النص المفهرس
صفحات 561-580
الرضا والإبراء. وإن أنكر فقال: «لا » كان القول قوله إلا أن يقيم المشتري البينة، فإن أقامها ، قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي البائع الرضا والإبراء، وإن لم يكن له بينة على إثبات العيب عند البائع، وطلب المشتري يمينه، فإنه يستحلف بالله بنحو بات قاطع جازم لاعلى مجرد نفي العلم: ((لقد بعته وسلمته، وما به هذا العيب)) لأن هذا أمر لو أقر به لزمه ، فإذا أنكر يحلف، وإنما يحلف على هذا الوجه بالجمع بين البيع والاستحلاف؛ لأنه قد يحدث العيب بعد البيع قبل التسليم فيثبت للمشتري حق الرد، فكان الاحتياط هو الجمع بينهما . وهذا ماذكره محمد في الأصل. وقال بعض المشايخ : لا احتياط في هذا، لأنه لو استحلف على هذا الوجه، فمن الجائز حدوث العيب بعد البيع قبل التسليم، فيكون البائع صادقاً في يمينه؛ لأن شرط حنثه: وجود العيب عند البيع والتسليم معاً فلا يحنث بوجوده في أحدهما، فيبطل حق المشتري. والاحتياط للمشتري يتحقق فيما إذا حلف البائع بالله : ((ما للمشتري رد السلعة بهذا العيب الذي يدعي)) وقال بعضهم: يحلف بالله ((لقد سلمته وما به هذا العيب الذي يدعي)) قال الكاساني: (( وهو صحيح ، لأنه يدخل فيه الموجود عند البيع ، والحادث قبل التسليم )). فإذا حلف برئ، ولا يرد عليه المبيع، وإن نكل يرد عليه ويفسخ العقد ، إلا إذا ادعى البائع على المشتري الرضا بالعيب أو الإبراء عنه . وقد صحح بعضهم صيغة اليمين الأولى التي ذكرها محمد ياضار زيادة في الكلام، فتصير الصيغة: ((لقد بعته وسلمته ومابه هذا العيب، لاعند البيع ولا عند (١) التسليم)) (١). (١) البدائع: ٢٧٩/٥ وما بعدها، تحفة الفقهاء: ١٣٩/٢ وما بعدها، رد المحتار: ٩٢/٤، مختصر الطحاوي: ص ٨٠ ومابعدها . - ٥٦١ - آ - وأما إذا كان العيب باطناً خفياً لا يعرفه إلا المختصون : كالأطباء والبياطرة مثل وجع الكبد والطحال ونحوه، فإنه يثبت لمارسة حق الخصومة بشهادة رجلين مسلمين أو رجل مسلم عدل ، وبعده يقول القاضي للبائع : ((هل حدث عندك العيب المدعى به)) فإن قال: ((نعم)) قضى عليه بالرد، وإن أنکر أقام المشتري البينة ، فإن لم يكن له بينة استحلف البائع على الوجه السابق ذكره في العيب المشاهد. فإن حلف، لم يرد عليه، وإن نكل قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإبراء(١) . ٣ - وإن كان العيب مما لا يطلع عليه إلا النساء : فيرجع القاضي إلى قول النساء، فيريهن العيب لقوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ ولا يشترط العدد منهن ، بل يكتفى بقول امرأة واحدة عدل، والثنتان أحوط ؛ لأن قول المرأة فيما لا يطلع عليه الرجال حجة في الشرع، كشهادة القابلة في النسب . فإذا شهدت المرأة على العيب فهناك روايتان عن كل واحد من الصاحبين : ففي رواية عن أبي يوسف أنه يفرق بين ما إذا كان المبيع في يد البائع أو في يد المشتري . فإن كان في يد البائع فيثبت العيب بشهادتها، ويرد المبيع، ويفسخ البيع، لأن مالا يطلع عليه الرجال ، فقول المرأة الواحدة بمنزلة البينة . وإن كان في يد المشتري فيثبت حق الخصومة أي ((حق الادعاء)) بقولها، ولا يثبت بالنسبة لحق الرد على البائع ؛ لأن المبيع وجد معيباً في ضمان المشتري، فلا ينقل الضمان إلى البائع بقول النساء، ثم يسأل القاضي البائع: ((هل كان هذا العيب عندك)» كما بينا في صورة العيب الباطن . (١) البدائع: ٢٧٨/٥، رد المحتار: ٩٢/٤. - ٥٦٢ - وفي رواية أخرى عن أبي يوسف قال: إن كان العيب مما لا يحدث مثله : يفسخ البيع بقول النساء ؛ لأن العيب قد ثبت بشهادتهن ، وقد علمنا كون العيب عند البائع بيقين . وإن كان عيباً يحدث مثله، لم يثبت حق الفسخ بقولهن ؛ لأن هذا مما يعلم من جهة غيرهن . والروايتان عن محمد ما يأتي : قال في رواية : لا يُفسخ البيع بقولهن بحال. وفي رواية: يفسخ قبل القبض وبعده بقولهن ؛ لأن قولهن فيما لا يطلع عليه الرجال كالبينة كما في النسب. والحاصل أن شهادة المرأة الواحدة أو الثنتين يثبت بها العيب الذي لا يطلع عليه الرجال بالنسبة لحق إقامة الخصومة لا بالنسبة لحق الرد، سواء أكان العيب قبل القبض أم بعده في ظاهر الرواية عن علماء الحنفية الثلاث ، فكان هو المذهب المعتمد(١) . ٤ - وأما العيب الذي ليس بمشاهد عند الخصومة ولا يعرف إلا بالتجربة : كالإِباق والجنون والسرقة والبول على الفراش، فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين . فإذا أثبت المشتري حدوث العيب عنده، فيقول القاضي للبائع: ((هل أبق عندك)) فإن قال: ((نعم)) قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي الرضا أو الإبراء، وإن أنكر الإِباق أصلا، وادعى اختلاف الحالة في هذا العيب بين الصغر والكبر، كما أسلفنا بيانه، يقول القاضي للمشتري: ((ألك بينة؟)) فإن قال: ((نعم)) وأقام البينة على البدائع : ٢٧٩/٥ ومابعدها، رد المحتار: ٩٢/٤ ومابعدها . (١) - ٥٦٣ - ما يدعي، قضى عليه بالرد، وإن قال: ((لا)) يستحلف البائع بالله: ((ما أبق عندك قط)» فإن حلف انقطعت الخصومة بينهما ، وإن نکل عن الیمین قضی علیه بالرد . وإذا لم يستطع المشتري إثبات العيب عنده، هل يستحلف القاضي البائع علی ذلك أم لا ؟ قال الصاحبان: يستحلف، وقال أبو حنيفة : لا يستحلف. دليلهما : أن المشتري يدعي حق الرد ولا يمكنه الرد إلا باثبات العيب عند نفسه، وطريق الإثبات : إما البينة أو نكول البائع، فإذا لم تقم له بينة يستحلف لينكل أي (البائع) فيثبت العيب عند نفسه، ولهذا يستحلف أي المشتري عند عدم البينة على إثبات العيب عند البائع فكذا هذا. ودليل أبي حنيفة أن الاستحلاف يكون عقب الدعوى على البائع ، ولادعوى له على البائع إلا بعد ثبوت العيب عند نفسه، ولم يثبت، فلم تثبت دعواه على البائع، فلا يستحلف، والنكول لا يكون إلا بعد الاستحلاف(١). تعالى وكيفية استحلاف البائع : هي أن يحلف على العلم لا على سبيل البت والقطع، فيقول: ((بالله ما يعلم أن هذا العيب موجود في هذا الشيء الآن)) والسبب فيه: هو أنه يحلف على غير فعله، ومن حلف على غير فعله، يحلف على العلم لأنه لاعلم له بما ليس بفعله، أما من حلف على فعل نفسه، فيحلف على البتات (أي بصيغة البت والجزم) فإن نكل أي البائع عن اليمين ، ثبت العيب عند المشتري، فيثبت له حق الخصومة، وإن حلف برئ(٢). البدائع: ٢٧٩/٥، رد المحتار: ٩٢/٤. (١) (٢) البدائع ، المرجع السابق . - ٥٦٤ - المطلب الرابع - مقتضى الخيار وكيفية الفسخ والرد بالعيب مقتضى الخيار: يترتب على ظهور العيب في المبيع أن يكون المشتري مخيراً بین أمرین : إما أن يمضي العقد، وفي هذه الحالة يلتزم بأداء الثمن كاملاً؛ أو يفسخ العقد، فیسترد الثمن إن كان قد دفعه، ویعفی من أدائه إن لم يكن قد أداه، وعليه أن يرد العين المعيبة إذا كان قد استلمها(١). وقال الشافعية والحنابلة : إذا تعيب المبيع في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي، فيكون المشتري مخيراً بين قبوله ناقصاً بجميع الثمن ، ولا شيء له، وبین فسخ العقد والرجوع بالثمن (٢). كيفية الفسخ والرد : المبيع لا يخلو من أحد حالين : ١- إما أن يكون في يد البائع، فينفسخ البيع بقول المشتري: ((رددت)) ولا يحتاج إلى قضاء القاضي ، ولا إلى التراضي بالاتفاق بين الحنفية والشافعية. ٢ - وإما أن يكون في يد المشتري، فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي عند الحنفية؛ لأن الفسخ بعد القبض يكون على حسب العقد ؛ لأنه يرفع العقد، وبما أن العقد لا ينعقد بأحد العاقدين فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر، ومن غير قضاء القاضي ، بخلاف الفسخ قبل القبض ؛ لأن الصفقة ليست تامة حينئذ، بل تمامها بالقبض ، فكان بمنزلة القبض . وعند الشافعي: ينفسخ العقد بقوله: ((رددت)) بغير حاجة إلى قضاء، ولا إلى (١) (٢) فتح القدير: ١٥١/٥. الروضة للنووي: ٥٠٤/٣، المغني: ١٠٩/٤ وما بعدها . - ٥٦٥ _ رضا البائع؛ لأن الفسخ لاتفتقر صحته إلى القضاء، ولا إلى الرضا كالفسخ بخيار الشرط بالاتفاق، وبخيار الرؤية على أصل الحنفية(١). هل الفسخ بعد العلم بالعيب على الفور أم على التراخي ؟ قال الحنفية والحنابلة : خيار الرد بالعيب على التراخي ، ولا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فمتى علم العيب فأخر الرد، لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدل على الرضا، وإذا أعلن المشتري البائع بالعيب وخاصمه في رد المبيع، ثم ترك مخاصمته بعدئذ، ورجع إليها وطلب الرد، فإن له أن يرد مالم يمتنع الرد لمانع، لأنه خيار لدفع ضرر متحقق ، فكان على التراخي كالقصاص، ولا نسلم دلالة الإمساك على الرضا به(٢). وقال الشافعية : يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فلو علم ثم أخر رده بلا عذر؛ سقط حقه في الرد، والمراد بالفور: مالا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة دخل وقتها ، أو بأكل أو نحوه، فلا يكون تراخياً في العادة، فلا يمنع الرد، وكذا لو علم بالعيب، ثم تراخى لعذر كمرض أو خوف لص أو حيوان مفترس أو نحوه، فإن حقه لا يسقط، وإنما يكون له حق الرد بعد العلم بالعيب إذا لم يفعل ما يدل على الرضا، كاستعمال الحيوان ولبس الثوب أو نحوه . ودليلهم أن الأصل في البيع اللزوم ، وعدم اللزوم عارض، ولأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال، فكان فورياً كالشفعة، فيبطل بالتأخير بغير عذر(٣). (١) البدائع: ٢٨١/٥، مغني المحتاج: ٥٧/٢، المهذب: ٢٨٤/١. (٢) رد المحتار: ٩٣/٤، المغني: ١٤٤/٤، غاية المنتهى: ٤١/٢. (٣) مغني المحتاج: ٥٦/٢، المهذب: ٢٧٤/١ . - ٥٦٦ - المطلب الخامس - موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار يمتنع الرد بالعيب ويسقط الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع بأسباب ، منها : ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب . ومنها : مالا يكون البائع ملتزماً فيها بضمان العيوب من أول الأمر. أما ما يكون بعد ثبوت التزام البائع بضمان العيب فهي(١): ١ - الرضا بالعيب بعد العلم به: إما صراحة كأن يقول: رضيت بالعيب أو أجزت البيع، أو دلالة كالتصرف في المبيع تصرفاً يدل على الرضا بالعيب كصبغ الثوب أو قطعه ، أو البناء على الأرض أو طحن الحنطة أو شيّ اللحم ، أو بيع الشيء أو هبته أو رهنه ولو بلا تسليم أو استعماله بأي وجه كلبس الثوب وركوب الدابة أو مداواة المبيع ونحوها كما ذكرنا في مبحث خيار الشرط ، أو وصول عوض العيب إليه حقيقة ، أو اعتباراً كأن يقتله أجنبي وهو في يده خطأ، فيأخذ قيته منه. وذلك لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد ضمناً، ولما رضي المشتري بالعيب بعد العلم به ، دل على أنه ماشرط السلامة، ولأنه إذا رضي بالعيب فقد رضي بالضرر: وهو إسقاط ضمان العيب الذي يعوض به عن الجزء المعيب، وفي حالة العوض : إذا حصل التعويض ، فكأن الجزء المعيب عاد سليماً معنىً، بقيام بدله، وهذا في ظاهر الرواية، لأنه لما وصلت إليه قيمته، قامت القيمة مقام العين ، فصار كأنه باعه . ٢ - اسقاط الخيار صراحة أو في معنى الصريح: مثل أن يقول المشتري: أسقطت الخيار أو أبطلته، أو ألزمت البيع أو أوجبته، وما يجري مجراه . (١) البدائع: ٢٨٢/٥، ٢٩١، رد المحتار: ٩٤/٤، ١٠٣. - ٥٦٧ - وأما ما يمنع الرد دون أن يكون البائع ملتزماً بالضمان من أول الأمر فهو ما يأتي : ١ - المانع الطبيعي: وهو هلاك المبيع بآفة سماوية، أو بفعل المبيع، أو باستعمال المشتري كأكل الطعام، فيمتنع الرد في هذه الحالات لهلاك المبيع، ويثبت للمشتري حق الرجوع على البائع بنقصان العيب(١). ٢ - المانع الشرعي: وهو أن يحدث في المبيع قبل القبض زيادة متصلة غير متولدة من الأصل كصبغ الثوب والبناء على الأرض، أو يحدث بعد القبض زيادة متصلة غير متولدة أو زيادة منفصلة متولدة كالولد والثمرة. وأما بقية أنواع الزيادات فلا تمنع الرد . وتفصيله ما يأتي(٣) : الزيادة في المبيع : إما أن تحدث قبل القبض أو بعده، وكل منهما إما متصلة أو منفصلة . فالزيادة الحادثة قبل القبض : ١ - إذا كانت متصلة: لله تعالى فإما أن تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال والكبر والسمن ونحوها ، فلا تمنع الرد، لأنها تابعة للأصل حقيقة . أو تكون غير متولدة كصبغ الثوب أو خياطته، وكالبناء أو الغرس على الأرض ، فتمنع الرد ؛ لأنها أصل قام بذاته، وليست تابعة، فلا يرد المبيع بدونها ، (١) البدائع: ٢٨٢/٥، رد المحتار: ٨٦/٤، ٩٩، مجمع الضمانات: ص ٢١٩، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ٥ ١١٠، مغني المحتاج : ٥٤/٢ . البدائع: ٢٨٤/٥ وما بعدها، التقريرات على رد المحتار: ٨٥/٤، ٩٨، عقد البيع المرجع المذكور: ص ١١١. (٢) - ٥٦٨ - لتعذر الرد، ولا يرد معها ، لأنها ليست تابعة في البيع فلا تتبع في الفسخ . ٢ - وإن كانت منفصلة: فإما أن تكون أيضاً متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن ، فلا تمنع الرد، فإن شاء المشتري ردهما جميعاً، وإن شاء رضي بها بجميع الثمن . أو تكون غير متولدة، كالكسب والصدقة والغلة، فلا تمنع الرد ؛ لأنها ليست بمبيعة، وإنما هي مملوكة بملك الأصل. وأما الزيادة الحادثة في المبيع بعد القبض (أي عند المشتري): ١ - إن كانت زيادة متصلة. فإن كانت متولدة من الأصل كسمن الدابة، فلا تمنع الرد عند الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية(١)، ويبقى حكم العيب معها على موجبه الأصلي: فإن رضي المشتري أن يردها مع الأصل ردها، وإن أبى وأراد أن يأخذ نقصان العيب، وأبى البائع إلا الرد ودفع جميع الثمن ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ليس للبائع أن يأبى وللمشتري أخذ نقصان العيب منه ؛ لأن الزيادة المتصلة بعد القبض تمنع الفسخ 5 عندهما إذا لم يوجد الرضا من صاحب الزيادة . وقال محمد : له أن يأبى الرد، وليس للمشتري أن يرجع بالنقصان عليه (أي على البائع) لأن الزيادة المتصلة عنده لاتمنع الفسخ، وأصل الخلاف راجع إلى حكم الزيادة المتصلة بالمهر بعد القبض إذا طلق الزوج امرأته قبل الدخول. وإن كانت غير متولدة: فإنها تمنع الرد بالاتفاق؛ لأن هذه الزيادة ملك (١) مغني المحتاج: ٦١/٢، المغني: ١١٤/٤، حاشية الدسوقي: ١٢٧/٣. - ٥٦٩ - للمشتري ، فلا يحق للبائع عندئذ أخذها بلا مقابل، ويتعين الرجوع بنقصان العيب. ٢ - وإن كانت زيادة منفصلة: فإن كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن، فإنها تمنع الرد عند الحنفية؛ لأنها لو رد الأصل دونها تبقى للمشتري بلا مقابل، وهو ممنوع شرعاً ، لأنه ربا . وقال الشافعية والحنابلة: لا تمنع هذه الزيادة الرد، وهي للمشتري بعد القبض ، لأنها حدثت في ملك المشتري، فلا تمنع الرد، كالزيادة غير المتولدة، ولما روي ((أن رجلاً ابتاع من آخر غلاماً، فأقام عنده ماشاء الله، ثم وجد به عيباً ، فخاصمه إلى النبي مَّ اقٍّ ، فرده عليه، فقال: يارسول الله، قد استغل غلامي، فقال: الخراج بالضمان))(١) ومعناه أن فوائد المبيع للمشتري في مقابلة أنه لو تلف كان من ضانه، وقيس الثمن على المبيع . وإن كانت الزيادة غير متولدة كالكسب والصدقة، لم يمتنع الرد، ويرد الأصل على البائع، والزيادة للمشتري طيبة له؛ لأن هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلاً، فأمكن فسخ العقد بدون الزيادة . ٣ - المانع بسبب حق البائع: وهو حدوث عيب جديد عند المشتري بعد قبضه، إذا كان المبيع معيباً بعيب قديم عند البائع، كأن انكسرت يد الدابة المبيعة عند المشتري، وظهر فيها مرض قديم كان عند البائع؛ لأن المبيع خرج عن ملك البائع معيباً بعيب واحد، فلو رد يرد بعيبين، فيتضرر البائع. وشرط الرد أن يرد على الوجه الذي أخذ، وإنما يكون للمشتري أن يرجع على بائعه بالنقصان . ولو زال العيب الحادث، كما لو شفيت الدابة المريضة، عاد الموجب الأصلي: وهو حق الرد(٢). (١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها، وهذه رواية أبي داود. ومعنى الخراج بالضمان أي الغنم بالغرم إذ أن الخراج هو الدخل والمنفعة: أي يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي عليه أي بسببه، فالباء للسببية (انظر جامع الأصول: ٢٨/٢، نيل الأوطار: ٢١٣/٥). (٢) البدائع: ٢٨٣/٥، رد المحتار: ٨٢/٤، ١٠١، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ١١١ . - ٥٧٠ - ٤ - المانع بسبب حق الغير: كما لو أخرج المشتري المبيع عن ملكه بعقد من عقود التمليك كبيع أوهبة أو صلح، ثم اطلع على أنه كان معيباً بعيب قديم ، فلا يمكن المشتري الأول أن يفسخ البيع بينه وبين بائعه، لأنه قد تعلق بالمبيع حق مالك جديد ، أنشأه المشتري نفسه(١). ٥ - إتلاف المشتري المبيع : كما لو كان المبيع دابة فقتلها، أو ثوباً فمزقه ونحوه، ثم علم بوجود العيب القديم فيه، فيستقر عليه الثمن المسمى نهائياً دون رجوع بنقصان. والفرق بين هذا العيب وبين المانع بسبب حق الغير: أنه في الحالة الثانية يحتمل زوال المانع ، فيعود حق الرد، وفي الحالة الأولى لايحتمل زواله(٢). وإذا حصل في المبيع عيب عند المشتري، ثم اطلع على عيب كان عند البائع فله أن يرجع بالنقصان على البائع ولا يرد المبيع إلا أن يرى البائع أخذ المبيع بعينه فله أخذه. وتعتبر قيمة النقصان يوم البيع (). والخلاصة : أنه يجوز الرجوع على البائع للمطالبة بفرق نقصان العيب في حالات ثلاث : هي هلاك المبيع، وتعيبه بعيب جديد، وتغيير صورته بحيث أصبح له اسم جدید . ويلاحظ أن الكلام في هذه الموانع التي ذكرناها فيما إذا كان المشتري عاقداً لنفسه ، فإن كان عاقداً لغيره ففيه تفصيل : إذا كان العاقد لغيره ممن يجوز أن تلزمه الخصومة (أي الادعاء) في الرجوع بنقصان العيب كالوكيل ، والشريك، والمضارب، فتلزمه الخصومة، ويقوم برد عقد البيع، المرجع السابق . (١) (٢) عقد البيع : ص ١١٢ وما بعدها . مجمع الضمانات: ص ٢٢٠، فتح القدير: ١٦٤/٥ . (٣) - ٥٧١ - المبيع المعيب على البائع ؛ لأن الرد بالعيب من حقوق العقد، وحقوق العقد ترجع إلى العاقد إذا كان ممن تلزمه الخصومة كالعاقد لنفسه، فما قضي به على العاقد - إن كان وكيلاً بالبيع - رجع به على من وقع له العقد ، لكونه قائماً مقامه(١) . وإذا كان العاقد ممن لا تلزمه الخصومة كالقاضي والإمام إذا عقدا عقداً بحكم الولاية، فإنه ينصب خصاً يخاصم في العيب، فما قضي به عليه، رجع في مال من وقع التصرف له، وإن كان التصرف للمسلمين رجع في بيت مالهم. وأما العاقد : إذا كان صبياً محجوراً، فباع أو اشترى بإذن إنسان، فلا تلزمه الخصومة، ولا ضمان عليه، وإنما الخصومة على من وكله في التصرف؛ لأن حكم العقد وقع للموكل ، والعاقد ليس من أهل لزوم العهدة (أي حقوق العقد) فيقتصر دوره على مباشرة التصرف لا غير، كالرسول والوكيل في عقد النكاح . المطلب السادس - آراء الفقهاء في شرط البراءة عن العيوب اختلف الفقهاء فيما إذا شرط البائع براءته من ضمان العيب (أي عدم مسؤوليته عما يمكن أن يظهر من عيوب في المبيع)، فرضي المشتري بهذا الشرط، اعتماداً على السلامة الظاهرة ثم ظهر في المبيع عيب قديم(١). فقال الحنفية: يصح البيع بشرط البراءة من كل عيب(١) وإن لم تعين العيوب بتعداد أسمائها ، سواء أكان جاهلاً وجود العيب في مبيعه فاشترط هذا الشرط احتياطاً ، أم كان عالماً بعيب المبيع ، فكتمه عن المشتري ، واشترط البراءة من ضمان العيب ليحمي بهذا الشرط سوء نيته، فيصح البيع، لأن الإِبراء اسقاط، لاتمليك، رد المحتار: ٨٩/٤. (١) المدخل الفقهي العام: ص ٣٧٧، عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ١٠٧ . (٢) وللناس عبارات مختلفة في شرط البراءة عن العيوب مثل بيع الشيء على أنه حاضر حلال، أو على أنه مكسر (٣) محطم، أو كوم تراب أو عظام، أو حراق على الزناد، أو لا يصلح لشيء أو لأجل الطرح. وفي بيع الدابة يقولون: على أنها لحم: أي لا ينتفع من حياتها بعمل (رد المحتار: ١٠٠/٤، عقد البيع: ص ١١٧). - ٥٧٢ _ والإسقاط لا تفضي الجهالة فيه إلى المنازعة، لعدم الحاجة إلى التسليم . ويشمل هذا الشرط كل عيب موجود قبل البيع أو حادث بعده قبل القبض ، فلا يرد المبيع بالعيب حينئذ. وهذا في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ؛ لأن غرض البائع إلزام العقد باسقاط المشتري حقه في وصف سلامة المبيع، ليلزم البيع على كل حال، ولا يتحقق هذا الغرض إلا بشمول العيب الحادث قبل التسليم ، فكان داخلاً ضمناً . وقال محمد وزفر والحسن بن زياد ومالك والشافعي ، وهو المعمول به في قانوننا المدني : يشمل شرط البراءة العيب الموجود عند العقد فقط، لا الحادث بعد العقد وقبل القبض ؛ لأن البراءة تتناول الشيء الثابت الموجود، بسبب أن الإبراء عن المعدوم لا يتصور، والحادث لم يكن موجوداً عند البيع، فلا يدخل تحت الإبراء(١). وهذا الخلاف فيما إذا قال: ((أبرأتك عن كل عيب مطلقاً)) فأما إذا قال: ((أبيعك على أني بريء من كل عيب به)) لم يدخل فيه العيب الحادث بالاتفاق، لأنه لم يعم البراءة ، وإنما خصها بالموجود عند العقد . وبناء على قول محمد وزفر والحسن : إذا كانت البراءة من العيوب عامة فاختلف البائع والمشتري في وجود عيب، فقال البائع : كان موجوداً عند العقد، فدخل تحت البراءة، وقال المشتري: بل هو حادث لم يدخل تحت البراءة ، فقال محمد : القول قول البائع، مع يمينه ؛ لأن البراءة عامة والمشتري يدعي حق الرد بعد عموم البراءة عن حق الرد بالعيب، والبائع ينكر ذلك، فكان القول قوله . وقال زفر والحسن : القول قول المشتري لأن الأصل هو ثبوت الحق، والمشتري هو المبرئ، فيكون القول قوله في مقدار البراءة(٣). البدائع: ٢٢٧/٥، فتح القدير: ١٨٢/٥، رد المحتار: ١٠٠/٤. (١) (٢) البدائع : ٢٧٧/٥ . - ٥٧٣ - ويشمل هذا الشرط أيضاً كل عيب من العيوب الظاهرة والباطنة؛ لأن اسم العيب يقع على الكل . فإذا قال: ((أبرأتك عن كل داء)) فيقع على كل عيب ظاهر، دون الباطن من طحال ونحوه عند أبي يوسف. وروي عن أبي حنيفة أنه يقع على كل عيب باطن ، وأما العيب الظاهر فيسمى مرضاً . وقد رجح بعضهم الرأي الثاني اعتماداً على ما هو المعروف في العادة، إلا أن المشهور في المذهب هو الأول أي على كل مرض ؛ لأن الداء في اللغة هو المرض ، سواء أكان بالجوف أم بغيره ، والعرف الآن موافق للغة(١) . ولو أبرأ البائع عن كل غائلة(٢) فيقع على السرقة والإباق والفجور، وكل ما يعد عيباً عند التجار(٣). وإذا خصص الإبراء عن بعض العيوب لم يشمل غيرها، كأن يبرئ من القروح أو الكي أو نحوها ، لأنه أسقط حقه من نوع خاص(٩) أتعـ فإذا كانت البراءة خاصة بعيب موجود عند العقد سماه المشتري، ثم اختلف المتعاقدان، فقال البائع: ((كان بها)) وقال المشتري: ((حدث قبل القبض)» فقال محمد : القول قول المشتري لأن هذه البراءة خاصة بحال العقد، لا تتناول إلا الموجود حالة العقد، والمشتري يدعي العيب لأقرب الوقتين ، والبائع يدعيه لأبعدهما، فكان الظاهر شاهداً للمشتري(٥). (١) رد المحتار: ١٠٠/٤، البدائع : ٢٧٨/٥. الغائلة: الفجور أي (الزنا)، والإباق، والسرقة، ونحو ذلك. (٢) (٣) البدائع: ٢٧٨/٥، رد المحتار، المرجع السابق. (٤) البدائع : ٢٧٧/٥ . البدائع : ٢٧٨/٥ . (٥) - ٥٧٤ _ هذا هو مذهب الحنفية في شرط البراءة عن العيوب عموماً. وأما مذاهب غيرهم من حيث العلم بالعيب والجهل به فهي ما يلي : قال المالكية : إن شرط البراءة عن العيوب يصح في كل عيب لا يعلم به البائع، أما ما يعلم به فلا تصح البراءة عنه (١). وقال الشافعية: لو باع بشرط براءته من العيوب، فالأظهر أنه يبرأ عن كل عيب باطن بالحيوان خاصة، إذا لم يعلمه البائع ، ولا يبرأ عن عيب بغير الحيوان ، كالثياب والعقار مطلقاً، ولا عن عيب ظاهر بالحيوان، علمه، أم لا، ولا عن عيب باطن بالحيوان كان قد علمه. والمراد بالباطن : مالا يطلع عليه غالباً. وينصرف الإِبراء إلى العيب الموجود عند العقد، لا الذي حدث قبل القبض . ولو اختلف المتعاقدان في قدم العيب فيصدق البائع . ولو شرط البائع البراءة عما يحدث من العيوب قبل القبض ولو مع الموجود منها، لم يصح الشرط في الأصح؛ لأنه اسقاط للشيء قبل ثبوته، كما لو أبرأ عن ثمن ما يبيعه له(٣). وأما الحنابلة فعندهم روايتان عن أحمد: رواية تقرر أنه لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب ، ورواية كالمالكية : تقرر أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عیب علمه . واختار ابن قدامة وغيره أن من باع حيواناً أو غيره بالبراءة من كل عيب أو من عيب معين موجود: لم يبرأ، سواء علم به البائع أو لم يعلم(١). حاشية الدسوقي: ١٢٣/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٦٥ . (١) (٢) . مغني المحتاج: ٥٣/٢. المغني: ١٧٨/٤، غاية المنتهى: ٢٧/٢. (٣) - ٥٧٥ _ الفقه الإسلامي جـ٤ (٣٧) ١٤ - خيار الرؤية يذكر بعض المؤلفين هذا الخيار قبل خيار العيب ، لكونه أقوى منه ، لأنه يمنع تمام البيع ، أما خيار العيب فيمنع لزوم الحكم ، واللزوم بعد التمام . ونحن قد خالفنا ذلك لتشابه خيار الشرط وخيار العيب ، كما أشرنا سابقاً، ثم إن خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار التعيين ثبتت باشتراط المتعاقدين ، أما خيار الرؤية فقد ثبت من ناحية الشرع . خطة الموضوع : نتكلم في هذا الخيار وفقاً للمطالب الآتية : المطلب الأول : مشروعية خيار الرؤية . المطلب الثاني : وقت ثبوت الخيار. المطلب الثالث : كيفية ثبوت الخيار. المطلب الرابع : صفة البيع الذي فيه خيار رؤية وحكمه. المطلب الخامس : شرائط ثبوت الخيار، وتوابعها. المطلب السادس : مسقطات الخيار. المطلب السابع : ما ينفسخ به العقد وشروط الفسخ . المطلب الأول - مشروعية خيار الرؤية أجاز الحنفية خيار الرؤية في شراء مالم يره المشتري وله الخيار إذا رآه : إن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وإن شاء رده، وكذا إذا قال: رضيت، ثم رآه: له أن يرده، لأن الخيار معلق بالرؤية، كما في الحديث الآتي، ولأن الرضا بالشيء قبل العلم - ٥٧٦ - بأوصافه لا يتحقق فلا يعتبر قوله: ((رضيت)) قبل الرؤية بخلاف قوله: (( رددت)). وقد استدلوا على خيار الرؤية بقوله عليه السلام فيما يرويه أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهما: ((من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه))(١). واستدلوا أيضاً بما روي أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه باع أرضاً له من طلحة بن عبد الله رضي الله عنهما، ولم يكونا رأياها، فقيل لسيدنا عثمان: ((غبنت))، فقال: ((لي الخيار، لأني اشتريت مالم أره)، فحكّما في ذلك جبير بن مطعم ، فقضى بالخيار لطلحة رضي الله عنه (٢). وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً منهم على شرعية هذا الخيار. واستدلوا أيضاً بالمعقول: وهو أن جهالة الوصف تؤثر في الرضا ، فتوجب خللاً فيه، واختلال الرضا في البيع يوجب الخيار. وبناء على هذا، أجازوا بيع العين الغائبة من غير صفة، ويثبت للمشتري حينئذ خيار الرؤية، أو بصفة مرغوبة، ويثبت له خيار الوصف، كما سبقت الإشارة إليه، فإذا رأى المشتري المبيع، كان له الخيار فإن شاء أنفذ البيع، وإن شاء رده، سواء أكان موافقاً للصفة أم لا ، فيثبت الخيار بكل حال . ولم يجز الحنفية خيار الرؤية للبائع إذا باع مالم يره كما إذا ورث عيناً من الأعيان في بلد غير الذي هو فيه، فباعها قبل الرؤية، صح البيع ، ولا خيار له عندهم. وقد (١) روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند عن أبي هريرة، والمرسل عن مكحول رفعه إلى النبي عط الله، نقل النووي اتفاق الحفاظ على تضعيفه. وقد سبق تخريجه في بيع العين الغائبة . (٢) أخرجه الطحاوي والبيهقي عن علقمة بن أبي وقاص أن طلحة اشترى من عثمان مالاً .. الحديث ( انظر نصب الراية : ٩/٤ ) . - ٥٧٧ _ رجع أبو حنيفة عما كان يقول أولاً بأن له الخيار، كما للمشتري، وكما هو الأمر في خيار الشرط وخيار العيب(١). والتفرقة بين البائع والمشتري في هذا أمر معقول ؛ لأن البائع يعرف ما يبيعه أكثر من المشتري، فلا ضرورة لثبوت الخيار له، وعليه أن يتثبت قبل البيع، حتى لا يقع عليه غبن يطلب من أجله فسخ العقد (٣). وأجاز المالكية خيار الوصف للمشتري فقط ، فقالوا: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض ، فإذا جاء على الصفة، صار العقد لازماً(٣). وكذا الحنابلة أجازوا كالمالكية خيار الوصف فقط فقالوا: يجوز بيع الغائب إذا وصف للمشتري ، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلم ، لأنه بيع بالصفة، فصح كالسلم . وتحصل بالصفة معرفة المبيع ؛ لأن معرفته تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا يكفي كما يكفي في السلم، ولا يعتبر في الرؤية الاطلاع على الصفات الخفية ، ومتى وجده المشتري على الصفة المذكورة صار العقد لازماً ، ولم يكن له الفسخ . ولم يجيزوا في أظهر الروايتين بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته؛ لأن النبي ◌َ ◌ّ ((نهى عن بيع الغرر))(٤) ولأنه باع مالم يره ولم يوصف له، فلم يصح، کبيع النوى في التمر. وأثبت الحنابلة والظاهرية خيار الرؤية للبائع إذا باع مالم ير. المبسوط: ٦٩/١٣ وما بعدها، فتح القدير مع العناية: ١٣٧/٥ - ١٤٠، البدائع: ٢٩٢/٥، رد المحتار: ٦٨/٤. (١) (٢) الأموال ونظرية العقد للدكتور محمد يوسف موسى : ص ٤٨١ . (٣) بداية المجتهد : ١٥٤/٢ ، حاشية الدسوقي : ٢٥/٣ وما بعدها . رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ورواه أيضاً الطبراني في الكبير عن ابن عباس ، وفي الأوسط (٤) عن ابن عمر وسهل بن سعد ( وقد سبق تخريجه ) . - ٥٧٨ - وأما حديث خيار الرؤية فهو مروي عن عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث، ويحتمل أن يراد بالحديث : أنه بالخيار بين العقد عليه وتركه(١). وقال الشافعي في المذهب الجديد: لا ينعقد بيع الغائب أصلاً، سواء أكان بالصفة ، أو بغير الصفة ، لحديث أبي هريرة أن رسول الله م ے (( نهى عن بيع الغرر)) وفي هذا البيع غرر، وبما أنه من أنواع البيوع، فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم، ثم إنه داخل تحت النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أي ماليس بحاضر أو مرئي للمشتري. وأما حديث ((من اشترى مالم يره فهو بالخيار إذا رآه )) فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي، وقال الدارقطني عنه: ((إنه باطل)). " وبناء على الأظهر من اشتراط رؤية المبيع قالوا : تكفي رؤية المبيع قبل العقد فيما لا يتغير غالباً إلى وقت العقد كالأرض والحديد، دون ما يتغير غالباً كالأطعمة ، وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه، كظاهر الصبرة من حنطة ونحوها، وجوز ونحوه، وأدقة ( جمع دقيق ) وكأعالي المائعات في أوعيتها كالدهن ، وأعلى التمر في قوصرته ( وعاء من قصب يجعل فيه التمر ونحوه ) والطعام في آنيته، وكأنموذج المتماثل أي ( المتساوي الأجزاء ) كالحبوب، فإن رؤيته تكفي عن رؤية باقي (٢) المبيع (٣) . ورد الحنفية على حجج غيرهم بأن جهالة المبيع غير المرئي لا تؤدي للنزاع مطلقاً ما دام للمشتري أن يرد المبيع إذا لم يره محققاً لرغبته ويفسخ العقد . وحديث النهي عن بيع ماليس عند الإنسان(٣): معناه النهي عن بيع مالا يملك. والنهي عن بيع الغرر ينصرف إلى مالا يكون معلوم العين(٤). المغني: ٥٨٠/٣ وما بعدها ، المحلى : ٣٩٤/٨ وما بعدها . (١) (٢) مغني المحتاج : ١٨/٢ وما بعدها ، المهذب : ٢٦٣/١ . (٣) رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي ، وقد سبق تخريجه مختصراً . المبسوط : ٦٩/١٣ وما بعدها . (٤) - ٥٧٩ - المطلب الثاني- وقت ثبوت الخيار يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المبيع، لاقبلها فلو أجاز البيع قبل الرؤية : لا يلزم البيع، ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المبيع؛ لأن النبي مُؤ في أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية، فلو ثبت له خيار الإجازة قبل الرؤية، وأجاز، لم يثبت له الخيار بعد الرؤية، وهذا خلاف نص الحديث . وأما الفسخ قبل الرؤية فقد اختلف المشايخ فيه : قال بعضهم : لا يملك المشتري الفسخ، لأنه خيار قبل الرؤية، ولهذا لم يملك الإجازة قبل الرؤية ، فلا يملك الفسخ . وقال بعضهم : يملك الفسخ وهو الصحيح، لالسبب الخيار، لأنه غير ثابت، ولكن لأن شراء مالم يره المشتري عقد غير لازم ، فكان محل الفسخ، كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع(١). المطلب الثالث - كيفية ثبوت الخيار اختلف مشايخ الحنفية فيها : لله تعالى فقال بعضهم : إن خيار الرؤية يثبت مطلقاً في جميع العمر، إلا إذا وجد ما يسقطه، كما سيأتي في بيان المسقطات، وهو اختيار الكرخي، والأصح عند الحنفية، لأنه خيار تعلق بالاطلاع على حال المبيع، فأشبه الرد بالعيب، ولأن سبب ثبوت هذا الخيار هو اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي سببه . وقال بعضهم : إنه يثبت مؤقتاً إلى غاية إمكان الفسخ بعد الرؤية، حتى لو رآه وتمكن من الفسخ بعد الرؤية، ولم يفسخ، يسقط خيار الرؤية، وإن لم توجد (١) البدائع : ٢٩٥/٥ . - ٥٨٠ -