النص المفهرس

صفحات 701-720

((إنما الربا في النسيئة))(١) والنص مطلق لم يفرق بين المطعوم والأثمان وغيرهما،
فيجب القول بتحقيق الربا فيها على الإطلاق (٢) لتحقق علة الربا عندهم: وهي اتفاق
الجنس .
وقال مالك : لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة أي إلى أجل فيما تشابهت
منافعه كشاة حلوبة بشاة حلوبة إلى أجل . ويجوز فيما اختلفت منافعه، كبيع البعير
النجيب ببعيرين للحمولة(٣)، وعمدته في حالة المنع سد الذريعة إلى الربا .
أما الشافعية فقالوا: كل ما سوى الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيه
الربا ، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً ونسيئة ، ويجوز فيه التفرق قبل التقابض،
لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((أمرني رسول الله مَ اتٍ أن أجهز جيشاً
فنفدت الإبل، فأمرني أن آخذ على قلاص(٤) الصدقة، فكنت آخذ البعير بالبعيرين
إلى إبل الصدقة))(٥).
وعن علي كرم الله وجهه أنه باع جملاً إلى أجل بعشرين بعيرً(٦). وباع ابن عمر
رواه البخاري ومسلم والنسائي ، فهو حديث صحيح، وله ألفاظ منها ((الربا في النسيئة)) وفي رواية ((إنما
(١)
الربا في النسيئة)» وفي رواية ((لا ربا فيما كان يداً بيد)» قال البيهقي: يحتمل أن الراوي اختصره ، فيكون
النبي ◌َّ سئل عن الربا في صنفين مختلفين: ذهب بفضة، أو تمر بحنطة، فقال ((إنما الربا في النسيئة)) فأداه
الراوي دون ذكر سؤال السائل ( راجع جامع الأصول : ٤٦٩/١ ، نصب الراية : ٣٧/٤ ) .
(٢)
البدائع : ١٨٧/٥ .
(٣)
بداية المجتهد : ١٣٢/٢.
القلاص جمع قلوص وهي من الإبل : الفتية الشابة بمنزلة الجارية من النساء .
(٤)
أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني بمعناه والحاكم في المستدرك ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ،
(٥)
وضعفه بعضهم بمحمد بن إسحق إلا أن الحافظ ابن حجر قوّى إسناده ، ورواه البيهقي في سننه من طريق
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (راجع نصب الراية: ٤٧/٤، نيل الأوطار: ٢٠٤/٥، جامع الأصول:
٤٧٣/١ ) .
رواه الامام مالك في الموطأ (راجع تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: ١٤٨/٢، جامع الأصول: ٤٧٤/١ ) .
(٦)
- ٧٠١ -

رضي الله عنهما بعيراً بأربعة أبعرة(١) ونحو ذلك كثير (٢).
وأصح الروايات الأربعة عن الإمام أحمد(٣) مثل الشافعية أي جواز بيع الحيوان
بجنسه أو بغيره متساوياً ومتفاضلاً ، واتفق الأئمة على بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً
إذا كان يداً بيد أي كان البيع حالاً ، غير مؤجل .
وبعد : فإن ربا النسيئة الجاهلي محرم لذاته منعاً من إلحاق غبن كبير بأحد
الطرفين ، نتيجة للتقلبات المفاجئة في أسعار السلع بسبب أو آخر، وللقضاء على
استغلال عجز المدين عن وفاء الدين . وربا الفضل محرم سداً للذريعة أي منعاً من
التوصل به إلى ربا النسيئة، وما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة كالميتة والدم ولحم
الخنزير، وما حرم سداً للذريعة أبيح للحاجة إليه وللمصلحة الراجحة على
المفسدة(٤)، والمسلم وحده يمكن أن يقدر الضرورة أو الحاجة المحدقة به .
ويمكن القول بأن تحريم ربا الفضل ليس لكونه مجرد وسيلة إلى ربا النسيئة،
وإنما هو ربا حقيقي، لقول النبي صَ لّ لبلال: ((عين الربا)» حينما باع صاعين من تمر
رديء بضاع من تمر جيد هو التمر البرني. وذلك لأنه يعتمد تارة على استغلال جهل
الناس بأصناف الأنواع، وتارة يعتمد على استغلال حاجتهم إلى نوع معين .
أخرجه الموطأ والبخاري عن عبد الله بن عمر ( المرجعان السابقان ) .
(١)
المهذب : ٢٧١/١ .
(٢)
(٣)
المغني : ٤ / ١١ وما بعدها .
راجع كتاب ((الربا والمعاملات في الإسلام)) للسيد رشيد رضا: ص ٩٧ ، ٩٩، ومقدمته: ص٥ للأستاذ بهجت
(٤)
البيطار، وراجع نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف لمعرفة الفرق بين الضرورة والحاجة .
- ٧٠٢ -

-٦ -
بيوع الأمانة
المرابحة والتولية والوضيعة
أشرنا سابقاً إلى أن البيع ينقسم من ناحية البدل إلى خمسة أقسام:
١ - بيع المساومة : هو البيع بأي ثمن كان من غير نظر إلى الثمن الأول الذي
اشترى به الشيء، وهو البيع المعتاد.
٢ - بيع المرابحة: هو البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح. وصورة المرابحة كما
ذكر المالكية : هي أن يعرّف صاحب السلعة المشتري بكم اشتراها ، ويأخذ منه ربحاً
إما على الجملة مثل أن يقول : اشتريتها بعشرة وتربجني ديناراً أو دينارين، وإما على
التفصيل وهو أن يقول: تربحني درهماً لكل دينار، أو نحوه (١)، أي إما بمقدار مقطوع
محدد، وإما بنسبة عشرية .
٣ - بيع التولية: هو البيع بمثل الثمن الأول أي برأس المال من غير زيادة ربح،
فكأن البائع جعل المشتري يتولى مكانه على المبيع .
٤ - بيع الإشراك : هو كبيع التولية ، إلا أنه بيع بعض المبيع ببعض الثمن .
٥ - بيع الوضيعة: هو بيع بمثل الثمن الأول، مع نقصان شيء معلوم منه(١).
راجع القوانين الفقهية لابن جزي : ص ٢٦٣ .
(١)
انظر درر الحكام : ١٨٠/٢ .
(٢)
- ٧٠٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٥)

بيع المرابحة
خطة الموضوع :
نفصل الكلام عن المرابحة في المطالب الآتية :
المطلب الأول - شرائط المرابحة.
المطلب الثاني - رأس المال وما يلحق به وما لا يلحق .
المطلب الثالث - ما يجب بيانه في المرابحة.
المطلب الرابع - حكم الخيانة إذا ظهرت .
ويلاحظ أن الكلام في هذه المطالب يتناول حكم غير المرابحة : وهي التولية،
والإشراك ، والوضيعة .
المطلب الأول - شرائط المرابحة
يشترط في المرابحة شروط هي ما يأتي(١)
١ - العلم بالثمن الأول: يشترط أن يكون الثمن الأول معلوماً للمشتري الثاني،
لأن العلم بالثمن شرط في صحة البيوع. وهذا الشرط يشمل جميع أخوات المرابحة من
التولية والإشراك والوضيعة ؛ لأنها تعتمد كلها على أساس الثمن الأول أي رأس المال،
فإذا لم يعلم الثمن الأول فالبيع فاسد إلى أن يعلم في المجلس، فلو لم يعلم حتى افترق
العاقدان عن المجلس ، بطل العقد لتقرر الفساد.
٢ - العلم بالربح: ينبغي أن يكون الربح معلوماً، لأنه بعض الثمن، والعلم
بالثمن شرط في صحة البيوع .
(١) البدائع: ٥ ص ٢٢٠ - ٢٢٢ .
- ٧٠٤ _

٣ - أن يكون رأس المال من المثليات: كالمكيلات، والموزونات والعدديات
المتقاربة، وهذا شرط في المرابحة والتولية ، سواء تم البيع مع البائع الأول، أو مع
غيره، وسواء أكان الربح من جنس الثمن الأول ، أم لم يكن بعد أن يكون شيئاً مقدراً
معلوماً، كدرهم ونحوه. فإن كان مما لا مثل له كالعروض(١) لا يجوز بيعه مرابحة ولا
تولية ممن ليس العرض في ملكه؛ لأن المرابحة والتولية بيع بمثل الثمن الأول، مع
زيادة ربح عليه في المرابحة .
وعلى هذا إذا كان الثمن الأول غير مثلي كأن يكون من الأعداد المتفاوتة كالدور
والثياب والرمان ، والبطيخ، ونحوها، فإما أن يبيعه ممن في يده وملكه أو من غيره.
فإن باعه ممن ليس في ملكه ويده، لم يجز، لأنه لا يمكن بيعه مرابحة بالعرض
عينه؛ إذ أنه ليس في يده ولا ملكه، ولا بيعه منه بقيته؛ لأن قيته مجهولة تعرف
بالحزر والظن ، وفيه يختلف أهل التقويم.
وإن باعه مرابحة ممن كان العرض في يده وملكه فينظر:
آ - إن جعل الربح شيئاً متميزاً عن رأس المال، معلوماً، كالدراهم، وثوب معين
مثلاً، جاز؛ لأن الثمن الأول معلوم، والربح معلوم، مثل أن يقول: ((أبيعك مرابحة
بالثوب الذي في يدك وبربح عشرة دراهم ».
ب - وإن جعل الربح جزءاً من رأس المال، كأن يقول: كل عشرة ربحها واحد
أي أن الربح بالعُشْر وهو المعروف قديماً بربح (( ده يازده)) لم يجز، لأنه جعل الربح
جزءاً من العَرض، والعرض ليس متماثل الأجزاء، وإنما يعرف بالتقويم، والقيمة
مجهولة، لأن معرفتها بالحزر والظن(٣).
العروض جمع عرض والعرض : بسكون الراء ، المتاع ، وكل شيء سوى الدراهم والدنانير . وعرض الدنيا
(١)
بفتحتين : ما كان من مال قل أو كثر .
فتح القدير: ٥ ص ٢٥٤ ، المبسوط : ١٣ ص ٩١ .
(٢)
- ٧٠٥ -
،

وأما بيعه وضيعة ممن العرض في يده وملكه، فالحكم فيه على عكس المرابحة :
وهو أنه إن جعل الوضيعة شيئاً متميزاً عن رأس المال معلوماً كالدراهم ونحوه : لا يجوز،
لأنه يحتاج إلى حط ذلك القدر عن رأس المال، وهو مجهول .
وإن جعل الوضيعة من جنس رأس المال، بأن باعه بوضع العُشْر أي أن كل
عشرة ينقص منها واحد، جاز البيع بعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من رأس المال،
لأن الجزء الموضوع جزء شائع من رأس مال معلوم (١).
٤ - ألا يترتب على المرابحة في أموال الربا وجود الربا بالنسبة للثمن الأول، كان
يشتري المكيل أو الموزون بجنسه مثلاً بمثل، فلا يجوزله أن يبيعه مرابحة؛ لأن
المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة، والزيادة في أموال الربا تكون رباً، لا ربحاً.
وكذلك لا يجوز بيعه مواضعة، ولكن يجوز بيعه تولية أو إشراكاً، إذأنهما بمثل الثمن
في کل المبيع أو بعضه ، فلا يتحقق الربا.
فإن اختلف الجنس فلابأس بالمرابحة، كأن يشتري ديناراً بعشرة دراهم، فباعه
بربح درهم أو ثوب بعینه، جاز(٢).
٥٠ - أن يكون العقد الأول صحيحاً: فإن كان فاسداً لم يجز بيع المرابحة ؛ لأن
المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح، والبيع الفاسد يثبت الملك فيه بقية المبيع أو
بمثله، لا بالثمن ، لفساد التسمية .
المطلب الثاني - رأس المال وما يلحق به وما لا يلحق
رأس المال: هو مالزم المشتري الأول بالعقد، أي ماملك المبيع به ووجب
بالعقد، لا ما نقده بعد العقد بدلاً عن المسمى في العقد ؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول.
(١)
البدائع : ٥ ص ٢٢١ .
المبسوط : ١٣ ص ٨٢ ، ٨٩ .
(٢)
٤
- ٧٠٦ -

والثمن الأول: هو ما وجب بالبيع، فأما ما نقده بعد البيع ، فذلك وجب بعقد آخر:
وهو الاستبدال، فيكون الواجب على المشتري الثاني هو المتفق عليه بالعقد ، لا
المدفوع بعدئذ بموجب اتفاق آخر.
ومثل ذلك - التولية :
وبيان هذا : إذا اشترى إنسان ثوباً بعشرة دراهم ونقد مكانها ديناراً أو ثوباً،
فيكون رأس المال: هو العشرة لا الدينار أو الثوب؛ لأن العشرة هي التي وجبت
بالعقد، وإنما الدينار أو الثوب بدل الثمن الواجب .
وكذلك من اشترى ثوباً بعشرة دراهم جياد، ثم إنه دفع إلى البائع عشرة دراهم
زيوف أو بعضها جياد وبعضها زيوف، فقبلها البائع، ثم أراد أن يبيعه مرابحة،
فيجب على المشتري الثاني أن يدفع الثمن من الجياد ؛ لأن المضمون بالعقد الأول هو
الجياد لكن جعل الزيوف بدلاً عن الثمن الأول بعقد آخر.
ولو اشترى ثوباً بعشرة هي خلاف نقد البلد، ثم باعه مرابحة، فإن ذكر الربح
مطلقاً ( أي بدون تحديد صفة معينة) بأن قال: ((أبيعك بالثمن الأول، وربح
درهم )) كان على المشتري الثاني عشرة مثل التي وجبت بالعقد الأول وهي عشرة
ليست من نقد البلد، وأما الربح فيكون من نقد البلد ؛ لأنه أطلق الربح، فينصرف .
المطلق إلى المتعارف، وهو نقد البلد .
وإن نسب الربح إلى رأس المال، فقال: ((أبيعك بربح العشرة أو بربح العُشْر
- ده يازده)) فالربح والعشرة من جنس الثمن الأول لأنه جعل الربح جزءاً من
العشرة ، فكان من جنسها ضرورة(١).
وأما ما يلحق برأس المال : فهو كل نفقة أنفقت على السلعة وأوجبت زيادة في
(١) البدائع: ٥ ص ٢٢٢ .
- ٧٠٧ -

المعقود عليه سواء في العين أو في القيمة ، وكان ذلك معتاداً إلحاقه برأس المال عند
التجار، مثل أجرة القصار(١) والصباغ، والغسال، والخياط، والسمسار، وسائق
الغنم، وعلف الدواب اعتباراً للعرف، والعرف حجة لما ورد من الأثر: ((مارآه
المسلمون حسناً فهو عند الله حسن )).
ويباع ذلك مرابحة وتولية ، إلا أن البائع لا يقول عند البيع: اشتريته بكذا،
ولكن يقول: ((قام علي بكذا، فأبيعك مع ربح كذا » حتى لا يكون كاذباً في
كلامه .
وأما ما لا يلحق برأس المال: فهو أجرة الراعي والطبيب والحجام، والختان،
والبيطار وأجرة تعليم القرآن ، والأدب والشعر، والحرف بالنسبة للرقيق في الماضي.
ويباع مرابحة وتولية بالثمن الأول الواجب بالعقد الأول لا غير؛ لأن التجار لم
يتعارفوا إلحاق هذه المؤن برأس المال، وقد ورد: «ما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند
الله قبيح ))(٢).
المطلب الثالث - ما يجب بيانه في المرابحة وما لا يجب
إن بيع المرابحة والتولية بيع أمانة ؛ لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثمن
الأول من غير بينة، ولا استحلاف، فيجب صيانتها عن الخيانة، وعن سبب الخيانة
والتهمة ، قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم
وأنتم تعلمون ﴾.
وقال مُ له: ((ليس منا من غشنا))(٣).
هو محور الثياب ومبيضها بواسطة آلة ، فإن لم يستعمل آلة فهو الصباغ .
(١)
(٢)
فتح القدير: ٥ ص ٢٥٥ ، البدائع: ٥ ص ٢٢٣ ، الدر المختار: ٤ ص ١٦١.
سبق تخريج هذا الحديث وله ألفاظ منها هذا: ومنها: ((من غشنا فليس منا)) ومنها: « ليس منا من
(٣)
غش» ( راجع مجمع الزوائد : ٤ ص ٧٨ ) .
- ٧٠٨ -

وبناء على هذا: إذا حدث بالسلعة عيب في يد البائع أو في يد المشتري فأراد أن
يبيعها المشتري مرابحة ينظر:
إن حدث العيب بآفة سماوية : له أن يبيعها مرابحة بجميع الثمن من غير بيان
العيب عند جمهور الحنفية؛ لأن الجزء المتعيب لا يقابله شيء من الثمن ، فكأنه دفع
الثمن مقابل المبيع على حالته التي آل إليها ، فكان بيان العيب والسكوت عنه على حد
(١)
سواء(١).
وقال زفر وجمهور العلماء: لا يبيع الشيء المعيب مرابحة حتى يبين العيب
الحادث منعاً من شبهة الخيانة ؛ لأن غرض الناس يختلف بذلك العيب، ولأن العيب
الحادث ينقص به المبيع(٢).
وإن حدث العيب بفعل المشتري الأول أو بفعل أجنبي ، لم يجز بيعه مرابحة
حتى يبين العيب بالاتفاق .
ولو حدث في المبيع زيادة كالولد، والثمرة، والصوف، واللبن : لم يبعه مرابحة
حتى يبين ؛ لأن الزيادة المتولدة مبيعة عند الحنفية، ولا يحط ذلك من الثمن ، وإنما
يخبر عادة بالثمن من غير زيادة(٣).
ولو استغل الأرض جازأن يبيعها من غير بيان ؛ لأن الزيادة التي ليست
بمتولدة من المبيع لا تكون مبيعة بالاتفاق .
ولو اشترى شيئاً نسيئة كثوب بعشرة دراهم : لم يبعه مرابحة حتى يبين ذلك،
لأن الأجل سبب في زيادة الثمن عادة، فإن ثمن المبيع يختلف بين النسيئة والنقد.
(١)
(٢)
البدائع : ٥ ص ٢٢٣ .
الشرح الكبير للدردير: ٣ ص ١٦٤، المهذب: ١ ص ٢٨٩ ، مغني المحتاج: ٢ ص ٧٩، المغني: ٤ ص ١٨٢.
المراجع السابقة .
(٣)
- ٧٠٩ -

ولو اشترى من إنسان شيئاً بدين له عليه : فله أن يبيعه، مرابحة من غیر بیان ،
لأنه اشتری مثمن في ذمته، لأن الدین لا يتعين ثمناً.
وإن أخذ شيئاً صلحاً من دين له على إنسان : فليس له أن يبيعه مرابحة على
ذلك الدين ؛ لأن مبنى الصلح على الحط والتساهل، فلابد من البيان ليعلم المشتري
أنه سامح أم لا ، فيحترز عن التهمة ... بخلاف الشراء في الحالة الأولى ؛ لأن مبنى
الشراء على الماكسة(١)، فلا حاجة إلى البيان.
ولو اشترى ثوباً بعشرة دراهم ثم رقمه (٢) بأكثر من الثمن إذا كانت قيمته أكثر من
عشرة ، ثم باعه مرابحة على الرقم، من غير بيان جاز، ولا يكون خيانة، لأنه صادق
حيث ذكر الرقم، ولكن لا يقول : اشتريته بكذا، لأنه يكون كاذباً فيه. هذا إذا علم
المشتري بأن الثمن والرقم متغايران، فإن علم أنها سواء، فيكون خيانة يوجب له
الخيار.
وكذلك لو ملك مالاً بالميراث أو الهبة ، فقومه رجل عدل، ثم باعه مرابحة على
قيمته : فيجوز، لأنه صادق في مقالته(٣).
المطلب الرابع - حكم الخيانة إذا ظهرت
إذا ظهرت الخيانة في المرابحة بإقرار البائع في عقد المرابحة أو ببرهان عليها أو
بنكوله عن اليمين : فإما أن تظهر في صفة الثمن أو في قدره.
فإن ظهرت في صفة الثمن: بأن اشترى شيئاً نسيئة، ثم باعه مرابحة على الثمن
الأول، ولم يبين أنه اشتراه نسيئة، أو أنه باعه تولية، ولم يبين أنه اشتراه نسيئة، ثم علم.
المشتري: فله الخيار باتفاق علماء الحنفية إن شاء أخذ المبيع، وإن شاء رده ؛ لأن
ماكسه مماكسة : استحطه الثمن واستنقصه إياه .
(١)
(٢)
سبق تفسير الرقم في البيوع الفاسدة .
البدائع : ٢٢٤/٥ .
(٣)
- ٧١٠ -

المرابحة عقد مبني على الأمانة ، إذ أن المشتري اعتمد على أمانة البائع في الإخبار عن
الثمن الأول، فكانت صيانة البيع الثاني عن الخيانة مشروطة دلالة، فإذا لم يتحقق
الشرط ثبت الخيار، كما في حالة عدم تحقق سلامة المبيع عن العيب.
وكذا إذا لم يخبر أن الشيء المبيع كان بدل صلح، فللمشتري الثاني الخيار.
وإن ظهرت الخيانة في قدر الثمن في المرابحة والتولية بأن قال :
اشتريت بعشرة، وبعتك بربح كذا ، أو اشتريت بعشرة ووليتك بما توليتُ، ثم
تبين أنه كان اشتراه بتسعة ، فاختلف فقهاء الحنفية :
فقال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقوله هو الأرجح عند الحنفية : المشتري بالخيار
في المرابحة : إن شاء أخذه بجميع الثمن ، وإن شاء ترك . وأما في التولية : فلا خيار له
لكن يحط قدر الخيانة، ويلزم العقد بالثمن الباقي. ووجه الفرق بين المرابحة والتولية :
هو أن الخيانة في المرابحة لا تخرج العقد عن طبيعته: وهو كونه مرابحة؛ لأن المرابحة
بيع بالثمن الأول، وزيادة ربح. وهذا المعنى متوفر بعد ظهور الخيانة، فيصبح بعض
الثمن رأس مال، وبعضه ربحاً مما يوجب خللاً في الرضا، فيثبت الخيار، كما في الخيانة
في صفة الثمن .
وأما التولية فالخيانة فيها تخرج العقد عن كونه تولية ؛ لأن التولية بيع بالثمن
الأول من غير زيادة ولا نقصان . فإذا ظهر النقصان في الثمن الأول، وأثبتنا الخيار
للمشتري، فإنا نخرج العقد عن كونه تولية ونجعله مرابحة ، وهذا إنشاء عقد جديد لم
يتراضيا عليه وهو لا يجوز فحططنا قدر الخيانة، وألزمنا العقد بالثمن الباقي .
وعليه : لو هلك المبيع في يد المشتري الثاني، أو استهلكه قبل رده، أو حدث به
ما يمنع من الرد كعيب مثلاً، لزمه بجميع الثمن المسمى وسقط خياره.
وقال أبو يوسف: لاخيار للمشتري، ولكن يحط قدر الخيانة في المرابحة
والتولية. وقدر الخيانة في المثال المذكور: هو درهم في التولية ودرهم في المرابحة
- ٧١١ -

وحصة من الربح: وهو جزء من عشرة أجزاء من درهم ؛ لأن الثمن الأول أصل في بيع
المرابحة والتولية، فإذا ظهرت الخيانة تبين أن تسمية قدر الخيانة لم تصح، فتلغو
التسمية في قدر الخيانة ، ويبقى العقد لازماً بالثمن الباقي .
وقال محمد : للمشتري الثاني الخيار في المرابحة والتولية: إن شاء أخذ المبيع بجميع
الثمن، وإن شاء رده على البائع، ودليله: أن المشتري لم يرض بلزوم العقد إلا بالقدر
المسمى من الثمن ، فلا يلزم بدونه، ويثبت له الخيار، لوجود الخيانة، كما يثبت الخيار
بعدم تحقق سلامة المبيع عن العيب(١).
ويلاحظ أن المفتى به عند الحنفية رفقاً بالناس: هو أنه يجوز رد المبيع أو الثمن
على صاحبه بالغبن الفاحش إذا كان هناك تغرير من أحد العاقدين للآخر أومن
شخص آخر أجنبي عنهما كالدلال ونحوه .
والمراد بالغبن الفاحش : هو مالا يدخل تحت تقويم المقومين كزيادة ثلاثة
بالعشرة مثلاً ، وأما مادونها فهو غبن يسير لارد فيه، كما أنه لا رد إذا لم يوجد
(٢)
التغرير (٣).
الإشراك : والإشراك حكمه حكم التولية فيما ذكرنا، ولكنه تولية بعض المبيع
ببعض الثمن . وتفصيل الكلام في القدر الذي تثبت فيه الشركة يعرف في
المطولات(٣).
المواضعة: والمواضعة كما عرفنا : هي بيع بمثل الثمن الأول مع نقصان معلوم
منه، وتطبق عليها شروط المرابحة وأحكامها(٤).
المبسوط: ٨٦/١٣، البدائع: ٢٢٥/٥ وما بعدها، فتح القدير: ٢٥٦/٥، الدر المختار: ١٦٣/٤.
(١)
(٢)
الدر المختار ورد المختار : ١٦٦/٤ وما بعدها .
(٣)
البدائع : ٢٢٦/٥ .
المصدر السابق : ص٢٢٨ .
(٤)
- ٧١٢ -
.t

- ٧ -
الإقالة
إذا كان البيع صحيحاً، لازماً: خالياً من الخيار، واتفق المتعاقدان على رفعه
وإنهائه، فيتم فسخه عن طريق الإقالة. والإقالة وإن كانت متفرعة عن البيع لأنها
أكثر ما تقع فيه، إلا أنها تجري في جميع العقود اللازمة ما عدا الزواج فهي بتعبير أعم :
عقد یرفع به عقد سابق(١).
وسنتكلم عن مشروعية الإقالة وتعريفها وركنها ثم عن ماهيتها وحكمها ، ثم عن
شروط صحتها .
مشروعية الإقالة وتعريفها وركنها : الإقالة مندوبة لقوله عليه الصلاة
والسلام عن أبي هريرة: ((من أقال نادماً بيعته، أقال الله عسرته يوم القيامة )) رواه
البيهقي. وفي رواية أبي داود: ((من أقال مسلماً ، أقال الله عثرته))(٢).
والإقالة لغة : الرفع. وشرعاً: رفع العقد ولو في بعض المبيع. مثل أن يبيع
إنسان مائة رطل من الحنطة بخمسين ليرة سورية، ويسلمها إلى المشتري، ثم يفترق
المتعاقدان، ثم يقول البائع للمشتري : ادفع إلي الثمن أو الحنطة التي دفعتها إليك،
فدفعها أو بعضها، فيكون ذلك فسخاً في المردود إلى البائع .
(١) راجع المدخل الفقهي للأستاذ الزرقاء: ف٢٩٠ .
(٢)
ورواه هكذا ابن ماجه وزاد ( يوم القيامة ) ورواه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال :
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ( انظر نصب الراية: ٣٠/٤، جامع الأصول: ٣٧١/١ ، سبل
السلام : ٣٣/٣) .
- ٧١٣ -

وركنها : الإيجاب من أحد العاقدين والقبول من الآخر.
وأما صيغة العقد فلا خلاف في أنه ينعقد بلفظ يعبر بها عن الماضي بأن يقول
أحد العاقدين : أقلت، ويقول الآخر: قبلت أو رضيت ونحوهما .
فإن كان أحد اللفظين يعبر به عن الماضي، والآخر عن المستقبل، كأن يقول
أحد العاقدين : أقلني ، فيقول الآخر: أقلتك ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ينعقد
كما هو المقرر في عقد النكاح إذ أنه في العادة ليس في الإقالة مساومة بخلاف البيع،
فيحمل اللفظ على الإيجاب.
وقال محمد: لا تنعقد الإقالة إلا بلفظين يعبر بها عن الماضي، كما في البيع؛ لأن
ركن الإقالة وهو الإيجاب والقبول، كركن البيع، والبيع لا ينعقد إلا بلفظين يعبر
بها عن الماضي.
ولا يتعين لفظ الإقالة وإنما تصح أيضاً بألفاظ أخرى مثل: فاسختك،
وتركت البيع، وتاركتك، ورفعت. وكذا تصح بالتعاطي ، ولو من أحد الجانبين،
كما في المبيع، كأن يقطع البائع القماش قميصاً بمجرد قول المشتري: ((أقلتك))(١).
ماهية الإقالة وحكمها : اختلف الفقهاء في ماهية الإقالة ، فقال المالكية
والظاهرية : إنها بيع ثان ؛ لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه،
فهي تتم إذاً بتراضي العاقدين ، يجوز فيها ما يجوز في البيوع ويحرم فيها ما يحرم في
(٢)
البيوع(٢).
وقال الشافعية والحنابلة: إنها فسخ؛ لأن الإقالة هي الرفع والإزالة ولأن المبيع
(١)
البدائع: ٥ ص٣٠٦، فتح القدير: ٥ ص٢٤٦ وما بعدها، الدر المختار: ٤ ص١٥١، درر الحكام لمنلاخسرو:
٢ ص١٧٨ .
(٢)
القوانين الفقهية: ص ٢٧٢ ، المحلى: ٩ ص٧.
- ٧١٤ -

عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع، فكان فسخاً، كالرد بالعيب(١) .
وأما الحنفية فاختلفوا فيما بينهم ، فقال أبو حنيفة رحمه الله ، وقوله هو الصحيح
عند الحنفية :
الإقالة فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق ثالث غيرهما ، سواء قبل
القبض أو بعده ، إلا إذا لم يمكن جعلها فسخاً فتبطل ، كأن تلد البهيمة المبيعة بعد
القبض لتعذر الفسخ بالزيادة المنفصلة . ودليله على أن الإقالة فسخ هو أنها رفع لغة
وشرعاً ، ورفع الشيء فسخه، وأما إنها بيع فلأن كل واحد من المتعاقدين يأخذ رأس
ماله ببدل، وهذا معنى البيع. إلا أنه لا يمكن إظهار معنى البيع في حق العاقدين
للتنافي (٣)، فأظهرناه في حق ثالث غيرهما . وعلى هذا، فمن اشترى داراً، ولها شفيع
فلم يطلب الشفعة بعد علمه بالبيع ، ثم أقال العاقدان البيع ، فيثبت للشفيع حق
طلب الشفعة ثانياً؛ لأن الإقالة عقد جديد في حقه وهو المراد بالشخص الثالث هنا .
وقال أبو يوسف : الإقالة بيع جديد في حق العاقدين وغيرهما ، إلا أن يتعذر
جعلها بيعاً، فتجعل فسخاً، كأن تقع الإقالة قبل القبض في مبيع منقول ؛ لأن بيع
المنقول قبل القبض لا يجوز، بخلاف العقار فإنه يجوز بيعه قبل القبض عنده وعند
أبي حنيفة، فإقالته بيع. ودليله أن معنى البيع هو مبادلة المال بالمال، وهو أخذ بدل
وإعطاء بدل، وقد وجد، فكانت الإقالة بيعاً لوجود معنى البيع فيها، والعبرة للمعنى
لا للصورة .
وقال محمد: الإقالة فسخ إلا إذا تعذر جعلها فسخاً، فتجعل بيعاً للضرورة ، كما
(١) المغني: ٤ ص١٢١ وما بعدها، غاية المنتهى: ٢ ص٥٢، مغني المحتاج: ٢ ص٩٦، قال النووي في المجموع
(٩ ص١٥٦): إذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب: وهي خيار المجلس، وخيار
الشرط، وخيار العيب، وخيار الخلف بأن كان شرطه كاتباً فخرج غير كاتب ، والإقالة والتحالف، وتلف
المبيع .
(٢)
أي لاختلاف البيع والإقالة في الاسم، لأن البيع إثبات، والرفع نفي، وبينهما تناف.
- ٧١٥ -

مثلنا أثناء بيان قول أبي حنيفة . ودليله أن الأصل في الإقالة الفسخ، لأنها عبارة عن
رفع الشيء لغة وشرعاً .
وقال زفر والشافعية والأكثرون من الحنابلة: إنها فسخ في حق الناس كافة(١) .
وتظهر ثمرة الاختلاف بين الحنفية فيما إذا تقايل العاقدان البيع بأكثر من الثمن
الأول أو بأقل أو بجنس آخر، أو أجّلا الثمن في الإقالة:
فعلى قول أبي حنيفة : تصح الإقالة بالثمن الأول ويبطل ما شرطه المتعاقدان من
الزيادة أو النقص أو الأجل، أو الجنس الآخر ، سواء أكانت الإقالة قبل القبض أم
بعدها؛ لأنها فسخ في حق العاقدين ، والفسخ رفع العقد، والعقد وقع بالثمن الأول،
فيكون فسخه بالثمن الأول ، ويبطل الشرط الفاسد، فإذا تقايل العاقدان على أكثر
من الثمن الأول أو أقل أو على جنس آخر، يلزم الثمن الأول لا غير.
والحكم هكذا على قول زفر؛ لأن الإقالة عنده فسخ محض في حق الناس كافة.
وعلى قول الشافعية والحنابلة : تبطل الإقالة في هذه الحالات بسبب الشرط الفاسد كما
في البيع. وعلى هذا فلا يجوز في الإقالة الزيادة ولا النقصان عند الحنفية والشافعية
والحنابلة؛ لأن الإقالة فسخ على أي حال. وقال مالك: الإقالة بيع، فيجوز فيها
الزيادة أو النقصان. كما إذا باع شيئاً بمئة دينار، ثم ندم البائع، فطلب من المشتري
رد المبيع على أن يدفع إليه عشرة دنانير مثلاً؛ لأن الإقالة حينئذ بيع مستأنف. ولا
يجوز عند مالك أن يشتري شيئاً بمئة دينار مثلاً إلى أجل، ثم ندم المشتري، فسأل
البائع الإقالة على أن يعطيه عشرة دنانير نقداً أو إلى أجل؛ لأن ذلك ذريعة إلى بيع
وسلف، كأن المشتري باع الشيء بتسعين، وأسلف البائع عشرة (٣). وأما إن كان البيع
البدائع: ٥ ص٣٠٦، فتح القدير: ٥ ص ٢٤٧، الدر المختار ورد المختار: ٤ ص١٥٤، القواعد لابن رجب:
(١)
ص٣٧٩، المراجع السابقة، الفرائد البهية في القواعد الفقهية للشيخ محمود حمزة: ص٦٨، الأشباه والنظائر
للسيوطي : ص١٥٢، المغني: ٤ / ١٢١ وما بعدها .
(٢)
بداية المجتهد: ٢ / ١٤٠.
- ٧١٦ -

الأول نقداً فلا خلاف في جواز ذلك .
وعلى قول أبي يوسف: تصح الإقالة بما ذكرا من الثمن ، وشرطا من الزيادة
والنقصان والأجل، لأنها بيع جديد .
وعلى قول محمد : إذا كانت الإقالة بغير الثمن الأول، أو بأكثر منه فهي بيع إذ
لا يمكن جعلها فسخاً؛ لأن شأن الفسخ أن يكون بالثمن الأول، وإن كانت بمثل الثمن
الأول أو أقل فهي فسخ بالثمن، ويبطل شرط النقصان، وكذلك إن أجل يبطل
الأجل(١).
شروط الإقالة : يشترط لصحة الإقالة شروط :
أولاً - رضا المتقايلين: وسبب هذا الشرط على رأي أبي يوسف ظاهر؛ لأن
الإقالة بيع عنده، والرضا شرط من شروط صحة البيوع. وأما على رأي جمهور
الحنفية، فلأن الإقالة فسخ العقد، والعقد وقع بتراضي العاقدين ، فكذا فسخه .
ثانياً - تقابض بدلي الصرف في مجلس إقالة عقد الصرف: وهذا واضح على
أصل أبي يوسف. وأما على أصل أبي حنيفة فلأن قبض البدلين إنما وجب حقاً لله
تعالى، والإقالة وإن كانت فسخاً في حق العاقدين فهي بيع جديد في حق ثالث،
وحق الشرع هنا بمثابة ثالث ، فتكون الإقالة بيعاً في حقه . .
ثالثاً - أن يكون محل العقد محتملاً للفسخ عند أبي حنيفة وزفر؛ لأن الإقالة
فسخ العقد عندهما، فإن لم يكن محتملاً للفسخ بأن ازداد زيادة تمنع الفسخ لا تصح
الإقالة .
وعند الصاحبين: لا يشترط هذا الشرط ؛ لأن الإقالة على أصل أبي يوسف بيع،
والزيادة تحتمل البيع ، فيظل محل العقد محتملاً للإقالة .
(١) البدائع: ٥ ص٣٠٧، فتح القدير: ٥ ص٢٤٩، الدر المختار: ٤ ص ١٥٥.
- ٧١٧ -

وأما على أصل محمد: فإن الإقالة وإن كانت فسخاً، لكن عند الإمكان ولا
إمكان هنا لأنه إذا حصلت زيادة في المبيع يتعذر الفسخ .
٠
رابعاً - قيام المبيع وقت الإقالة ؛ لأن الإقالة رفع العقد، والمبيع محله، فإن
كان هالكاً كله وقت الإقالة لم تصح، وإن هلك بعضه لم تصح الإقالة بقدره.
وأما قيام الثمن وقت الإقالة فليس بشرط .
١٠
وجه الفرق أن رفع البيع يستدعي قيام البيع ، فإن رفع المعدوم محال وقيام
البيع بالمبيع لا بالثمن ؛ لأن الأصل هو المبيع، ولهذا شرط وجوده عند البيع ، بخلاف
الثمن. فإذا هلك المبيع لم يبق محل حكم المبيع ، فلا تتصور الإقالة التي هي رفع حكم
البيع في الحقيقة، وإذا هلك الثمن فمحل حكم البيع قائم، فتصح الإقالة(١).
ويترتب على الإقالة احلال العقد وزوال آثاره أو ارتفاع حكمه .
الله تعالى
(١) البدائع: ٥ ص ٣٠٨ وما بعدها، فتح القدير: ٥ ص ٢٥٠ وما بعدها، الدر المختار: ٤ ص ١٥٧ .
- ٧١٨ -

الفصل الثاني
القرض
إن القرض في معناه العام يشبه البيع ؛ لأنه تمليك مال بمال(١) وهو أيضاً نوع من
السلف(٢). قال جماعة من العلماء: القرض نفس البيع ، لكن ذكر القرافي ثلاثة فروق
بين القرض والبيع ، فالقرض خولفت فيه ثلاث قواعد شرعية :
١ - قاعدة الربا: إن كان القرض في الأموال الربوية وهي المكيلات
والموزونات عند الحنفية والحنابلة في الأصح، والنقدان أو الاقتيات عند المالكية
والنقدية أو الطعم عند الشافعية .
٢ - وقاعدة المزابنة: وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، إن كان القرض في
غير المثليات كالحيوان ونحوه .
٣ - وقاعدة بيع ماليس عند الإنسان ، إن كان القرض في المثليات.
والسبب في هذه المخالفات هو مراعاة مصالح الناس والتيسير عليهم في القيام
بصنائع المعروف، ولذا يحرم القرض إن لم يكن القصد منه عمل المعروف كتحقيق
منفعة للمقرض مثلاً(٢).
(١)
البدائع : ٧ ص٢١٥ .
(٢)
المغني: ٤ ص٣١٣، الموافقات للشاطبي: ٤ ص٤٢ .
(٣)
الفروق وتهذيبه : ٤ ص٢ وما بعدها .
- ٧١٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٦)

والكلام عن القرض یظهر في بیان تعريفه ومشروعيته وعاقده وصیغته ، وحكم
الخيار فيه وما يصح فيه وحكمه وحكم القرض الذي يجر منفعة .
تعريف القرض : القرض لغة : القطع، وسمي المال المدفوع للمقترض قرضاً،
لأنه قطعة من مال المقرض ، تسمية للمفعول باسم المصدر.
واصطلاحاً عند الحنفية : هو ما تعطيه من مال مثلي لتتقاضاه. أو بعبارة
أخرى : هو عقد مخصوص يرد على دفع مال مثلي لآخر ليرد مثله(١).
مشروعيته : القرض جائز بالسنة والإجماع :
أما السنة - فما روى ابن مسعود أن النبي ◌ُؤالٍ قال: ((ما من مسلم يقرض مسلماً
قرضاً مرتين، إلا كان كصدقة مرة))(٣) وعن أنس قال: قال رسول الله منطقة: ((رأيت
ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر،
فقلت: يا جبريل، مابال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال: لأن السائل يسأل
وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة))(٣) وعن أبي رافع حديث سيأتي في
القرض الذي يجر منفعة .
وأجمع المسلمون على جواز القرض(٤).
عالى:
وهو مندوب إليه في حق المقرض، مباح للمقترض، للأحاديث السابقة، ولما .
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي عَ لّم قال: «من نفّس عن مسلم كربة من
(١)
الدر المختار: ٤ ص١٧٩، حاشية الدسوقي: ٣ ص٢٢٢.
رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي مرفوعاً وموقوفاً عن عبد الله بن مسعود. وفي رواية ابن
(٢)
ماجه في اسناده سليمان بن بشير وهو متروك، وعلى كل فله مؤيدات وشواهد كثيرة من القرآن والحديث
(راجع الترغيب والترهيب: ٢ ص ٤١، نيل الأوطار: ٥ ص٢٢٩).
رواه ابن ماجه والبيهقي عن أنس بن مالك وقد روى الطبراني والبيهقي قريباً من هذا اللفظ عن أبي أمامة
(٣)
رضي الله عنه (انظر مجمع الزوائد: ٤ ص١٢٦ ، الترغيب والترهيب، المرجع السابق).
المغني: ٤ ص٣١٣، مغني المحتاج: ٢ ص ١١٧ .
(٤)
- ٧٢٠ -