النص المفهرس
صفحات 481-500
ب - الشرط الفاسد: أو بتعبير أوضح: المفسد: وهو ما خرج عن الأقسام الأربعة السابقة أي لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا ورد به الشرع ولا يتعارفه الناس، وإنما فيه منفعة لأحد المتعاقدين، كأن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع، أو قماشاً علی أن یخیطه البائع قميصاً، أو اشترى حنطة علی أن یترکها في دار البائع شهراً، أو یبیع شخص داراً على أن يسكنها البائع شهراً، ثم يسلمها إليه، أو أرضاً على أن يزرعها سنة أو دابة على أن يركبها شهراً، أو على أن يقرضه المشتري قرضاً ، أو على أن يهب له هبة ونحوها . فالبيع في هذا كله فاسد ؛ لأن زيادة منفعة مشروطة في العقد تكون ربا ؛ لأنها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع ، وهو تفسير الربا . والبيع الذي فيه الربا فاسد، أو فيه شبهة الربا، وأنها مفسدة للبيع كحقيقة الربا(١). جـ- الشرط اللغوأو الباطل : وهو ما كان فيه ضرر لأحد العاقدين ، كأن يبيع شيئاً بشرط ألا يبيعه المشتري أو لا يهبه، فالبيع جائز والشرط باطل على الصحيح عند الحنفية؛ لأن هذا شرط لا منفعة فيه لأحد ، فلا يوجب الفساد؛ لأن فساد البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا ، بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض، ولم توجد المنفعة في هذا الشرط، لأنه لا منفعة فيه لأحد إلا أنه شرط فاسد في نفسه، لكنه لا يؤثر في العقد، فيكون العقد جائزاً، والشرط باطلاً(٢). ويلاحظ أن الحنفية اتفقوا على أنه لو ألحق المتعاقدان بالعقد الصحيح شرطاً صحيحاً كالخيار الصحيح في البيع البات ونحوه يلتحق به . (١) البدائع : ١٦٩/٥، المبسوط: ١٥/١٣، ١٨، رد المحتار: ١٢٦/٤، فتح القدير: ٢١٤/٥. (٢) المبسوط، ١٥/١٣، البدائع: ١٧٠/٥، فتح القدير: ١١١/٥. - ٤٨١ - أما الشرط الفاسد : فقرانه بالعقد وإلحاقه به سواء عند أبي حنيفة ، حتى لو باع شخص بيعاً صحيحاً ، ثم ألحق به شيئاً من الشروط الفاسدة التي ذكرناها يلتحق به، ويفسد العقد ؛ لأن اعتبار التصرف على الوجه الذي أوقعه المتصرف واجب إذا كان هو أهلاً، والمحل قابلاً للعقد . وقال الصاحبان : لا يلتحق به ولا يفسد العقد ويلغو الشرط ؛ لأن إلحاق الشرط الفاسد بالعقد يغير العقد من الصحة إلى الفساد، فلا يصح فبقي العقد صحيحاً، كما كان ؛ لأن العقد كلام لابقاء له، والالتحاق بالمعدوم لا يجوز، فكان ينبغي ألا يصح الإلحاق أصلاً، إلا أن إلحاق الشرط الصحيح بأصل العقد ثبت شرعاً للحاجة إلیه، حتی صح قرانه بالعقد، فیصح إلحاقه به(١). والأصح هو قول الصاحبين، كما ذكر ابن عابدين نقلاً عن جامع الفصولين(٢). حكم البيع وشرط عند غير الحنفية : من المعلوم أن البيع غير الصحيح عند غير الحنفية لافرق في أن يسمى فاسداً أم باطلاً، فإذا لم يصح اقتران الشرط بالبيع أبطله أو أفسده، والنتيجة فيها سواء. والبيع بشرط هو الذي يسميه الفقهاء بيع الثنيا ، وقد اختلفوا في حكمه، فقال الحنفية على التفصيل المذكور والشافعية عملاً بالحديث : البيع فاسد، وقال الحنابلة: البيع صحيح والشرط صحيح، ولم يأخذوا بالحديث ، وفي مذهب المالكية تفصيل. أما تفصيل مذهب الشافعية فهو ما يأتي(٣): إذا شرط في البيع شرط فإن كان شرطاً يقتضيه العقد كتسليم المبيع والرد بالعيب ونحوهما، صح العقد، لأن الشرط المذكور مبين لما يقتضيه العقد. وكذلك يكون العقد صحيحاً إن شرط شرط البدائع: ١٧٦/٥، فتح القدير: ٢٢٧/٥. (١) (٢) رد المحتار على الدر المختار: ١٢٧/٤ . مغني المحتاج: ٣١/٢، المهذب: ٢٦٨/١، ٢٦٥ . (٣) - ٤٨٢ - لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة لأحد العاقدين كالخيار والأجل والرهن والضمان أو الكفالة؛ لأن الشرع ورد بجوازه؛ ولأن الحاجة تدعو إليه. فإن شرط ماسواه من الشروط التي تنافي مقتضى البيع كأن اشترط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع، أو لا يهبه، أو أن يبيعه شيئاً أو يقرضه مبلغاً من المال أو اشترط أن يسكن الدار مدة، أو اشترط المشتري على البائع أن يخيط له الثوب الذي اشتراه منه، أو يحصد له الزرع الذي اشتراه منه، أو يحذوله قطعة الجلد التي اشتراها، ففي کل هذه الحالات یکون البيع باطلاً، لما روي عن النبي ◌ُے أنه نهى عن بيع وشرط(١). وقال الحنابلة (٢): يبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد لأن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولاشرطان في بيع، ولا بيع ماليس عندك))(٣) والمراد بالشرطين : ماليسا من مصلحة العقد، كأن اشترى ثوباً واشترط على البائع خياطته وقصارته، أو طعاماً واشترط طحنه وحمله، فإن اشترط أحد هذه الأشياء، فالبيع جائز. تعالى والشروط عندهم أربعة أقسام : أحدها - ماهو من مقتضى العقد كاشتراط التسليم، وخيار المجلس، والتقابض في الحال فهذا وجوده كعدمه، لا يفيد حكماً معيناً، ولا يؤثر في العقد. الثاني - ماتتعلق به مصلحة لأحد العاقدين أو لكليهما، كالأجل والخيار والرهن والضمين أي الكفيل ، والشهادة على البيع ، أو اشتراط صفة مقصودة في المبيع، رواه عبد الحق في أحكامه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ورواه أبو حنيفة أيضاً. (١) (٢) المغني: ٢٢٤/٤ - ٢٢٦، ٢٣٥، غاية المنتهى: ٢٣/٢ ومابعدها . رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) - ٤٨٣ - نهذا شرط جائز يلزم الوفاء به. قال ابن قدامة : ولانعلم في صحة هذين القسمين خلافاً . الثالث - ماليس من مقتضى العقد ، ولا من مصلحته ، ولا ينافي مقتضاه، وهو نوعان : ١ - اشتراط منفعة للبائع في المبيع، فإن كان شرطاً واحداً فلا بأس به كاشتراط المشتري على البائع أن يخيط له الثوب المشترى، أو اشتراط حمل حزمة الحطب إلى موضع معلوم، أو سكنى الدار مدة شهر مثلاً، أو حملانه على الدابة إلى محل معين . والدليل على الجواز حديث جابر، وهو أن النبي ماقل اشترى من جابر بعيراً، واشترط حُملانه عليه إلى أهله في المدينة(١). ٣ - أن يشترط عقد في عقد، نحو أن يبيعه شيئاً بشرط أن يبيعه شيئاً آخر، أو يشتري منه، أو يؤجره، أو يزوجه، أو يسلفه، أو يصرف له الثمن أو غيره، فهذا شرط فاسد يفسد به البيع ، للنهي عن بيعتين في بيعة . الرابع - اشتراط ما ينافي مقتضى البيع، مثل أن يشترط ألا يبيع المبيع أو ألا يهبه، أو يشترط عليه أن يبيعه أو يقفه، ففي هذا روايتان عن أحمد، أصحهما أن 5 البيع صحيح، والشرط باطل . وقال المالكية : في المذهب تفصيل(٢): فإن كان الشرط يقتضي منع المشتري من تصرف خاص أو عام، فيبطل الشرط. والبيع، مثل أن يشترط عليه ألا يبيع المبيع أو لا يهبه، فلا يجوز لأنه من الثنيا (٣) وقد هذا معنى الحديث، وقد أخرج لفظه أحمد والشيخان عن جابر (راجع نيل الأوطار: ١٧٨/٥). (١) راجع بداية المجتهد: ١٥٩/٢ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٥٩، الشرح الكبير للدردير: ٦٥/٣. (٢) (٣) الثنيا- بضم الثاء وسكون النون: الاستثناء في البيع نحو أن يبيع الرجل شيئاً ويستثني بعضه، فإن كان الذي استثناه معلوماً نحو أن يستثني واحدة من الأشجار، أو منزلاً من المنازل أو موضعاً معلوماً من الأرض، صح الاتفاق على البيع، وإن كان مجهولاً نحو أن يستثني شيئاً غير معلوم لم يصح البيع. - ٤٨٤ - نهى النبي ◌ُ ◌ّ عن الثنيا في البيع إلا أن تعلم، فإن أسقط هذا الشرط عن المشتري، جاز البيع(١). وإن اشترط البائع منفعة لنفسه كركوب الدابة ، أو سكنى الدار مدة معلومة يسيرة كشهر وقيل : سنة، جاز البيع والشرط ، عملاً بحديث جابر الآنف الذكر. وإن اشترط البائع شرطاً يعود بخلل في الثمن ، فيجوز البيع ويبطل الشرط مثل أن يشترط ((إن لم يأته بالثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما)). فإن قال البائع للمشتري: ((متى جئتك بالثمن رددت إلي المبيع)» وهو المعروف ببيع الوفاء عند الحنفية، لم يجز البيع . ١٣ - بيع الثمار أو الزروع : هذه الحالة تعرض كثيراً في الحياة العملية التجارية ، لهذا نفصل الكلام فيها : أجمع العلماء على أن بيع الثمار قبل أن تخلق لا ينعقد؛ لأنه من باب النهي عن بيع مالم يخلق ومن باب بيع السنين والمعاومة(٢). وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه ((نهى عن بيع السنين وعن بيع المعاومة)) رواه النسائي والترمذي وصححه عن جابر (نيل الأوطار: ١٥١/٥). (١) (٢) النهي عن بيع مالم يخلق داخل تحت النهي عن بيع ماليس عند الإنسان، وعن بيع حبل الحبلة، وبيع الغرر ونحوها، وقد سبق تخريج أحاديثها. وأما النهي عن بيع السنين والمعاومة فهو مروي بعدة ألفاظ عن جابر بن عبد الله عند البخاري ومسلم وأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي، ففي رواية للبخاري ((نهى عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة)) وفي رواية أخرى ((أن النبي ◌َّ نهى عن بيع السنين)). معنى المحاقلة كما قال صاحب القاموس: هو بيع الزرع قبل بدو صلاحه، أو بيعه في سنبله، أو المزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة. والمزابنة كما في الصحيحين: بيع رطب النخل بكيل من التمر، أو بيع العنب بالزبيب، والمعاومة: هي بيع الشجر أعواماً كثيرة، وقيل: هي اكتراء الأرض سنين، وكذلك بيع السنين: هو أن يبيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد؛ لأنه بيع غرر، لكونه بيع مالم يوجد، والمخابرة: كراء الأرض أي إجارتها بالثلث والربع (انظر جامع الأصول: ٤٠٣/١ وما بعدها، نيل الأوطار: ١٧٥/٥، مجمع الزوائد: ١٠٤/٤). - ٤٨٥ - وهو بيع الشجر أعواماً، لأنه بيع المعدوم، وقد نهى الرسول مَ افّ عن بيع الغرر ، .١ والغرر كما عرفنا: هو ما انطوى عنه أمره، وخفي عليه عاقبته، ونوع الغرر: هو أن المبيع مجهول الوجود قد يظهر وقد لا يظهر، ومجهول المقدار إن وجد . وأما بيع الثمار بعد القطع أو الصرام ، فلا خلاف في جوازه . وأما بيع الثمار على الشجر أو بيع الزرع في الأرض بعد أن يخلق ، فاختلف فيه العلماء : فقال الحنفية: إما أن يكون البيع قبل بدو الصلاح أو بعد بدو الصلاح بشرط القطع، أو مطلقاً أو بشرط الترك . أولاً - فإن كان البيع قبل بدو صلاح الزرع أو الثمر، فهناك حالات : ١ - إن كان بشرط القطع جاز، ويجب القطع للحال، إلا بإذن البائع . ٣ً - وإن كان البيع مطلقاً عن الشرط: جاز أيضاً عند الحنفية خلافاً للشافعي ومالك وأحمد ؛ لأن الترك ليس بمشروط نصاً ؛ إذ العقد مطلق عن الشرط أصلاً، فلا يجوز تقييده بشرط الترك من غير دليل ، خصوصاً إذا كان في التقييد فساد العقد. وجواز بيعه على الصحيح عند الحنفية لأنه مال منتفع به ولو علفاً للدواب، وإن لم یکن منتفعاً به في الحال عند الإنسان . ٣َ - وإن كان بشرط الترك فالعقد فاسد باتفاق علماء الحنفية؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين : وهو المشتري ولا يلائم العقد، ولا جرى به التعامل بين الناس، ومثل هذا الشرط مفسد للبيع كما لو اشترى حنطة بشرط أن يتركها في دار البائع شهراً، ولأنه لا يتمكن من الترك إلا بإعارة الشجر والأرض، وهما ملك البائع، فصار بشرط الترك شارطاً الإعارة، فكان شرطه صفقة في صفقة، وهذا منهي عنه كما عرفنا. ثم إنه مشتمل على الغرر إذ لا يدري المشتري هل يبقى الثمر أم تصيبه آفة فيهلك ، فعلة فساد البيع إذاً ثلاثة أمور: فيه غرر، وشرط فاسد ، وصفقة في صفقة . - ٤٨٦ - ثانياً - وأما إن كان البيع بعد بدو الصلاح : ١ - فإن باع بشرط القطع جاز. ٢ - وكذا إن باع مطلقاً عن الشرط يجوز أيضاً كما قدمنا. ٣ - وإن باع بشرط الترك، فإن لم يتناه عظمه، فالبيع فاسد بلا خلاف، كما بينا في الحالة الثالثة السابقة . وإن تناهى عظمه فالبيع فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن شرط الترك فيه منفعة للمشتري، والعقد لا يقتضيه، ولا يلائمه، كما إذا اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهراً. وقال محمد: يجوز استحساناً لتعارف الناس وتعاطيهم بذلك(١). والجواز عنده ليس لتعامل الناس شرط الترك في المبيع، وإنما التعامل بالمسامحة بالترك من غير شرط في عقد البيع. قال في الدر المختار: وبه يفتى أي بقول محمد . حكم ترك الثمار بعد بدو الصلاح حالة الشراء مطلقاً : لو اشترى الشخص مطلقاً عن شرط ، فترك الثمارحتى نضجت ، ففيه تفصيل : آ - إن كان قد تناهى عظمه، ولم يبق إلا النضج : لم يتصدق المشتري بشيء سواء ترك بإذن البائع أو بغير إذنه، لأنه لا يزداد بعد التناهي، وإنما يتغير إلى حال النضج. وأما الزرع فالماء فيه يكون للمشتري طيباً، حتى وإن تركه بغير إذن البائع لأنه نماء ملك المشتري ؛ لأن الساق ملكه، حتى يكون التبن له بخلاف الشجرة . ب - وإن لم يتناه عظمه ينظر: إن كان الترك بإذن البائع، جاز وطاب له الفضل. وإن كان بغير إذنه تصدق بما زاد على ما كان عند العقد ؛ لأن الزيادة (١) المبسوط: ١٩٥/١٢، البدائع: ١٧٣/٥، فتح القدير: ١٠٢/٥ وما بعدها، رد المحتار: ٤٠/٤، الأموال ونظرية العقد : ص ٣٠٧ وما بعدها . - ٤٨٧ _ حصلت بسبب محظور، فأوجب خبثاً فيها ، فكان سبيلها التصدَّق(١). حكم الثمرة المتجددة في مدة الترك غير المشروطة : إذا أخرجت الشجرة في مدة الترك ثمرة أخرى ، فهي للبائع سواء أكان الترك بإذنه أم بغير إذنه ، لأنه نماء ملك البائع ، فیکون له ، ولو حللها له البائع جاز . وإن اختلط الحادث بعد العقد بالموجود عنده، بحيث لا يمكن التمييز بينهما ينظر: إن كان ذلك قبل أن يخلي البائع بين المشتري والثمار، بطل البيع، كما قرر الكاساني في البدائع ؛ لأن المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط، للجهالة وتعذر التمییز. وإن كان بعد التخلية لم يبطل البيع؛ لأن التخلية قبض، ويتم البيع، والثمرة تكون بينهما ، لاختلاط ملك أحدهما بالآخر اختلاطاً لا يمكن التمييز بينها، فكان الكل مشتركاً بينهما، والقول في مقدار الزيادة قول المشتري، لأنه صاحب يد لوجود التخلية(٢). هذا هو مذهب الحنفية في بيع الثمار أو الزروع. وقال المالكية والشافعية والحنابلة : إن بدا صلاح الثمر جاز بيعه مطلقاً أو بشرط القطع أو بشرط الترك على الشجر. أما قبل بدو الصلاح فإن كان البيع بشرط الترك أو البقاء فلا يصح إجماعاً؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ ((نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع))(٣) والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا البدائع ، المرجع السابق . (١) (٢) البدائع ، المرجع السابق . رواه الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي والموطأ عن ابن عمر ( انظر جامع الأصول: ٣٨٩/١). (٣) - ٤٨٨ - الحديث، وذلك لأن له خطر المعدوم(١). وإن كان البيع بشرط القطع في الحال فيصح بالإجماع أيضاً؛ لأن المنع إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة فيها ، قبل أخذها، بدليل ما روى أنس ((أن النبي ◌ُّ نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، فقلنا لأنس ما زهوها ؟ قال: تحمر وتصفر، قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟))(٣) وهذا مأمون فيما يقطع في الحال، فصح بيعه، كما لو بدا صلاحه. قال ابن رشد: بما أن العلة في النهي هو خوف ما يصيب الثمار من الجائحة غالباً قبل أن تزهى، لم يحمل العلماء النهي في هذا على الإطلاق : أعني النهي عن البيع قبل الإزهاء، بل رأوا أن معنى النهي هو بيعه بشرط التبقية إلى الإزهاء، فأجازوا بيعها قبل الإزهاء بشرط القطع . واستدلوا على عدم جواز بيع الزرع الأخضر في الأرض إلا بشرط القطع في الحال بحديث ابن عمر وهو: ((أن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن بيع النخل حتى يزهو()، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري))(٤) قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً يعدل عن القول به . وأما إذا كان البيع قبل بدو الصلاح مطلقاً دون اشتراط تبقية ولا قطع، فالبيع باطل، لأن النبي ◌ُّ أطلق النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح ((الزهو))، فيدخل فيه محل النزاع. وإطلاق العقد يقتضي التبقية، لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف، والمتعارف هو الترك، بدليل سياق الحديث، فيصير العقد المطلق كالذي شرطت فيه التبقية، يتناولهما النهي جميعاً، ويصح التعليل بالعلة التي علل بها النبي ◌ُ ◌ّعٍ من (١) يلاحظ أن هذا الإجماع المدعى محل نظر، فقد أجاز البيع بشرط الترك يزيد بن أبي حبيب واللخمي من المالكية ( بداية المجتهد : ١٤٨/٢، المنتقى على الموطأ: ٢١٨/٤) . (٢) أخرجه البخاري ومسلم والموطأ والنسائي ( انظر جامع الأصول: ٣٩٠/١). زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وروي ((حتى يزهى)» يقال: أزهى البسر: إذا احمر أو أصفر. (٣) (٤) أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن ابن عمر (نصب الراية : ٥/٤ ). - ٤٨٩ - منع الثمرة وهلاكها. ويدل الحديث أيضاً على أن ما بعد الغاية: ((حتى يبدو صلاحها)» بخلاف ما قبل الغاية، وأن هذا النهي يتناول البيع المطلق عن شرط . (١) التبقية(١). والخلاصة كما قال صاحب فتح القدير(٢): لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدو الصلاح بشرط الترك، ولا في جوازه قبل بدو الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدو الصلاح، والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدو الصلاح. ورجح ابن عابدين في رسالته نشر العرف جواز بيع الثمار مطلقاً قبل بدو الصلاح أو بعده إذا جرى العرف بترك ذلك ؛ لأن الشرط الفاسد إذا جرى به العرف صار صحيحاً ويصح العقد معه استحساناً(٣). وبدو الصلاح أو الإزهاء في المشهور عند الجمهور: هو ظهور الحمرة أو الصفرة في ثمر النخل، وظهور الماء الحلو، واللين، والاصفرار في ثمرة الكرم. وفيما عدا ذلك أن يبدو النضج، أي أن العبرة فيما يتلون : هو أن يأخذ في الحمرة أو السواد أو الصفرة، كالبلح والعناب والمشمش والإجاص. وفيما لا يتلون : العبرة بظهور مبادئ النضج والحلاوة بأن يتموه ((أي يبدو فيه الماء الحلو)) ويلين ويصفر لونه، وفي الحبوب والزروع يعتبر اشتدادها(٤). والدليل على هذا: أن النبي ما الله((نهى عن بيع الثمر، حتى يطيب)»(9) ونهى أيضاً عن بيع الثمار حتى تزهو، قيل : وما زهوها ؟ قال : المنتقى على الموطأ: ٢١٨/٤، بداية المجتهد: ١٤٨/٢، القوانين الفقهية ص ٢٦١، مغني المحتاج: ٨٦/٣، ٨٩ ، (١) المغني: ٨٠/٤ وما بعدها ، غاية المنتهى : ٦٩/٢ . (٢) فتح القدير : ١٠٢/٥. نشر العرف : ص ٣٨ ، رسالة العرف والعادة للأستاذ الشيخ فهمي أبي سنة : ص ١٤٠ . (٣) المنتقى على الموطأ: ٢١٧/٤، بداية المجتهد: ١٥٠/٢ القوانين الفقهية: ص ٢٦١، تكملة المجموع: ٣٥١/١١ ، (٤) ٣٦٠، مغني المحتاج: ٩١/٢، المغني: ٨٧/٤، ٨٩، غاية المنتهى : ٧٠/٢ . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله . (٥) - ٤٩٠ - تحمر وتصفر(١)، ونهى عن بيع العنب حتى يسود(٢)، وقال الحنفية: بدو الصلاح: أن تؤمن العاهة والفساد (٢) أي أن الحنفية اعتبروا مجرد ظهور الثمرة، والجمهور اعتبروا ظهور النضج وبدو الحلاوة في الثمار، وفي الحب والزرع اشتدادهما . وينظر في بدو الصلاح إلى كل نوع أو صنف على حدة من أنواع الثمار عند الحنفية. وقال الشافعية والحنابلة في أظهر الروايتين عندهم: ينظر إلى كل صنف على حدة وفي بستان واحد، فلا يصح بيع الرمان مثلاً إن بدا صلاح العنب، ولا بيع عنب في بستان إن بدا الصلاح في بستان آخر، إذ أن الجنس الواحد لا يتبع جنساً آخر، والبساتين تختلف في إبان نضوجها حسب موقعها الجغرافي . وقال المالكية : إن بدا الصلاح في صنف من أصناف الثمار، جاز بيع جميع ما في البساتين المجاورة. ولا يجوز بيع صنف لم يبد صلاحه ببدو صلاح صنف آخر. وقال الظاهرية : إذا بدا الصلاح في صنف من أصناف الثمار في بستان واحد . جاز بيع جميع أصناف الثمار الأخرى بشرط كون البيع صفقة واحدة ما عدا النخل والعنب، فلا يجوز بيع شيء من ثمارهما إلا بعد الإزهاء أو ظهور الطيب بالسواد أو بغیرہ لورود نص خاص بها (٤). بيع الثمار المتلاحقة الظهور أو المقائي والمباطخ (٥): إذا بيع ثمر أو زرع بعد بدو الصلاح ولو بعضه، وكان يغلب تلاحقه واختلاط حادثه بالموجود كتين ، وقثاء، وموز، وورد، وبطيخ، وباذنجان ، وخيار، وقرع، رواه البخاري ومسلم والموطأ والنسائي عن أنس . (١) رواه أصحاب السنن ما عدا النسائي عن أنس ( انظر تخريج هذه الأحاديث في جامع الأصول: ٣٩٠/١ وما (٢). بعدها ، نيل الأوطار : ١٧٣/٥ ) . (٣) رد المحتار : ٤٠/٤ . المراجع السابقة ، المحلى : ٥٣٠/٨ وما بعدها . (٤) المقائي جمع مقتاة : وهو موضع زراعة القثاء . والمباطخ - جمع مبطخة : وهو موضع زراعة البطيخ . (٥) - ٤٩١ - فقال الحنفية في ظاهر الرواية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية والإباضية: يجوز بيع ما ظهر منها من الخارج الأول. وأما بيع ما ظهر وما لم يظهر، فلا يجوز، لأن العقد اشتمل على معلوم ومجهول، قد لا يخرجه الله تعالى من الشجرة. ولا يصح أيضاً البيع، لعدم القدرة على تسليم المبيع ، والحاجة تندفع ببيع أصوله، ولأن ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع بخلاف ما لم يخلق . إلا أن الحنفية يقولون فيما لا يجوز: إن البيع فاسد (١). وغيرهم يقولون: إنه باطل. وهناك قول ثان عند الحنفية بجواز هذا البيع ؛ لأن الناس اعتادوا بيع الثمار على هذه الصفة ، وفي نزع الناس عن عادتهم حرج وضیق . وقد رجح ابن عابدين هذا القول وأخذت به مجلة الأحكام الشرعية . وقال المالكية وابن تيمية وابن القيم والشيعة الامامية وهو الراجح عند متأخري الحنفية: يصح البيع عملاً بحسن الظن بالله تعالى وبمسامحة الإنسان لأخيه بجزء من الثمن المقابل للذي يخرجه الله تعالى من الثمرة، ولجريان العرف وعادة الناس به، ولأن ذلك يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعاً لما ظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا(٢). ونحن نرجح هذا الرأي لمسايرته متطلبات الحياة 5 البدائع: ١٧٣/٥ وما بعدها ، تكملة المجموع: ٣٥٩/١١، مغني المحتاج: ٩٢/٢ ، المغني: ٩٠/٤ ، غاية المنتهى: (١) ٦٨/٢، البحر الزخار: ٣١٧/٣، شرح النيل: ٧٢/٤ وما بعدها، حاشية الشلبي على الزيلعي: ١٢/٤، المحلى: ٤٧١/٨، رد المحتار: ٤٠/٤، رسائل ابن عابدين: ١٣٩/٢، قال ابن عابدين في حاشية رد المحتار (المكان المذكور) : لا يخفى تحقق الضرورة لهذا البيع في زماننا ، ولا سيما في مثل دمشق الشام كثيرة الأشجار والثمار، وفي نزع الناس عن عادتهم حرج، ويلزم تحريم أكل الثمار في هذه البلدان، إذ لا تباع إلا كذلك، والنبي معَ اتّ إنما رخص في السلم للضرورة مع أنه بيع المعدوم ، فحيث تحققت الضرورة هنا أيضاً أمكن الحاقه بالسلم بطريق الدلالة ، فلم يكن مصادما للنص ، فلذا جعلوه من الاستحسان ، لأن القياس عدم الجواز، وظاهر كلام الفتح الميل إلى الجواز، ولذا أورد له الرواية عن محمد ، بل تقدم أن الحلواني رواه عن أصحابنا ، وما ضاق الأمر إلا اتسع ، ولا يخفى أن هذا مسوغ للعدول عن ظاهر الرواية . بداية المجتهد: ٢ص ١٥٦، بلغة السالك: ٢ص٧٩ ، المنتقى على الموطأ: ٤ص٢١٩، القوانين الفقهية: ص٢٦١، (٢) المختصر النافع: ص ١٥٤ ، أعلام الموقعين: ٢ ص١٢. - ٤٩٢ - الواقعية واعتياد الناس لهذا البيع وحاجتهم إليه، وإلا أدى منعه إلى منازعات لا تنتهي . بيع الحنطة في سنبلها : قال الحنفية: يجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلا في قشره، وكذا الأرز والسمسم، لأن النبي ◌ُ ◌ّ ((نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ، ويأمن العاهة ، نهى البائع والمشتري)» ولأنه حب منتفع به فيجوز بيعه في سنبله كالشعير(١). وكذلك قال المالكية والحنابلة والظاهرية : يجوز بيع الحب في سنبله، ولا يجوز بيع الحنطة في سنبلها دون السنبل، لأنه بيع ما لم تعلم صفته ولا كثرته . ودليلهم الحديث السابق، والمعقول: وهو أنه إذا اشتد الحب بدا صلاحه، فصار كالثمرة إذا بدا صلاحها، وإذا اشتد شيء من الحب جاز بيع جميع ما في البستان من نوعه، كالشجرة إذا بدا الصلاح في شيء منها ٠١٢) وقال الشافعية في الأصح عندهم : ما لا يرى حبه كالحنطة والعدس والسمسم في السنبل لا يصح بيعه وإن اشتد دون سنبله لاستتاره ، ولا بيعه مع السنبل؛ لأن المقصود منه مستتر بما ليس من صلاحه ، فلا يصح قياساً على بيع الحنطة في تبنها بعد الدياس، فإنه لا يصح قطعاً، ولأنه من باب الغرر، وأما حديث: ((نهى الرسول ◌ٍَّ عن بيع السنبل حتى يبيض)) أي يشتد، فهو محمول على الشعير ونحوه جمعاً بين الدليلين. والأرز كالشعير، والذرة بارزة الحبات كالشعير، وأما المستورة بكمام فكالحنطة(٣). (١) فتح القدير: ٥ص١٠٦ . المنتقى على الموطأ: ٤ص ٢٢٠، بداية المجتهد: ٢ص١٥١، حاشية الدسوقي: ٣ص١٦، المغني: ٤ ص٨٣، المحلى: (٢) ٨ ص ٣٩٥. مغني المحتاج: ٢ ص ٩٠، المجموع للنووي: ٩ ص٣٣٨، وما بعدها . (٣) - ٤٩٣ - حكم البيع الفاسد : سنذكر حكم البيع الفاسد وما يلحق به من الكلام في التصرف بالمبيع، وفسخ المشترى شراء فاسداً ، والزيادة في المبيع بيعاً فاسداً . للبيع الفاسد عند الحنفية أحكام(١)، منها: أن البيع ينعقد بقيمة المبيع أو بالمثل، لا بالثمن المسمى، ويفيد الملك في المبيع بالقبض ؛ لأن ذكر الثمن المرغوب كالخمر مثلاً، أو إدخال شرط فاسد، أو وجود الجهالة في الثمن ونحوها، دليل على أن غرض المتعاقدين البيع، فينعقد بيعاً بقيمة المبيع باعتبار أن القيمة هي الواجب الأصلي في المبايعات ؛ لأنها مثل المبيع في المالية. ويكون المبيع ببيع فاسد مضموناً في يد المشتري يلزمه مثله إن كان مثلياً ، والقيمة إن كان قيمياً . والدليل على أن البيع الفاسد منعقد يفيد الملك: هو أن ركن البيع ((وهو مبادلة مال بمال)) صدر من أهله مضافاً إلى محله، فوجب القول بانعقاده، وإنما المحظور ليس لمعنى في ذات المنهي عنه، وإنما لما يجاور البيع، كما في البيع وقت النداء إلى صلاة الجمعة، فكان ذكر هذه الشروط لا يصح، فالتحق ذكرها بالعدم أي فكأنها لم تذكر. وإنما لا يثبت الملك قبل القبض كيلا يتقرر الفساد، لأنه إذا ثبت الملك قبل القبض وجب تسليم الثمن ، وتسليم المبيع ، فيتقرر الفساد، وهو لا يجوز؛ لأن الفساد واجب الإزالة والرفع شرعاً . وعند جمهور الفقهاء: لا ينعقد البيع الفاسد، ولا يفيد الملك أصلاً، وإن قبض المشتري المبيع؛ لأن المحظور لا يكون طريقاً إلى الملك، ولأن النهي عن البيع الفاسد يقتضي عدم المشروعية، وغير المشروع لا يفيد حكماً شرعياً. (١) المبسوط السرخسي: ١٣ ص٢٣، البدائع: ٥ص٣٠٤، فتح القدير والعناية: ٥ص٢٢٧ وما بعدها، رد المحتار: ٤ ص١٣٦، مجمع الضمانات: ص٢١٦. - ٤٩٤ - ويشترط في البيع الفاسد لإفادة الملك عند الحنفية شرطان : ١ - القبض : فلا يثبت الملك قبل القبض، لأنه واجب الفسخ رفعاً للفساد، وفي التسليم تقریر الفساد، كما بينا . ٣ - أن يكون القبض بإذن البائع: فإن قبض بغير إذنه أصلاً لا يثبت الملك، وذلك بأن نهاه عن القبض أو قبض بغیر محضر منه من غیر إذنه . فإن لم ينهه عن القبض ولا أذن له في القبض صريحاً، فقبضه في مجلس العقد بحضرة البائع: ففي المشهور من الروايات عن الحنفية أن الملك لا يثبت. وذكر محمد في الزيادات أنه يثبت الملك، وهو الصحيح كما قال المرغيناني، لأن ذلك إذن منه بالقبض دلالة ، كما في باب الهبة إذا قبض الموهوب له بحضرة الواهب، فلم ينهه، صح قبضه، ولأن البيع تسليط من البائع على القبض ، فإذا قبضه المشتري بحضرة البائع ، كان بحكم التسليط السابق . ووجه الرواية التي سماها صاحب الإيضاح مشهورة : هو أن العقد الفاسد ليس فيه تسليط على القبض ، لوجود المانع من القبض ، لأن في قبض المبيع تقرير الفساد ، فكان الإذن بالقبض إذناً بما فيه تقرير الفساد ، بخلاف الهبة لا مانع فيها من القبض ، وحينئذ فلا سبيل إلى إثبات الإذن بطريق الدلالة(١). التصرف في المشترى شراء فاسداً : من أحكام البيع الفاسد : أن المشتري بعد قبض المبيع يملك التصرفات الناقلة للملكية التي تتعلق بعين الشيء، وتكون نافذة مثل البيع والهبة والصدقة والرهن والإجارة ؛ لأن هذه التصرفات تزيل حق الانتفاع بالحرام، ولكن الصحيح عند (١) البدائع: ٥ص٣٠٤، فتح القدير: ٥ص ٢٣٠ - ٤٩٥ _ الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣٢) الحنفية أن هذه التصرفات تكون مكروهة لأنه يجب فسخ العقد الفاسد لحق الشرع، وفي هذه التصرفات إبطال أو تأخير لحق الفسخ، فتكره. وأما التصرفات التي تتعلق بعين الشيء، في الانتفاع بالعين كأكل الطعام ولبس الثوب وركوب الدابة وسكنى الدار، فلا تباح للمشتري شراء فاسداً؛ لأن الثابت بالبيع الفاسد ملك خبيث، والملك الخبيث لا يفيد إطلاق الانتفاع، لأنه واجب الرفع والبطلان، وهذا هو الصحيح عند الحنفية(١). ما يبطل حق الفسخ : ١ - التصرف الواقع على المشترى شراءً فاسداً : من المعروف أن الملك الثابت في البيع الفاسد ملك غير لازم، بل هو مستحق الفسخ، ويحق لكل من العاقدين قبل القبض فسخ العقد من غير رضا الآخر، كيفما كان الفساد، كما يحق لهما الفسخ بعد القبض إذا كان الفساد راجعاً إلى العوض، كأن يكون الثمن خمراً أو خنزيراً. وإن لم يكن الفساد راجعاً إلى العوض بعد القبض كالبيع بشرط منفعة زائدة الأحد العاقدين أو إلى أجل مجهول ، فلكل واحد من العاقدين الفسخ في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن العقد في نفسه غير لازم . وفي قول محمد: حق الفسخ لمن شرط له المنفعة لا غير؛ لأن من له شرط المنفعة قادر على تصحيح العقد بإزالة المفسد (٢) وإسقاطه هذا بالنسبة لأصل التصرف الفاسد، فهل يبطل حق الفسخ بسبب التصرف الواقع بعد القبض على المشترى شراء فاسداً ؟ فيه تفصيل(٣). فتح القدير: ٥ص٢٣٢، البدائع: ٥ص٣٠٤. (١) (٢) البدائع: ٥ص ٣٠٠، فتح القدير: ص ٢٣١. البدائع: ٥ص٣٠١ وما بعدها . (٣) - ٤٩٦ - ١ - إن كان التصرف مزيلاً للملك من كل وجه كالبيع والهبة والإِعتاق، فلا يفسخ ( أي أن حق الفسخ في البيع الفاسد يبطل) وعلى المشتري القيمة أو المثل ، لأنه تصرف في محل مملوك له ، فنفذ تصرفه . ٢ - وإن كان تصرفاً مزيلاً للملك من وجه، أو ليس مزيلاً للملك: آ- فإن كان تصرفاً لا يحتمل الفسخ ومثلوا له بالتدبير والاستيلاد والكتابة(١) فإنه يبطل الفسخ . ب- وإن كان التصرف يحتمل الفسخ، كالإجارة فإنه يفسخ، فلو آجر رجل الشيء، حقَّ للمالك الأول فسخ الإجارة، ثم يفسخ البيع بسبب الفساد؛ لأن الإجارة وإن كانت عقداً لازماً، إلا أنها تفسخ بالعذر، ولا عذر أقوى من رفع الفساد. ولو أوصى شخص بالمبيع بيعاً فاسداً، صحت الوصية، ويجوز فسخها مادام الموصي حياً؛ لأن الوصية تصرف غير لازم حال حياة الموصي. فلومات الموصي قبل الفسخ ، سقط حق الفسخ ؛ لأن الملك انتقل إلى الموصى له ، كما ينتقل بالبيع . ويلاحظ أن حق الفسخ يورث ، فلومات المشتري شراء فاسداً فورثه الورثة، فيحق للبائع الفسخ، وكذا الورثة؛ لأن الوارث يقوم مقام الميت في حق الفسخ ، وكذا يحق لورثة البائع إن مات أن يطالب ورثته باسترداد المبيع . ٢ - الزيادة في المبيع بيعاً فاسداً: إذا حدثت زيادة في المبيع بيعاً فاسداً، فإما أن تكون زيادة منفصلة أو متصلة : (١) هذه التصرفات تزيل الملك من وجه إذ أنها تؤول بالعبد إلى الحرية بعد الموت في التدبير والاستيلاد، أو بعد تنفيذ مقتضى عقد الكتابة بوفاء الالتزام المالي. - ٤٩٧ - ١- الزيادة المتصلة: الزيادة المتصلة إما أن تكون متولدة من الأصل أو غير متولدة . آ- فإن كانت متولدة من الأصل كالسمن والجمال، فلا تمنع الفسخ؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة، والأصل مضمون الرد، فكذلك التبع، كما في الغصب. ب- وإن كانت غير متولدة من الأصل كخلط الدقيق بالسمن أو العسل، فإنها تمنع الفسخ لأنه لو فسخ إما أن يفسخ على الأصل وحده أو على الأصل والزيادة معاً، ولا سبيل إلى الأول لتعذر الفصل ، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الزيادة لم تدخل تحت البيع، لا أصلاً ولا تبعاً ، فلا تدخل تحت الفسخ. ٢ - الزيادة المنفصلة: هذه الزيادة أيضاً إما متولدة من الأصل أو غير متولدة منه . آ- فإن كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة، فلا تمنع حق الفسخ، وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة تابعة للأصل، لكونها متولدة منه، والأصل مضمون الرد، فكذلك الزيادة، كما هو المقرر في حالة الغصب. ويلاحظ أن الأرش(١) يعد من هذا القسم ؛ لأنه بدل جزء فائت من الأصل حقيقة كالمتولد من الأصل . ب- وإن كانت غير متولدة، كالهبة والصدقة والكسب، فإنها لا تمنع الرد، وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة ، لأنها حصلت على ملكه، إلا أنها لا تطيب له، لأنها لم تحدث في ضمانه، بل في ضمان المشتري . والخلاصة : أن الزيادة المتصلة غير المتولدة: هي التي تبطل حق الفسخ فقط دون غيرها من أنواع الزيادة. ولا تضمن الزيادة بالهلاك ، وتضمن بالاستهلاك . (١) الأرش: هو العوض المالي الذي يقدَّر شرعاً، ويجب على الجاني في غير النفس والأعضاء، فإذا كان العوض عن النفس أو العضو فيسمى دية . - ٤٩٨ - وكذلك الزيادة بالصنع تبطل حق الفسخ: وهي أن يحدث المشتري في المبيع بيعاً فاسداً صنعاً، لو فعله الغاصب في المغصوب يصير ملكاً له، كما إذا كان المبيع قطناً، فغزله، أو غزلاً فنسجه، أو حنطة فطحنها ، أو سمساً أو عنباً فعصره، أو ساحة فبنى عليها ، أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها ونحوها؛ إذ القبض في البيع الفاسد كقبض الغصب ؛ لأن كل واحد منهما مضمون الرد حال قيامه، ومضمون القيمة أو المثل حال هلاكه، فكل ما يبطل حق المالك في الغصب يبطله في البيع . وحينئذ يلزم المشتري بدفع قيمة الشيء المبيع يوم القبض، كما في الغصب(١). وعلى هذا فليس للبائع المطالبة بنقض البناء الذي بناه المشتري في الأرض المبيعة بيعاً فاسداً، وإنما على المشتري قيمتها ، وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه . وقال الصاحبان : لا يبطل حق الفسخ حينئذ، وللبائع أن ينقض البناء ويقلع الغرس كما في الغصب، إذا بنى على الأرض المغصوبة لا يبطل حق المالك في الأرض. ودليل أبي حنيفة : أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام، وقد حصل البناء أو الغرس بتسليط من البائع ؛ لأن المبيع صار ملكاً للمشتري وفي النقض ضرر كبير، فلا ينقض البناء، ولا يقلع الغرس، كما في تصرف البيع والهبة، بخلاف الغاصب، لأنه لم 5 يوجد التسليط على البناء(٢). وأما نقصان المبيع بيعاً فاسداً فلا يمنع البائع من الاسترداد ، سواء حصل النقص بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري، فإن حصل بفعل أجنبي، فالبائع بالخيار: إن شاء أخذ قيمة النقص من المشتري، والمشتري يرجع به على الجاني، وإن شاء طالب الجاني وهو لا يرجع على المشتري(٣). البدائع: ٥ص٣٠٢ وما بعدها، رد المحتار: ٤ ص١٣٧، مجمع الضمانات: ص٢١٦. (١) (٢) فتح القدير: ٥ ص٣٠٢ وما بعدها، رد المحتار: ٤ ص١٣٧، البدائع: ٥ص٣٠٤ . (٣) البدائع: ٥ص٣٠٣. - ٤٩٩ - خلاصة البيوع الممنوعة في الإسلام البيوع الممنوعة أو المنهي عنها في الإسلام كثيرة، لا فرق فيها عند الجمهور بین باطل وفاسد، وفرق الحنفية بينهما، كما بينا، وقد عرفنا طائفة من هذه البيوع، نذكر هنا أهمها بالنظر إلى سبب الخلل الذي صاحبها، وهو أنواع أربعة : بسبب أهلية العاقد، وبسبب الصيغة ، وبسبب المعقود عليه أو محل التعاقد، وبسبب اقتران العقد بوصف أو شرط أونهي شرعي . أولاً - البيوع الممنوعة بسبب أهلية العاقد : اتفق الفقهاء على أنه يصح البيع من كل بالغ عاقل مختار مطلق التصرف غير محجور عليه لحق نفسه كالسفيه أو لحق غيره كالمدين . وأما من لا يصح بيعه فهو ما يأتي : ١ - بيع المجنون: لا يصح بالاتفاق، لانعدام الأهلية، ومثله المغمى عليه والسكران والمخدَّر. ٢ - بيع الصبي: لا يصح بيع غير المميزاتفاقاً إلا في الشيء اليسير، وأما المميز فلا يصح بيعه عند الشافعية لعدم الأهلية، ويصح بيعه موقوفاً على إذن وليه أو إجازته عند الحنفية والمالكية والحنابلة، فإذا أجيز صار نافذاً، إذ لا يمكن اختباره إلا بتفويض التصرف إليه بالبيع والشراء، عملاً بالآية: ﴿ وابتلوا اليتامى .... ﴾. ٣ - بيع الأعمى إذا وصف له المبيع صحيح عند الجمهور، لوجود الرضا، باطل غير صحيح عند الشافعية لقصوره في إدراك الجيد والرديء، فيكون المعقود عليه في حقه مجهولاً . ٤ - بيع المكره : موقوف غير نافذ كالفضولي على التحقيق عند الحنفية، فإذا أجازه المكره بعد زوال الإكراه نفذ. وغير لازم في رأي المالكية، فيكون له الخيار - ٥٠٠ -