النص المفهرس

صفحات 781-800

فتح الحانوت لأجل أخذ الأجور جرى فعله مجرى التنصيص على الأجر، أخذاً
بظاهر الأمور، قال المرغيناني في الهداية ما معناه: والقياس ما قاله أبو حنيفة، لأن
المالك منكر. والجواب عن استحسان الصاحبين : أن ظاهر الحال يتمسك به لدفع
الحق لا للاستحقاق، والمطلوب هنا إثبات الاستحقاق(١)، وهو لا يكفي في إثباته
مجرد التمسك بظاهر الحال أو القرينة ، بل لا بد من حجة أقوى كالبينة والإقرار.
المبحث السابع - انتهاء عقد الإجارة
١ - تنتهي الإجارة عند الحنفية كما عرفنا في مبحث صفة الإجارة بموت أحد
المتعاقدين ؛ لأن الإرث يجري في الموجود المملوك، وبما أن المنافع في الإجارة تحدث
شيئاً فشيئاً ، فتكون عند موت المورث معدومة ، فلا تكون مملوكة له، وما لم يملكه
يستحيل توريثه فيحتاج عقد الإجارة للتجديد مع الوارث، حتى يكون العقد قائماً
مع المالك. ولو مات الوكيل بالعقد لا تبطل الإجارة ؛ لأن العقد لم يقع له، وإنما هو
عاقد، ولو ماتت الظئر أو الصبي انتقضت الإجارة لأن كل واحد منهما معقود له .
وقال الجمهور: لا ينفسخ عقد الإيجار بموت أحد المتعاقدين؛ لأنه عقد لازم
كالبيع ، أي أن المستأجر ملك المنافع بالعقد دفعة واحدة ملكاً لازماً فيورث عنه،
ولكن تنفسخ الإجارة بموت الظئر أو الصبي لفوات المنفعة بهلاك محلها وهو الظئر،
ولتعذر استيفاء المعقود عليه؛ لأنه لا يمكن إقامة غير هذا الصبي مقامه (٢).
٢ - تنتهي الإجارة أيضاً بالإقالة؛ لأن الإجارة معاوضة مال بمال، فكانت
محتملة للإقالة كالبيع .
٣ - الإجارة تنقضي بهلاك العين المؤجرة المعينة كالدار أو الدابة المعينة وهلاك
(١)
الهداية : ٣/ ٢٠١.
بداية المجتهد: ٢٢٧/٢، الشرح الكبير للدردير: ٣٠/٤، المهذب: ٤٠٦/١، المغني: ٤٥٦/٥، القوانين الفقهية:
ص ٢٧٨ .
(٢)
- ٧٨١ -

المؤجر عليه كالثوب المؤجر للخياطة أو للقصارة لوقوع اليأس عن استيفاء المعقود
عليه بعد هلاكه، فلم يكن في بقاء العقد فائدة. فإن كانت الإجارة على دواب بغير
أعيانها للحمل أو الركوب، فتسلم المستأجر الدواب، فهلكت لا تبطل الإجارة،
وعلى المؤجر أن يأتي بغيرها لتحمل المتاع وليس له أن يفسخ العقد؛ لأن الإجارة
وقعت على منافع في الذمة ، ولم يعجز المؤجر عن وفاء ما التزمه بالعقد، وهو حمل
المتاع إلى موضع كذا، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة(١).
وقال الزيلعي أخذاً برأي الإمام محمد بن الحسن : والأصح أن الإجارة لا تنفسخ
في هذه الحالة ؛ لأن المنافع قد فاتت على وجه يتصور عودها، وساحة الدار بعد
انهدام البناء يتأتى فيها السكنى بنصب فسطاط (خيمة) ونحوها. ويظهر أن هذا
الرأي عند الحنفية هو الأصح، أي أن الإجارة لا تنفسخ بالقوة القاهرة، كانهدام الدار
كلها ، بدليل ما قاله صاحب الدر المختار وأيده ابن عابدين : لو خربت الدار، سقط
كل الأجر، ولا تنفسخ به مالم يفسخها المستأجر، هو الأصح. وأضاف ابن عابدين:
وبانهدام الدار كلها للمستأجر الفسخ بغيبة المؤجر، ولا تنفسخ مالم يفسخ هو
الصحيح ، لصلاحيتها لنصب الفسطاط .
٤ - تنتهي الإجارة بانقضاء المدة إلا لعذر؛ لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند
وجود الغاية، فتنفسخ الإجارة بانتهاء المدة إلا إذا كان هناك عذر بأن انقضت
المدة، وفي الأرض زرع لم يستحصد، فإنه يترك إلى أن يستحصد بأجر المثل(٢).
وانتهاء الإيجار بانقضاء المدة في الجملة محل اتفاق بين الفقهاء .
(١) البدائع: ١٩٦/٤، ٢٢٣، تبيين الحقائق: ١٤٤/٥، تكملة فتح القدير: ٢٢٠/٧، الدر المختار ورد المختار:
٣٠/٥، ٥٣، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص ٨٤، بداية المجتهد: ٢٢٨/٢، الشرح
الكبير: ٢٩/٤، القوانين الفقهية: ص ٢٧٧، مغني المحتاج: ٣٥٧/٢، المهذب: ٤٠٥/١، المغني: ٤١٥/٥، ٤٢١،
٤٣٤، غاية المنتهى: ٢ /٢١٠.
(٢) البدائع، المرجع السابق، غاية المنتهى: ٢١٨/٢.
- ٧٨٢ -

الفصل الرابع
الجعالة
- أو الوعد بالجائزة .
الكلام فيها يتناول تعريفها، ومشروعيتها، وصيغتها ، الفرق بينها وبين
الإجارة على الأعمال، شروطها، صفة حكمها، الزيادة والنقص في الجعل، حكم
اختلاف العامل ورب المال.
تعريف الجعالة : الجعالة أو الجُعْل أو الجعيلة لغة: هي ما يجعل للإنسان على
فعل شيء أو ما يُعْطاه الإنسان على أمر يفعله. وتسمى عند القانونيين: الوعد
بالجائزة ( أي المكافأة أو الجعْل أو الأجر المعين)، فهي عقد أو التزام بإرادة منفردة.
وشرعاً : التزام عوض معلوم على عمل معين ، أو مجهول، عسر علمه(١).
وعرفها المالكية(٢): بأنها الإجارة على منفعة مظنون حصولها. مثل قول
القائل : من رد علي دابتي الشاردة ، أو متاعي الضائع، أو بنى لي هذا الحائط أو حفر
لي هذا البئر حتى يصل إلى الماء، أو خاط لي قميصاً، أو ثوباً، فله كذا.
ومنها ما يخصص من المكافآت لأوائل الناجحين، أو المتسابقين فيما يحل فيه
السباق، أوما يلتزمه القائد من مبلغ معين أوسهم من الغنيمة لمن يقتحم حصناً
للعدو، أو يسقط عدداً من الطائرات .
(١) مغني المحتاج: ٤٢٩/٢، كشاف القناع: ٢٢٥/٤، الشرح الصغير : ٧٩/٤
القوانين الفقهية: ص ٢٧٥ ، الشرح الكبير للدردير: ٦٠/٤، بداية المجتهد : ٢٣٢/٢
(٢)
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٥٠)
- ٧٨٣ -

ومنها الالتزام بمبلغ مالي لطبيب يشفي مريضاً من مرض معين، أولمعلم يحفّظ
ابنه القرآن .
ويمثل لها الفقهاء عادة بحالة رد الدابة الضالة (الضائعة)، والعبد الآبق
(الهارب ).
مشروعية الجعالة :
لا تجوز الجعالة عند الحنفية(١) لما فيها من الغَرَر أي جهالة العمل والمدة قياساً
على سائر الإِجارات التي يشترط لها معلومية العمل والمأجور والأجرة والمدة. وإنما
أجازوا فقط استحساناً دفع الجعل لمن يرد العبد الآبق(٢)، ولو بلا شرط، من مسيرة
ثلاثة أيام فصاعداً، ومقدار الجعل أربعون درهماً، تغطية للنفقة في مدة السفر. وإن
رده لأقل من ذلك المقدار، فبحسابه، اعتباراً للأقل بالأكثر، فإذا رده مثلاً من
مسافة يومين فله ثلثاها ، ومن يوم ثلثها ، ومن رده من أقل منه، أو وجده في البلد
يرضخ له أي يعطى بنسبة عمله. وسبب استحقاق الجعل : هو أخذ الآبق لصاحبه .
فدفع الجعل طريق للمالك لصيانة ماله .
وتجوز الجعالة شرعاً عند المالكية والشافعية والحنابلة (٣)، بدليل قوله تعالى في
قصة يوسف مع إخوته: ﴿ قالوا : نفقد صواع الملك(٤)، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا
به زعيم﴾ أي كفيل. وبدليل ما جاء في السنة من أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة
(أم القرآن)، وهو ما رواه الجماعة إلا النسائي عن أبي سعيد الخدري: ((أن ناساً من
(١) الدر المختار: ٢٤٣/٣، ٣٥٥ - ٣٥٩، ٦/٥، ٣٢، البدائع: ٢٠٣/٦ - ٢٠٥، اللباب شرح الكتاب: ٢١٧/٢ وما
بعدها .
الإباق: انطلاق الرقيق تمرداً . سواء هرب من مستأجره أو وديعه المودع لديه ، أو مستعيره ، أو الوصي
(٢)
عليه .
بداية المجتهد: ٢٣٣/٢ ، القوانين الفقهية ، الشرح الكبير، المكان السابق ، مغني المحتاج : ٤٢٩/٢ ، المغني :
(٣)
٦٥٦/٥، كشاف القناع: ٢٢٥/٤ ، المهذب: ٤١١/١ .
الصواع والصاع : مكيال يكال به ، أو هو إناء يشرب فيه ، كان سقاية الملك .
(٤)
- ٧٨٤ _

أصحاب رسول الله ماتم أتوا حياً من أحياء العرب، فلم يُقْروم (يضيفوهم)، فبينما
هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راقٍ ؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل
أو تجعلوا لنا جعلاً، فجعلوا لهم قطيع شاء، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع
بزاقه، ويتفل ، فبرأ الرجل ، فأتوهم بالشاء، فقالوا : لا نأخذها حتى نسأل رسول الله
عٍَّ، فسألوا رسول الله ◌َ ◌ّ عن ذلك، فضحك، وقال: وما أدراك، إنها رقية؟
خذوها واضربوا لي فيها بسهم))(١).
والمعقول يؤيد ذلك: وهو أن الحاجة تدعو إلى الجعالة ، من رد ضالة، وآبق ،
وعمل لا يقدر عليه صاحبه، فجاز بذل الجعل، كالإجارة والمضاربة، إلا أن جهالة
العمل والمدة لا تضر بخلاف الإجارة؛ لأن الجعالة غير لازمة، والإجارة لازمة،
وتفتقر إلى تعيين المدة .
صيغة الجعالة :
الجعالة التزام بإرادة واحدة فلا تتحقق إلا بصيغة(٢) من الجاعل من الصيغ
السابقة في تعريفها ونحوها ، تدل على إذن بالعمل بطلب صريح ، بعوض معلوم
مقصود عادة ملتزم به، فلو عمل العامل بلا إذن ، أو أذن الجاعل لشخص ، فعمل
غيره، فلا شيء له؛ لأن الأول عمل متبرعاً ، والشخص المعين في الحالة الثانية لم يعمل
ولا يشترط في الجاعل كونه مالكاً، فيصح لغيره أن يلتزم بجعل ويستحقه العامل
الذي رد الشيء .
كما لا يشترط قبول العامل، وإن عينه الجاعل؛ لأن الجعالة التزام من جانب
واحد، كما أوضحنا. ويصح أن تكون الجعالة لواحد معين، أو لغیر معین، كما يصح
أن يجعل الجاعل للمعين عوضاً ولسائر الناس عوضاً آخر.
(١)
نيل الأوطار : ٢٨٩/٥
مغني المحتاج: ٤٢٩/٢ وما بعدها، المهذب: ٤١١/١، المغني: ٦٥٨/٥، الشرح الصغير: ٨١/٤، الشرح الكبير :
(٢)
٦٠/٤
- ٧٨٥ -

الفرق بين الجعالة والإجارة على الأعمال :
تفترق الجعالة عن الإجارة على عمل معلوم كبناء وخياطة ثوب وحمل شيء إلى
موضع معلوم من نواح أربعة هي(١) :
أولاً - لا يتم استيفاء المنفعة للجاعل إلا بتمام العمل كرد الشارد وبرء المريض.
أما في الإجارة فيتم استيفاء المنفعة للمستأجر بمقدار ما عمل الأجير. وبعبارة أخرى :
لا تتحقق المنفعة للمالك في الجعالة إلا بتمام العمل ، أما في الإجارة فتتحقق المنفعة
للمستأجر بجزء من العمل. وبناء عليه لا يستحق العامل في الجعالة شيئاً إلا بتمام
العمل. وإذا عمل الأجير في الإجارة بعض العمل استحق من الأجر بحساب (أو
مقدار) ما عمل .
ثانياً - إن الجعالة عقد يحتمل فيها الغرر، وتجوز جهالة العمل والمدة بخلاف
الإجارة ، فالعمل في الجعالة قد يكون معلوماً، أو مجهولاً غير معلوم، كرد بهيمة
ضالة، وحفر بئر حتى يخرج منها الماء، وكما تصح الجعالة على عمل مجهول أو معلوم،
تصح جهالة المدة . أما الإجارة فلا بد من أن يكون العمل فيها معلوماً كالخياطة
والبناء، والمدة معلومة. وإذا قدرت الإجارة بمدة لزم الأجير العمل في جميع المدة،
ولا يلزمه العمل بعدها . أما الجعالة فالمهم فيها إنجاز العمل دون تقيد بالمدة .
ثالثاً - لا يجوز اشتراط تقديم الأجرة في الجعالة ، بخلاف الإجارة.
رابعاً - الجعالة عقد جائز غير لازم، فيجوز فسخه، بخلاف الإجارة، فإنها عقد
لازم لا يفسخ.
القوانين الفقهية: ص ٢٧٥ وما بعدها ، بداية المجتهد: ٢٣٣/٢، مغني المحتاج: ٤٣٠/٢ ، كشاف القناع :
(١)
٢٢٥/٤ وما بعدها ، المغني : ٦٥٧/٥ وما بعدها
- ٧٨٦ -

شروط الجعالة :
يشترط في الجعالة ما يأتي (١):
أولاً - أهلية العاقد: يشترط في الجاعل مالكاً كان أو غيره أن يكون مطلق
التصرف (بالغاً عاقلاً رشيداً)، فلا يصح من صبي ومجنون ومحجور سفه. وأما
العامل: فإن كان معيناً اشترط فيه أهلية العمل، فلا يصح كونه عاجزاً عن العمل
كصغير لا يقدر على العمل ؛ لأن منفعته معدومة. وإن كان غير معين مبهاً كفى
علمه بإعلان النداء على الجعل .
ثانياً - كون الجعل (أو الأجرة) مالاً معلوماً. فإن كان الجعل مجهولاً فسد
العقد لجهالة العوض، مثل من وجد سيارتي فله ثوب ، أو أرضيه، ونحوه، ويكون
للواجد ( الراد) أجرة مثله، كالإجارة الفاسدة .
وإن كان الجعل حراماً كخمر أو مغصوب، فسد العقد أيضاً لنجاسة عين الخمر،
وعدم القدرة على تسليم المغصوب .
ثالثاً - أن تكون المنفعة معلومة حقيقة، مباح الانتفاع بها شرعاً، فلا تجوز
الجعالة على إخراج الجن من شخص ، ولا على حل سحر مثلاً، لأنه يتعذر معرفة
كون الجن خرج أم لا ، أو انحل السحر أم لا . كما لا تجوز الجعالة على ما يحرم نفعه
كالغناء والزمر والنواح وسائر المحرمات . والقاعدة في ذلك(٢): أن كل ما جاز أخذ
العوض عليه في الإجارة من الأعمال، جاز أخذ العوض عليه في الجعالة، وما لا يجوز
أخذ العوض عليه في الإجارة، لا يجوز أخذ الجعل عليه، لقوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا
على الإثم والعدوان) وأضاف المالكية: ((كل ما جاز فيه الجعل كحفر الآبار في فلاة،
القوانين الفقهية: ص ٢٧٦ ، مغني المحتاج: ٤٢٠/٢ وما بعدها ، المهذب : ٤١١/١، المغني : ٦٥٦/٥ وما بعدها ،
(١)
٦٦٠، كشاف القناع: ٢٢٥/٤ - ٢٢٨، الشرح الكبير للدردير: ٦٤/٤، الشرح الصغير: ٨١/٤ .
(٢) كشاف القناع: ٢٢٨/٤، الشرح الكبير: ٦٢/٤ وما بعدها، الشرح الصغير: ٨٤/٤ .
- ٧٨٧ -

جازت فيه الإجارة ، لا العكس، فليس كل ما جازت فيه الإجارة ، جاز فيه الجعل))
مثل بيع سلع(١) وخدمة شهر، وحفر بئر بملك، تصح فيه الإجارة دون الجعالة،
فالإجارة أعم، من ناحية المحل المعقود عليه. والسبب في عدم صحة الجعالة فيما ذكر:
أن الجعالة تكون فيا لا يحصل للجاعل نفع إلا بتمام العمل، وهذه الأمور يبقى فيها
للجاعل منفعة إذا لم يتم العامل العمل .
وأما أعمال العبادة البدنية التي لا يتعدى نفعها غير فاعلها كالصلاة والصيام
ونحوهما من القربات الدينية، فلا يجوز أخذ الجعل عليه .
وما يتعدى نفعه لغير فاعله كالأذان وتعليم الفقه والقرآن والقضاء والإفتاء
فيجوز أخذ الجعل عليه ، لحديث أبي سعيد السابق في الرقية بالفاتحة.
والمشهور عند المالكية أنه لا بد من تحقيق منفعة مقصودة للجاعل ، فمن جعل
ديناراً لمن يصعد جبلاً مثلاً، لا لشيء يأتي به، لا يصح التزامه ولا جعالته. واشترط
الشافعية في العمل: أن يكون فيه كلفة، وإلا فلا يستحق شيئاً؛ لأن ما لا كلفة فيه
ـنعلـ
لا يقابل بعوض .
رابعاً - اشترط المالكية ألا يحدد للجعالة أجل ، وقال غيرهم : يصح الجمع بين
تقدير المدة والعمل ، مثل من خاط لي هذا الثوب في يوم فله كذا، فإن أتى به في
المدة استحق الجعل، ولم يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا يلزمه شيء له،
وذلك بخلاف الإجارة .
وأضاف بعض المالكية شرطاً خامساً: وهو أن تكون الجعالة في العمل اليسير،
ولو كان متعدداً كابل كثيرة شردت .
(١) بيع سلع من ثياب أو إبل إذا لم يأخذ العامل الجعل إلا على بيع الجميع، لأن تعدد السلع بمنزلة عقود متعددة
يستحق الجعل في كل سلعة بانتهاء عملها .
٠ ٧٨٨ -
٢

صفة حكم الجعالة ووقت استحقاق الجعل :
اتفق الفقهاء القائلون بجواز الجعالة(١) على أنها بخلاف الإجارة عقد جائز غير
لازم، فيجوز لكل من المالك والعامل فسخها، لكنهم اختلفوافي وقت جواز الفسخ .
فقال المالكية : يجوز الفسخ قبل الشروع في العمل، ويلزم الجاعل دون العامل
بالشروع في العمل . أما العامل المجعول له فلا يلزم بشيء قبل العمل أو بعده أو بعد
الشروع فيه .
وقال الشافعية والحنابلة: يجوز الفسخ في أي وقت شاء الجاعل والمجعول له
المعين، كسائر العقود الجائزة مثل الشركة والوكالة، قبل تمام العمل. فإن فسخ العقد
من المالك أو العامل المعين قبل الشروع في العمل ، أو فسخ العامل بعد الشروع في
العمل، فلا شيء له في الحالتين، لأنه في الأولى لم يعمل شيئاً، وفي الثانية لم يتحقق
غرض المالك. أما إن فسخ المالك بعد الشروع في العمل ، فعليه للعامل أجرة مثل
عمله في الأصح عند الشافعية، لأنه عمل بعوض، ولم يسلم له أجرة عمله، كما لوفسخ
رب المال المضاربة بعد الشروع في العمل ويستحق العامل الجعل أو الأجر المعين
يإتمام العمل، فإن فسخ العامل قبل الفراغ من العمل، لم يستحق شيئاً(٣).
وإن حدد المالك مكاناً لرد المتاع المفقود، فرده العامل من مكان أقرب منه،
فله قسطه من الجعل، كما يرى الشافعية(٣).
ولو اشترك اثنان في رد المتاع، اشتركا في الجعل، لحصول الرد منهما(٤).
بداية المجتهد: ٢٣٣/٢، الشرح الكبير للدردير: ٦٠/٤، ٦٥، مغني المحتاج: ٤٣٣/٢، المهذب: ٤١٢/١ ،
(١)
كشاف القناع: ٢٢٨/٤ ، المغني : ٦٥٧/٥.
القوانين الفقهية: ص ٢٧٥ ، الشرح الكبير: ٦١/٤ ، مغني المحتاج: ٤٣٣/٤، المهذب: ٤١٢/١، كشاف
(٢)
القناع: ٢٢٥/٢، المغني : ٦٥٨/٥ ٠
(٣)
مغني المحتاج : ٤٣١/٢ .
(٤)
الشرح الكبير: ٦١/٤ ، مغني المحتاج : ٤٣١/٢، المغني : ٦٥٨/٥.
- ٧٨٩ -

وإذا رد العامل الشيء المجعول عليه فليس له حبسه لقبض الجعل ، كما لا يحبسه
لاستيفاء ما أنفقه عليه بإذن المالك ؛ لأن استحقاق الجعل بتسليم الشيء، ولا حبس
قبل الاستحقاق(١) .
الزيادة والنقص في الجعل :
يرى الشافعية والحنابلة(٢) أنه يجوز للمالك الجاعل أن يزيد أو ينقص من
الجعل ؛ لأن الجعالة عقد جائز غير لازم، فجاز فيه ذلك كالمضاربة ، إلا أن الشافعية
أجازوا ذلك قبل الفراغ من العمل ، سواء أكان قبل الشروع، أم بعده، كأن يقول :
من رد متاعي الفلاني فله عشرة ، ثم يقول: فله خمسة، أو بالعكس. وتظهر فائدة
ذلك بعد الشروع في العمل ، فتجب حينئذ أجرة المثل ، لأن هذا التعديل بالزيادة
أو النقص فسخ للإعلان السابق، والفسخ من المالك يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل ؛
وقيد الحنابلة هذا التعديل بما قبل الشروع في العمل ، فيجوز ويعمل به .
حكم اختلاف المالك والعامل :
إذا حدث اختلاف بين المالك والعامل فأبها يصدق بيمينه ؟ في الأمر
تفصيل(٢) : إن اختلفا في أصل اشتراط الجعل بأن أنكره أحدهما، فيصدق المنكر
بيمينه، كأن يقول العامل: شرطت لي جعلاً، وأنكر المالك، صدق المالك بيمينه ؛ لأن
الأصل عدم اشتراط الجعل .
وكذلك يصدق المنكر إن اختلفا في سعي العامل، بأن قال المالك : لم ترده،
وإنما رجع بنفسه، يصدق المالك ؛ لأن الأصل عدم الرد .
(١)
مغني المحتاج : ٤٣٤/٢ .
(٢)
مغني المحتاج : ٤٣٣/٢ وما بعدها ، المهذب : ٤١٢/١، كشاف القناع: ٢٢٩/٤ .
(٣) .
الشرح الكبير : ٦٤/٤، مغني المحتاج: ٤٣٤/٢، المهذب: ٤١٢/١، المغني: ٦٦٠/٥ وما بعدها ، كشاف القناع :
٢٢٩/٤ ٠
- ٧٩٠ -

وإن اختلفا في قدر الجعل أو في قدر المسافة أو المكان المحدد لوجود الضائع فقال
المالكية والشافعية: تحالف الطرفان، وفسخ العقد، ووجب أجرة المثل ، كما لو
اختلفا في عقد الإجارة .
وقال الحنابلة : القول قول المالك بيمينه ؛ لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه،
ولأن القول قوله في أصل العوض، فكذلك في قدره، كرب المال في المضاربة، ولأنه
منكر لما يدعيه العامل زيادة عما يعترف به، والأصل براءته منه. ويحتمل أن
يتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن ، والأجير والمستأجر إذا اختلفا في قدر
الأجر. فإن تحالفا فسخ العقد ووجب أجر المثل .
ب الله تعالى
- ٧٩١ -

الفصل الخامس
الشركات
يتضمن مبحثين - الأول: شركات الأموال، والثاني - شركة المضاربة
المبحث الأول - شركات الأموال :
تمهيد في تعريف الشركة ومشروعيتها :
الشركة لغة : هي الاختلاط أي خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يمتازان عن
بعضهما . ثم أطلقت عند الجمهور على العقد الخاص بها، وإن لم يوجد اختلاط
النصيبين؛ لأن العقد سبب الخلط(١).
واختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الشركة اصطلاحاً، فقال المالكية : هي
إذن في التصرف لهما مع أنفسهما أي أن يأذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في أن
يتصرف في مال لهما مع إبقاء حق التصرف لكل منهما(٢).
وقال الحنابلة : الشركة: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف(٣).
وقال الشافعية : الشركة : ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة
(٤)
الشيوع
.
فتح القدير مع العناية: ٢/٥، تبيين الحقائق للزيلعي: ٣١٢/٣.
(١)
(٢)
الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: ٣٤٨/٣ .
(٣)
المغني : ١/٥ .
مغني المحتاج: ٢١١/٢، حاشية قليوبي وعميرة: ٣٣٢/٢.
(٤)
- ٧٩٢ -

وقال الحنفية: الشركة: عبارة عن عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح(١).
وهو أولى التعاريف لأنه يعبر عن حقيقة الشركة في أنها عقد، أما التعاريف الأخرى
فهي بالنظر إلى هدف الشركة وأثرها أو النتيجة المترتبة عليها .
مشروعية الشركة : قد ثبتت مشروعية الشركة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ وقوله سبحانه: ﴿ وإنَّ
كثيراً من الخُلَطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل
ماهم﴾ والخلطاء: هم الشركاء.
وأما السنة ففي الحديث القدسي فيما يروى عن أبي هريرة رفعه إلى النبي معد ◌ّة
قال: إن الله عز وجل يقول: ((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا
خانه خرجت من بينهما)) رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده(٣) والمعنى: أنا معهما
بالحفظ والإعانة، أمدهما بالمعونة في أموالهما وأنزل البركة في تجارتها، فإذا وقعت
بینهما الخيانة رفعت البرکة والإعانة عنهما.
وقد بعث رسول الله ◌َ ◌ّةٍ ، والناس يتعاملون بالشركة فأقرهم عليها، كما ثبت
في أحاديث كثيرة(٣) وقال عليه السلام: ((يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا)) (٤).
والمسلمون أجمعوا على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها (٥) ولذا
فإنا سنتكلم عن الشركة بأنواعها .
(١)
رد المحتار: ٣٦٤/٣.
وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حبان وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وسكت أبو داود والمنذري عن
(٢)
هذا الحديث، وأخرج نحوه أبو القاسم الاصبهاني في الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام (انظر جامع
الأصول: ١٠٨/٦، نيل الأوطار: ٢٦٤/٥).
انظر نصب الراية للحافظ الزيلعي: ٤٧٤/٣، جامع الأصول، المرجع السابق، التلخيص الحبير: ص ٢٥١ .
(٣)
(٤)
ذكره ابن قدامة في المغني: ١/٥ .
المغني، المرجع السابق.
(٥)
- ٧٩٣ -

تقسيم الشركة : الشركة قسمان : شركة أملاك : وهي الشركات الإجبارية في
القوانين الوضعية، وشركة عقود : وهي الشركات الاختيارية في القوانين .
شركة الأملاك : هي أن يتملك شخصان فأكثر عيناً من غير عقد الشركة ،
وهي نوعان(١):
١ - شركة اختيار: وهي التي تنشأ بفعل الشريكين، مثل أن يشتريا شيئاً أو
يوهب لهما شيء أو يوصى لهما بشيء، فيقبلا، فيصير المشترى والموهوب والموصى به
مشتركاً بينهما شركة ملك .
٢ - شركة جبر: وهي التي تثبت لشخصين فأكثر بغير فعلهما، كأن يرث اثنان
شيئاً ، فيكون الموروث مشتركاً بينهما شركة ملك .
وحكم هذه الشركة بنوعيها: هو أن كل واحد من الشريكين كأنه أجنبي في
نصيب صاحبه ، فلا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه، إذ لا ولاية لأحدهما في نصيب
(٢)
الآخر(٢).
شركة العقود: هي عبارة عن العقد الواقع بين اثنين فأكثر للاشتراك في مال
وربحه(٢)، وهو تعريف الحنفية السابق. وهي أنواع خمسة عند الحنابلة: شركة
العنان ، وشركة المفاوضة، وشركة الأبدان ، وشركة الوجوه، والمضاربة . وقسمها
الحنفية إلى ستة أنواع: وهي شركة الأموال، وشركة الأعمال، وشركة الوجوه . وكل
نوع من هذه الأنواع إما مفاوضة وإما عنان(٤). وفي الجملة فإن الشركة عند فقهاء
الأمصار ومنهم المالكية والشافعية أربعة أنواع: شركة العنان ، وشركة المفاوضة،
البدائع: ٥٦/٦، فتح القدير: ٣/٥، رد المحتار: ٣٦٤/٣/ وما بعدها، مجمع الضمانات: ص ٢٨٤ .
(١)
(٢)
البدائع: ٦٥/٦، المبسوط: ١٥١/١١، تبيين الحقائق: ٣١٢/٣.
الفقه على المذاهب الأربعة: ٨٣/٣. أما الاشتراك في الربح دون الاشتراك في رأس المال فهو شركة المضاربة التي
(٣)
سیأتي بحثها .
(٤)
تبيين الحقائق للزيلعي: ٣١٣/٣.
- ٧٩٤ _

وشركة الأبدان ، وشركة الوجوه(١).
واتفق العلماء على أن شركة العنان جائزة صحيحة . وأما الأنواع الأخرى فقد
اختلفوا في مشروعيتها :
فالشافعية والظاهرية والإمامية يجعلون كل الشركات باطلة ما عدا شركة
العنان وشركة المضاربة .
والحنابلة أجازوا كل الشركات ما عدا شركة المفاوضة .
والمالكية أجازوا كل الشركات ما عدا شركة الوجوه، وما عدا شركة المفاوضة
بالمعنى المذكور عند الحنفية .
وأما الحنفية والزيدية فأجازوا كل هذه الشركات دون استثناء إذا توافرت
شروط معينة . وسأبحث شركة العقود وفقاً لمنهج الحنفية في التقسيم، في المطالب
الآتية . وأما شركة المضاربة فأخصص مبحثاً مستقلاً لها .
عالى
خطة الموضوع :
المطلب الأول - كيفية انعقاد شركات العقود .
المطلب الثاني - شرائط شركة العقود .
المطلب الثالث - أحكام شركة العقود .
المطلب الرابع - صفة عقد الشركة ويد الشريك .
المطلب الخامس - مبطلات عقد الشركة.
المطلب السادس - الشركة الفاسدة .
(١) بداية المجتهد: ٢٤٨/٢، مغني المحتاج: ٢١٢/٢ .
- ٧٩٥ _

المطلب الأول - كيفية انعقاد شركات العقود
ركن شركة العقود عند الحنفية : الإيجاب والقبول : وهو أن يقول أحد
الشريكين للآخر: شاركتك في كذا وكذا، ويقول الآخر: قبلت وهي ثلاثة أنواع:
شركة أموال، وشركة وجوه، وشركة أعمال أو صنايع (١). وسنذكر تعاريف كل نوع
منها .
وأركان الشركة عند الجمهور ثلاثة : عاقدان ومعقود عليه وصيغة .
أولاً - تعريف شركة الأموال :
وهي أن يشترك اثنان في مال ، فيقولا : اشتركنا فيه على أن نبيع ونشتري معاً،
أو أطلقا (أي لم يحددا البيع أو الشراء)، على أن ما رزق الله عز وجل من ربح فهو
بيننا على شرط كذا، أو يقول أحدهما ذلك، ويقول الآخر: قبلت. وهي إما
مفاوضة أو عنان .
١ - شركة العنان(٢): وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه
مـ
والربح بينهما (٣)، وهي جائزة بالإجماع كما ذكر ابن المنذر(٤).
وإنما اختلف في بعض شروطها، كما اختلف في علة تسميتها، فقيل : سميت
بالعنان؛ لأن الأصل في الشريكين أن يتساويا في المال والتصرف، كالفارسین إذا
(٢)
فتح القدير: ٤/٥/ وما بعدها، البدائع: ٥٦/٦، رد المحتار: ٣٦٨/٣، مجمع الضمانات: ص /٢٩٧ .
(١).
العنان بكسر العين وتفتح .
أي والخسارة عليهما أيضاً، فالشركاء يشتركون في الربح والخسارة، ولا يصح إعفاء أحد الشركاء من تحمل
(٣)
الخسارة مع مقاسمته في الربح، وهذا المبدأ مقرر شرعاً وقانوناً .
معنى شركة العنان هذا متفق عليه بين الحنفية والشافعية والزيدية والجعفرية والظاهرية والحنابلة في أحد
(٤)
قولين عندهم، فلا تنشأ الشركة إلا بالتصرف برأس المال بالشراء. وقال المالكية وفي قول راجح عند الحنابلة:
تنعقد شركة المال بمجرد إنعقاد العقد بين الشركاء. وهذا هو المقرر قانوناً. (الشركات في الفقه الإسلامي
للأستاذ علي الخفيف: /٣٣ _٣٥، ٤٨).
- ٧٩٦ _

سویا بین فرسيهما وتساويا في السير، فإن عناني فرسيهما يكونان سواء. وشركة
العنان: اتفاق الرجلين على الاشتراك في شيء معلوم من مالهما ، وانفراد كل بباقي
ماله، فهما متساويان فيما يشتركان فيه . وقال الفراء: هي مشتقة من عَنَّ الشيء: إذا
عرض، يقال: عنَّت لي حاجة: إذا عرضت ، فسميت الشركة عناناً؛ لأن كل واحد
منهما عنَّ له أن يشارك صاحبه، أو أنها تقع على حسب ما يعن لهما في كل التجارات
أو في بعضها . قال السبكي : المشهور أنها مأخوذة من عنان الدابة وهو ما تقاد به، كأن
كل واحد من الشريكين أخذ بعنان صاحبه، لا يطلقه يتصرف حيث شاء(١).
وهذا النوع من الشركات هو السائد بين الناس (٢)؛ لأن شركة العنان لا يشترط
فيها المساواة لا في المال ولا في التصرف، فيجوز أن يكون مال أحد الشريكين أكثر
من الآخر، كما يجوز أن يكون أحدهما مسؤولاً عن الشركة والآخر غير مسؤول، وهي
من أجله ليس فيها كفالة، فلا يطالب أحدهما إلا بما عقده بنفسه من التصرفات ، أما
تصرفات شريكه فهو غير مسؤول عنها ، ويجوز مع ذلك أن يتساويا في الربح أو
يختلفا، فيوزع الربح بينهما حسب الشرط الذي اتفقا عليه، أما الخسارة فتكون
بنسبة رأس المال فحسب، عملاً بقاعدة: ((الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر
المالين)».
٢ - شركة المفاوضة: المفاوضة في اللغة: المساواة. وسمي هذا النوع من
الشركة مفاوضة لاعتبار المساواة في رأس المال والربح وفي القدرة على التصرف
مختصر الطحاوي: ص ١٠٧، المبسوط: ١٥١/١١، فتح القدير: ٢٠/٥، البدائع: ٥٧/٦، رد المحتار: ٣٧٣/٣،
(١)
الشرح الكبير: ٣٥٩/٣، المغني: ١٣/٥، مغني المحتاج: ٢١٢/٢.
(٢)
يختلف معنى شركة العنان بين الحنفية والمالكية، فعند الحنفية تتضمن هذه الشركة توكيل كل شريك لصاحبه
في التصرف، وذلك ما يجعل له حق الاستقلال به إذا أراد. أما عند المالكية فلا تتضمن ذلك، ولا يملك أحد
الشركاء أن يتصرف منفرداً إلا بإذن صاحبه. وفي هذه الحالة تكون الشركة شركة أملاك عند الحنفية وإذا كان
الشريك مطلق التصرف في رأس المال مستقلاً بدون إذن صاحبه فالشركة مفاوضة عند المالكية (راجع
الشركات في الفقه الإسلامي للأستاذ علي الخفيف).
- ٧٩٧ _

وغيرها ، قال في الهداية : لأنها شركة عامة في جميع التجارات، يفوض كل واحد من
الشريكين أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق. وقيل : هي من التفويض ؛ لأن كل
واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه على كل حال في غيبته وحضوره. وقال
المالكية والشافعية : سميت مفاوضة من تفاوض الرجلان في الحديث : شرعا فيه
جميعاً .
وهي في الاصطلاح: أن يتعاقد اثنان فأكثر على أن يشتركا في عمل بشرط أن
يكونا متساويين في رأس مالهما وتصرفهما ودينهما أي (ملتهما)، ويكون كل واحد
منهما كفيلاً عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع، أي أن كل شريك ملزم بما ألزم
شريكه الآخر من حقوق ما يتجران فيه، وما يجب لكل واحد منهما يجب للآخر،
أي أنها متضامنان في الحقوق والواجبات المتعلقة بما يتاجران فيه، ويكون كل واحد
منهما فيما يجب لصاحبه بمنزلة الوكيل له، وفيما يجب عليه بمنزلة الكفيل عنه .
فهما يتساويان في رأس المال وفي الربح، فلا يصح أن يكون أحدهما أكثر مالاً
من الآخر، كأن يملك أحدهما ألف دينار والآخر خمسمائة، ولو لم يكن المبلغ مستعملاً
في التجارة، أي أنه لا يجوز أن يبقيا شيئاً من جنس مال الشركة إلا ويدخلانه في
الشركة. ويشترط التساوي في التصرف فلا تصح بين صبي بالغ، ولا بين مسلم
وكافر(١) ، ولا يصح أن يكون تصرف أحدهما أكثر من تصرف الآخر. فإذا تحققت
المساواة الكاملة انعقدت الشركة، وكان كل واحد منهما وكيلاً عن صاحبه وكفيلاً عنه
يطالب بما يعقده صاحبه، ويسأل عن جميع تصرفاته. فإذا اختل شرط من هذه
الشروط، أو تملك أحد الشركاء مالاً يصلح أن يكون رأس مال الشركة العقد،
تحولت الشركة إلى شركة عنان ، لعدم تحقق المساواة(٢).
أجاز أبو يوسف هذه الشركة مع اختلاف الملة مع الكراهة (الدر المختار: ٣٦٩/٣).
(١)
يلاحظ أنه لا يشارك أحد المتفاوضين صاحبه فيا يرث من ميراث عيني ولا جائزة يمنحها الحاكم له أو هبة أو
(٢)
هدية إلا عند ابن أبي ليلى .
- ٧٩٨ -

وعلى هذا فإن هذه الشركة تتطلب الاشتراك بين الشريكين في كل ما لهما من
الحقوق كإرث نقدي وركاز ولقطة، وما عليهما من الواجبات التي يلتزم بها كل واحد
من دين بسبب التجارة واستقراض وضمان غصب وقية متلف وأرش(١) جناية على
الدابة أو الثوب مثلاً ونحوها من مغارم الأموال(٣) في قول أبي حنيفة ومحمد(٢).
وبعبارة أخرى: تنعقد شركة المفاوضة على أساس الاشتراك فيما يملكه كل
شريك من مال يصح أن يكون رأس مال للشركة وهو النقود الحاضرة، مع تساوي
جميع الشركاء في الربح وفي رأس المال، وعلى أن يعمل كل شريك في مال صاحبه
مستبدا برأيه .
فإذا اختص أحد الشركاء فيها يملك مال يصلح أن يكون رأس مال الشركة
العقد كالنقود لا تكون شركة مفاوضة، وإن عقدت بلفظها ، لانعدام المساواة في
المال، ولكن إذا اختص أحدهم بملك عَرَض أو دين على إنسان، أو بملك عقار لم يؤثر
المملوك في صحتها ؛ لأن كل ذلك لا يصلح أن تعقد عليه الشركة ، فكان كاختصاص
الشريك فيها بالزوجة (٤). فإذا استحق الشريك مالاً من إرث ونحوه، تفسد المفاوضة
إذا كان المال نقوداً دراهم أو دنانير وتم قبضه فعلاً، أما إذا قبض عروضاً أو عقاراً فلا
تفسد المفاوضة .
وقد أجاز الحنفية والزيدية هذه الشركة لقوله عليه السلام: ((إذا تفاوضتم
الأرش : هو العوض المحدد شرعاً لما دون النفس بسبب الجناية على عضو مثلاً .
(١)
(٢)
لأن الجاني يملك المجني عليه بالضمان (رد المحتار: ٣ / ٣٧١ ) .
المبسوط: ١٥٣/١١، ١٧٧، ١٨٩، فتح القدير: ٥/٥ وما بعدها، البدائع: ٥٨/٦، تبيين الحقائق: ٣١٣/٣،
(٣)
مجمع الضمانات: /٢٩٤ ، رد المحتار: ٣٦٩/٣، ٣٧٢ ، مختصر الطحاوي: ص ١٠٦، بداية المجتهد : ٢٥١/٢ ،
الشرح الكبير : ٣٥١/٣، مغني المحتاج: ٢١٢/٢، المهذب: ٣٤٦/١، المغني : ٢٦/٥ ، الفقه على المذاهب
الأربعة: ٨٩/٣ ، الميزان: ٨٢/١، المنتزع المختار: ٣٥٤/٣.
حاشية الشلبي على الزيلعي : ٣١٤/٣ ، الشركات للأستاذ الخفيف: ص /٥٨ وما بعدها .
(٤)
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٥١)
- ٧٩٩ _

فأحسنوا المفاوضة))، ((فاوضوا فإنه أعظم للبركة))(١) ولأن الناس يتعاملون بها في
سائر الأعصار من غير نكير من أحد . وأما الجهالة الحاصلة فيها وهي أنها تتضمن
الوكالة بشراء مجهول الجنس، والكفالة بمجهول، فإنها متحملة، لأنها تثبت تبعاً،
والتصرف قد يصح تبعاً ولا يصح مقصوداً، كما هو الحال في المضاربة، فإنها تتضمن
الوكالة بشراء مجهول الجنس .
وأما المالكية فقد أجازوا شركة المفاوضة بغير هذا المعنى الذي ذكره الحنفية :
وهو أن تعقد الشركة على أن يكون كل شريك مطلق التصرف في رأس المال
استقلالا ، دون حاجة إلى أخذ رأي شركائه، حاضرين أم غائبين، بيعاً وشراء وأخذاً
وعطاء وكراء واستكراء، وضماناً وتوكيلاً وكفالة وقراضاً وتبرعاً وغيرها مما تحتاج
إليه التجارة من تصرف. ويلزم كل شريك بكل ما يعمله شريكه . ولا تكون إلا فيما
تم العقد عليه من أموالهم ، دون ما ينفرد به كل منهم من مال لم يدخله في الشركة .
أما إذا عقدت الشركة على ألا يستبد ( ينفرد) أحد الشركاء بالتصرف في رأس
المال، وليس له إلا أن يعمل مع شركائه جميعاً، فإنها حينئذ تسمى عندهم شركة
عنان(٢).
وعلى هذا فشركة المفاوضة بمفهومها عند المالكية، لا خلاف فيها عند الفقهاء .
أما شركة المفاوضة بالمعنى الذي ذكره الحنفية والزيدية ، فلا يجيزها الشافعية
والحنابلة وجمهور الفقهاء، لأنها عقد لم يرد الشرع بمثله، ولأن تحقق المساواة بالمعنى
(١) قال الحافظ الزيلعي عن هذا الحديث وما قبله : غريب أي لا أصل له ، ثم حاول أن يجد أصلاً للحديث،
فقال: أخرج ابن ماجه في سننه عن صهيب قال: قال رسول الله عَل ◌َّ: ثلاث فيهن البركة : البيع إلى أجل ،
والمقارضة ، وإخلاط البر بالشعير، لا للبيع ، ثم قال الزيلعي : ويوجد في بعض نسخ ابن ماجه ( المفاوضة )
بدل ( المقارضة ) ( راجع نصب الراية : ٤٧٥/٣ ) .
(٢)
الشركات في الفقه الإسلامي لأستاذنا المرحوم علي الخفيف: /٣٤، الإفصاح: /٢٥ ، القوانين الفقهية: /٢٨٣ ،
الشرح الكبير للدردير: ٣٥١/٣، ٣٥٩ ، الخرشي: ٤٣/٦.
- ٨٠٠ -