النص المفهرس
صفحات 681-700
علة ربا النسيئة : إن علة ربا النسيئة وهو ربا الجاهلية: هي أحد وصفي علة ربا الفضل: إما الكيل أو الوزن المتفق، أو الجنس المتحد(١)، ومثاله: أن يشتري إنسان صاعاً من القمح في زمن الشتاء بصاع ونصف يدفعهما في زمن الصيف، فإن ((نصف الصاع)) الذي زاد في الثمن ، لم يقابله شيء من المبيع، وإنما هو في مقابل الأجل فقط، ولذا سمي ربا النسيئة أي التأخير في أحد البدلين، فالزيادة في أحد العوضين في مقابلة ((تأخير الدفع)) سواء اتحد المقدار أم اختلف. وقد كان أهل الجاهلية إذا داين الرجل منهم أخاه، ثم حل أجل الدين، قال له : (إما أن تقضي أو تُربي)، فإما قضاه، وإما أجله وزاده شيئاً على رأس ماله، وفي هذا إرهاق للمدين ، وإضرار به؛ لأن الدين قد يستغرق ماله . وعلى هذا: إذا وجد القدر المتفق وحده كالحنطة بالشعير، أو الجنس المتحد وحده كتفاحة بتفاحتين، أو شعير بشعير، حرم النَّساء(٢)، ولو كان البدلان متساويين، حتى لو باع ملحاً بملح مثله إلى أجل ، لم يجز، لوجود اتحاد الجنس . وهكذا فإن حرمة ربا الفضل تتحقق بوصفين، وحرمة النَّساء بأحد الوصفين . وبما أن اتحاد الجنس كاف وحده لتحريم ربا النسيئة ، فلا يعتبر القدرهنا (وهو نصف صاع فأكثر) فلا يجوز بيع حفنة قمح بحفنتين إلى أجل، ولا تفاحة بتفاحتين، (١) البدائع: ١٨٣/٥، فتح القدير: ٢٧٩/٥، مختصر الطحاوي: ص ٧٥ . والمقصود بالقدر المتفق: أن يكون البدلان من فئة واحدة : إما فئة المكيلات أو فئة الموزونات . واما الجنس المتحد فمعناه أن يكون جنس أحد البدلين من جنس الآخر كحنطة مقابل حنطة أو ذهب مقابل ذهب مثلاً . الحكمة في أنه يجوز بيع مد حنطة بمدي شعير حالاً ولا يجوز نسيئة : هو أن البيع في الحالة الأولى لم يكن (٢) القصد منه : هو الاستغلال ، وإنما تأمين الحاجة ، وفي إلزامهم المساواة بالبيع إضرار بالناس ، وأما في الحالة الثانية فالبيع أقرب إلى القرض ، فهو مظنة لاستغلال الحاجة عند المحتاج ، وتكون الزيادة مقابل الأجل ، فيحرم النساء سدا لذريعة (( إما أن تقضي وإما أن تربي)). أما اذا بيعت الحنطة مثلا بالدرام نساء فذلك جائز لحاجة الناس إليه . - ٦٨١ - ولا بطّيخة ببطيختينٍ إلى أجل ونحوها ، لاتحاد الجنس ، بخلاف ربا الفضل كما بينا . فإذا انتفى الجنس كحفنة بر بحفنتي شعير، يحل في الأرجح البيع مطلقاً: حالاً ونسيئة، لعدم وجود علة كل منهما . وذكر عن الإمام محمد أنه حرم ذلك كله، وقال : كل شيء حرم في الكثير فالقليل منه حرام. حكمة التحريم : إن حكمة تحريم ربا النسيئة إجمالاً : هي ما فيه من إرهاق المضطرين ، والقضاء على عوامل الرفق والرحمة بالإنسان ، ونزع فضيلة التعاون والتناصر في هذه الحياة، واستغلال القوي لحاجة الضعيف، وإلحاق الضرر العظيم بالناس، فإذا صارت النقود محلاً للتعامل بزيادة ربوية، كالسلع العادية حالاً أو نسيئة، اختل معيار تقويم الأموال الذي ينبغي أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض. وإذا جاز ربا النسيئة في المطعومات ببيع بعضها ببعض لأجل ، اندفع الناس إلى هذا البيع، طمعاً في الربح، فيصبح وجود الطعام حالاً عزيز المنال، فيقع الضرر في أقوات العالم (١) : ربا المصارف : من ربا النسيئة: ما هو معروف اليوم في المصارف أو البنوك من إعطاء مال أو قرض مال لأجل بفائدة سنوية أو شهرية كسبعة في المئة أو خمسة أواثنين ونصف، فهو أكل لأموال الناس بالباطل. وإن مضار الربا متحققة فيه، فحرمته كحرمة الربا، وإثمه كإثمه(٣)، أي أنه ربا نسيئة، بدليل قوله تعالى: ﴿فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾. وقد أصبح الربا في عرف الناس اليوم، لا يطلق إلا على ربح المال عند تأخيره، وهو ربا النسيئة الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه . وأما ربا القياس لابن القيم: ص ١١٤ ، الفقه على المذاهب الأربعة: ٢٤٦/٢، أعلام الموقعين : ١٣٧/٢ وما بعدها ، الدر (١) المختار : ١٨٩/٤، فتح القدير: ٢٨٦/٥، ٢٧٨ . (٢) الفقه على المذاهب ، المرجع السابق : ٢٤٧ ، أصول البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع : ١١٨ . - ٦٨٢ - الفضل فهو نادر الحصول، وبه يظهر المقصود من الحديث السابق: ((إنما الربا في النسيئة)) وهو التنبيه على خطره وكثرة وقوعه، كما بينا سابقاً . الجنس المتحد والمختلف : يحرم كما بينا بيع الجنس بجنسه متفاضلين ، ويجوز التفاضل بين مختلفي الجنس عند الحنفية، إلا في لحم الطير، فيجوز بيع لحم الجنس الواحد منه، كالسُّماني والعصافير متفاضلاً، لأنه ليس مالاً ربوياً، إذ لا يباع وزناً ولا كيلاً، لكن يستثنى لحم الدجاج والإوز، لأنه يوزن عادة، فيحرم بيعه متفاضلاً. والضابط لاختلاف الجنس عند الحنفية: هو بحسب اختلاف الأصل كخل التمر مع خل العنب، ولحم البقر مع لحم الضأن ، أو باختلاف المقصود كشعر المعز وصوف الغنم، فإنه يختلف القصد من استعمال كل منهما في الصناعات ، أو بتبدل الصفة كالخبز مع الحنطة، فإن الخبز صار عددياً أو موزوناً، والحنطة مكيلة. وعلى هذا فتعتبر لحوم الإبل والبقر والغنم وألبانها أجناساً مختلفة، فيجوز التفاضل فيما بينها، والحنطة والشعير والذرة ونحوها أجناس مختلفة، والخبز مع الدقيق أو الحنطة جنسان، والشحم مع اللحم جنسان، والزيت مع الزيتون ، والزيت المطبوخ بغير المطبوخ، جنسان لاختلاف المقصود والغرض منها، وهكذا حسب الضابط المذكور(١). أدلة الحنفية : استدل الحنفية على أن علة الربا هي الكيل أو الوزن : بأن التساوي أو الماثلة في العوضين شرط في صحة البيع ، وحرمة الربا لوجود فضل مال خال عن العوض، وهذا يوجد في غير المنصوص عليه في الحديث السابق ، مثل الجص والحديد ونحوهما. والتساوي أو المماثلة بين الشيئين يكون باعتبار الصورة والمعنى. والقدر المتفق (وهو الكيل أو الوزن) يحقق المماثلة صورة، والجنس يحقق الماثلة (١) فتح القدير: ٢٩٧/٥ وما بعدها ، الدر المختار ورد المختار: ١٩٣/٤ وما بعدها . - ٦٨٣ - معنى؛ لأن المجانسة في الأموال عبارة عن تقارب المالية، فالقفيز يماثل القفيز(١)، والدينار يماثل الدينار، فيكون القفيز الزائد فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة، فكان ربا، وهذا المعنى لا يخص المطعومات والأثمان، بل یوجد في کل مکیل یباع بجنسه، وموزون يبادل بمثله(٢). وبعبارة أخرى: إن المراد من الحنطة مثلاً في الحديث السابق هو أنها مال متقوم، لأن البيع لا يصح إلا على مال متقوم؛ ولا يعلم ماليتها، إلا بالكيل، فصارت صفة الكيل ثابتة بمقتضى النص ، فكأنه عليه السلام قال : الذهب الموزون بالذهب، والحنطة المكيلة بالحنطة. وإذا كان المطلوب للتخلص من الربا هو المماثلة بين العوضين ، فإن الماثلة في الكيل أو الوزن هي طريق الخلاص من الحرام، والحفنة والتفاحة لا تقبل المماثلة، فلم تكن من أموال الربا (٣) أي ربا الفضل، لا ربا النسيئة فإنها من أموال الربا فيها . ويلاحظ أن الحنطة كلها على اختلاف أنواعها وأوصافها وبلدانها جنس واحد، وكذلك الشعير ودقيقهما، وكذلك التمر، والملح، والعنب، والزبيب، والذهب، والفضة، فلا يجوز بيع كل مكيل أو موزون من ذلك بجنسه متفاضلاً في الكيل أو الوزن، وإن تساويا في النوع والصفة (٤). ٢ - مذهب المالكية: قال المالكية في ظاهر المذهب : علة تحريم الزيادة في الذهب والفضة هي النقدية (أي الثمنية)، أما في الطعام: فإن العلة عندهم تختلف بين ربا النسيئة وربا الفضل . القفيز : مكيال ، وهو ثمانية مكاكيك والمكوك : صاع ونصف . (١) (٢) المبسوط : ١١٦/١٢، البدائع: ١٨٤/٥، فتح القدير : ٢٧٧/٥ . (٣) مصادر الحق السنهوري : ١٨٠/٣. البدائع : ١٨٧/٥، المبسوط: ١٢٢/١٢. (٤) - ٦٨٤ - فالعلة في تحريم ربا النسيئة : هي مجرد المطعومية على غير وجه التداوي ، سواء وجد الاقتيات والادخار ، أو وجد الاقتيات فقط ، أولم يوجد واحد منهما ، مثل أنواع الخضر من قاء وبطيخ وليمون وخس وجزر ، وقلقاس ، وأنواع الفاكهة الرطبة كالتفاح والموز . وأما العلة في تحريم ربا الفضل فهي أمران: الاقتيات والادخار، أي أن يكون الطعام مقتاتاً أي أن الانسان يقتات به غالباً بحيث تقوم عليه بنيته، بمعنى أنه لو اقتصر عليه يعيش بدون شيء آخر، دون أن تفسد البنية كالحبوب كلها والتمر والزبيب واللحوم والألبان وما يصنع منها . وفي معنى الاقتيات: إصلاح القوت كملح ونحوه من التوابل والخل والبصل والثوم والزيت . ومعنى كونه صالحاً للادخار: أنه لا يفسد بتأخيره مدة من الزمن، لا حد لها في ظاهر المذهب، وإنما بحسب الأمد المبتغى منه عادة في كل شيء بحسبه، فالمرجع فيه إلى العرف دون تحديد بمدة ستة أشهر أو سنة ، كما رأى بعضهم . ودليلهم على أن هذه هي علة تحريم الربا: هو أنه لما كان حكم التحريم معقول المعنى في الربا وهو ألا يغبن بعض الناس بعضاً، وأن تحفظ أموالهم ، فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش: وهي الأقوات، كالحنطة والشعير والأرز والذرة والكِرسَنَّة والتمر والزبيب، والبيض، والزيت، والبقول السبعة: وهي (العدس، واللوبيا، والحِمّص، والتُرْمس، والفول، والجُلْبان، والبسلة)(١). وأما اتفاق الجنس واختلافه فيلاحظ أن الامام مالك يعتبر القمح والشعير والسُّلْت (وهو نوع من الشعير ليس له قشر) صنفاً واحداً، وأن الذرة والدُّخن والأرز صنف واحد ، وأن القَطَاني أو البقول كالفول والعدس والحمص وشبه ذلك كلها صنف واحد، وعلى هذا لا يجوز التفاضل بين القمح والشعير، ويجوز بين القمح (١) المنتقى على الموطأ: ١٥٨/٤، بداية المجتهد: ١٣١/٢، حاشية الدسوقي : ٤٧/٣، الحطاب: ٣٤٦/٤ ، الفقه على المذاهب الأربعة : ٢٥١/٢ . - ٦٨٥ - والذرة . وأما اللحوم عند مالك فهي ثلاثة أصناف : فلحم ذوات الأربع صنف، ولحم الطيور صنف، ولحم الحيتان صنف(١). ٣ - مذهب الشافعية : قال الشافعية: العلة في الذهب والفضة: هي النقدية أو الثمنية، أي كونها أثماناً للأشياء، سواء أكانا مضروبين، أم غير مضروبين (مسكوكين)، ولا أثر لقيمة الصنعة في الذهب والفضة ، فلو اشترى رجل بدنانير ذهباً مصوغاً قيمته أضعاف الدنانير، اعتبرت الماثلة في الكمية ، ولا نظر إلى القيمة . والمقصود بعلة الربا في الذهب والفضة على المعتمر هو جنسية الأثمان غالباً ، وهي منتفية عن الفلوس ( وهي القروش وغيرها المصنوعة من معادن غير الذهب والفضة كالنيكل والبرونز والنحاس ) وغيرها من سائر عروض التجارة ، لا أنها قيم الأشياء ؛ لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا وليس مما يقوم بها، واحترز بغالباً: عن الفلوس إذا راجت فإنه لا ربا فيها . ولا أثر لقيمة الصنعة في ذلك ، حتى لو اشترى بدنانير ذهباً مصوغاً ، قيمته أضعاف الدنانير ، اعتبرت المماثلة ، ولا نظر إلى القيمة . وبما أن الفلوس ومنها النقود الورقية الحالية أصبحت هي أثمان الأشياء غالباً ، فإني أرى جريان الربا فيها ، وهو الموافق لمذهب الحنفية . وأما العلة في الأصناف الأربعة الباقية، فهي الطعمية - بضم الطاء، أي كونها مطعومة . والمطعوم يشمل أموراً ثلاثة : أحدها : ما قصد للطعم والقوت كالبُر والشعير، فإن المقصود منهما التقوت أي الأكل غالباً، ويلحق بها ما في معناهما كالفول والأرزّ والذرة والحمص والترمس ونحوها من الحبوب التي تجب فيها الزكاة . القوانين الفقهية : ص ٢٥٣ . (١) - ٦٨٦ - ثانيها : أن يقصد به التفكه، وقد نص الحديث على التر، فيلحق به ما في معناه، كالزبيب والتين . ثالثها : أن يقصد به إصلاح الطعام والبدن : أي للتداوي . وقد نص الحديث على الملح، فيلحق به ما في معناه من الأدوية القديمة كالسنامكي والسقمونيا والزنجبيل ، ونحوها من العقاقير المتجانسة كالحبة اليابسة . وعلى هذا فلا فرق بين ما يصلح الغذاء أو يصلح البدن ، فإن الأغذية لحفظ الصحة، والأدوية لرد الصحة. وبه يكون المطعوم: كل ما قصد للطعم ( أي الأكل غالباً) اقتياتاً أو تفكهاً أو تداوياً. وتكون علة الربا عند الشافعية هي : الطعم أو النقدية؛ أما ما ليس بطعم كالجبس أو الحديد، فإنه يصح بيعه بجنسه متفاضلاً ، كعروض التجارة، لأنها أي المذكورة كلها ليست أثماناً . ودليلهم : أن الحكم إذا علق باسم مشتق دلّ على أن المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم ، مثل قوله سبحانه: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ﴾ ففهم أن السرقة هي علة قطع اليد، وإذا كان هذا هو المقرر، فقد جاء من حديث سعيد بن عبد الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله مُ المه يقول: ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل))(١) فتبين أن الطَّعم هو علة الحكم، لأن الطعام مشتق من الطعم، فهو يعم المطعومات، وهذا وصف مناسب، لأنه ينبئ عن زيادة الخطر (أي الأهمية) في الأشياء الأربعة التي نص عليها الحديث ؛ لأن حياة النفوس بالطعام. وكذلك الثمنية معنى مناسب، لأنه ينبئ عن زيادة خطر، وهو شدة الحاجة إلى النقدين (الذهب والفضة) أوما يقوم مقامهما من النقود الورقية ، وفقاً للتخريج والتصحيح الذي رأيته ، خلافاً للمعتمد في المذهب الشافعي في العرف الماضي . أما القدر الذي قال به الحنفية، فلا ينبئ عن زيادة خطر في الأشياء . (١) رواه مسلم وأحمد عن معمر بن عبد الله (راجع نصب الراية: ٣٧/٤، التلخيص الحبير: ص ٢٣٥، نيل الأوطار : ١٩٣/٥). الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٤) - ٦٨٧ - وعلى هذا : إذا بيع الطعام بالطعام أو النقد بالنقد، حالة اتجاد الجنس كحنطة بحنطة، وفضة بفضة ، مضروبين كانا أو غير مضروبين كالحلي والتبر، اشترط في صحة البيع ثلاثة أمور: الحلول ((بأن لا يذكر في العقد أجل مطلقاً)» والماثلة يقيناً بحسب المعيار الشرعي ((وهو الكيل فيا يكال .. . الوزن فيما يوزن، بحسب عادة أهل الحجاز في عهد الرسول عليه السلام، وفي غير ذلك تعتبر عادة بلد البيع حالة البيع)» والتقابض ((أي القبض الحقيقي للعوضين مطلقاً)) قبل التفرق من المجلس . واشتراط التقابض زيادة عما اشترطه الحنفية من المساواة في العينية أي تعيين كل من البدلين، سواء في حالة اتفاق الجنس أو اختلاف الجنس، لقوله عليه السلام ((يداً بيد)» في كل من الحالتين . فإذا اختلف الجنس كحنطة وشعير جاز التفاضل، ويشترط الحلول والتقابض قبل التفرق. قال مع الإ فيما رواه مسلم: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد؛ فإذا اختلفت هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)» أي مقابضة، ويؤخذ من ذلك اشتراط الحلول. فإذا بيع الطعام بغيره كنقد أو ثوب، أو غير الطعام بغير الطعام، وليسا نقدين، كحيوان بحيوان ، لم يشترط شيء من الشروط الثلاثة السابقة، أي فلا ربا فيه . والسبب في أنه لا ربا في الحيوان مطلقاً: هو أنه لا يعد للأكل على هيئته، وقد اشترى ابن عمر رضي الله عنهما بعيرً ببعيرين بأمره انه(١). اتحاد الجنس واختلافه: كل شيئين متفقين في الاسم الخاص من أصل الخلقة كتمر وتين من نوعين، أو متحدين في أصلهما كدقيق من حنطتين: هما جنس واحد عند الشافعية، وكل شيئين مختلفين في الاسم من أصل الخلقة كالحنطة والشعير والتمر (١) مغني المحتاج: ٢٢/٢ - ٢٥، حاشية قليوبي وعميرة: ١٦٧/٢ وما بعدها، حاشية الشرقاوي: ٣٢/٢ وما بعدها ، المهذب : ٢٧٢/١ . - ٦٨٨ - والزبيب، أو متخذين من أصلين مختلفين كأدقة الأصول المختلفة الجنس وخلوها وأدهانها واللحوم والألبان ، هما جنسان مختلفان. وعلى هذا فدقيق البر ودقيق الشعير، وخل التمر وخل العنب، ولحم البقر ولحم الضأن، ودهن الجوز ودهن اللوز، ولبن البقر ولبن الضأن، والإنسي من البقر والوحش، هما جنسان مختلفان يجوز بيعهما مع التفاضل، وبيوض الطيور أجناس، والكبد والطحال والقلب والكرش والرئة والمخ: أجناس، وإن كانت من حيوان واحد لاختلاف أسمائها وصفاتها ، وشحم الظهر والبطن واللسان والرأس والأكارع: أجناس، والبطيخ الأصفر والأخضر والخيار والقثاء: أجناس، وأما الطيور: فالعصافير على اختلاف أنواعها جنس، والبطوط جنس، وأنواع الحمام جنس واحد على الأصح(١). ٤ - مذهب الحنابلة : في هذا المذهب ثلاث روايات بالنسبة لعلة الربا: أشهرها مثل مذهب الحنفية : وهي أن الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس هو علة الربا، فيجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه، مطعوماً كان أو غير مطعوم، كالحبوب والأشنان والنُّورة والقطن والكتان والصوف والحناء والعصفر والحديد والنحاس ونحوها، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله تع الى: « لا تبيعوا الدينار، بالدينارين ، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرِّماء)) (والرماء: هو الربا) فقام إليه رجل فقال: ((يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد))(٢) مغني المحتاج : ٢٣/٢ وما بعدها، المهذب: ٢٧٢/١ . (١) (٢) رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه ، قال الهيثمي: وفيه أبو جناب وهو ثقة ولكنه مدلس ( راجع جامع الأصول: ٤٦٩/١، مجمع الزوائد: ١١٣/٤، نصب الراية: ٥٦/٤). - ٦٨٩ - وروى أنس أن النبي ◌ُّ الّ قال: ((ما وزن مثلا بمثل، اذا كان نوعاً واحداً، وما كيل فمثل ذلك ، فاذا اختلف النوعان ، فلا بأس به))(١). ٠ الا أن الحنابلة خلافاً للحنفية قالوا: يحرم ربا الفضل في كل مكيل أو موزون بجنسه، ولو كان قليلاً كتمرة بتمرة، وما دون الأرزة من نقد ((ذهب أو فضة))، لا في ماء، ولا فيما لا يوزن عرفاً : لصناعته من غير ذهب أو فضة، كمعمول من نحاس أو حدید أو قطن ونحوه . والرواية الثانية : كمذهب الشافعية . والرواية الثالثة : العلة فيما عدا الذهب والفضة: كونه مطعوماً إذا كان مكيلاً أو موزوناً، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالتفاح والرمان والخوخ والبطيخ والكمثرى والسفرجل والإجاص والخيار والجوز والبيض، ولا فيما ليس بمطعوم كالزعفران والأشنان والحديد والرصاص ونحوه. وهذا قول سعيد بن المسيب كما قدمنا (٢). ودليله قوله عليه السلام: ((لا ربا إلا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب))(٣). اتحاد الجنس واختلافه : مذهب الحنابلة في هذا الموضوع مثل مذهب الشافعية، فإنهم قالوا (٤) : كل نوعين اجتمعا في اسم خاص، فهما جنس واحد كلأنواع التمر، وكل شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم الشرع بتحريم التفاضل، وإن اختلفت الأنواع، لقوله ◌ِّؤالٍ: ((التمر بالتمر مثلاً بمثل)) فاعتبر المساواة في جنس التمر، ثم قال: ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم)) وفي لفظ ((فإذا اختلف الجنسان .. )) وفي لفظ ((إلا ما اختلفت ألوانه)). رواه الدارقطني عن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك (راجع نيل الأوطار : ١٩٣/٥). (١) (٢) المغني: ٣/٤ - ٥، أعلام الموقعين: ١٣٦/٢ وما بعدها، غاية المنتهي: ٥٤/٢ . رواه الدارقطني في سننه عن سعيد بن المسيب أن رسول الله مَ افل قال: ((لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما (٣) يكال ، أو يوزن ، أو يؤكل ، أو يشرب )) وهو حديث مرسل . ورواه البيهقي موقوفاً على ابن المسيب ( انظر نصب الراية : ٣٦/٤ ). راجع المغني: ٢٠/٤ ، غاية المنتهى : ٥٥/٢ . (٤) - ٦٩٠ - فإن كان المشتركان في الاسم الخاص من أصلين مختلفين، فهما جنسان ، أي أن كل شيئين أصلهما واحد، فهما جنس واحد، وإن اختلفت مقاصدهما خلافاً للحنفية. وعلى هذا فالتمور كلها جنس واحد؛ لأن الاسم الخاص يجمعها، ودهن الورد والبنفسج والزئبق ودهن الياسمين المأخوذ من أصل واحد وهو الزيت أو الشيرج: جنس واحد(١)، والأدقة والأخباز والخلول والأدهان واللحم واللبن والجبن والسَمْن وعصير الأشياء المختلفة، كلها أجناس مختلفة باختلاف أصولها، ودقيق الحنطة ودقيق الشعير جنسان، وكذا أنواع الزيوت من الزيتون والقطن، والأدهان من السمك والشَّيْرج والبزر ونحوها : أجناس مختلفة . ٥ - مذهب الظاهرية : قال الظاهرية وأبو بكر بن الطيب : الربا غير معلل ، وهو مخصص بالمنصوص عليه فقط(٢)، وذلك لأنهم ينكرون القياس، وقد بين الشارع أن الربا يجري في الأصناف الستة ، فيبقى ما عداها على الأصل وهو الإباحة . والخلاصة : أن العلة في تحريم التفاضل في الطعام عند الحنفية والحنبلية الكيل والوزن ، وعند مالك الاقتيات والادخار، وعند الشافعي: الطعمية . وأما جواز الزيادة في غير النقدين والمطعومات عند المالكية والشافعية أو غير المكيل والموزون عند الحنفية والحنابلة فلأنها لا تمس حياة الناس الضرورية، سواء في أقواتهم أم في نشاطهم الاقتصادي، إذ أن الطمع في الربح لا يؤدي إلى إلحاق الضرر الکبیر بهم . (١) أما عند الحنفية: دهن البنفسج ودهن الورد ، وإن كان أصلهما واحداً لكن المقصود منهما مختلف ، فهما جنسان ، فيجوز بيع أحدهما بالآخر مع التفاضل بينهما ، كالزيت مع الزيتون ، والشيرج مع السمسم ، والزيت المطبوخ بغير المطبوخ ، يجوز التفاضل بينهما وزناً لاختلاف أجناسها ، فلو اتحد الجنس لم يجز متفاضلاً ( الدر المختار : ١٩٤/٤ ) . (٢) راجع المحلى لابن حزم : ٤٦٨/٨ . - ٦٩١ - ترجيح : قال ابن رشد المالكي: ولكن إذا تؤمل من طريق المعنى ظهر - والله أعلم - أن علة الحنفية أولى العلل وذلك أنه يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا: إنما هو المكان الغبن الكثير الذي فيه، وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي ، ولذلك لما عسر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة الذوات ، جعل الدينار والدرهم لتقويمها ((أعني تقديرها))، ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات ((أعني غير الموزونة والمكيلة كالثياب)»: العدل فيها إنما هو في وجود النسبة أعني أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين إلى جنسه كنسبة قيمة الشيء الآخر إلى جنسه . فإذاً اختلاف هذه المبيعات بعضها ببعض في العدد واجب في المعاملة العدلة، والعدل في المكيلات والموزونات إنما هو بوجود التساوي في الكيل أو الوزن(١). إلا أن هذا الرأي وسع كثيراً من نطاق دائرة الربا باجتهاد لا يؤيده العقل والنقل . وقد رجح ابن القيم مذهب الإمام مالك في أن علة الربا هي القوت والادخار فيما يتعلق بغير النقدين. وأما النقدان فالعلة فيهما الثمنية كما قال الشافعية، إذ لو كان النحاس والحديد رِبو یین لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقداً، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النِّساء أي التأخير. وأيضاً فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة ، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض ، حتى لا تفسد معاملات الناس، ويقع الاختلاف، ويشتد الضرر، فلا تكون الدراهم والدنانير مجالاً صالحاً للتجارة (٢). ورجح الأستاذ السنهوري مذهب الشافعي في علة الربا، لأنه نظر إلى اعتبار بداية المجتهد : ١٣١/٢ . (١) (٢) أعلام الموقعين : ١٣٧/٢. - ٦٩٢ - اجتماعي اقتصادي ، فنفذ بذلك إلى لب الموضوع ووقف عند المعنى البارز الذي ينبغي الوقوف عنده. أما اعتبار الحنفية فهو اعتبار منطقي أقرب إلى الشكل منه إلى (١) الجوهر(١). أصول الربا : قال ابن رشد : أصول الربا خمسة : أنظرني أزدك ، والتفاضل ، والنَّسَاء ، وضع وتعجل ، وبيع الطعام قبل قبضه ، وبما أنه عرفنا هذه الأصول ما عدا قاعدتين فقد وجدنا ضرورة لشرحهما . قاعدة ((أنظرني أزدك)»: حرام باتفاق العلماء: وهي : أن يكون للرجل دين عند آخر، فيؤخره به على أن يزيده في قدر الدين ، وذلك كان ربا الجاهلية، سواء أكان الدين طعاماً أم نقداً ، وسواء أكان من سلف أم بيع أم غيرهما . ووسيلة ذلك أن يبيع الدائن للمدين سلعة بثمن مؤجل إلى وقت معين يشتمل الثمن على زيادة عن الثمن النقدي . قاعدة ((ضع وتعجل)»: حرام أيضاً عند أئمة المذاهب الأربعة؛ لأن نقص ما في الذمة لتعجيل الدفع شبيه بالزيادة ؛ لأن المعطي جعل للزمان مقداراً من الثمن بدلاً منه . ومعنى القاعدة: أن يكون لشخص على آخر دين لم يحل ، فيعجله قبل حلوله على أن ينقص منه. ومثل ذلك أن يعجل بعضه ويؤخر بعضه إلى أجل آخر، وأن يأخذ قبل الأجل بعضه نقداً وبعضه عرضاً(٢). ويجوز ذلك كله بعد الأجل باتفاق، ويجوز أن يعطيه في دينه المؤجل عرضاً قبل الأجل وإن كانت قيمته أقل من (٣) دینه(٣). (١) مصادر الحق : ١٨٤/٣ . النقد : الذهب والفضة أو ما يحل محلهما من الأوراق النقدية ، والعرض ما سوى ذلك من السلع والأمتعة . (٢) (٣) القوانين الفقهية: ص ٢٥٢، ٢٨٩، بداية المجتهد: ١٢٧/٢، ١٤٢، أعلام الموقعين : ١٣٥/٢، الربا والمعاملات في الإسلام للشيخ رشيد رضا : ص ٧٠ . - ٦٩٣ - المطلب الرابع - ما يترتب على الاختلاف في علة الربا يترتب على الاختلاف في علة الربا بين الحنفية والشافعية أمور كثيرة ، منها ما يتعلق بربا الفضل ، ومنها ما يتعلق بربا النسيئة . أما ما يتعلق بربا الفضل ، فيظهر أثر الخلاف فيما يأتي : اً - في بيع مطعوم بجنسه غير مقدر: أي ((غير مكيل ولا موزون))، كبيع حفنة حنطة بحفنتين منها ، أو بطيخة ببطيختين ، أو تفاحة بتفاحتين، أو بيضة بيضتين ، أو جوزة بجوزتين أو أكثر ونحو ذلك ، يجوز هذا عند الحنفية لعدم العلة : وهي القَدْر، إذ لا تقدير في الشرع بأقل من نصف صاع بالنسبة للمكيلات، وأما في الموزون : وهو الذهب والفضة، فلا تقدير بما دون الحبة، إذ لاقيمة له(١). ولا يجوز ذلك عند الشافعية لوجود علة الربا عندهم وهي الطُّعم؛ لأن الأصل عندهم هو تحريم بيع المطعومين ببعضهما، أخذاً من حديث: ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل )) والمساواة بين المطعومين في البيع مُخَلِّص من الحرمة، فما لم تثبت المساواة كانت الحرمة ثابتة، لأنها هي الأصل ، فلا يجوز بيع الحفنة بالحفنتين ونحوهما . والتعليل بالقدر عند الحنفية يقتضي تخصيص نص الحديث السابق: ((البر بالبر مثلاً بمثل ... ))(٣) فيجوز عندهم بيع الحفنة بالحفنتين ونحوهما . ٢ - في بيع مقدّر بمقدَّر غير مطعوم : أي بيع مكيل بجنسه غير مطعوم ، أو موزون بجنسه غير مطعوم ولا نقد ، كبيع قفيز جص بقفيزي جص ، أو رطل حديد برطلين منه ونحوهما . فلا يجوز ذلك عند الحنفية لوجود علة الربا، وهي الكيل مع الجنس في بيع المبسوط: ١١٤/١٢، فتح القدير: ٢٧٨/٥ وما بعدها، البدائع: ١٨٥/٥، رد المحتار: ١٨٨/٤. (١) (٢) فتح القدير : ٢٧٦/٥ . - ٦٩٤ - الجص، أو الوزن مع الجنس في بيع الحديد(١). ويجوز ذلك عند الشافعية لعدم وجود علة الربا، وهي الطّعم أو الثمنية. واتفق الحنفية مع الشافعية على أنه لو باع قفيز (٣) أرز بقفيزي أرز لا يجوز، لوجود الكيل مع الجنس عند الحنفية، ولوجود الطعم مع الجنس عند الشافعية . واتفقوا أيضاً على أنه إذا باع رطل زعفران (٣) برطلين منه، أو رطل سكر برطلين من السكر: لا يجوز لوجود الوزن والجنس عند الحنفية، ولوجود الطعم والجنس عند الشافعية . واختلف الفقهاء فيما يتعلق بشرط الجنس في بعض النواحي المتعلقة بتحققه ، منها ما يأتي : ٦ - بيع الدقيق بمثله أو بالحب : قال الحنفية : لا يصح بيع الدقيق المأخوذ من جنس بجنسه، فلا يصح بيع الدقيق المأخوذ من القمح بالقمح، وكذا المأخوذ من الذرة بالذرة وهكذا ، سواء أكانا متساويين أم لا ؛ لأن التساوي في مثل ذلك غير محقق. أما بيع الدقيق المأخوذ من جنس بغير جنسه، فإنه يصح كالدقيق المأخوذ من القمح إذا بيع بالشعير، فإنه يصح، لاختلاف الجنس متى كان يداً بيد. وأما بيع الدقيق بالدقيق المتحد الجنس ، فإنه يجوز بشرط التساوي في الكيل والنعومة والخشونة . المبسوط: ١١٤/١٢، البدائع: ١٨٥/٥، فتح القدير: ٢٧٩/٥ ، الدر المختار: ١٨٨/٤. (١) القفيز مكيال يبلغ حوالي ٢٧,٨١٧ كيلو غراماً ، والجريب : مكيال قدره أربعة أقفزة . والقفيز في المساحة من (٢) الأرض عشر الجريب ، والجريب عشرة آلاف ذراع. الزعفران غير العصفر. فالأول من نبات أصفر الزهر له أصل كالبصل . والثاني من نبات معروف له زهر (٣) برتقالي في وعاء له شوك ناعم . - ٦٩٥ - ويجوز بيع الخبز بالحنطة أو بالدقيق وبالعكس متساوياً ومتفاضلاً؛ لأن الخبز صار بالصنعة جنساً مختلفاً مع الحنطة، حتى خرج من أن يكون مكيلاً، والحنطة والدقيق مكيلان ، فلم يجمع بين الخبز والحنطة أو الدقيق القدر ولا الجنس، فجاز بيع أحدهما بالآخر نسيئة ، ولا يشترط فيه التقابض، وإنما يشترط التعيين(١). وقال المالكية: لا يصح بيع الحب والدقيق، أحدهما بالآخر، إلا مثلاً بمثل بدون زيادة، فلو باع قمحاً بدقيق مأخوذ منه، فإنه يصح إذا كانا متساويين بالوزن . فإذا اختلف الجنس، كأن باع دقيقاً من الذرة بحب من القمح، فإنه يصح بيعه متفاضلاً بشرط التقابض في المجلس . وكذلك يصح بيع الخبز بالحنطة؛ لأن صنعة الخبز جعلته جنساً منفرداً. وأما بيع الدقيق بمثله فلا يصح مطلقاً(٣). وقال الشافعية : لا يصح بيع دقيق بجنسه، فلا يصح بيع دقيق الحنطة بدقيق الحنطة مثلاً، لانتفاء المماثلة اليقينية بينهما ، بسبب النعومة الطارئة عليه، إذ قد يكون أحد البدلين أنعم من الآخر، فلا ينكبس في الكيل . و کذلك لا یصح بيع دقیق الحنطة محب الحنطة، کما لا يصح بيع الخبز بها، ويصح بيع الخبز ببعضه، والدقيق ببعضه، إذا اختلف الجنسان، كأن يكون خبز قمح بخبز شعير أو دقيق قمح بدقيق ذرة، لاختلاف الجنس(٣). وقال الحنابلة: لا يصح بيع الدقيق بالحب المأخوذ منه مطلقاً، لأنه يشترط البدائع: ١٨٩/٥، فتح القدير: ٢٨٨/٥ وما بعدها، الدر المختار ورد المختار: ١٩٤/٤ وما بعدها، الفقه على (١) المذاهب : ٢٥٤/٢ . بداية المجتهد: ١٣٦/٢، حاشية الدسوقي: ٥٣/٣، الفقه على المذاهب: ٢٥٣/٢. (٢) (٣) المهذب : ٢٧١/١ ، مغني المحتاج: ٢٣/٢، الفقه على المذاهب، ٠.٢٥٥/٢ - ٦٩٦ - التساوي في بیع الجنس الواحد ببعضه، ولا يصح بيع الخبز بالحب المأخوذ منه، کما لا یصح بيعه بدقيقه . وأما بيع الدقيق بمثله من نفس الجنس ، فإنه يجوز كيلاً كما يقول الحنفية، بشرط التساوي في النعومة(١). والخلاصة : أن في بيع الدقيق بمثله رأيين : رأي يجيز ذلك : وهم الحنفية والحنابلة . ورأي لا يجيز ذلك: وهم المالكية والشافعية . ٢ - بيع الحيوان بلحم : قال أبو حنيفة وأبو یوسف : يجوز بيع حیوان یؤکل بلحم من جنسه، لأنه بيع ماهو موزون بما ليس بموزون ، وهو جائز كيفما كان بشرط التعيين(٢). وقال الأئمة الثلاثة غير الحنفية : لا يجوز بيع حيوان يؤكل بلحم من جنسه، فلا يجوز بيع شاة مذبوحة بشاة حية يقصد منها الأكل(٣) لما روى سعيد بن المسيب أن رسول الله م ◌ّ نهى عن بيع الحيوان باللحم(٤) وروي عن النبي ◌ُ ◌ّل أنه نهى أن يباع حي بميت(٩)؛ ولأن اللحم نوع فيه الربا ، بيع بأصله الذي فيه منه، فلم يجز كبيع المغني : ٢٤/٤، الفقه على المذاهب : ٢٥٥/٢ . (١) (٢) فتح القدير: ٢٩٠/٥، الدر المختار: ١٩٢/٤، البدائع: ١٨٩/٥. بداية المجتهد: ١٣٦/٢، حاشية الدسوقي: ٥٤/٣، المهذب: ٢٧٢/١، مغني المحتاج: ٢٩/٢ ، المغني: ٣٢/٤ ، (٣) أعلام الموقعين : ١٤٥/٢ : رواه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب مرسلاً ، وله شواهد عن ابن عمر عند البزار، وعن الحسن عن سمرة (٤) عند الحاكم والبيهقي وابن خزيمة وله لفظ آخر: ((نهى عن بيع الحي بالميت)) قال في نيل الأوطار: ٢٠٣/٥ : ((ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه)) (راجع جامع الأصول: ٤١٣/١، نصب الراية: ٣٩/٤ ) . (٥) رواه البيهقي عن رجل من أهل المدينة ، قال البيهقي: وهذا مرسل يؤكد مرسل ابن المسيب أي الحديث السابق ( راجع نصب الراية : ٣٩/٤ ) ./ - ٦٩٧ - ٠٠ ٠٠. السّمسِم بالشَّيْرَج، للجهل بالمماثلة فيما تطلب فيه الماثلة، والجهل بالماثلة كحقيقة المفاضلة١ وأما ما يترتب على الاختلاف في ربا النسيئة بين الشافعية والحنفية فيظهر فيما يأتي : أولاً - بعض الخلافات ترجع إلى أصل الخلاف في علة الربا التي هي عند الحنفية كما عرفنا الكيل أو الوزن ، وعند الشافعية : الطعم . إذا باع شخص قفيز حنطة بقفيز شعير نسيئة مؤجلة ، أو ديناً موصوفاً في الذمة غير مؤجل(٢) : لا يجوز بالاتفاق، لوجود علة ربا النسيئة: وهي أحد وصفي علة ربا الفضل وهو هنا الكيل عند الحنفية، والطعم عند الشافعية . وتظهر ثمرة الخلاف في حالتين :· ١ - في بيع غير المطعوم: إذا باع قفيز حص بقفيز نورة(٣) مؤجلاً عن طريق السَّلَم ، أو غير مؤجل عن طريق البيع ديناً في الذمة : لا يجوز عند الحنفية لوجود الكيل ، وعند الشافعية : يجوز لعدم الطعم . عالـ ولو أسلم رطل حديد برطلي حديد : لا يجوز عند الحنفية لوجود الوزن المتفق لكونها موزونين، وعند الشافعية يجوز لعدم الطعم أو الثمنية . ولو باع رطل سكر برطل زعفران ديناً في الذمة: لا يجوز بالاتفاق لوجود أحد وصفي علة ربا الفضل ، وهو هنا الوزن المتفق عند الحنفية، ولوجود الطعم عند الشافعية . (١) تخريج الفروع على الأصول : ص٧١ . أي أن الثمن شيء غير معين ، فيحصل الربا ، لأن العين خير من الدين ، لأن الدين قد يختلف عن الوصف (٢) وقد لا يقوم الملتزم بشيء بتسليم ما يجب عليه . النورة: حجر الكلس ، ثم غلب على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره ، ويستعمل لإزالة الشعر . (٣) - ٦٩٨ - أما لو أسلم الدراهم أو الدنانير في زعفران، أو في قطن أو حديد : فإنه يجوز بالاتفاق لانعدام علة الربا : وهي القدر المتفق أو الجنس المتحد. أما المجانسة فغير متحققة كما هو واضح، وأما القدر المتفق فغير متحقق أيضاً؛ لأن وزن الثمن يخالف وزن المثمن ، فإن الدراهم توزن بالمثقال، والقطن والحديد والزعفران يوزن بالقبان، فلم يتحقق القدر، فلم توجد العلة، فلا يتحقق الربا . ولو أسلم تُقرة(١) فضة في نقرة ذهب، أو تبر ذهب في نقرة فضة، أو المصوغ من أحدهما في ذهب أو فضة : لا يجوز بالاتفاق لوجود الوزن المتفق عند الحنفية، فإنها يوزنان بالمثاقيل(٢)، ولوجود الثمنية عند الشافعية، لأنها أصل الأثمان . ٢ - في بيع المطعوم بالمطعوم من قدر مختلف : لو أسلم الحنطة في الزيت: جاز عند الحنفية؛ لأن أحدهما مكيل والآخر موزون، فكانا مختلفين قدراً. وعند الشافعية : لا يجوز لوجود الطعم(٣). ثانياً - بعض الخلافات ترجع إلى الخلاف في الجنس وحده : هل هو علة أم لا ؟: سبقت الإشارة إلى أن الجنس وحده يصلح علة لربا النّسيئة عند الحنفية؛ لأن علة الربا هي الكيل أو الوزن مع اتحاد الجنس، وكل علة ذات وصفين مؤثرين لا تتم العلة إلا بها ، فيكون لكل منهما شبهة العلية، وشبهة العلية تثبت بها شبهة الحكم، أي أن الجنس ركن في العلة، لا مجرد شرط . وعند الإمام الشافعي : الجنس بانفراده لا يصلح علة لتحريم ربا النسيئة ؛ لأن النقرة : هي القطعة المذابة من الفضة أو الذهب . (١) المثقال: درهم وثلاثة أسباع الدرهم وهو ( ٢٤) قيراطاً، ويساوي ( ٤,٨٠ غم) . (٢) انظر البدائع : ١٨٦/٥ وما بعدها . (٣) - ٦٩٩ - الجنس محل التحريم أو هو شرط فقط في علة الربا، والحكم قد يدور مع الشرط كالرجم مع الإحصان ، والسبب فيه : أن العلة هي اسم لوصف مناسب للحكم، فيعلل الحكم بعلة تناسب المقصود منه، وهي الطعم لبقاء الإنسان به، والثمنية لبقاء الأموال التي هي مناط مصالح الناس بها، ولا أثر للجنسية، فجعل شرطاً(١). ويترتب على ذلك ما يأتي : لا يجوز إسلاف الجوز في الجوز، والبيض في البيض، والتفاح في التفاح، والحفنة في الحفنة بالاتفاق لوجود الجنس عند الحنفية، ولوجود الطُّعم عند الشافعي . ولا يجوز إسلاف الثوب المَرَوي مثلاً في الثوب الهروي عند الحنفية لوجود الجنس. وعند الشافعي : يجوز؛ لأن الجنس عنده لا يكفي وحده لتحريم الربا . ويجوز أن يسلم ثوباً هروياً في ثوب مَرْوي بالاتفاق، لعدم وجود الجنس عند الحنفية، ولعدم وجود الطعم أو الثمنية عند الشافعية. . ولو أسلم الفلوس في الفلوس لا يجوز عند الحنفية لوجود الجنس. وعند الشافعية : لا يجوز أيضاً لوجود الثمنية . والسبب في أن الجنس وحده يحرم الربا عند الحنفية، كما في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة أي إلى أجل: هو أن عقد البيع يقتضي المساواة في البدلين ، ولا مساواة بين المدفوع حالاً، والمدفوع نسيئة؛ لأن العين خير من الدين، والمعجل أكثر قيمة من المؤجل، وهذا المعنى كما هو موجود في المطعومات والأثمان أي ( النقود ) موجود في غيرهما. يؤكده قوله عليه السلام: ((لا ربا إلا في النسيئة)) وقوله مؤ لم: (١) فتح القدير: ٢٧٦/٥، ٢٨٠، المبسوط: ١٢٢/١٢ وما بعدها، مختصر الطحاوي: ص ٧٥، المهذب: ٢٧١/١ وما بعدها . - ٧٠٠ -