النص المفهرس

صفحات 541-560

ومن مسقطات الخيار دلالة أيضاً: أن يسقي المشتري الزروع والثمار أو يحصدها
أو يقطع منها شيئاً لدوابه، لأنه يعد إجازة للبيع واختياراً للتملك كما ذكرنا(١).
أما ركوب الدابة لسقيها أولردها على البائع، فلا يسقط الخيار استحسانا؛ لأن
الدابة قد لا يمكن تسييرها إلا بالركوب ، ويسقط قياساً، لأن الركوب دليل اختيار
الملك .
وكذا ركوب الدابة لينظر إلى سيرها وقوتها ، لا يسقط الخيار.
وكذا أيضاً لبس الثوب لينظر إلى طوله وعرضه لا يسقط الخيار، لاحتياجه
إلى التجربة والاختبار، أما لبسه ثانية لنفس الغرض الأول ، فيسقط الخيار.
وركوب الدابة مرة ثانية لمعرفة العَدْو أو لمعرفة سيرآخر كمشي الهملاج (أي
السير السهل) لا يسقط الخيار أيضاً، أما ركوبها لمعرفة الغرض الأول، فيسقط
الخيار.
ويرى بعض مشايخ الحنفية أن ركوب الدابة للمرة الثانية لنفس الغرض
الأول: لا يسقط الخيار؛ لأن الاختبار لا يحصل بالفعل مرة، لاحتمال وقوع ذلك
صدفة ، فيحتاج إلى معرفة العادة الثابتة ، بخلاف الثوب : فإن الغرض يحصل بالمرة
الواحدة(٢).
٣ - إسقاط الخيار بطريق الضرورة :
يسقط الخيار ضرورة بأمور:
١ - مضي مدة الخيار: يسقط الخيار بمضي مدته دون اختيار فسخ العقد،
لأن الخيار مؤقت بها ، فيبقى العقد بلا خيار، فيصبح لازماً(٢).
تحفة الفقهاء : ١٠٠/٢ وما بعدها، البدائع : ٢٧٠/٥ .
(١)
تحفة الفقهاء: ١٠١/٢ وما بعدها، البدائع : ٢٧٠/٥.
(٢)
(٣)
البدائع : ٢٦٧/٥ .
- ٥٤١ -

وكذلك قال الشافعية والحنابلة : يسقط الخيار إذا انقضت مدته، ولم يفسخ
أحدهما العقد ويصبح لازماً؛ لأن مدة الخيار ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها
كالأجل ، ولأن الحكم ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار في غير المدة المشروطة، والشرط
سبب الخيار، فلا يجوز أن يثبت به ما لم يتناوله، ولأنه حكم مؤقت، فصار بفوات
وقته كسائر المؤقتات، ولأن البيع يقتضي اللزوم، وإنما تخلّف موجبه بالشرط، ففيا
لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه لعدم وجود ما ينافي مقتضى العقد كما لو
أمضوا العقد (١) .
وقال الإمام مالك: لا يلزم البيع بمضي المدة بل لا بد من اختيار أو إجازة،
لأن مدة الخيار جعلت حقاً لصاحب الخيار لا واجباً عليه، فلم يلزم الحكم بنفس
مرور الزمان، كمضي الأجل في حق المولى بالنسبة للمكاتب، لا يلزم المولى بالعتق
بمجرد مضي المدة(٣).
٢ - موت المشروط له الخيار:
8
إذا مات المشروط له الخيار، يسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم
للمشتري، أولهما ، ويصير العقد لازماً، لأنه وقع العجز عن الفسخ، فيلزم ضرورة،
وقد اتفق الفقهاء على أنه يورث خيار العيب وخيار التعيين، ولا يورث خيار
الإجازة في بيع الفضولي، ولا خيار الرؤية على الصحيح، كما لا يورث الأجل(٣)
وكذلك لا يورث خيار القبول عند الحنفية والمالكية، ويورث خيار المجلس عند
الشافعية(٤)، فلومات من له الخيار أو أغمي عليه في المجلس لم يبطل خياره، بل
(١)
الميزان: ٦٤/٢، المغني : ٥٩١/٣ .
(٢)
حاشية الدسوقي : ٩٥/٣، ٩٨ .
(٣)
البدائع : ٢٦٨/٥، بداية المجتهد : ٢٠٩/٢ .
المجموع للنووي: ١٩٦/٩، حاشية الباجوري: ١٦٠/١.
(٤)
- ٥٤٢ -

ينتقل إلى وارثه والناظر في أمره. وقال الحنابلة: ينقطع هذا الخيار بالموت لا
بالجنون والإغماء (١).
أما خيار الشرط فاختلفوا في إرثه :
فقال الحنفية: لا يورث خيار الشرط، وإنما يسقط بموت المشروط له، كما بينا؛
لأن الوارث يستحق الباقي بعد موت المورِّث، وخيار المورِّث لا يبقى بعد موته؛
لأن خياره يخيره بين الفسخ والإجازة، ولا يتصور ذلك منه بعد موته، فلا يورث،
بخلاف خيار العيب والتعيين لأن الموروث هناك محتمل للإرث وهو العين المملوكة،
أما الخيار فهو عرض لا يبقى (٣).
والخلاصة : أن خيار القبول والإجازة في بيع الفضولي والأجل وخيار الشرط لا
يورث . أما خيار العيب والتعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار
التغریر، فإنه یورث(٣).
وقال الحنابلة : المذهب أن خيار الشرط يبطل بموت صاحبه، ويبقى خيار
الآخر بحاله، إلا أن يكون الميت قد طالب بالفسخ قبل موته في مدة الخيار، فيكون
حينئذ لورثته(٤).
وقال المالكية والشافعية : إذا مات صاحب الخيار: فلورثته من الخيار مثل ما
كان له؛ لأن الخيار حق ثابت لضمان صلاحية المال المشترى ، فلم يسقط بالموت
كالرهن وحبس المبيع على الثمن ونحوها من الحقوق المالية، فينتقل إلى الوارث
كالأجل وخيار الرد بالعيب، ولأنه حق فسخ للبيع، فينتقل إلى الوارث كالرد
(١)
غاية المنتهى : ٣٠/٢.
(٢)
المبسوط : ٤٢/١٣، فتح القدير: ١٢٥/٥، البدائع: ٢٦٨/٥، رد المحتار : ٥٧/٤.
(٣)
رد المحتار : ٥٣٨/٥ .
المغني : ٥٧٩/٣ ، غاية المنتهى : ٣٣/٢.
(٤)
- ٥٤٣ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣٥)

بالعيب، والفسخ بالتحالف(١).
ويلاحظ أن مرجع الخلاف في إرث الخيار هو: هل الأصل أن تورث الحقوق
كالأموال أم لا؟
فقال الجمهور: الأصل أن تورث الحقوق والأموال إلا إذا قام دليل على وجود
اختلاف بين الحق والمال بالنسبة للإرث .
وقال الحنفية : الأصل هو أن یورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من
إلحاق الحقوق بالأموال.
٣ - ما هو في معنى الموت: كالجنون والإغماء والنوم والسُكْر والردة واللحاق
بدار الحرب(٢). فإذا ذهب عقل صاحب الخيار بالجنون أو بالإغماء، في مدة الخيار،
ومضت المدة على تلك الحال صار العقد لازماً لأنه عجز عن الفسخ فتزول فائدة
الخيار، فإن أفاق في مدة الخيار، بقي الخيار، لإمكان ممارسة حق الفسخ والإجازة .
وكذا يسقط الخيار لو بقي صاحبه نائماً لآخر مدة الخيار، كما يسقط على
الصحيح لوسكر وظل سكراناً حتى مضت مدة الخيار.
ولو ارتد من له الخيار في مدة الخيار، فقتل على الردة أومات : لزم البيع.
وكذا لو لحق بدار الحرب، وقضى القاضي بلحاقه ؛ لأن الردة بمنزلة الموت بعد
الالتحاق بدار الحرب .
فإن عاد المرتد إلى الإسلام في مدة الخيار، فهو على خياره.
بداية المجتهد: ٢٠٩/٢، القوانين الفقهية: ص ٢٧٣، المهذب: ٢٥٩/١، مغني المحتاج: ٤٥/٢، والفسخ
(١)
بالتحالف : يحصل عند اختلاف البائع والمشتري في قدر الثمن أو قدر المبيع ، ولم يكن لكل واحد منهما بينة ،
ولم يتراضيا ، فيحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر ، فإن حلفا فسخ القاضي البيع بينهما ( انظر
نتائج الأفكار: ١٨٣/٦ وما بعدها ) .
(٢)
المبسوط : ٤٤/١٣، فتح القدير : ١٢١/٥.
- ٥٤٤ _
ے.

ز
كل ذلك إذا لم يتصرف المرتد بالخيار فسخاً أو اجازة ، فإذا تصرف في مدة الخيار
ينظر:
إن أجاز البيع جاز بالاتفاق، ولو فسخ يصبح حكم العقد موقوفاً عند أبي
حنيفة: فإن عاد مسلماً نفذ، وإن مات أو قتل على الردة ، بطل الفسخ.
وقال الصاحبان : تنفذ تصرفات المرتد حال ردته. ومنشأ الخلاف : هل
تصرفات المرتد موقوفة أم نافذة ؟
قال أبو حنيفة : هي موقوفة. وقال الصاحبان: هي نافذة ، سواء أسلم أومات.
أو قتل(١) .
وقال الشافعية والحنابلة : لو جن صاحب الخيار أو أغمي عليه أو أصابه خرس
فلم تفهم إشارته، ينتقل الخيار إلى وليه من حاكم أو غيره(٣).
٤ - هلاك المبيع في مدة الخيار: فيه تفصيل ؛ لأن الهلاك إما أن يكون
قبل القبض أو بعد القبض ، والخيار إما للبائع، أو للمشتري(٣).
آ - فإن هلك المبيع قبل القبض أي (في يد البائع) بطل البيع وسقط الخيار،
سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري ، أم لهما معاً ، لأنه لو كان العقد باتاً لبطل البيع
بسبب العجز عن التسليم ، فيبطل إذا كان فيه خيار شرط من باب أولى .
ب - وإن هلك المبيع بعد القبض أي ((في يد المشتري)): فإن كان الخيار للبائع،
فيبطل البيع أيضاً، ويسقط الخيار، ولكن يلزم المشتري القيمة إن لم يكن له مثل،
والمثل إن كان له مثل .
انظر التفصيل في فتح القدير : ٣٩٥/٤ وما بعدها .
(١)
(٢)
مغني المحتاج : ٤٥/٢، غاية المنتهى : ٣٣/٢.
(٣)
انظر المبسوط: ٤٤/١٣، البدائع: ٢٧٢/٥، فتح القدير: ١١٧/٥.
- ٥٤٥ _

وقال ابن أبي ليلى : إنه يهلك هلاك الأمانات؛ لأن الخيار منع انعقاد العقد
بالنسبة لحكم العقد، فكان المبيع على حكم ملك البائع أمانة في يد المشتري ، فيهلك
هلاك الأمانات .
والصحيح قول عامة العلماء، لأن البيع وإن لم ينعقد بالنسبة لحكم العقد، لكن
المبيع في قبض المشتري على حكم البيع ، فلا يكون دون المقبوض على سوم الشراء(١)
وهو مضمون بالقيمة أو بالمثل، سواء تعدى في القبض أو قصر في الحفظ، أو لم يحصل
منه شيء من ذلك ، فهذا أولى، لأن العقد موجود هنا، بخلاف المقبوض على سوم
الشراء لم يوجد العقد بالنسبة إليه أصلاً .
وإن كان الخيار للمشتري فهلك المبيع بفعل المشتري أو البائع أو بآفة سماوية : لا
يبطل البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويهلك على المشتري بالثمن ، لأن
المشتري وإن لم يملك المبيع عند أبي حنيفة إلا أنه اعترض عليه في يده ما يمنع الرد وهو
التعيب بعيب لم يكن عند البائع ؛ لأن الهلاك في يده لا يخلو عادة عن سبب له،
وهذا السبب يكون عيباً، وتعيب المبيع في يد المشتري يمنع الرد، ويلزم البيع إذ لا
فائدة من بقاء الخيار، فيهلك بالثمن ؛ لأن العقد قد انبرم.
وقال الشافعية كالحنفية فيما إذا حدث الهلاك بآفة سماوية قبل القبض : ينفسخ
البيع ويسقط الخيار، كما ينفسخ العقد ويسقط الخيار إذا كان الهلاك بعد القبض
ويضمن المشتري القيمة إذا كان الخيار للبائع .
فإن كان الخيار للمشتري فيقرر الشافعية أنه يضمن المبيع في هذه الحالة بقيمته،
لأنه إن فسخ البيع تعذر رد العين ، فوجب رد القيمة ، وإن أمضى العقد فقد هلك من
ملکه فیجب عليه قيمته(٢) .
(١) وهو أن يسمي البائع أو المشتري ثمن شيء، ثم يقبضه المساوم على وجه الشراء، لينظر فيه أو ليريه غيره
ويقول : إن رضيته أخذته بالثمن الذي اتفق عليه . فإذا ضاع أو هلك يضمن قيمته ( رد المحتار : ٥٢/٤ ) .
(٢)
المهذب : ٢٦٠/١.
- ٥٤٦ -

وقال المالكية : إن هلك المبيع بيد البائع ، فلا خلاف في ضمانه إياه وينفسخ
البيع. وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية :
إن كان المبيع مما يغاب عليه ((أي يمكن اخفاؤه)) كالحلي والثياب، فيضمن
المشتري للبائع الأكثر من ثمنه الذي بيع به ، أو القيمة ؛ لأن من حق البائع إمضاء البيع
إن كان الثمن أكثر، ورد البيع إن كانت القيمة أكثر، إلا إذا ثبت الهلاك ببينة فلا
يضمن المشتري .
وإن كان المبيع مما لا يغاب عليه ((أي لا يمكن اخفاؤه)) كالدور والعقارات
فالبائع يضمنه، حيث لم يظهر كذب المشتري(١).
وقال الحنابلة : إن تلفت السلعة في مدة الخيار قبل القبض ، وكان المبيع مكيلا
أو موزوناً انفسخ البيع، وضمنه البائع، ويبطل خيار المشتري .
وإن كان المبيع غير مكيل ولا موزون ولم يمنع البائع المشتري من قبضه ، فظاهر
المذهب أنه من ضمان المشتري ، ويكون كتلفه بعد القبض .
وأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل
خياره . وأما خيار البائع ففيه روايتان :
إحداهما : يبطل كخيار الرد بالعيب إذا تلف المبيع، وهو اختيار الخرقي وأبي
بكر.
والثانية : لا يبطل، وللبائع فسخ البيع، ومطالبة المشتري بالقيمة(٢).
٥ - تعيب المبيع: فيه تفصيل أيضاً؛ لأن الخيار إما أن يكون للبائع أو
للمشتري .
بداية المجتهد : ٢٠٨/٢ ، حاشية الدسوقي : ١٠٤/٣ وما بعدها .
(١)
(٢)
المغني : ٥٦٩/٣ .
- ٥٤٧ _

آ- فإن كان الخيار للبائع: فيسقط خياره إذا تعيب المبيع بآفة سماوية أو بفعل
البائع، سواء أكان المبيع في يد البائع أم في يد المشتري ، لأنه هلك بعض المبيع بلا بدل
عنه، إذ لا يجب الضمان على البائع، لأن المبيع ملكه، فينفسخ البيع في هذا البعض،
ولا يمكن بقاء العقد في الجزء الباقي، لما يترتب عليه من تفريق الصفقة على المشتري
قبل تمام العقد ، وهو لا يجوز.
فإذا تعيب المبيع بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي لم يبطل البيع، ويبقى البائع
على خياره لأنه يمكنه إجازة البيع فيما بقي وفيما نقص ؛ لأن قدر النقصان انتقل إلى
بدل عنه: وهو الضمان بالقيمة على المشتري أو الأجنبي لإتلافهما ملك الغير بغير إذن،
فكان قدر النقصان قائماً معنى .
وإذا بقي البائع على خياره والمبيع في يد المشتري: فإما أن يجيز العقد أو
يفسخ: فإن أجاز البيع، وجب على المشتري جميع الثمن ؛ لأن البيع جاز في الكل، ولا
يكون للمشتري خيار الرد بحدوث التغير في المبيع، لأنه حدث في يده وفي ضانه .
غير أنه إذا كان التعييب بفعل المشتري، فلا سبيل له على أحد، لأنه ضمن القيمة
بفعل نفسه، وإن كان بفعل الأجنبي فللمشتري أن يتبع الجاني بالأرش ((أي الغرامة))
لأنه باجازة البيع ملك المبيع ، من وقت البيع فحصلت الجناية على ملكه .
وإن فسخ البائع العقد ينظر :
إن كان التعييب بفعل المشتري: فإن البائع يأخذ الباقي، ويأخذ أرش الجناية
من المشتري لأن المبيع كان مضموناً على المشتري بالقيمة، وقد عجز عن رد ما أتلفه
بالجناية ، فعليه رد قيمته .
وإن كان التعييب بفعل أجنبي: فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الجاني بالأرش،
لأن الجناية حصلت على ملكه، وإن شاء اتبع المشتري لأن الجناية حدثت في ضمان
المشتري .
- ٥٤٨ _

فإن اختار اتباع الأجنبي: فالأجنبي لا يرجع على أحد، لأنه ضمن القيمة بفعل
نفسه، وإن اختار اتباع المشتري، فالمشتري يرجع بما ضمن من الأرش على الجاني،
لأن المشتري بأداء الضمان قام مقام البائع في حق تملك بدل الشيء المجني عليه، وإن لم
يقم مقامه في حق ملك نفس الشيء المجني عليه .
ب - وإن كان الخيار للمشتري : فيسقط خياره بالتعييب ولا ينفسخ البيع سواء
حصل بآفة سماوية أو بفعل البائع، أو بفعل المشتري أو بفعل الأجنبي لأن في حالة
الآفة السماوية واعتداء البائع حدث التعيب في المبيع في يد المشتري وفي ضانه،
فيلزمه رد قيته. وأما في حالة اعتداء المشتري أو الأجنبي فلأنه تعذر رد المبيع ؛ لأنه
لا يمكن المشتري أن يرد جميع ما قبض كما قبض سليماً، وفي رد البعض تفريق للصفقة
على البائع قبل تمام العقد(١) .
وعلى هذا إذا حدث نقص في المبيع في يد المشتري كأن سقط حائط من دار بغير
صنع أحد، يسقط الخيار بهذا النقصان لتعذر رد الشيء على صاحبه كما قبضه سليماً
من أي نقص ، ويتقرر على المشتري جميع الثمن لأن النقصان حصل في ضمانه .
المطلب الرابع - حكم العقد في مدة الخيار
يقول الحنفية: لا ينعقد البيع بشرط الخيار في الحال في حق الحكم (أي تقل
الملكية ) بالنسبة لمن له الخيار من المتعاقدين ، بل يكون موقوفاً إلى وقت سقوط
الخيار: إما باجازة البيع أو فسخه، فإن أجازه ظهر أن العقد كان قد انعقد حال
وجوده أي قبل الإجازة متى كان موضوع العقد قابلاً له، وإن فسخه استمر على عدم
انعقاده استصحاباً للحالة الأولى .
(١) انظر تحفة الفقهاء: ١٠٦/٢ - ١٠٩، فتح القدير: ١١٧/٥ وما بعدها، وانظر البدائع: ٢٦٩/٥، ٢٧٢، مع
ملاحظة الفارق بين ما هنا وبين ما اختاره الكاساني من اعتبار التعيب بالآفة السماوية في يد البائع غير
مسقط للخيار .
- ٥٤٩ _

وتفصيله یظهر فیا یأتي(١).
إن كان الخيار للعاقدين: كان العقد غير منعقد من ناحية حكمه في حقهما معاً
أي أنه لا يزول المبيع عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري، كما لا يزول الثمن
عن ملك المشتري ولا يدخل في ملك البائع ؛ لأن الخيار المانع من الانعقاد من ناحية
الحكم موجود في جانبي البائع والمشتري .
وإن كان الخيار للبائع وحده: كان العقد غير منعقد في حقه من ناحية ثبوت
الحكم، فلا يزول المبيع عن ملكه ويخرج الثمن عن ملك المشتري ؛ لأن العقد لازم في
حقه، ولكنه لا يدخل في ملك البائع عند أبي حنيفة حتى لا يجتمع البدلان (المبيع
والثمن ) في يد واحدة، وهذا لا يجوز في عقود المبادلة التي تتطلب المساواة بين البائع
والمشتري .
وقال الصاحبان : إن الثمن يدخل في ملك البائع ويجب له ما دام البيع وقع
باتاً أي لازماً بالنسبة للمشتري، لأنه لم يشترط الخيار لنفسه، ودليلهما : أن الشيء لا
يصح أن يكون بلا مالك .
وبهذا يظهر أن العقد من ناحية حكمه: لا ينعقد عند أبي حنيفة في كلا البدلين
(المبيع والثمن). وعند الصاحبين : لا ينعقد في بدل من له الخيار فقط .
وإن كان الخيار للمشتري وحده : كان البيع غير منعقد بالنسبة له من ناحية
حكمه، فلا يخرج الثمن عن ملكه، أما المبيع فيخرج عن ملك البائع فليس له التصرف
فيه، ولكنه لا يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة، ويدخل في ملكه عند
الصاحبين على النحو السابق .
ويترتب على هذا الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه نتائج، منها ما يأتي :
(١) البدائع: ٢٦٤/٥ وما بعدها، فتح القدير: ١١٥/٥ وما بعدها، رد المحتار: ٥١/٤ وما بعدها.
- ٥٥٠ _

١ - إذا اشترى ذمي من ذمي خمراً أو خنزيراً على أنه بالخيار وقبض المشتري
المبيع، ثم أسلم بطل البيع عند أبي حنيفة ؛ لأن المبيع لم يدخل في مدة الخيار في ملك
المشتري، والمسلم ممنوع من تملك الخمر أو الخنزير.
وعند الصاحبين : لا يبطل البيع ، بل يسقط الخيار ويلزم العقد ؛ لأن المشتري
ملك المبيع في مدة الخيار وهو ذمي ، له أن يتملك الخمر والخنزير، وبعد الإسلام:
ليس له أن يرد البيع، لأنه ممنوع من تمليك شيء مما ذكر.
أما إذا أسلم البائع وكان الخيار للمشتري : فلا يبطل البيع ويبقى المشتري على
خياره بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه، وكونه لا يبطل لأن البيع باتٍّ في جانب
البائع. وأما المشتري فيبقى خياره : فإن أجاز البيع صار لازماً، وعليه الثمن ويملك
المبيع، لانه ذمي له أن يملك الخمر والخنزير. وإن رد البيع انفسخ العقد وصار المبيع
على ملك البائع، والمسلم قد يملك الخمر أو الخنزير حكماً، كما إذا أسلم الذمي وعنده خمر
أو خنزير.
فإن كان الخيار للبائع وأسلم في مدة الخيار بطل الخيار والعقد؛ لأن خيار
البائع يمنع اجماعا خروج المبيع عن ملكه، وإسلامه يمنع إخراج الخمر ونحوها عن
ملكه. ولو كان الذي أسلم هو المشتري، لم يبطل العقد، وبقي البائع على خياره،
لأن العقد لازم من جهة المشتري إذ لا خيار له، وحينئذ له إجازة البيع، فيتلك
المشتري المبيع وهو أهل له أي لتملك الخمر ونحوها حكماً، كما عرفنا، وإن رد البيع
انفسخ العقد واستمر المبيع ملكاً للبائع(١).
٢ - إذا كان المبيع داراً: فإن كان للبائع خيار، لم يكن للشفيع الشفعة بالاتفاق
بين الإمام وصاحبيه؛ لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه.
- ٥٥١ _

وإن كان الخيار للمشتري، تثبت الشفعة بالاتفاق أيضاً؛ لأن خيار المشتري على
قول أبي حنيفة، وإن منع دخول السلعة في ملك المشتري، لم يمنع زوال ملكيتها عن
ملك البائع، وحق الشفيع يثبت بزوال ملك البائع لا ملك المشتري.
وأما على قول الصاحبين: فإن خيار المشتري لا يمنعه تملك السلعة، فتثبت
الشفعة للشفيع(١). هذا هو تفصيل مذهب الحنفية في حكم عقد البيع خلال مدة
الخيار. وأما غير الحنفية فمذاهبهم ما يأتي :
قال المالكية وفي رواية عن أحمد: للبائع ملك المبيع زمن الخيار، حتى ينقضي
الخيار. وإمضاء البيع : معناه نقل المبيع من ملك البائع لملك المشتري، وليس تقريراً
للملك. ودليلهم أن المبيع على ملك البائع ، وأما المشتري فملكه غير تام لاحتمال رده.
وعلى هذا: تكون غلة المبيع الحاصلة في زمن الخيار للبائع(٢).
وقال الشافعية في الأظهر عندهم: إن كان الخيار المشروط للبائع فملك المبيع
وتوابعه كلبن ومهر وثمر وكسب له. وإن كان الخيار للمشتري فيكون الملك له، لأنه
إذا كان الخيار لأحدهما كان هو وحده متصرفاً في المبيع ، ونفوذ التصرف دليل على
الملك .
وإن كان الخيار للبائع والمشتري معا، فالملك موقوف لأنه ليس أحد الجانبين
أولى من الآخر، فيحصل التوقف، فإن تم البيع تبين أن الملك للمشتري من حين
العقد، وإلا فللبائع، وكأنه لم يخرج عن ملكه(٣).
وقال الحنابلة في ظاهر المذهب : ينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس
العقد، ولا فرق بين كون الخيار لهما، أو لأحدهما أيها كان. ودليلهم قول النبي عد له :
(١)
فتح القدير: ١٣٣/٥، تحفة الفقهاء: ١١٣/٢.
(٢)
حاشية الدسوقي : ١٠٣/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٧٣ .
(٣)
مغني المحتاج : ٤٨/٢، المهذب: ٢٥٩/١ .
- ٥٥٢ _

((من باع عبداً وله مال، فماله للبائع ، إلا أن يشترط المبتاع)) وقوله عليه السلام:
((من باع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع))(١) فقد جعل
الرسول عليه السلام المبيع للمبتاع (أي المشتري) بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل
بيع، ولأنه بيع صحيح، فنقل الملكية عقبه كالذي لا خيار له، ولأن البيع تمليك
بدلیل قوله: «ملکتك)» فثبت به الملك کسائر البيوع(٢).
ويترتب على هذا الخلاف بين الفقهاء: الخلاف في حكم تسليم الثمن أو استحقاقه
للبائع، كما أوضحنا عند الحنفية، فعند الحنابلة: يلزم تسليم الثمن إذا كان الخيار
للمشتري ولا يلزم إذا كان الخيار للبائع أولهما .
المطلب الخامس - كيفية الفسخ والإجازة :
1
الفسخ والإجازة إما بطريق الضرورة أو بطريق القصد والاختيار(٣):
أما الفسخ والاجازة بطريق الضرورة: فيصح من غير وجود الخصم وعلمه،
كمضي مدة الخيار وهلاك المبيع ونقصانه، كما ذكرنا في طرق إسقاط الخيار.
وأما الفسخ والإجازة بطريق القصد : فقد اتفق الحنفية على أن صاحب الخيار
يملك إجازة العقد بغير علم صاحبه، لأنه كان قد رضي بالبيع ، وتوقف نفاذ البيع على
رضا صاحب الخيار، فإذا رضي نفذ البيع ، علم الآخر أو لم يعلم .
ولكن يشترط الرضا باللسان بأن يقول : أجزت هذا العقد أو رضيت به، فإذا
رضي بقلبه فقط، فإنه لا يسقط خياره؛ لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأقوال
والأفعال الظاهرة الدالة على القلوب.
هذا الحديث رواه الموطأ وأصحاب الكتب عن ابن عمر أن النبي ◌َ ◌ّ قال: من باع عبدا وله مال فماله للبائع
(١)
إلا أن يشترط المبتاع ، ومن باع نخلا مؤبراً فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع ، وهناك ألفاظ أخرى
للحديث ( انظر نصب الراية: ٥/٤ ، جامع الأصول: ٣٤/٢ وما بعدها ) .
(٢)
المغني: ٥٧١/٣ ، غاية المنتهى : ٣٢/٢، القواعد لابن رجب : ص ٣٧٧ .
(٣)
فتح القدير : ١٢٠/٥ .
- ٥٥٣ -

وأما الفسخ: فإنه ينبغي أن يكون باللسان(١) دون القلب، فإن فسخ بلسانه
بعلم صاحبه، فيصح بالاتفاق بين علماء الحنفية ، سواء رضي به الطرف الآخر أو أبى.
وإن فسخ بغير علم صاحبه فلا يصح عند أبي حنيفة ومحمد ، سواء أكان الخيار للمشتري
أم للبائع ، ويكون الفسخ حينئذ موقوفاً: إن علم به صاحبه في مدة الخيار نفذ ،
وإن لم يعلم حتى مضت المدة لزم العقد؛ لأن الفسخ تصرف في حق الغير؛ لأن العقد
تعلق به حق كل واحد من المتعاقدين ، فلم يملك أحدهما فسخه بغير علم صاحبه، لما في
ذلك من المضرة. فإن كان الخيار للبائع : فربما يتصرف المشتري بالمشترى اعتماداً منه
على نفاذ البيع بسبب مضي المدة دون فسخ ، فتلزمه غرامة القيمة بهلاك المبيع ، وقد
تكون القيمة أکثر من الثمن ، وفي هذا ضرر.
وإذا كان الخيار للمشتري: فربما لا يطلب البائع لسلعته مشترياً آخر اعتماداً على
تمام البيع، وهذا ضرر أيضاً.
وقال أبو يوسف: إن كان الخيار للبائع فلا يشترط علم المشتري بالفسخ، وإن
كان الخيار للمشتري اشترط علم البائع بالفسخ. وفي رواية عنه: إنه لا يشترط علم
الطرف الآخر بالفسخ مطلقاً؛ لأن الفاسخ منها مسلط على الفسخ من صاحبه الذي
لا خيار له، فلا يتوقف الفسخ على علمه، كبيع الوكيل يجوز مع عدم علم الموكل(٢).
ويجري هذا الخلاف في خيار الرؤية، أما خيار العيب فقد اتفق الحنفية على أن
الفسخ فيه يشترط أن يكون بعلم البائع(٣).
وإذا كان الخيار لرجلين - خيار شرط أو رؤية أو عيب - فلا يملك أحدهما دون
(١) يلاحظ أن الاجازة والفسخ كما يكونان قولين بكل لفظ يفيد ذلك كأجزت البيع ونحوه ، يكونان فعلين أيضا
كما لو تصرف المشتري الخير في المبيع تصرفاً يعتمد الملكية كرهن المبيع أو إجارته أو عرضه للبيع فيكون
إجازة . ولو فعل البائع ذلك كان فسخا .
(٢)
البدائع : ٢٧٣/٥ ، فتح القدير والعناية: ١٢٢/٥، رد المحتار: ٥٧/٤.
(٣)
البدائع ، المرجع السابق .
- ٥٥٤ _

الآخر أن ينفرد بالفسخ عند أبي حنيفة ؛ لأن المبيع خرج عن ملك البائع غير معيب
بعیب الشرکة، فلو رده أحدهما رده معيباً به، وفي رده ضرر.
وقال الصاحبان: يصح لأحد الرجلين اللذين ثبت الخيار لهما أن ينفرد
بالفسخ ؛ لأن اثبات الخيار لهما اثباته لكل واحد منهما ، فلا يسقط باسقاط صاحبه،
لما فيه من إبطال حقه(١).
وعلى هذا: يصح عند أبي حنيفة أن يتفق الرجلان على الإجازة أو الفسخ، فإذا
رد أحدهما ، وأجاز الآخر، فهو على الخلاف المذكور.
وكذا يجري الخلاف إذا اختارا رد البيع في النصف، وإجازة البيع في النصف
الآخر. هذا هو تفصيل كيفية الفسخ والإجازة عند الحنفية، وخالفهم جمهور
العلماء في كيفية الفسخ :
فقال المالكية والشافعية والحنابلة : يصح لصاحب الخيار فسخ البيع في حضور
صاحبه وفي غيبته ، إذ أن صاحبه لما رضي لأخيه بالخيار، فكأنه أذن له في الفسخ متى
شاء، فلا يحتاج إلى حضوره (أي علمه) عند الفسخ، ولأن الفسخ رفع للعقد، فلا
يفتقر إلى رضا صاحبه، فلم يفتقر إلى حضوره كالطلاق().
١٣ - خيار العيب
هو خيار ثابت بالشرط دلالة، لذا ذكرناه عقب خيار الشرط . وسنتكلم عن
خيار العيب في المطالب الآتية :
المطلب الأول- في مشروعية خيار العيب وحكمه .
المطلب الثاني - في العيوب الموجبة للخيار.
(١)
المبسوط : ٥٠/١٣ ، البدائع : ٢٦٨/٥.
(٢)
المغني : ٥٩١/٣ ، مغني المحتاج: ٤٩/٢ ، الميزان: ٦٤/٢ .
- ٥٥٥ _
.

المطلب الثالث - في طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار.
المطلب الرابع - مقتضى الخيار وكيفية الرد بالعيب.
المطلب الخامس - موانع الرد بالعيب وسقوط الخيار.
المطلب السادس - اختلاف الفقهاء في شرط البراءة عن العيب.
المطلب الأول - في مشروعية خيار العيب وحكم العقد
مشروعية خيار العيب : الأصل في مشروعية هذا الخيار أحاديث منها - أن
النبي ◌ُ ◌ّ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً، وفيه عيب إلا بينه
له)» (١).
ومنها - قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل لأحد أن يبيع شيئاً إلا بيَّن ما فيه،
ولا يحل لأحد یعلم ذلك إلا بینه»(٣).
ومنها - أن النبي ◌ّ مر برجل يبيع طعاماً، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول،
فقال: «من غشنا فليس منا))(٢).
٠
وقال الكاساني: الأصل في مشروعية هذا الخيار ماروي عن رسول الله مع الم أنه
رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم والطبراني عن عقبة بن عامر، قال في الفتح: واسناده جيد (انظر مجمع
(١)
الزوائد: ٨٠/٤، نيل الأوطار: ٢١١/٥) ورواه البخاري بلفظ آخر (انظر جامع الأصول: ٤٢٠/١).
أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك، قال في نيل الأوطار: ٢١٢/٥ ((وفي اسناده أحمد أبو جعفر الرازي
(٢)
وأبو سباع، والأول مختلف فيه، والثاني قيل: إنه مجهول)).
نيل الأوطار: ٢١١/٥ ومابعدها، وقد روى الحديث مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد عن أبي
(٣)
هريرة، وفي رواية أبي داود ((ليس منا من غش)) (انظر جامع الأصول: ٤١٩/١ ومابعدها، مجمع الزوائد:
٧٨/٤، نيل الأوطار: ٢١٢/٥).
- ٥٥٦ -

قال: ((من اشترى شاة محفّلة(١)، فوجدها مصراة(٢)، فهو بخير النظرين ثلاثة أيام))
وفي رواية ((فهو بأحد النظرين إلى ثلاثة : إن شاء أمسك، وإن شاء رد، ورد معها
صاعاً من تمر))(٣)، والنظران المذكوران: هما نظر الإمساك والرد، وذكر الثلاث في
الحديث ليس للتوقيت، بل هو بناء الأمر على الغالب المعتاد، والصاع من التمر كأنه
قيمة اللبن الذي حلبه المشتري .
ويلاحظ أن جمهور الفقهاء يعتبرون تصرية الإبل والغنم تغريراً فعلياً في
الوصف، يوجب للمغرور خياراً في إبطال العقد، ولو لم يصحبه غين فهو من خيار
الوصف(٤) .
ويثبتون للمشتري الخيار بين إمساك المبيع إن رضيه، أو رد المبيع مع صاع من
تمر إن سخطه، ويوافق أبو يوسف الجمهور على هذا الرأي أخذاً بالحديث السابق.
وقال أبو حنيفة ومحمد : يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء.
حكم البيع :
حكم البيع لشيء معيب : هو ثبوت الملك للمشتري في المبيع للحال لأن ركن
البيع مطلق عن الشرط ، وإنما يثبت فيه دلالة شرط سلامة المبيع عن العيوب، فإذا
لم تتوافر السلامة تأثر العقد في لزومه، لا في أصل حكمه، بخلاف خيار الشرط ؛ لأن
الشرط المنصوص عليه ورد على أصل الحكم، فمنع انعقاده بالنسبة للحكم في مدة
الخيار(٥) .
أي مجمع اللبن في ضرعها .
(١)
قال الشافعي: التصرية: هي ربط أخلاف (حلمات) الشاة أو الناقة، وترك حلبها حتى يجتمع لبنها، فيكثر،
(٢)
فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها .
انظر للمقارنة نيل الأوطار: ٢١٤/٥، جامع الأصول: ٤٢٠/١ وما بعدها، مجمع الزوائد: ١٠٨/٤، الموطأ: ١٧٠/٢
(٣)
ففي هذا الحديث عدة روايات رواها البخاري ومسلم وأحمد والموطأ وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة،
وهذه الرواية المذكورة كما يظهر لي هي ملفقة من أكثر من رواية .
(٤)
انظر ابن عابدين: ٤٧/٤، والمدخل الفقهي العام للأستاذ مصطفى الزرقاء: جـ ١ ص٣٧٤، الطبعة السابعة.
(٥)
البدائع : ٢٧٣/٥ .
- ٥٥٧ _

وصفة حكم البيع لشيء معيب : هو أنه يفيد الملك غير لازم؛ لأن سلامة البدلين
في عقد المعاوضة مطلوبة عادة، فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة أي ضمنا،
فكانت كالمشروطة نصاً، فإذا لم تتحقق صفة السلامة في البدلين ، كان للعاقد الخيار،
فيكون العقد غير لازم(١).
المطلب الثاني - العيوب الموجبة للخيار
العيب : هو كل ما يخلو عنه أصل الفطرة السليمة ويوجب نقصان الثمن في عرف
التجار نقصاناً فاحشاً أو يسيراً كالعمى والعور والحول(٣).
وتعريف العيب عند الشافعية : هو كل ما ينقص العين أو القيمة أو ما يفوت به
غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمه. واحترزوا بالقيد الأخير عن قطع
أصبع زائدة أو جزء يسير من الفخذ أو الساق لا يورث شيناً، ولا يفوت غرضاً، فلا
يرد المبيع به (٣). مثال إنقاص القيمة: جماح الدابة عند ركوبها، ومثال مايفوت به
غرض صحيح : قطع بعض أذن الشاة المشتراة للأضحية ، فللمشتري ردها.
والفرق بين التعريفين: أن تعريف الحنفية ذو معيار مادي، وتعريف
الشافعية ذو معيار شخصي .
والعيوب نوعان :
أحدها - ما يوجب نقصان جزء من المبيع أو تغييره من حيث الظاهر دون
الباطن . ثانيهما - ما يوجب النقصان من حيث المعنى، دون الصورة .
(١)
البدائع ، المرجع نفسه : ص ٢٧٤ .
فتح القدير والعناية: ١٥١/٥، ١٥٣، البدائع: ٢٧٤/٥، رد المحتار: ٧٤/٤، والحَوَّل: أن تميل إحدى الحدفتين إلى
(٢)
الأنف، والأخرى إلى الصدغ.
مغني المحتاج: ٥١/٢، وقال الحنابلة: العيب: هو نقص عين مبيع كقطع أصبع ولو زادت قيمته، أو نقص قيمته
(٣)
عرفاً كمرض ونحوه (غاية المنتهى: ٣٥/٢).
- ٥٥٨ -

أما الأول - فكثير نحو العمى، والعور، والحَوَل، والشلل، والقرع، والزمانة
(أي الأمراض المزمنة) والأصبع الناقصة والسن السوداء والسن الساقطة والسن
الشاغية (الزائدة) والظفر الأسود، والصم والخرس، والبكم، والقروح، والشجاج،
وأثر الجراح، والحميات وسائر الأمراض التي تعم البدن(١).
وأما الثاني - فنحو جماح الدابة ، وبطء غير معتاد في سيارة ونحوها (٢).
المطلب الثالث - طرق إثبات العيب وشروط ثبوت الخيار
شرائط ثبوت الخيار: يشترط لثبوت الخيار شرائط هي(٣) :
١ - ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل التسليم، فلو حدث بعدئذ لا يثبت
الخيار.
٢ - ثبوت العيب عند المشتري بعد قبضه المبيع ، ولا يكتفى بالثبوت عند البائع
لثبوت حق الرد في جميع العيوب عند عامة المشايخ .
٣ - جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، فإن كان عالماً به عند
أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضياً به دلالة .
٤ - عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع ، فلو شرط فلا خيار للمشتري ، لأنه
إذا أبرأه فقد أسقط حق نفسه .
٥ - أن تكون السلامة من العيب غالبة في مثل المبيع المعيب.
٦ - ألا يزول العيب قبل الفسخ.
(١)
البدائع : ٢٧٤/٥.
أنظر البدائع: ٢٧٤/٥ - ٢٧٦، فتح القدير: ١٥٤/٥ - ١٥٥ ومابعدها، رد المحتار: ٧٨/٤.
(٢)
(٣)
البدائع: ٢٧٥/٥ ومابعدها، فتح القدير: ١٥٣/٥.
- ٥٥٩ -
الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣٦)

٧ - ألا يكون العيب طفيفاً مما يمكن إزالته دون مشقة، كالنجاسة في الثوب
الذي لا يضره الغسل .
٨- عدم اشتراط البراءة من العيب في البيع، على التفصيل الآتي في آخر البحث.
طرق إثبات العيب :
يختلف طريق إثبات العيب باختلاف العيب ، والعيب أربعة أنواع :
إما عيب ظاهر مشاهد، كالأصبع الزائدة والناقصة والسن الساقطة والعمى
والعور ونحوها .
أو عيب باطن خفي لا يعرفه إلا الأطباء.
أوعيب لا يطلع عليه إلا النساء.
أوعيب لا يعرف بالمشاهدة، وإنما يحتاج إلى التجربة والامتحان عند الخصومة .
١ - فإن كان عيباً مشاهداً: فلا حاجة لتكليف القاضي للمشتري بإقامة
البينة على وجود العيب عنده، لكونه ثابتاً بالعيان والمشاهدة، وللمشتري حق
خصومة البائع ، بسبب هذا العيب، وللقاضي حينئذ النظر في الأمر.
فإن كان العيب لا يحدث مثله عادة في يد المشتري كالأصبع الزائدة ونحوها ،
فإنه يرد على البائع، ولا يكلف المشتري بإقامة البينة على ثبوت العيب عند البائع
لتيقن ثبوته عنده إلا أن يدعي البائع الرضا به، والإبراء عنه، فتطلب البينة منه .
فإن أقام البينة عليه قضي بموجبها، وإلا فيستحلف المشتري على دعواه، فإن
نكل لم يرد المبيع المعيب على البائع وإن حلف رد على البائع .
وأما إن كان العيب مما يجوز أن يحدث مثله في يد المشتري : فيقول القاضي
للبائع: ((هل حدث هذا عندك؟)) فإن قال: ((نعم)) قضى عليه بالرد، إلا أن يدعي
- ٥٦٠ -