرط باطل، والمضاربة جائزة، لأنه - أي رب المال - ألحق بها شرطاً فاسداً (١) المبسوط: ٢٧/٢٢، البدائع: ٨٥/٦، تبيين الحقائق: ٥٥/٥ وما بعدها، الدر المختار: ٥٠٥/٤، بداية المجتهد: ٢٣٤/٢، مغني المحتاج: ٣١٣/٢، المهذب: ٣٨٥/١، المغني: ٣٠/٥، نهاية المحتاج: ١٦٢/٤، الخرشي: ٢٠٩/٦، ط ثانية . - ٨٤٨ - لا يقتضيه العقد. أما لو كان المضارب هو المشروط عليه بأن شُرط عليه أن يدفع أرضه ليزرعها رب المال سنة أو يدفع داره إلى رب المال ليسكنها سنة، فإن المضاربة تفسد، لأنه جعل نصف الربح عوضاً عن عمله وعن أجرة الدار أو الأرض، فصارت حصة العمل مجهولة بالعقد، فلم يصح العقد(١). وخلاصة ضابط الفساد عند الحنفية باقتران شرط في المضاربة : هو أنه إذا كان الشرط مؤدياً إلى عدم توافر شرط من شروط صحة المضاربة ، فإنه يفسدها، كجهالة الربح أو عدم كمال تسليم المال إلى المضارب . أما إذا كان الشرط لا يمس شروط صحة المضاربة، فإن اشتراط شرط فاسد في المضاربة، لا يفسدها، وإنما يفسد الشرط ويلغو، وتصح المضاربة، كاشتراط الوضيعة (الخسارة) على المضارب، يبطل الشرط ، وتصح المضاربة . ولو جعل الربح كله لرب المال وقبل المضارب أن يعمل فيه بالمجان لم يكن العقد مضاربة، ولكن صار إبضاعاً أو مباضعة، والعامل فيه مستبضعاً. ولو شرط في المضاربة كون جميع الربح للمضارب، فالعقد قرض عند الحنفية والحنابلة، وهو مضاربة فاسدة عند الشافعية، وحينئذ يكون للعامل أجرة مثل عمله؛ لأن مقتضى المضاربة الاشتراك في الربح، فإذا شرط استئثار العامل بالربح، كان الشرط فاسداً . ويجوز عند الحنفية أن يشترط لأحد العاقدين دراهم معدودة معلومة إن زاد الربح على مقدار كذا من الدراهم، فذلك شرط صحيح لا يؤثر في صحة المضاربة؛ لأنه لا يؤدي إلى جهالة الربح(٢). البدائع: ٨٦/٦، تكملة فتح القدير: ٦٢/٧. (١) (٢) الشركات للأستاذ الخفيف : ص ٧١. - ٨٤٩ - وقال المالكية: يجوز أن يشترط العامل الربح كله له(١)، وعبارتهم: يجوز اشتراط الربح كله في القراض لرب المال أو للعامل أو لغيرهما ؛ لأنه من باب التبرع، وإطلاق القراض عليه حينئذ مجاز، وليس هو بقراض حقيقة، أي أن العامل يضمن المال إذا أخذه على أن الربح كله له ، لأنه حينئذ يشبه السلف. ووجه قول الحنفية والحنابلة: أنه إذا لم يمكن تصحيح العقد مضاربة يجعل قرضاً؛ لأنه أتى بمعنى القرض، والعبرة في العقود لمعانيها(٢). ويترتب على هذا أنه إذا شرط جميع الربح لرب المال فهو مباضعة عندهم ، لوجود معنى الإبضاع (٣) كما بينا . ثانياً - أن يكون الربح جزءاً مشاعاً: أي نسبة عشرية أوسهماً من الربح، كأن يتفقا على ثلث أو ربع أو نصف، وهذا مستثنى من حكم الإجارة المجهولة ؛ لأن جواز عقد المضاربة كان للرفق بالناس ، فإذا عين المتعاقدان مقداراً مقطوعاً محدداً ، بأن شرطا مثلاً أن يكون لأحدهما مئة دينار أو أقل أو أكثر، والباقي للآخر، فلا يصح هذا الشرط، والمضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح، وهذا الشرط يمنع الاشتراك في الربح، لاحتمال ألا يربح المضارب إلإ هذا القدر المذكور، فيكون الربح لأحدهما دون الآخر، فلا تتحقق الشركة، وبالتالي لا يكون التصرف مضاربة . ولا تجوز المضاربة إذا جعل للعامل جزء من ربح غير المال المتجرفيه، وصرح المالكية أنه يجوز أن يتراضى العاقدان بعد العمل على جزء قليل أو كثير. وكذلك تفسد المضاربة إذا شرط زيادة ربح كعشرة مثلاً لأحد الشريكين، لاحتمال ألا يربح العامل إلا هذا القدر، فلا تتحقق الشركة في الربح. وحينئذ يلزم (١) بداية المجتهد: ٣٣٥/٢، الخرشي: ٢٠٣/٦، ٢٠٩، ط ثانية، بولاق . (٢) البدائع: المصدر السابق، مغني المحتاج: ٣١٢/٢، المهذب: ٣٨٥/١، المغني: ٣٠/٥. الإبضاع هنا: أي التوكيل بلا جعل أو أجر. وبعبارة أخرى: هو استعمال شخص في المال بغير عوض (البدائع: (٣) ٦ / ٨٧). - ٨٥٠ - للعامل أجر المثل كما في سائر أنواع المضاربة الفاسدة(١). قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة . وبناء عليه : لا تصح المضاربة بربح محدد كالفائدة التي تقدمها المصارف على الودائع ؛ لأن المضاربة تقتضي الاشتراك في الربح بدون تحديد نسبة مقطوعة كسبعة في المائة مثلاً. المطلب الثالث - أحكام المضاربة : المضاربة إما صحيحة أو فاسدة، ولكل واحد منهما أحكام، وسنبدأ في أحكام المضاربة الفاسدة التي اختل فيها شرط من شروط صحتها، لأن الكلام فيها يسير. حكم المضاربة الفاسدة : إذا كانت المضاربة فاسدة كأن يقول شخص لآخر: صد بشبكتي والصيد بيننا ، فليس للمضارب عند الحنفية والشافعية والحنابلة(٢) أن يعمل شيئاً مما تقتضيه المضاربة الصحيحة، ولا يثبت بها شيء من أحكام المضاربة الصحيحة التي سنعرفها، ولا يستحق النفقة ولا الربح المسمى، وإنما له أجر مثل عمله، سواء أكان في المضاربة ربح أم لم يكن ؛ لأن المضاربة الفاسدة في معنى الإجارة الفاسدة، والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الإجارة الفاسدة، وإنما يستحق أجر المثل. وعلى هذا إذا لم يربح المضارب، فله أجر مثل عمله؛ لأن رب المال استعمله مدة في عمله ، فكان عليه أجر العمل . وأما الربح الحاصل حينئذ أو الصيد في مثالنا، فيكون كله لرب المال ؛ لأن (١) انظر المبسوط: ٢٧/٢٢، تبيين الحقائق: ٥٤/٥، البدائع: ٨٥/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٧/ ٦٠، مجمع الضمانات: ص ٣٠٣، الشرح الكبير للدردير: ٥١٧/٣، مغني المحتاج: ٣١٣/٢، بداية المجتهد: ٢٣٤/٢، المغني: ٣٤/٥، نهاية المحتاج: ٤ / ١٦٥. البدائع: ١٠٨/٦، تكملة فتح القدير: ٥٨/٧، مختصر الطحاوي: ص ١٢٤، المبسوط: ٢٢/٢٢، مجمع (٢) الضمانات: ص ٣١١ ، غاية المنتهى: ١٧٩/٢، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص ١٦٥. - ٨٥١ - الربح نماء ملكه، ولم يستحق المضارب منه شيئاً نظراً لفساد العقد. وكذلك الخسران یکون علی رب المال . والقول قول المضارب مع يمينه إذا فسد العقد، وذلك في دعوى الهلاك والضياع، والمال في يده أمانة ، كما في المضاربة الصحيحة. ومذهب الشافعية والحنابلة في المضاربة الفاسدة كالحنفية إلا أنهم قالوا : إذا تصرف المضارب نفذ تصرفه، لأنه أذن له فيه ، فإذا بطل العقد بقي الإذن ، فملك به التصرف كما في الوكالة الفاسدة، وهذا بخلاف البيع، فإنه لو فسد لا ينفذ تصرف المشتري، مع أن البائع قد أذن له في التصرف، والفرق هو أن المشتري إنما يتصرف بالملك لا بالإذن ، ولا ملك في البيع الفاسد . والربح جميعه في هذين المذهبين حين الفساد لرب المال ؛ لأنه نماء ملكه، وعليه الخسران أيضاً. ویکون للمضارب أجرة مثل عمله، وإن لم یکن ربح، لأنه عمل طامعاً في المسمى، فإذا لم يحصل له المسمى وجب رد عمله إليه، وهو متعذر، فتجب قيمته وهي أجرة مثله، كما لوتبايعا بيعاً فاسداً وتقابضا وتلف أحد العوضين في يد القابض له، وجب رد قيمته(١). وقال المالكية : يرد العامل في جميع أحكام المضاربة الفاسدة إلى قراض مثله في الربح والخسارة وغيرهما في أحوال معدودة، وله أجر مثل عمله في غيرها من الحالات. وعليه إذا حدث ربح في الحالات الأولى، فيثبت حق المضارب في الربح نفسه، لا في ذمة رب المال، حتى إذا هلك المال لم يكن للمضارب شيء، وإذا لم يكن ربح فلا شيء له (٢). (١) مغني المحتاج: ٣١٥/٢، المهذب: ٣٨٨/١، المغني: ٦٥/٥ وما بعدها . (٢) الشرح الكبير للدردير: ٥١٩/٣ وما بعدها، بداية المجتهد: ٢/ ٢٤٠، القوانين الفقهية: ص ٢٨٢، الخرشي: ٦/ ٢٠٥ - ٢٠٨، ط ثانية ببولاق ١٣١٧ هـ. - ٨٥٢ - ۔ وأهم حالات رد المضاربة الفاسدة إلى قراض المثل : حالة القراض بالعروض، وحالة جهالة الربح وليس هناك عادة يحتكم إليها ، وحالة توقيت القراض كسنة مثل : اعمل به سنة، أو إضافة القراض للمستقبل مثل : إذا جاء الوقت الفلاني فاعمل به، وحالة الاشتراط على العامل ضمان رأس المال إن تلف بلا تفريط، أو قال له: اشتر بدين مؤجل فاشترى نقداً، فالربح له والخسارة عليه؛ لأن الثمن صار قرضاً في ذمته، أو شرط عليه ما يقل وجوده، بأن يوجد تارة ويعدم أخرى، أو اختلف العاقدان بعد العمل في جزء الربح، وادعى كل من رب المال والعامل مالاً يشبه أن يكون له، كأن يقول العامل : الثلثين، ورب المال: الثلث . وأهم حالات وجوب أجرة المثل في الذمة (أي ذمة رب المال) سواء حصل ربح أم لا في المضاربة الفاسدة ما يأتي : اشتراط يدرب المال مع العامل في البيع والشراء والأخذ والعطاء. أو اشتراط مشاورته عند البيع والشراء بحيث لا يعمل عملاً فيه إلا بإذنه. أو اشترط أميناً على العامل يراقبه. أو اشترط على العامل أن يخيط ثياب التجارة، أو يخرز الجلود المشتراة لها . أو يشترط عليه أن يشارك غيره في مال القراض، أو يخلط المال بماله أو مال قراض عنده، أو أن یبضع مال القراض (أي یرسله أو بعضه مع غيره ليشتري به ما يتجر العامل به) ففي كل هذه الحالات يجب للعامل أجرة مثله . وأما أحكام المضاربة الصحيحة : فكثيرة، منها ما يرجع إلى حال يد المضارب، وبعضها يرجع إلى عمل المضارب، وبعضها يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل، وما يستحقە رب المال بالمال . ١ - أما حال يد المضارب: فقد اتفق أئمة المذاهب(١) على أن العامل المضارب مختصر الطحاوي: ص ١٢٤، تكملة فتح القدير والعناية: ٥٨/٧، البدائع: ٨٧/٦، المبسوط: ١٩/٢٢، مجمع (١) الضمانات: ص ٣٠٣ وما بعدها، الشرح الكبير: ٥٣٦/٣، بداية المجتهد: ٢٣٤/٢، الخرشي: ٢١٣/٦، ٢٢٣، مغني المحتاج: ٣٢٢/٢، المهذب: ٣٨٨/١، المغني: ٦٩/٥، تبيين الحقائق: ٥٣/٥، القوانين الفقهية: ص ٢٨٣، غاية المنتهى : ٢ / ١٧١، ١٧٨ . - ٨٥٣ - أمين فيما في يده من رأس المال بمنزلة الوديعة ، لأنه قبضه بإذن مالكه، لا على وجه البدل (أي المبادلة ) كالمقبوض على سوم الشراء، ولا على وجه الوثيقة كالرهن . وإذا اشترى المضارب شيئاً صار بمنزلة الوكيل بالشراء والبيع، لأنه تصرف في مال الغير بإذنه وهو معنى الوكيل ، فتطبق عليه أحكام الوكالة المعروفة بالنسبة للشراء: وهو أن يكون الشيء يمثل قيمته أو بما يتغابن الناس في مثله كالوكيل بالشراء. وأما بالنسبة للبيع فيعتبر كالوكيل بالبيع المطلق ، كما سنعرف. فإذا ربح المضارب صارشريكاً فيه بقدر حصته من الربح ؛ لأنه ملك جزءاً من المال بعمله، والباقي لرب المال ، لأنه ماء ماله، فهو له . وإذا فسدت المضاربة بسبب من الأسباب صارت إجارة، والمضارب بمنزلة الأجير لرب المال، ويستحق حينئذ أجر المثل . وإذا خالف المضارب شرط رب المال، كأن فعل ما ليس له فعله أو اشترى شيئاً منع من شرائه ، صار بمنزلة الغاصب، ويصير المال مضموناً عليه ؛ لأنه تعدى في ملك غيره . وإذا تلف المال في يده من غير تفريط لم يضمن ؛ لأنه نائب عن رب المال في التصرف، فلم يضمن من غير تفريط ، كالوديع . وإذا ظهرت خسارة كانت على رب المال وحده، واحتسبت أولاً من الربح إن کان في المال ربح . وإن شرط على العامل ضمان رأس المال إن تلف ، بطل الشرط والعقد صحيح عند الحنفية والحنابلة . وبناء عليه : يكون تشغيل المال على حساب الربح مع ضمان رأس المال صحيحاً والشرط باطل . وقال المالكية والشافعية : تفسد المضاربة حينئذ، لأنه شرط فيه زيادة غرر - ٨٥٤ - يتنافى مع طبيعة العقد(١). ٣ - وأما تصرفات المضارب: فيختلف حكمها بحسب ما إذا كانت المضاربة مطلقة أو مقيدة . والمطلقة كما عرفنا : أن يدفع المالك المال مضاربة من غير تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله. والمقيدة: أن يعين المالك شيئاً من ذلك. فإذا كانت المضاربة مطلقة : فللمضارب أن يتصرف في مال المضاربة ما بدا له من أنواع التجارات، في سائر الأمكنة ، مع سائر الناس، لإطلاق العقد، فله أن يشتري به ويبيع ؛ لأن المقصود من المضاربة: هو تحصيل الربح، والربح لا يحصل - إلا بالشراء والبيع ، إلا أنه في الشراء مقيد بالمعروف، وهو أن يكون بمثل قيمة المشترى، أو بأقل منه مما يتغابن الناس في مثله؛ لأنه وكيل ، وشراء الوكيل يقع على ما هو متعارف. وأما بيعه فهو على الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في التوكيل بمطلق البيع . فعند أبي حنيفة رضي الله عنه : يملك البيع نقداً ونسيئة وبغين فاحش . وعند الصاحبين : لا يملك البيع بالنسيئة، ولا بما لا يتغابن الناس في مثله، وإنما يتقيد بالمتعارف وهذا هو الرأي الأرجح. وهو ما ذهب إليه الشافعية والمالكية والحنابلة ، إلا أن الحنابلة أجازوا للمضارب أن يبيع نقداً ونسيئة كما يقول أبو حنيفة. وللمضارب أن يدفع المال بضاعة ؛ لأن الإِبضاع من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح، والإبضاع طريق إليه، ولأنه يملك الاستئجار فالإبضاع أولى ؛ لأن الاستئجار استعمال شخص في المال بعوض ، والإبضاع استعماله فيه بغير عوض ، فكان أولى . (١) تحفة الفقهاء: ٢٥/٣، المغني: ٢٥/٥، بداية المجتهد: ٢٣٦/٢. - ٨٥٥ _ ولا يجوز عند المالكية الإبضاع إلا بإذن رب المال، وإلا ضمن(١). وللمضارب أن يودع، لأن الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة. وله أن يستأجر أجيراً ليعمل في المال؛ لأن الاستئجار من عادة التجار وضرورات التجارة. كما له أن يستأجر البيوت ليجعل المال فيها؛ لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا به. وله أيضاً أن يستأجر السفن والدواب للعمل ؛ لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق لتحصيل الربح ، ولا يمكنه النقل بنفسه . وله أن يوكل بالشراء والبيع ؛ لأن التوكيل من عادة التجار، ولأنه طريق الوصول إلى الربح. وله أن يرهن بدين عليه في المضاربة من مال المضاربة، وأن يرتهن بدين له منها على رجل؛ لأن الرهن بالدين والارتهان من باب إيفاء الدين واستيفائه، وهو يملكهما. ولكن ليس له أن يرهن بعد نهي رب المال عن العمل ولا بعد موته ؛ لأن المضاربة تبطل بالنهي والموت . وللمضارب أن يسافر بالمال في الرواية المشهورة عند الحنفية، وكذلك عند المالكية وفي وجه عند الحنابلة(٢)؛ لأن المقصود من المضاربة استنماء المال، ولأن العقد مطلق، كما أن اسم المضاربة دليل على جواز السفر؛ لأن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض وهو السير(٣). وقال الشافعي وفي وجه آخر عند الحنابلة : لا يسافر به إلا یاذن رب المال . (١) الشرح الكبير: ٣/ ٥٢١. قال القاضي أبو يعلى: قياس المذهب جوازه (أي سفر المضارب بالمال إذا لم يكن مخوفاً) بناء على السفر في (٢) الوديعة . راجع هذه الأحكام في البدائع: ٨٧/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٦٣/٧، ٧٩، مختصر الطحاوي : (٣) ص ١٢٥، المبسوط: ٣٨/٢٢ وما بعدها، ٦٨، تبيين الحقائق: ٥٧/٥، ٦٨، مجمع الضمانات: ص ٣٠٥ وما بعدها، الدر المختار بهامش رد المحتار: ٥٠٦/٤، الشرح الكبير للدردير: ٥٢٤/٣، ٥٢٨، مغني المحتاج: ٣١٥/٢، ٣١٧، كشاف القناع: ٢٦٣/٢، المغني: ٣٥/٥ - ٣٨، الخرشي: ٢١١/٦، ط ثانية. - ٨٥٦ - ما لا يجوز للمضارب فعله : ليس للمضارب في المضاربة المطلقة أن يفعل بعض الأفعال إلا بالنص عليها صراحة(١)، فليس له أن يستدين على مال المضاربة إلا يإذن صريح، ولو استدان لم يجز على رب المال، ويكون ديناً على المضارب في ماله؛ لأن الاستدانة إثبات زيادة في رأس المال من غير رضا رب المال، بل فيه إثبات زيادة ضمان على رب المال من غير رضاه ؛ لأن ثمن المشترى مضمون على رب المال، فلو جوزنا الاستدانة على المضاربة لألزمناه زیادة ضمان لم يرض به، وهذا لا يجوز. وإذا كانت الاستدانة لا تجوز، فلا يجوز الإقراض من رأس المال من باب أولى. وعدم جواز الاستدانة إلا بإذن صاحب المال هو مذهب الحنابلة والشافعية أيضاً . م وقال المالکیة : لا يجوز للمضارب أن يشتري سلعاً بالدین وإن أذن له رب المال بالشراء، فإن فعل ضمن ما اشتراه، وكان الربح له وحده، ولا شيء منه لرّب . المال ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ربح ما لم يضمن ، فكيف يأخذ رب المال ربح ما يضنه العامل في ذمته ؟! ولا يجوز للمضارب أيضاً أن يشتري سلعاً للقراض بأكثر من مال المضاربة نقداً أو إلى أجل، للنهي عن ربح ما لم يضمن ، وذلك لأن العامل يضمن ما زاد في ذمته. فإن فعل كان ما يشتريه شركة بينه وبين رب المال بنسبة ما زاد على مال القراض. وهذا إذا لم يرض رب المال، فإذا رضي بالتصرف، كان ذلك من جملة القراض. ولا يجوز للمضارب أن يهب شيئاً كثيراً من مال القراض بغير ثواب(٣). وليس للمضارب أخذ المال على سبيل القرض ليسلمه إلى مدين في بلد آخر (١) البدائع: ٩٠/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٨٠/٧، المبسوط: ١٧٨/٢٢، تبيين الحقائق: ٦٩/٥، الدر المختار: ٤ / ٥٠٧. (٢) كشاف القناع: ٢٥٦/٤، مغني المحتاج: ٣١٦/٢، الدردير: ٥٢٨/٣، بداية المجتهد: ٢٣٩/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٨٣، الخرشي: ٦/ ٢١١، ٢١٦، ٢٢٦، ط ثانية. - ٨٥٧ - يريده المقرض ؛ لأنه يكون متحملاً تبعة مخاطر الطريق، ولأن دافع المال (وهو المقرض) استفاد من هذه العملية، وقد ثبت النهي عن قرض جر نفعاً. وهذه هي المسألة المعروفة في الفقه بمسألة السفاتج(١). وكذلك ليس للمضارب أن يدفع المال إلى غيره مضاربة ، أو أن يشارك به، أو أن يخلطه بمال نفسه أو بمال غيره، إلا إذا قال له رب المال : اعمل برأيك، أو أذن له بالتصرف. أما المضاربة فلا تجوز لأنها مثل المضاربة الأولى، والشيء لا يستتبع مثله، فلا يستفاد بمطلق عقد المضاربة مثله، كما لا يملك الوكيل التوكيل بمطلق العقد. وأما الشركة فهي أولى ألا يملكها بمطلق العقد ؛ لأنها أعم من المضاربة، والشيء لا يستتبع مثله فما فوقه أولى. وأما الخلط فلأنه يوجب في مال رب المال حقاً لغيره، فلا يجوز إلا یاذنه(٢). المضارب يضارب : أولاً - مذهب الحنفية : لا يجوز للمضارب أن يضارب بالمال مع شخص آخر، إلا إذا فوضه رب المال ، فإذا دفع المضارب المال إلى غيره مضاربة ولم يأذن له رب المال، فإن المال لا يكون عند أبي حنيفة مضموناً على المضارب الأول بمجرد الدفع إلى الثاني، ولا بتصرف المضارب الثاني فيه حتى يربح. فإذا ربح ضمن المضارب الأول لرب المال، أما قبل الربح فلا يضن . فلو هلك المال في يد الثاني قبل أن يربح، هلك هلاك الأمانات . وجه الحالة الأولى ( أي قبل العمل ) : أن مجرد الدفع من المضارب إيداع منه، (١) السفاتج: جمع سفتجة بضم السين وفتح التاء، فارسي معرب: وهي سلف الخائف من غرر الطريق يعطى بموضع ويؤخذ حيث يكون متاع الآخر، فينتفع الدافع والقابض في ذلك ( راجع القوانين الفقهية لابن جزي: ص ٢٥١، غاية المنتهى: ٢ / ١٦٧). (٢) البدائع: ٩٥/٦ وما بعدها، تكملة فتح القدير: ٦٤/٧، تبيين الحقائق: ٥٨/٥، الدر المختار بهامش رد المحتار: ٤ / ٥٠٧ ٠ - ٨٥٨ - وهو يملك إيداع مال المضاربة ، فلا يضمن بالدفع . ووجه الحالة الثانية (أي بعد العمل): أن الدفع من المضارب الأول إلى المضارب الثاني يعتبر إيضاعاً، وهو يملك الإبضاع. فإذا ربح الثاني فقد أثبت للأول شركة في المال، فيضمن الأول لرب المال كما لو خلط المال بغيره . هذا إذا كانت المضاربة صحيحة. فإن كانت فاسدة فلا يضمن المضارب الأول بعد الربح؛ لأن المضارب الثاني أجير في المال حينئذ، وله أجر مثله، فلم تثبت الشركة الموجبة للضمان . وقال زفر: يضمن المضارب الأول بمجرد الدفع ، عمل الثاني أو لم يعمل ؛ لأن المضارب يملك الدفع على وجه الإيداع، وهذا الدفع على وجه المضاربة ، فإذا دفع صار بالدفع مخالفاً ، فصار ضامناً كالوديع إذا أودع الوديعة عند غيره . وقال الصاحبان وهو ظاهر الرواية : إذا عمل المضارب الثاني ضمن الأول المال، ربح أو لم يربح؛ لأن المضارب الثاني لما عمل فقد تصرف الأول في المال بغير إذن المالك، فيتعين به الضمان سواء ربح أم لم يربح (١). وحينئذ إذا عمل المضارب الثاني يخير رب المال : إن شاء ضمن المضارب الأول رأس ماله، وإن شاء ضمن الثاني. فالراجح عند الحنفية : أن المضارب الأول لا يضمن في المضاربة الصحيحة بمجرد دفع المال إلى المضارب الثاني، وإنما يضمن إذا عمل الثاني، ربح المال أو لم يربح. وأما الربح الناتج من المضاربة فيوزع حسب الشرط ، فيعطى لرب المال ربحه على حسب شرطه في عقد المضاربة الأولى ؛ وما يبقى من الربح بعدئذ يكون (١) البدائع: ٩٦/٦، تكملة فتح القدير: ٧٠/٧ وما بعدها، المبسوط: ٩٨/٢٢، تبيين الحقائق: ٦٣/٥، الدر المختار: ٤ / ٥٠٩. - ٨٥٩ - بين المضارب الأول والثاني على حسب شرطيهما في عقد المضاربة الثاني . هذا ما ذهب إليه الحنفية والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (١). وقال ابن قدامة: ليس هذا موافقاً لأصول المذهب، ولا لنص أحمد، فإن أحمد قال : لا يطيب الربح للمضارب(٢). ثانياً - مذهب غير الحنفية: قال المالكية: يضمن العامل إذا قارض في مال القراض بغير إذن رب المال، أي دفعه لعامل غيره يعمل فيه، لتعديه، والربح حينئذ للعامل الثاني ولرب المال، ولا ربح للعامل الأول؛ لأن ربح القراض جُعْل لا يستحق إلا بتمام العمل، والعامل الأول لم يعمل، فلا ربح له، ويغرم العامل الأول للثاني ما شرطه له من زيادة في الربح المستحق له من رب المال. وقال الشافعية في الأصح: لا يجوز للعامل أن يقارض آخر ليشاركه في العمل والربح، ولو كان ذلك یاذن رب المال. وحينئذ يظل القراض مع العامل الأول صحيحاً، ويستحق العامل الثاني من الأول أجر المثل إذا عمل(٣)؛ لأن القراض على خلاف القياس، وموضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكاً لا عمل له، والآخر عاملاً ولو متعدداً، فلا يعدل عما ذكر إلى أن يعقده عاملان مع نفسيهما ، فيصير القراض بين عاملين فلا يصح . والخلاصة : أن المذاهب الأربعة متفقة على أن الضمان بمضاربة العامل غيره يستقر على الأول . وأما خلاصة أحكام تصرفات المضارب في المضاربة المطلقة عند الحنفية فهي ثلاثة أنواع: المراجع السابقة، الشركات للأستاذ الخفيف: ص ٨١، المغني: ٤٤/٥. (١) (٢) المغني، المكان السابق . (٣) مغني المحتاج: ٣١٤/٢، المغني: ٤٣/٥، القوانين الفقهية: ص ٢٨٣، الخرشي: ٢١٤/٦. - ٨٦٠ -