النص المفهرس
صفحات 641-660
وهذا المعنى هو ما قرره فقهاء الحنفية فإنهم قالوا : إن قبض صاحب الحق حقه من المحال عليه، أو من الكفيل، أو هلك الرهن في يد المرتهن في مجلس عقد الصرف، فيكون الصرف صحيحاً على حاله. وإن افترق المتصارفان قبل تمام القبض أو لم يهلك الرهن بطل الصرف. والعبرة في بقاء مجلس العقد لبقاء نفس العاقدين فيه وافتراقهما عنه ، ولا عبرة ببقاء المحال عليه أو الكفيل مع صاحب الحق ما لم يقبض حقه قبل مفارقة صاحبه المجلس ؛ لأن قبض الحق من حقوق العقد، فيتعلق بنفس العاقدين ، فيعتبر مجلسهما إذاً . ولو وكل كل واحد من العاقدين رجلاً أن ينقد عنه، يعتبر مجلس الموكلين بقاءً وافتراقاً لا مجلس الوكيل ؛ لأن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالعاقدين كما قلنا . وهذه الأحكام المقررة هنا هي نفسها التي ذكرناها في الحوالة برأس مال السلم على رجل حاضر في المجلس ، والكفالة به ، والرهن به، وبالمسلم فيه أيضاً، وذلك أثناء بيان الفروق بين عقدي السلم والبيع . ٤ - المقاصة في ثمن الصرف : تعال المقاصة لغة: هي المساواة والمماثلة، ومنه القصاص وهو معاقبة الجاني بمثل جنايته. وعند الفقهاء هي بمعناها اللغوي مع قيود معينة ، وقد عرفها بعض المالكية بقوله : هي إسقاط مالك من دين على غريمك في نظير ما له عليك. وعرفها ابن جزي بقوله: هي اقتطاع دين من دين(١)، وهي نوعان: مقاصة جبرية، ومقاصة اختيارية أو اتفاقية . مثال المقاصة الجبرية التي تقع بنفسها : أن يكون لمدين عند دائنه مثل ما له عليه من الدين جنساً وصفة وحلولاً ، فتقع المقاصة بينهما ويتساقط الدينان إن كانا (١) القوانين الفقهية : ص ٢٩٢ . - ٦٤١ _ متساويين في المقدار، أو يسقط من الدينين مقدار متماثل إن تفاوتا في القدر، فيسقط من الأكثر بقدر الأقل وبقيت الزيادة . وللمقاصة الجبرية شروط أربعة هي : ١ - تلاقي الحقين أي أن يكون الشخص دائناً بالنسبة لآخر ومديناً له. ٢ - تماثل الدينين أي اتحادهما جنساً ونوعاً وصفة في الحلول والتأجيل والجودة والرداءة ونحوها . ٣ - انتفاء الضرر أي ألا يترتب على وقوعها ضرر لأحد كالمدين أو المرتهن الذي تعلق حقه بالعين ، أو باقي الغرماء . ٤ - ألا يترتب عليها محظور شرعي كالافتراق قبل قبض رأس مال السلم، والتصرف في المسلم فيه قبل قبضه، وعدم التقابض في الصرف وفي الربويات التي يجب أن تكون يداً بيد . وقد قال جمهور الفقهاء بوقوع المقاصة الجبرية بنفسها إذا توافرت شروطها، ولم يقرها فقهاء المالكية . ومثال المقاصة الاتفاقية وهي التي تتم بتراضي صاحبي الحق : أن يكون لواحد دين وللآخر عين ، فيتفق الطرفان على عدم مطالبة أحدهما غيره بحقه. والمالكية يقولون بالمقاصة الاتفاقية إذا اختلف الجنس أو اختلفت الأوصاف ما لم يترتب على ذلك محظور ديني. ومن المعلوم أن أئمة المذاهب الأربعة يعتبرون النقدين ( الذهب والفضة وما يماثلهما من الدنانير والدراهم) جنسين مختلفين، فتجوز المقاصة الاتفاقية بينهما عند المالكية لأنهم يقولون بالمقاصة عند اختلاف الجنس(١). وأما أوراق النقد المتعامل بها في عصرنا الحاضر سواء أكانت مسكوكة من الذهب أو الفضة الخالصين أو انظر بحث المقاصة في الفقه الإسلامي للأستاذ محمد سلام مدكور: ص ٤، ١٣، ٢٣، ٥١، ٥٥، ٧٧، ٨٥ ، (١) ٩٧ وما بعدها، القوانين الفقهية، المكان السابق ، غاية المنتهى للشيخ مرعي الحنبلي: ٨٢/٢. - ٦٤٢ - المخلوطين أو المسكوكة من غيرهما كالنحاس وهي المسماة فلوساً، فإنها تعد جنساً واحداً في باب المقاصة، عملاً بالعرف وبرأي ابن أبي ليلى وهو اختيار بعض مشايخ الحنفية(١). وبعد هذه المقدمة نبحث حكم المقاصة في عقدي الصرف والسلم . أما في عقد الصرف : فلو تصارف اثنان بأن باع أحدهما للآخر ديناراً بعشرة دراهم، وسلمه الدينار، ولم يقبض العشرة الدراهم، وكان لمشتري الدينار على بائعه عشرة دراهم ، فأراد المقاصة، فهل تقع ؟ هنا ثلاث حالات (٢): إحداها : أن يثبت الدين بسبب قبل حدوث عقد الصرف: كأن كانت هذه الدراهم العشرة واجبة ديناً على البائع قبل إجراء عقد الصرف بسبب من الأسباب التي تعتبر مصادر للالتزام كالقرض أو الغصب، أو الشراء، أي ثمناً لمبيع. فإذا أراد المتصارفان إجراء المقاصة بأن يجعل مقابل الدينار وهو العشرة الدراهم قصاصاً بالدين الثابت في ذمة البائع المتصارف، جاز الفعل استحساناً إن تراضيا على المقاصة أي لا بد من المقاصة الاتفاقية . وأما قياساً فلا يجوز وهو قول زفر. فإن لم يتفقا على إجراء المقاصة بأن أبى أحدهما ذلك لم تقع المقاصة باتفاق الحنفية. أما وجه القياس : فهو أن المطلوب في عقد الصرف قبض بدل الصرف بعينه، ذكر ابن عابدين طائفة من مسائل المقاصة الاتفاقية فقال : لو كان للوديع على صاحب الوديعة دين من (١) جنسها لم تصر قصاصاً به إلا إذا اتفقا عليه ، وكانت الوديعة في يده ، والمغصوب كالوديعة . وكذلك لا تقع المقاصة ما لم يتقاصا لو كان الدينان من جنسين مختلفين أو متفاوتين في الوصف أو مؤجلين أو أحدهما حالا والآخر مؤجلا .. وإذا اختلف الجنس وتقاصا كما لو كان له عليه مئة درهم وللمديون مئة دينار عليه ، فإذا تقاصا تصير الدراهم قصاصا بمئة من قيمة الدنانير، ويبقى لصاحب الدنانير على صاحب الدراهم ما بقي منها . ودين النفقة للزوجة لا يقع قصاصاً بدين للزوج عليها إلا بالتراضي بخلاف سائر الديون ، لأن دين النفقة أدنى (رد المحتار: ٢٥٠/٤) . راجع تبيين الحقائق للزيلعي وحاشية الشلبي عليه: ١٤٠/٤، البدائع: ٢٠٦/٥، ٢١٨ ، الدر المختار ورد (٢) المختار: ٢٥٠/٤، تحفة الفقهاء: ٣٧/٣، فتح القدير والعناية بهامشه: ٣٧٩/٥ وما بعدها، المبسوط : ١٩/١٤. - ٦٤٣ - وبالمقاصة يحصل استبدال ببدل الصرف ؛ لأن الذي وجب على المتصارف بالصرف غير الذي كان عليه، وبالتقاص يأخذ المتصارف ما في ذمته بدل ما وجب عليه من ثمن الدينار، وهو لا يجوز، كما لا يجوز أن يأخذ يبدل الصرف عوضاً آخر كما عرفنا سابقاً، وكما لا يجوز الإبراء عن بدل الصرف. وأما وجه الاستحسان : فهو أن المتصارفين لما تقاصا فقد تضمنت المقاصة انفساخ عقد الصرف الأول، وانعقاد صرف آخر غير الأول، وثمنه هو العشرة الدراهم التي هي دين سابق ، إذ لولا ذلك التقدير لكانت المقاصة استبدالا ببدل الصرف، فصار هذا كما لوتبايع اثنان بألف، ثم جددا العقد بألف وخمسمائة، فإن البيع الأول ينفسخ ضرورة ثبوت العقد الثاني اقتضاء أو ضمناً . الحالة الثانية : أن يثبت الدين بقبض مضمون بعد وجود عقد الصرف: كأن يستقرض بائع الدينار عشرة دراهم من المشتري ويستلمها بالفعل، أو يغصب منه عشرة دراهم ، ففي هذه الحالة تقع المقاصة بثمن الصرف جبراً على المتصارفين، وإن لم يتقاصا، أي لا يحتاجان إلى التراضي ؛ لأنه قد وجد القبض من المتصارف فعلاً . الحالة الثالثة : أن يثبت الدين بعقد متأخر عن عقد الصرف: كأن يشتري مشتري الدينار من بائع الدينار ثوباً بعشرة دراهم مثلاً، ففي هذه الحالة إن لم يتقاصا لا تقع المقاصة باتفاق الروايات. وإن اتفقا على مقاصة العشرة بالعشرة في مجلس العقد فهناك روايتان : ففي رواية اختارها السرخسي : لا يجوز لأن النبي دوافع جوز المقاصة في حديث ابن عمر(١) في دين سابق لا لاحق. نص الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن عن ابن عمر قال: ((أتيت النبي ◌َّ فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع ، (١) فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير ، فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) وفي لفظ ((أبيع بالدنانير وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير)» ( نيل الأوطار : ١٥٦/٥) . - ٦٤٤ _ ۔ وفي رواية أخرى وهي الصحيحة(١): تقع المقاصة لما ذكرناه في وجه الاستحسان وهو أن العاقدين لما قصدا إيقاع المقاصة، فقد تضمن ذلك انفساخ العقد الأول ، أي إقالته، وإنشاء عقد جديد مضاف إلى دين قائم وقت تحویل العقد ، فلما أبطلا عقد الصرف، صار كأنهما عقدا عقداً جديداً، فتصح المقاصة به ؛ لأن النقود لا تتعين بالتعيين في العقود والفسوخ ديناً كانت أوعيناً . والخلاصة : أن الحالتين الأولى والثالثة تقع المقاصة فيهما اختيارية، وأما الحالة الثانية فتقع المقاصة فيها جبرية . وأما المقاصة برأس مال السلم بدين آخر على المسلم إليه : كأن وجب على المسلم إليه لرب السلم دين مثل رأس مال السلم، فهل تقع المقاصة بين رأس المال هذا وبين ذلك الدين ؟ هنا ثلاث حالات أيضاً : ١ - أن يجب الدين بعقد متقدم على السلم: بأن كان رب السلم قد باع إلى المسلم إليه(٢) ثوباً بعشرة دراهم مثلاً، ولم يقبضها، ثم عقدا عقد سلم بينهما، كأن أسلم رب السلم إلى المسلم إليه عشرة دراهم في مد حنطة، فإن تراضيا على المقاصة بالدينين (الدين السابق وهو ثمن المبيع، والدين اللاحق وهو رأس مال السلم) صحت المقاصة استحساناً ، وإن أبى أحدهما لم تقع المقاصة . والقياس يقضي بعدم وقوع المقاصة وهو قول زفر. وجه القياس : أن قبض رأس مال السلم شرط شرعي لصحة السلم كما هو معروف، ولكن بالمقاصة لم يحصل القبض فعلا، فيبطل السلم إذا افترق العاقدان بدون تحقيق شرط القبض . ووجه الاستحسان: أن القبض وإن كان مطلوباً في عقد السلم، إلا أنه إذا تمت انظر الهداية والعناية بهامش فتح القدير: ٣٨١/٥ . (١) (٢) أطلق على العاقدين وصف ((رب السلم والمسلم إليه )) باعتبار ما سيكون . - ٦٤٥ - المقاصة تبين أن عقد السلم لا يتطلب تحقيق قبض رأس المال فعلاً، وإنما يكفي أن يتم القبض بطريق المقاصة، كما لو اتفق البائع والمشتري على الزيادة في الثمن والمثمن ، فإن ذلك يلتحق بأصل العقد، ويقع البيع فعلاً على الزيادة. ٢ - أن يجب الدين بقبض مضمون متأخر عن عقد السلم كالغصب والقرض، فإنه تقع المقاصة جبراً عن رب السلم والمسلم إليه، كما في الصرف؛ لأن قبض الغصب والقرض قبض حقيقة ، فيجعل نائباً عن قبض رأس مال السلم إذا تساوى الدينان . ◌َ - أن يجب الدين بعقد متأخر عن السلم، كأن يحدث شراء شيء من المسلم إليه لرب السلم، فلا تصح المقاصة وإن اتفقا عليها إلا في رواية شاذة عن أبي يوسف؛ لأن المقاصة تتطلب وجود دينين، ولم يكن عند انعقاد السلم إلا دين واحد، فتبين أن عقد السلم يتطلب قبضاً في الحقيقة، وما يتم بالمقاصة ليس كذلك . هذا هو المذكور في البدائع(١)، فإن صاحبها الكاساني سوى بين رأس مال السلم وبدل الصرف في المقاصة . لكن المعول عليه ما في كتاب الجامع الصغير للإمام محمد وغيره من كتب الحنفية(٢)، فإنهم فرقوا بين بدل الصرف ورأس مال السلم، فلم يجيزوا المقاصة برأس مال السلم مع دين آخر مطلقاً ، سواء وجب الدين بعقد متقدم أو متأخر عن عقد السلم؛ لأن المسلم فيه دين في ذمة المسلم إليه، فلو صحت المقاصة بين رأس مال السلم ، ودين على المسلم إليه بحيث يصبح هذا الدين رأس مال السلم، وقع العاقدان في محظور شرعي وهو مبادلة الدين بالدين، أو الافتراق عن دين بدين لأن رأس المال لا يتعين بالمقاصة . (١) البدائع : ٢٠٦/٥ وما بعدها . (٢) الجامع الصغير: ص ٩٢ ، تبيين الحقائق: ١٤٠/٤، المبسوط: ٢٠/١٤، بحث المقاصة للأستاذ محمد سلام مدكور : ص ١٠٧ وما بعدها . - ٦٤٦ _ وهذا بخلاف المقاصة ببدل الصرف مع دين متقدم أو متأخر عنه ثابت بعقد بيع مثلاً؛ لأن المبيع الذي يقابل الدين (أي الثمن) مثلاً هو عين لا دين أي غير مشترط قبضه في مجلس العقد ، فتؤدي المقاصة ببدل الصرف مع مقابل هذا المبيع إلى مبادلة عین بدین أو الافتراق عن عین بدین ، وهو جائز کما هو معلوم شرعاً ، بخلاف ما تؤدى إليه المقاصة برأس مال السلم من مبادلة دين بدين وهو ممنوع شرعاً . الله تعالى ١ - ٦٤٧ - - ٤ - بيع الجزاف يحدث التعامل بهذا النوع من البيوع كثيراً في الحياة العملية اليومية ، لذا فإني سأذكر معناه ودليل مشروعيته، وحكم أهم حالاته كبيع صبرة الطعام ونحوه، وبيع النقود والحلي والمحلى جزافاً، وشروطه . معنى الجزاف : الجزاف - مثلث الجيم والكسر أفصح وأشهر من غيره، فارسي معرب ، وهو بيع الشيء بلا كيل ولا وزن ولا عدد، وإنما بالحزر والتخمين بعد المشاهدة أو الرؤية له. والجزف في الأصل: الأخذ بكثرة، مأخوذ من قولهم : جزف له في الكيل : إذا أكثر، ومرجعه إلى المساهلة . وعرف الشوكاني هذا البيع بقوله : هو ما لم يعلم قدره على التفصيل(١) . دليل مشروعيته : ورد في السنة النبوية ما يدل على مشروعية بيع المجازفة ، منها حديثان : اً - عن جابر قال: ((نهى رسول الله مُ فّ عن بيع الصبرة (٢) من التمر لا يعلم كيلها بالكيل المسمى من التمر)) رواه مسلم والنسائي(٢). ففي هذا الحديث دلالة على (١) نيل الأوطار: ١٦٠/٥. (٢) الصبرة - بضم الصاد: ما جمع من الطعام بلا كيل ووزن. وقوله ((لا يعلم كيلها)) صفة كاشفة للصبرة لأنه لا يقال لها صبرة إلا إذا كانت مجهولة الكيل . (٣) نيل الأوطار : ١٩٦/٥. - ٦٤٨ - أنه يجوز بيع التمر مجازفة إذا كان الثمن جنساً آخر غير التمر، فإن كان الثمن تمرأ حرم البيع ؛ لاشتماله على ربا الفضل ؛ لأن بيع الشيء بجنسه وأحدهما مجهول المقدار حرام، ولا شك أن الجهل بأحد العوضين أو بكليهما مظنة للزيادة والنقصان، وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه، ومن المعلوم أن التمر من الأصناف الربوية. ٣ - عن ابن عمر قال: «كانوا يتبايعون الطعام جزافاً بأعلى السوق، فنهاهم رسول الله مُ الل أن يبيعوه حتى ينقلوه)) رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه(١). فهذا الحديث يدل على إقرار النبي ◌َ اقّ فعل الصحابة بالبيع جزافاً، إلا أنه نهاهم عن بيع ما اشتروه قبل قبضه واستيفائه . حكم بيع الجزاف عند الفقهاء : يتبين حكم الجزاف من الحالتين الآتيتين : بيع الصبرة ، وبيع النقود والحلي والمحلى . بيع الصبرة من الطعام ونحوه : اتفق أئمة المذاهب الأربعة على جواز بيع الصبرة جزافاً، مع اختلافهم في تفصيلات سنذكرها، والصبرة : هي الطعام المجموع . سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض . قال ابن قدامة الحنبلي : يجوز بيع الصبرة جزافاً لا نعلم فيه خلافاً إذا جهل البائع والمشتري قدرها(٣). ومستنده واضح وهو ما ثبت في السنة النبوية مما أشرنا إليه في مشروعية هذا البيع . أما تفصيلات المذاهب فهي ما يأتي : أولاً - مذهب الحنفية: قال فقهاء الحنفية(١): إذا باع رجل (١). المرجع السابق : ١٥٨/٥. (٢) المغني : ١٢٣/٤. راجع البدائع : ١٥٨/٥، فتح القدير: ٨٨/٥ وما بعدها ، الدر المختار : ٢٩/٤ ، تبيين الحقائق للزيلعي: ٥/٤ ، اللباب شرح الكتاب للميداني: ٧/٢ ، تحفة الفقهاء: ٦٣/٢ الطبعة الأولى ، مختصر الطحاوي: ص ٧٩ . (٣) - ٦٤٩ - غيره قفيزاً(١) من صبرة طعام معينة بدراهم، أو باع هذا العدل من الثياب بكذا ولا يعرف عددها، أو باع هذه الصبرة بكذا ولا يعلم عدد القفزان، جاز البيع؛ لأن الجهالة فيه يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، إلا أن أبا حنيفة قال : من باع صبرة طعام (وهي الحنطة ودقيقها خاصة في العرف الماضي) (٢) كل قفيز بدرهم مثلا، وهو البيع بسعر الوحدة جاز البيع في قفيز واحد فقط، وتوقف البيع في الباقي إلى أن تزول الجهالة في مجلس العقد بأحد أمرين : إما بتسمية جملة القفزان ، أو بكيلها في المجلس، إذ أن ساعات المجلس بمنزلة ساعة واحدة. فإن علم مقدار الصبرة بعد انتهاء المجلس ، تقرر فساد البيع، فلا ینقلب صحيحاً بعدئذ . ومثل الطعام جميع الحبوب كالشعير والذرة ونحوهما . ودليله : أن الثمن والمبيع في هذه الحالة مجهولان ، والجهالة تفسد العقد، وبما أنه لا جهالة في القفيز الواحد، فيلزم العقد فيه للتيقن به، وإذا زالت الجهالة في كل المبيع بتعيين عدد القفزان أو بالكيل في مجلس العقد، ثبت الخيار للمشتري، لتفرق الصفقة عليه دون البائع ؛ لأن تجزئة المعقود عليه كان بسبب منه، لعدم تحديده سابقاً مقدار الأقفزة ، فكان راضياً بالبيع على النحو الذي تم. وثبوت الخيار للمشتري في هذه الحالة يشبه حالة ما لو اشترى رجل شيئاً لم يره ثم رآه، فتزول الجهالة بالرؤية . وقال الصاحبان : يصح البيع في كل الصبرة ؛ لأن المبيع معلوم بالإشارة إليه في الجملة، ومن المقرر أنه لا يشترط لصحة البيع معرفة مقدار المشار إليه. وأما جهالة القفيز: مكيال وهو ثمانية مكاكيك ، والجمع أقفزة وقفزان ، والمكوك : مكيال هو صاع ونصف أو هو ثلاث (١) كيلجات ، والكيلجة : منا وسبعة أثمان منا ، والمنا : الذي يكال به السمن وغيره ، وقيل : الذي يوزن به : رطلان ، والتثنية منوان. والجمع أمناء ، مثل سبب وأسباب ( راجع المصباح المنير) وقال النووي في المجموع (٣١٣/٩): القفيز مكيال معروف يسع اثني عشر صاعا. وأما الكرّ فهو ستون قفيزاً. (٢) راجع فتح القدير : ٨٥/٥ . - ٦٥٠ - الثمن فإنها لا تضر إذ أن العلم به ممكن بالعدّ، بأن تكال الصبرة في مجلس العقد. وقول الصاحبين هو المفتى به تيسيراً على الناس، وهو الذي رجحه صاحب الهداية لتأخيره دليلهما عن دليل أبي حنيفة كما هي عادته، وبه قال أئمة المذاهب الآخرين ، ولكن صاحب فتح القدير رجح قول الإمام ودليله . هذا حكم بيع صبرة الطعام أي وما يشبه ذلك من المثليات، أما القييات(١) کالحيوان والثوب فحكمها ما يأتي : من باع قطيع غنم كل شاة بدرهم مثلاً ، فالبيع فاسد في الجميع عند أبي حنيفة، حتى وإن علم عددها في مجلس العقد على الأصح، للجهالة وقت العقد. ولا يصح حينئذ بيع الشاة الواحدة بما سمي من ثمن لكل واحدة من القطيع؛ لأن بيع شاة من قطيع لا یصح للتفاوت بين أفراد الشیاه، بخلاف بیع قفیز من صبرة ، فإنه يصح بيع قفيز واحد عنده، كما بينا، لعدم التفاوت بين أجزاء الطعام، ومثله كل مكيل من الحبوب ، فلا تفضي الجهالة في المثليات إلى المنازعة، ولكنها تؤدي إليها في القيميات التي لا تتماثل آحادها . وكذلك من باع ثوباً يضره التبعيض مذارعة، كل ذراع بدرهم، ولم يسم جملة الذرعان، وكذلك كل معدود متفاوت كابل وعبيد ونحوهما : لا يصح البيع في الجميع عند أبي حنيفة ، لوجود الجهالة. وقال الصاحبان : يجوز البيع في كل ما ذكر؛ لأن الجهالة يمكن إزالتها ورفعها في النهاية بعد تعداد المبيع(٢). المثليات : هي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة وبعض أنواع الذرعيات ، والقييات : هي التي (١) تتفاوت أفرادها بحيث يكون لكل فرد منها اعتبار خاص وقيمة معينة كالحيوانات والأراضي والدور والأشجار والطنافس والثياب ونحوها من العدديات المتفاوتة كالبطيخ وأنواع الفاكهة . المراجع السابقة : فتح القدير: ص ٩٠ ، الزيلعي: ص ٦ ، اللباب : ص ٧ وما بعدها . (٢). - ٦٥١ - ا والخلاصة : أن أبا حنيفة أجاز بيع الصبرة المجهولة في كيل واحد في المثليات، ولم يجزه في القيميات. وخالفه الصاحبان في كل ما ذكر، فأجازا البيع في الكل مثلياً كان المبيع أو قيمياً؛ لأن الجهالة المانعة من صحة العقد عند انعقاده تزول في النهاية . البيع بإناء أو بوزن مجهول القدر: أجاز الحنفية حالة من المجازفة لها صورة الکیل والوزن دون حقیقته علی أن یکون البيع غير لازم للمشتري وله خیار كشف الحال : وهي بيع شيء بإناء بعينه لا يعرف مقداره بشرط أن يكون مما لا يحتمل الزيادة والنقصان أن يكون من خشب أو حديد ، أما إذا كان يحتمل وینکبس بالكبس كالزنبيل والقفة فلا يجوز إلا في قرب الماء استحساناً للتعامل فيه، فيصح عند أبي يوسف بيع ملء قربة بعينها حسب عرف البلدان. كما أنهم أجازوا بيع شيء بوزن حجر بعينه لا يعرف مقداره بشرط ألا يتفتت الحجر، ومثله إذا باعه بوزن شيء يخف إذا جف كالخيار والبطيخ، فلا يجوز البيع حينئذ(١). حالة النقص والزيادة في الصبرة التي حدد مقدارها : من اشترى صبرة طعام على أنها مئة قفيز بمئة درهم مثلاً، فوجدها المشتري أقل مما حدد له، كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن لأنه يمكن قسمة الثمن على أجزاء المبيع المثلي. وإن شاء فسخ البيع لتفرق الصفقة الواحدة عليه قبل تمام العقد فلم يتم رضاه بالموجود . وسبب تفرق الصفقة عليه : هو أن العقد ورد على جملة معلومة ، فإذا نقصت يلزم تفرق الصفقة لا محالة . ومثله في الحكم : کل مکیل أو موزون ليس في تبعیضه ضرر. وإن وجد المشتري أن الصبرة أكثر من القدر المتفق عليه، فالزيادة للبائع؛ لأن البيع وقع على مقدار معين، فما زاد عليه، لم يدخل في العقد، فيكون للبائع . (١) المراجع السابقة: فتح القدير: ص ٨٦، الزيلعي: ص ٥، اللباب: ص ٧، رد المحتار والدر المختار: ٢٩/٤. - ٦٥٢ - ومن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم مثلا، أو أرضاً على أنها مئة ذراع بمئة درهم مثلاً ولم يسم لكل ذراع ثمناً(١) ثم وجده أقل مما حدد له: فللمشتري الخيار: إن شاء أخذ المبيع بكل الثمن المحدد، وإن شاء ترك البيع، لتفرق الصفقة عليه . والفرق بين صورة الطعام، وصورة الثوب والأرض : هو أن القدر في الطعام جزء أساسي من المبيع وليس بوصف ، فإن كل جزء من مقدار الطعام يقابله جزء من الثمن . أما الذرع في الثوب والأرض فإنه وصف لأنه عبارة عن الطول، والوصف غير المقصود بالتناول لا يقابله شيء من الثمن ، إلا أن المشتري يخير لفوات وصف مرغوب فيه مشروط في العقد . فإن وجد المشتري زيادة في أذرع الثوب أو الأرض، فالزائد له، ولا خيار للبائع ؛ لأن الذرع وصف غير مقصود في هذه الحالة في الثوب أو الأرض كما أبنا، لأنه تابع محض، والتوابع لا يقابلها شيء من الثمن ، فكان ذلك بمنزلة ما إذا باع رجل غيره شيئاً معيباً فإذا هو سليم . فهذا إذاً حيث لم يكن الذرع مقصوداً، فإن كان مقصوداً بأن قال: ((بعتك الأرض [المذكورة] على أنها مئة ذراع بمئة درهم مثلا، كل ذراع بدرهم)) فوجدها ناقصة ، فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن ، لأن الوصف وإن كان تابعاً لكنه صار أصلاً بانفراده بذكر الثمن ، وإن شاء تركها لتفرق الصفقة . فإن وجدها زائدة، فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ الجميع كل ذراع بدرهم، وإن شاء فسخ البيع لدفع ضرر التزام أخذ الزائد(٢). ثانياً - مذهب المالكية: يجوز عند الإمام مالك أن تباع الصبرة المجهولة على (١) أي أن غرض المشتري موجه أصالة إلى الشيء المبيع جملة دون أن يكون له هدف أصلي في الطول أو في العرض مثلاً ، فيكون كل الثمن مقابلاً بالعين كلها . (٢) المراجع السابقة : الفتح: ص ٩٢ ، الزيلعي: ص ٦ ، اللباب: ص ٨ . - ٦٥٣ - الكيل أي كل كيل منها بكذا ، فما بلغته الصبرة من الأكيال بعد الكيل تحسب قيمته الإجمالية بحسب قيمة كل كيلة منها . ولا مانع في هذا البيع عند المالكية من أن يكون المبيع مثلياً أو قيمياً أو عددياً، فهو يجوز في الطعام والثياب والعبيد والحيوان(١) بخلاف ما سبق ذكره عن أبي حنيفة ، فإنه لا يجيزه في القييات. وسيأتي مزيد بيان لذاك عند المالكية في شروط بيع الجزاف. ثالثاً - مذهب الشافعية: قال الشافعية: يصح بيع صاع من صبرة (٢) تعلم صيعانها للمتعاقدين كعشرة مثلاً لعدم الغرر، كما أنه يصح البيع في الأصح إن جهلت صيعانها للمتعاقدين أو لأحدهما ، لتساوي أجزائها، وتغتفر جهالة المبيع هنا، فإنه ينزل على صاع مبهم. ولا يصح بيع ذراع من مجهول الذرعان من أرض أو ثوب لتفاوت الأجزاء كبيع شاة من هذه الشياه. ويصح أيضاً بيع الصبرة المجهولة الصيعان بأن يقول: كل صاع بدرهم أو أن يقول : بعتك هذه الصبرة، وإن لم يعرف قفزانها ، أو يقول: بعتك هذه الدار أو هذا الثوب وإن لم يعرف ذرعانها ؛ لأن المبيع مشاهد، فيزول غرر الجهالة بالمشاهدة ولا يضر الجهل بجملة الثمن، لأنه معلوم بالتفصيل، والغرر مرتفع به، كما إذا باع بثمن معين جزافاً . ومثل الصبرة ما لو قال: بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب كل ذراع بدرهم، أو هذه الأغنام أو العبيد كل واحد بدرهم. ومن قال لغيره: «بعتك هذه الصبرة)) جاز البيع، وإن لم يعرف قفزانها. وإن قال: ((بعتك هذه الدار أو هذه الأرض أو هذا الثوب)) جاز البيع، وإن لم يعرف ذرعانها ؛ لأن غرر الجهالة ينتفي عنها بالمشاهدة . قال الشافعي : وأكره بيع الصبرة جزافاً لأنه يجهل قدرها على الحقية . بداية المجتهد: ١٥٨/٢، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي : ١٨/٣ - ٢٠ . (١) (٢) وفسروا الصبرة بالكومة من الطعام وهو تفسير واضح . - ٦٥٤ - ولو باع الصبرة أو الأرض أو الثوب بمئة درهم كل صاع أو ذراع بدرهم، صح البيع إن خرجت مئة لتوافق الجملة والتفصيل، وإن لم تخرج مئة بأن خرجت أقل أو أكثر، فلا يصح البيع على الصحيح لتعذر الجمع بين جملة الثمن وتفصيله . . ويصح كون الصبرة ثمناً، فلو قال: بعتك بهذه الصبرة وهي مجهولة القدر، صح البيع اعتماداً على المشاهدة مع الكراهة، لأنه قد یوقع في الندم(١). والخلاصة : أن الشافعية كالمالكية يجيزون بيع الصبرة في المثليات والقيميات ، ويخالفون الحنفية في حالة تحديد قدر الصبرة إجمالاً، فيبطلون البيع إن لم يتطابق جملة المبيع مع تفصيله بأن نقص أو زاد ، أما الحنفية فإنهم يرون البيع صحيحاً ولكن يعطى المشتري الخيار كما أوضحنا . وفي الجملة : يكره بيع الصبرة جزافاً في أصح القولين عند الشافعي ، وبه قطع النووي وآخرون لما فيه من الغرر(٣). رابعاً - مذهب الحنابلة : أجاز الحنابلة بيع الصبرة جزافاً مع جهل البائع والمشتري بقدرها ، سواء أكان المبيع طعاماً أم ثياباً أم حيواناً. ويصح عندهم بيع الصبرة أو الثوب أو القطيع كل قفيز أو ذراع أوشاة بدرهم ؛ لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين : وهو أن تكال الصبرة ويقسط الثمن على قدر القفزان ونحوها ، فيعلم مبلغه . ويصح بيع ما بوعاء مع وعائه أو دونه، أو كل رطل بكذا على أن يسقط منه وزن الوعاء(٣). نخلص مما ذكرناه في بيع الصبرة جزافاً أن الفقهاء صححوا العقد فيما إذا قال البائع: (( بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم )) وإن لم يعلما مقدارها حال راجع مغني المحتاج : ١٦/٢ وما بعدها ، المهذب: ٢٦٤/١ وما بعدها ، المجموع: ٣٤٠/٩ وما بعدها . (١) (٢) المجموع : ٣٤٣/٩ . انظر المغني: ١٢٣/٤ وما بعدها ، غاية المنتهى: ١٢/٢، ١٥ (٣) - ٦٥٥ - الفقه الإسلامي جـ ٤ (٤٢) العقد . ومثل الصبرة كل مكيل أو موزون أو معدود مثلياً أو قيمياً. وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: يصح البيع في قفيز واحد فقط، ويبطل فيما سواه؛ لأن جملة الثمن مجهولة، فلم يصح كبيع الشيء برقمه . ولا يصح عنده بيع الجزاف في القیمیات . بيع النقود والحلي والمحلى جزافاً : يصح بيع الجزاف إذا كان البدلان من جنسين مختلفين، فإن اتحد جنس البدلين لم يجز البيع جزافاً لاشتمال العقد على الربا؛ لأن عدم التقدير بالكيل أو بالوزن مظنة للزيادة والنقصان ، وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه، وذلك بكيل المكيل ووزن الموزون في كلا البدلين . وهذا يعني أن البيع مجازفة مقيد بغير الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها ، فأما الأموال الربوية إذا بيعت بجنسها فلا يجوز مجازفة لاحتمال الربا وهو مانع من صحة العقد كحقيقة الربا (١). ومن هنا قال الحنفية : الأصل العام في بيع النقود ونحوها جزافاً: أن ما يجوز البيع فيه متفاضلاً، يجوز فيه البيع مجازفة، وما لا يجوز فيه البيع متفاضلاً، لا يجوز فيه البيع مجازفة(٢). ويظهر أن هذا الأصل متفق عليه بين المذاهب الأربعة بحسب ما يجوز فيه التفاضل وما لا يجوز وفقاً لما هو مقرر من علة معينة للربا في كل مذهب، فلا يجوز مثلاً عند الشافعية بيع الطعام بجنسه أو النقد بجنسه جزافاً تخميناً وإن خرجا سواء؛ للنهي عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر(٣). فتح القدير : ٨٦/٥ . (١) (٢) تحفة الفقهاء: ٣٩/٣ . (٣) راجع مغني المحتاج: ٢٥/٢ ، المغني: ١٥/٤، القوانين الفقهية: ص٢٤٦، ٢٥٧ . - ٦٥٦ - وعلى هذا : ١ - إذا بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مجازفة : لا يجوز البيع، لعدم جواز التفاضل بين هذين المعدنين باعتبارهما من الأموال الربوية ، فلا تجوز المجازفة، لاحتمال وجود زيادة في أحد العوضين لا يقابلها مثلها في العوض الآخر، وذلك سواء جهل المتعاقدان أو أحدهما وزن كل عوض منهما ، أو عرفا وزن أحدهما دون الآخر. فإن وزن العوضان في مجلس العقد، فكانا متساويين في الوزن ، جاز البيع استحساناً؛ لأن لمجلس العقد حكم حالة انعقاد العقد، فكان العلم بالتساوي بين البدلين حينئذ كالعلم به عند العقد. أما إذا تفرق العاقدان عن المجلس قبل الوزن ، ثم حصل الوزن ، فكان العوضان متساويين وزناً، فالبيع فاسد. وقال زفر: البيع صحيح في الحالين إذا كانت هناك مساواة في الوزن ؛ لأن المانع من صحة العقد هو احتمال وجود الزيادة ، وقد تبين أنه لا زيادة . ٣ - إذا بيع الشيء بغير جنسه كبيع ذهب بفضة مجازفة: صح البيع؛ لأنه جاز التفاضل فيها، ولكن يجب التقابض في العوضين في مجلس العقد كما يجب حالة اتحاد الجنس . ويتفرع عن هذه القاعدة في حالتي بيع الشيء بجنسه أو بغير جنسه ما يأتي : - إذا تمت القسمة بين الشريكين فيما يجري فيه الربا : لا تجوز مجازفة في الجنس الواحد، وتجوز في مختلفي الجنس؛ لأن القسمة في معنى البيع أو المبادلة؛ لأن ما يأخذه كل شريك يأخذه عوضاً عما يبقى من حقه في نصيب صاحبه ، فكان ذلك مبادلة من وجه، وإفرازاً من وجه . - لو بيع سيف بسيف، أو إناء نحاس بإناء آخر من جنسه مجازفة ؛ صح البيع إذا كان ذلك مما يباع عدداً؛ لأن العدّ في العدديات ليس من أوصاف علة الربا ( التي هي الکیل أو الوزن ) فجاز فيهما التفاضل ولا يتحقق الربا عندئذ. - ٦٥٧ - وإن كان ذلك مما يباع وزناً: فلا يجوز، لأنه بيع مال ربوي بجنسه مجازفة(١). - إذا بيعت الفضة مغشوشة بمعدن آخر، أو بيع الذهب مغشوشاً، فالعبرة للغالب في الشرع، فغالب الفضة فضة، وغالب الذهب ذهب. فإن بيعت فضة مغشوشة يغلب فيها الفضة، فحكمها حكم الفضة الخالصة : لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة إلا سواء بسواء، يدأ بيد، أي يصح بيع المغشوشة بما يساويها وزناً من الفضة الخالصة لأن كلاً منهما لا يخلوان عن قليل غش، إذ هما لا يطبعان عادة بدونه، وقد يكون الغش فيهما طبيعياً فيعسر التمييز بين المخلوط والطبيعي ، فيلحق القليل من الغش بالرداءة ، والجيد والرديء سواء في مبادلة الأموال الربوية، فيعتبر الغش فيهما كأن لم يكن . فإن كان الغش هو الغالب: فحكمها حكم النحاس الخالص، فلا يباع المغشوش بالنحاس إلا مثلا بمثل، يداً بيد. وإن استوت الفضة والغش، أو الذهب والغش: فحكمه حكم ما غلب فيه الفضة أو الذهب في التبايع والاستقراض، فلا يجوز البيع بها ولا إقراضها إلاّ بالوزن، ولا يجوز بيعها مجازفة وعدداً . وأما في الصرف فالحكم فيه كغالب الغش أي كحكم فضة غلب عليها الغش، فإن بيعت بفضة خالصة يجزأ المبيع في اعتبارنا وتقديرنا: إن كانت الفضة الخالصة أكثر وزناً من الفضة المغشوشة ، جاز البيع، حتى يكون قدر الفضة في كلا العوضين مقابلاً بمثله، وأما الزائد عن ذلك القدر في الفضة الخالصة فهي مقابل الغش كما لو كانت الفضة الخالصة ثمناً لمبيع مشتمل على فضة وقطعة نحاس مثلاً. وإن كانت الفضة الخالصة أقل من الفضة الموجودة في المغشوش أو مثلها ، أو جهل الأمر: فلا يجوز البيع (١) البدائع : ١٨٥/٥. - ٦٥٨ - لما فيه من الربا في أحد العوضين(١). - إذا بيع سيف محلىّ أي مفضض أو مذهب، والثمن ذهب أو فضة (٢): فإن تماثل جنس الحلية والثمن ، وكان مقدار الثمن أكثر من الحلية، جاز البيع، وتكون الحلية مبيعة بمثل وزنها ، والزائد من الثمن في مقابل الجفن والخمائل(٢) التي تتبع السيف عادة في البيع؛ لأن الأصل المقرر عند الحنفية في تقسيم الثمن على المبيع : أنه إذا كان المبيع أشياء بعضها من جنس الثمن ، وبعضها ليس من جنسه، صرف الثمن إلى جنسه بمثل وزنه على وجه يصحح فيه العقد ما أمكن ؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة والسداد ماأمكن . وتصحيح العقد هنا يتم بصرف بعض الثمن إلى جنسه بمثل وزنه، والبعض الآخر يصرف إلى الجنس الآخر في اعتبارنا وتقديرنا . فإن كان الثمن مثل الحلية أو أقل، فلا يجوز البيع، لاشتماله على ربا الفضل، إذ أن الجفن والجمائل تصبح مبيعة بدون عوض عنها وهذا هو معنى الربا . وإن جهل مقدار الثمن أو اختلف التجار في تقديره: فإن تبين أن الثمن أكثر من الحلية ، والحلية أقل وزناً من الثمن في مجلس العقد، يكون البيع جائزاً عند الحنفية. وإن علم ذلك بعد الافتراق عن المجلس : لا يجوز البيع عند جمهور الحنفية. وقال زفر: ينقلب العقد صحيحاً كما في بيع الجزاف، كما مر سابقاً. وعلى هذا فإن القاعدة: ((متى بيع نقد مع غيره كمفضض ومزركش(٤) بنقد من جنسه، شرط زيادة الثمن ليكون قدر الحلية من الثمن ثمناً لها والزائد ثمناً للسيف، إذ لو لم تتحقق الزيادة بطل البيع، فلو كان الثمن مثل الحلية أو أقل أو جهل بطل (١) تبيين الحقائق للزيلعي: ١٤٠/٤ وما بعدها . انظر البدائع: ٢١٧/٥ وما بعدها ، تحفة الفقهاء: ٤١/٣ وما بعدها، الدر المختار: ٢٤٧/٤ وما بعدها . (٢) (٣) الجفن - بفتح الجيم : غمد السيف . والخمائل بفتح الحاء جمع حمالة بكسر الحاء أو محمل بوزن مرجل : وهي علاقة السيف . المفضض : ما رصع بفضة أو ألبس فضة ، والمزركش هو المطرز بخيوط فضية أو ذهبية . (٤) - ٦٥٩ - البيع، ولو كان الثمن بغير جنس الحلية، شرط التقابض فقط وجاز التفاضل)» كما سيأتي(١). ومن المعلوم أن صحة البيع فيما إذا كان الثمن أكثر من الحلية تتطلب قبض ما يقابل الحلية من الثمن في مجلس العقد، فإن تفرق العاقدان قبل أن يتقابضا ، أو يقبض أحدهما حقه دون الآخر، فإنه ينظر : أ - إن كانت الحلية مما لا يمكن تخليصها عن السيف إلا بإلحاق ضرر به: فسد البيع کله . ب - وإن كانت تتخلص بغير ضرر: جاز البيع في السيف، وفسد في الحلية؛ لأن العقد بقدر الحلية يكون صرفاً، وبالنسبة للسيف يكون بيعاً مطلقاً، والتقابض شرط لصحة الصرف فقط . فإِذا كانت الحلية تتخلص من غير ضرر، فكأنها والسيف شيئان منفصلان ، فيجوز العقد في أحدهما دون الآخر. وإن كانت الحلية لا تتخلص إلا بضرر: فسد العقد كله، أما بالنسبة للحلية فلعدم التقابض ، وأما بالنسبة للسيف، فلأنه بيع شيء لا يمكن تسليمه إلا بضرر يلحق البائع، ومثل هذا البيع فاسد كبيع جذع في سقف ، فلو فصلت الحلية عن السيف، وسلم إلى المشتري انقلب العقد صحيحاً . - يترتب على الشرطين السابق ذكرهما في عقد الصرف ( وهما خلو العقد عن خيار الشرط، وعن تأجيل قبض أحد العوضين ) أنه لو بيع السيف المحلى بجنس الحلية ، أو بخلاف جنسها من الذهب أو الفضة، وكان الثمن أكثر وزناً من الحلية، واشترط أحد العاقدين خيار شرط ، أو شرط المشتري تأجيل الثمن في صلب العقد، ثم (١) الدر المختار ورد المحتار : ٢٤٨/٤. - ٦٦٠ -