النص المفهرس
صفحات 461-480
٢ - البيع المعلق على شرط والبيع المضاف : البيع المعلق على شرط أو العقد المعلق عموماً: هو ما علق وجوده على وجود أمر آخر ممكن الحصول بإحدى أدوات التعليق نحو إن وإذا ومتى ونحوها. مثاله : أن يقول شخص لآخر : بعتك داري هذه بكذا إن باع لي فلان داره، أو إن جاء والدي من السفر مثلاً . والبيع المضاف أو العقد المضاف عموماً: هو ما أضيف فيه الإيجاب إلى زمن مستقبل ، كأن يقول شخص لغيره : بعتك هذه السيارة بكذا من أول الشهر القادم. والفرق بين هذين النوعين عند الحنفية: أن العقد المعلق لا يعد موجوداً ولا ينعقد سبباً في الحال، وإنما هو معلق على وجود الشرط ، والشرط قد يوجد وقد لا يوجد . وأما العقد المضاف فهو عقد تام يترتب عليه حكمه وآثاره إلا أن هذه الآثار يتأخر سريانها إلى الوقت الذي عينه العاقدان لها. حكمهما : اتفق الفقهاء على عدم صحة البيع المعلق أو المضاف، لكن يسمى ذلك فاسداً في اصطلاح الحنفية، وعند غيرهم هو باطل . وعلى هذا، فلا يصح تعليق البيع ولا إضافته إلى زمن في المستقبل لأنه من عقود التمليكات للحال، وهي لا تقبل الإضافة للمستقبل، كما لا تعلق بالشرط لما فيه من المقامرة أي التعليق بالخطر. وبه يظهر أن علة فساد هذين النوعين من البيوع هو ما تشتمل عليه من الغرر، إذ لا يدري العاقدان في البيع المعلق هل يحصل الأمر المعلق عليه ، أو لا يحصل ، كما لا يدريان متى يحصل. وفي البيع المضاف لا يدري العاقدان كيف يكون المبيع في - ٤٦١ - المستقبل، وكيف يكون رضاهما بالعقد ومصلحتهما فيه عند ترتب أثر البيع عليه(١). ٣- بيع العين الغائبة أو غير المرئية : العين الغائبة : هي العين المملوكة للبائع الموجودة في الواقع، ولكنها غير مرئية . قال الحنفية: يجوز بيع العين الغائبة من غير رؤية ولا وصف، فإذا رآها المشتري كان له الخيار: فإن شاء أنفذ البيع ، وإن شاء رده. وكذلك المبيع على الصفة يثبت فيه خيار الرؤية ، وإن جاء على الصفة التي عينها البائع أن يشتري فرساً مجللاً ((مغطى)) أو متاعاً في صندوق أو مقداراً من الحنطة في هذا البيت. ودليلهم على صحة البيع في الحالتين : أنه إذا كان للمشتري خيار الرؤية، فلا غرر عليه، فلا تؤدي الجهالة إلى النزاع مطلقاً ، ما دام للمشتري الخيار(٢). واستدلوا أيضاً بحديث ((من اشترى شيئاً لم يره، فهو بالخيار إذا رآه))(٣). وقال المالكية : يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير فيه صفته قبل القبض. فإذا جاء على الصفة المذكورة كان البيع لازماً، إذ أن هذا من الغرر اليسير، والصفة تنوب عن المعاينة بسبب غيبة المبيع، أو المشقة التي تحصل في إظهاره، وما قد يلحقه من الفساد بتكرار الظهور والنشر مثلاً، وإن خالف الصفة المتفق عليها فللمشتري الخيار. وكذلك أجاز المالكية في المشهور عندهم بيع الغائب بلا (١) انظر رد المحتار والدر المختار: ٢٤٤/٤، الفروق للقرافي: ٢٢٩/١، المجموع للنووي: ٣٧٤/٩ ، المهذب: ٢٦٦/١، المغني: ٥٩٩/٥ ، الأموال ونظرية العقد للمرحوم محمد يوسف موسى: ص٤٥١ وما بعدها، الغرر وأثره في العقود للزميل صديق الأمين: ص ١٣٧ - ١٤٩ . (٢) البدائع : ١٦٣/٥، فتح القدير : ١٣٧/٥ . روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند أخرجه الدارقطني في سننه عن أبي هريرة. والمرسل رواه ابن أبي شيبة (٣) والدارقطني والبيهقي في سننيها عن مكحول، نقل النووي اتفاق الحفاظ على تضعيفه ( انظر نصب الراية : ٩/٤، المقاصد الحسنة : ص ٤٠٣ ). - ٤٦٢ - وصف لنوعه وجنسه بشرطين: أن يذكر الخيار للمشتري إذا رأى المبيع، وألا يدفع المشتري الثمن للبائع(١). ويسمى هذا البيع عند المالكية: البيع على البَرْنامِج أو (٢) البرامج(٢). وقال الشافعية في الأظهر عندهم وفي قول عند الإباضية : لا يصح مطلقاً بيع الغائب وهو ما لم يره المتعاقدان، أو أحدهما، وإن كان المبيع حاضراً، لما فيه من الغرر، وقد نهى الرسول مَ ائل عن بيع الغرر، وفي بيع مالا يعرف جنسه أو نوعه غرر كبير، وكذا ما عرف جنسه أو نوعه ، مثل بعتك فرسي العربي، لا يصح بيعه في المذهب الجديد لوجود الغرر فيه بسبب الجهل بصفة المبيع، كما لا يصح السلم مع جهالة صفة المسلم فیه ، وقد نهى الرسول م تل عن بيع الغرر. وأما حديث خيار الرؤية: ((من اشترى مالم يره فهو بالخيار إذا رآه )) فهو حديث ضعيف كما قال البيهقي . وقال الدار قطني عنه: إنه باطل لا يصح ، لم يروه (٣) غيره(٣) . تعالي بداية المجتهد : ١٥٤/٢، الشرح الكبير: ٢٥/٣ وما بعدها ، الشرح الصغير: ٤١/٣، القوانين الفقهية: ص٢٥٦. (١) هذا وقد ذكر المالكية خمسة شروط للزوم البيع على الصفة : وهي ألا يكون المبيع بعيداً جداً كالأندلس وإفريقية أي بحيث يظن تغيره قبل قبضه ، وألا يكون قريباً جداً كالحاضر في البلد ، ( والراجح أن الحاضر في مجلس العقد لابد من رؤيته إلا لضرر، وغير الحاضر في مجلس العقد يجوز بيعه على الصفة ) وأن يصفه غير البائع عند بعضهم (والأصح أنه يصح بوصف البائع ) ، وأن يحصر بالأوصاف المقصودة كلها ، وألا ينقد ثمنه بشرط إلا فيما يؤمن تغيره كالعقار ، ويجوز النقد من غير شرط أي ألا يشترط البائع على المشتري دفع الثمن عند العقد ، ويدفعه المشتري له بناء على ذلك الشرط ، أما إذا دفع له الثمن تطوعاً من غير شرط فيجوز . وهذا الشرط الأخير خاص بالعين غير المأمونة التغير ، أما المأمونة التي لا يسرع إليها التغير كالعقار فيجوز اشتراط النقد فيها . والسبب في هذا الشرط هو ألا يكون العقد مشتلاً على الغرر بأن يتردد بين اعتباره سلماً أو بيعاً . البرنامج : الورقة المكتوب فيها ما في الوعاء: العدل أو الظرف (راجع الموطأ: ١٦٠/٢ ). (٢) المهذب: ٢٦٣/١، المجموع: ٣١٥/٩ ، مغني المحتاج: ١٨/٢، شرح النيل: ١٤٣/٤. (٣) الفقه الإسلامي جـ ٤ (٣٠) - ٤٦٣ - وقال الحنابلة في أظهر الروايتين عندهم : إن الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته لا يصح بيعه، فإن صححناه بحسب الرواية الأخرى، فيثبت الخيار للبائع والمشتري عند الرؤية. ودليل الرواية الأولى أنه مؤلفلم نهى عن بيع الغرر. أما إذا وصف المبيع للمشتري فذكر له من صفاته ما يكفي في صحة السلام ، صح بيعه في ظاهر المذهب، وعن أحمد: لا يصح حتى يراه؛ لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع، فلم يصح البيع بها كالذي لا يصح السلم فيه . استدلوا على ظاهر المذهب : بأنه بيع بالصفة فصح كالسلم، ولا يقال بأنه لا تحصل به معرفة المبيع، فإن تلك المعرفة تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهراً، وهذا يكفي بدليل أنه يكفي في السلم(١) . والخلاصة : أن الحنفية والمالكية، والحنابلة في الأظهر، والظاهرية، والزيدية والإمامية ، وفي قول عند الإباضية: يجيزون بيع العين الغائبة على الصفة(٢). أما بيعها بغير رؤية ولا وصف فقد أجازه الحنفية والمالكية على الراجح عندهم. بيع ما يكمن في الأرض أو بيع ما في رؤيته مشقة أو ضرر : قد تكون مع رؤية المبيع مشقة أو ضرر مثل بيع الأطعمة المحفوظة ونحوها من الأدوية والسوائل والغازات التي لا تفتح إلا عند الاستعمال، ومثله بيع المغيب في الأرض كالجزر واللفت والبطاطا ، فإن الحنفية أجازوه كإجازة بيع العين الغائبة، كما أجازه المالكية؛ لأن البيع معلوم بالعادة، والغرر فيه يسير، وأبطله الشافعية والحنابلة والظاهرية (٣) إذ لا يمكن وصفه، فيتحقق فيه الغرر والجهالة المنهي عنهما . (١) المغني: ٥٨٠/٣ - ٥٨٢، غاية المنتهى: ١٠/٢. (٢) المحلى : ٣٨٩/٨، الروض النضير: ٢٥٩/٣، المختصر النافع: ص ١٤٥، شرح النيل: ١٣٧/٤. (٣) الدر المختار: ١٠٦/٤، بداية المجتهد: ١٥٦/٢، المجموع: ٣٣٨/٩، المغني: ٩١/٤، المحلى: ٤٥٦/٨ ، البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع : ص٦٧ . - ٤٦٤ - ٠ ٤ - بيع الأعمى وشراؤه : هذا النوع مفرع على شرط رؤية المبيع على الخلاف السابق في بيع الغائب . فقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يصح بيع الأعمى وشراؤه وإجارته ورهنه وهبته، ويثبت له الخيار بما يفيد معرفته بالمبيع كالجس والشم والذوق فيما يعرف بذلك، وكالوصف في الثمار على رؤوس الأشجار والدور والعقارات. ودليلهم حديث: ((إنما البيع عن تراض))(١) وقد رضي الأعمى بالبيع، وأنه يمكنه الاطلاع على المقصود ومعرفته، فأشبه بيع البصير، ولأن إشارة الأخرس تقوم مقام نطقه، فکذلك شم الأعمی وذوقه(٢). إلا أن الحنفية كما هو معلوم لا يثبتون خيار الرؤية للبائع سواء أكان بصيراً أم أعمى. وقال الشافعية : لا يصح بيع الأعمى وشراؤه إلا إذا كان قد رأى شيئاً قبل العمى مما لا يتغير كالحديد ونحوه، ودليلهم قصور الأعمى عن إدراك الجيد والرديء ، فیکون محل العقد بالنسبة له مجهولاً(٣) . ٥- البيع بالثمن المحرّم : إذا كان البيع بثمن محرم كالخمر والخنزير: يكون فاسداً عند الحنفية لوجود حقيقة البيع : وهي مبادلة المال بالمال ، فإن الخمر والخنزير مال متقوم عند بعض الكفار، وهما وإن كانا مالين عند الحنفية، إلا أنها ليسا بمتقومين شرعاً، والقاعدة المقررة في هذا الشأن : أن أحد العوضين إذا لم يكن مالاً في دين سماوي ، فالبيع باطل رواه ابن ماجه والبيهقي وصححه ابن حبان عن أبي سعيد الخدري ، وقد سبق تخريجه . (١) (٢) مختصر الطحاوي: ص٨٣، البدائع: ١٦٤/٥، ٢٩٨، حاشية الدسوقي: ٢٤/٣ ، المغني: ص ٢١٠ ، غاية المنتهى : ١٠/٢. المهذب : ٢٦٤/١ . (٣) - ٤٦٥ - سواء أكان مبيعاً أم ثمناً ، فبيع الميتة والدم والإنسان الحر باطل ، وكذا البيع به وهو الصحيح عند الحنفية؛ لأن المسمى ثمناً ليس بمال أصلاً، وكون الثمن مالاً في الجملة شرط من شروط الانعقاد . وإن كان العوض في بعض الأديان مالاً دون بعض : فإن أمكن اعتباره ثمناً، فالبيع فاسد، فبيع الثوب بالخمر أو الخمر بالثوب فاسد، وإن تعين كونه مبيعاً، فالبيع باطل، فبيع الخمر بالدراهم أو الدراهم بالخمر باطل. وعلى هذا : إذا كان الثمن محرَّماً: ينعقد البيع بالقيمة(١) ومن الواضح أن هذا البيع عند غير الحنفية يقع باطلاً. ٦ - البيع نسيئة ثم الشراء نقداً - بيوع الآجال: إذا اتخذ العقد وسيلة لتحقيق غرض غير مباح شرعاً، فهل ينعقد العقد لوجود أركانه من الايجاب والقبول أو يعتبر غير صحيح لسببه غير المشروع؟ وذلك مثل(٣) أن يبيع الشخص مالاً إلى آخر بثمن مؤجل ، ثم يشتريه منه بثمن عاجل كأن يبيع مائة قنطار من القطن بخمسة آلاف ليرة لا تقبض إلا بعد سنة، ثم يشتريها البائع من المشتري بأربعة آلاف يدفعها إليه فوراً، فقد حصل ههنا عقدا بيع: كلاهما ظاهره الصحة لاشتماله على أركان العقد وشروطه. فمثل هذه البيوع تسمى عند المالكية ((بيوع الآجال )) لاشتمالها دائماً على الأجل ، وقد تسمى هذه البيوع عند بعض العلماء (( بيوع العينة )) وهي في الحقيقة نوع من بيوع الآجال التي يقصد منها التحيل على الربا، والوصول إلى ما هو منوع شرعاً، ومع ذلك اختلف العلماء في حكم بيع الأجل، علماً بأن المالكية فرقوا بين النوعين ، فقالوا: بيوع الآجال: هي بيع المشتري ما اشتراه (١) فتح القدير مع العناية: ١٨٦/٥، البدائع: ١٤١/٥، ٣٠٥، رد المحتار: ١٠٥/٤، ١٠٨. (٢) انظر مواهب الجليل للحطاب : ٣٩٠/٤ وما بعدها ، الشرح الكبير للدردير: ٧٦/٣ ، الشرح الصغير : ٣ / ١١٦، ١٢٨ . - ٤٦٦ - البائعه أو لوكيله، لأجل. وبيع العينة: أن يقول شخص لآخر: اشتر سلعة بعشرة نقداً ، وأنا آخذها منك باثني عشر لأجل . فقال الشافعية والظاهرية : يصح هذا العقد لتوافر ركنه وهو الإيجاب والقبول ، ويترك أمر النية لله وحده يعاقب صاحبها عليها . وقال المالكية والحنابلة : العقد باطل متى قام الدليل على وجود قصد آثم سداً للذريعة . وتطبيقات هذا الخلاف تظهر في زواج المحلل وبيع العينة وبيع العنب لعاصر الخمر (١). وأما أبو حنيفة فيحكم في الظاهر بصحة زواج المحلّل ، وبيع العنب لعاصره خمراً ، مالم يصرح في العقد بشرط يخل به ، ويجعل بيع العينة فاسداً إن خلا من توسط شخص ثالث . بيع العينة : هو بيع يراد منه أن يكون حيلة للقرض بالربا ، بأن يبيع رجل شيئاً بثمن نسيئة أو لم يقبض ، ثم يشتريه في الحال ، وسمي بالعينة لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عيناً أي نقداً حاضراً، وعكسها مثلها . مثاله: أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل معلوم، ثم يشتريها بثمن آخر إلى أجل آخر، أو نقداً بثمن أقل، وفي نهاية الأجل الذي حدد في العقد الأول يدفع الثمن الأول كله، فيكون الفرق بين الثمنين فائدة أو ربا لصاحب المتاع الذي یبین بیعاً صوریاً، مثل أن يبيع شخص لآخر ثوباً باثنتي عشرة لیرة مؤجلاً دفعها إلى شهر مثلاً، ثم يبيع المشتري هذا الثوب نفسه - قبل أو بعد تسلمه - إلى بائعه الأول بعشر ليرات تدفع حالاً إلى المشتري، وفي نهاية الأجل المحدد لدفع الثمن في العقد الأول يدفع المشتري کامل الثمن وهو ((١٢ )» ل.س، فيكون الفرق بين الثمنين فائدة أو ربا لصاحب الثوب الذي بيع بيعاً صورياً، والعملية كلها للتحايل على الإقراض بالربا عن طريق البيع والشراء. وقد يوسط المتعاقدان بينهما شخصاً ثالثاً يشتري العين بثمن حال من مريد (١) الأموال ونظرية العقد: ص٢٩٧ وما بعدها، أصول البيوع الممنوعة للشيخ عبد السميع: ص١٠٢. - ٤٦٧ - الاقتراض، بعد أن اشتراها هذا من مالكها المقرض، ثم يبيعها للمالك الأول بالثمن الذي اشترى به ، فیکون الفرق ربا له . اختلف العلماء في الحكم على العقد الثاني، مع أن قصد التعامل بالربا واضح من البائع والمشتري . فقال أبو حنيفة : هو عقد فاسد إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض، كما مثلنا ، إلا أنه يلاحظ أن أبا حنيفة خالف أصله السابق الذكر الذي يقتضي القول بصحة هذا العقد (١) وذلك استحساناً بنص الحديث الذي سيأتي في قصة زيد بن أرقم، ولأن الثمن إذا لم يستوف لم يتم البيع الأول، فيصير البيع الثاني مبنياً عليه، فليس للبائع الأول أن يشتري شيئاً ممن لم يتملكه بعد، فيكون البيع الثاني فاسداً . وقال أبو يوسف: هذا البيع صحيح بلا كراهة. وقال محمد : إنه صحيح مع الكراهة، حتى إنه قال: (( هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم ، اخترعه أكلة الربا )) (٢). وقال الشافعي وداود الظاهري : هذا العقد صحيح مع الكراهة لتوافر ركنه وهو الايجاب والقبول الصحيحان، ولا عبرة في إبطال العقد بالنية التي لا نعرفها لعدم وجود ما يدل عليها(٣) أي أن القصد الآثم مرجعه إلى الله، والحكم على ظاهر العقد شيء آخر. لذا فإنه يحمل العقد على عدم التهمة . (١) وهو أن المعتبر في العقود: هو الألفاظ دون النيات، لأن نية الغرض غير المباح شرعاً مستترة، فيترك أمرها إلى الله وحده يعاقب عليها صاحبها، مادام أثم بنيته، وهذا بخلاف مذهب الإمام أحمد الذي يتشدد بحق في رعاية النية والقصد دون اللفظ ( انظر أعلام الموقعين ١٠٦/١ وما بعدها ، ونظرية العقد لأستاذنا الجليل الشيخ محمد أبو زهرة : ص ٢١٥ ) . فتح القدير: ٢٠٧/٥ وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين: ٢٥٥/٤، ٢٩١، الأموال ونظرية العقد: ص٣٠١. (٢) (٣) الميزان: ٧٠/٢، إرشاد الفحول للشوكاني : ص٢١٧ ، القوانين الفقهية : ص٢٧١ . - ٤٦٨ - وقال المالكية والحنابلة : إن هذا العقد يقع باطلاً(١) سداً للذرائع كما سنبین، ولما روي من قصة زيد بن أرقم مع السيدة عائشة رضي الله عنها : وهي أن العالية بنت أيفع قالت: دخلت وأنا أم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها ، فقالت أم ولد زيد بن أرقم: ((إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم اشتريته منه بستمائة درهم ((أي حالّة)) فقالت عائشة: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله مع لم إن لم يتب))(٢) وقال ◌َ له: ((إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة ، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبیل الله، أنزل الله بهم بلاء، فلا یرفعه حتى يراجعوا دينهم )»(٣). واستدلوا من جهة المعقول بالقياس على الذرائع المجمع على منعها بجامع أن الأغراض الفاسدة في كل منها هي الباعثة على عقدها، لأنه المحصل لها . والخلاصة : أن جمهور الفقهاء غير الشافعية: قالوا بفساد هذا البيع وعدم صحته؛ لأنه ذريعة إلى الربا، وبه يتوصل إلى إباحة مانهى الله عنه، فلا يصح . غير أن الشافعي قال عن الحديث الأول: (( لا يثبت ، وأيضاً فإن زيداً قد خالفها، وإذا اختلف الصحابة فمذهبنا القياس)). بداية المجتهد : ١٤٠/٢ وما بعدها، حاشية الدسوقي: ٩١/٣، الحطاب: ٤٠٤/٤، القوانين الفقهية: ص٢٥٨ ، (١) ٢٧١ وما بعدها، الشرح الصغير: ١٣٠/٣. المغني: ١٧٥/٤ وما بعدها، نيل الأوطار: ٢٠٦/٥ ، الموافقات للشاطبي: ٣٦١/٢، الفروق للقرافي: ٢٦٦/٣ وما بعدها، الوسيط في أصول الفقه لنا: ص ٤٩٣ . هذا وقد أبطل الحنابلة العقد الأول حيث كان وسيلة للثاني . وقالوا : إن تغيرتٍ صفة الشيء المشترى بما ينقصها أو يزيدها ، أو اشتراها من غير مشتريها أو بمثل الثمن أو بنقد آخر ، صح البيع ، وكذا لو اشتراها أبوه أو ابنه أو غلامه ونحوها مالم يكن حيلة، فلا يصح ( غاية المنتهى : ٢٠/٢). هذا الحديث رواه الدارقطني عن يونس بن إسحق عن أمه العالية عن أم مُحبة عن عائشة . روي عن الشافعي (٢) أنه لا يصح ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ، قال في التنقيح: إسناده جيد ، وإن كان الشافعي لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدارقطني قال في العالية: هي مجهولة لا يحتج بها ( انظر جامع الأصول: ٤٧٨/١ ). (٣) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عمر وأخرجه أيضا الطبراني وابن القطان وصححه ، قال الذهبي : إن هذا الحديث من مناكير عطاء الخراساني ( نيل الأوطار : ٢٠٦/٥). - ٤٦٩ - ويلاحظ أن الشافعية والظاهرية اعتمدوا على ظاهر عقد المتبايعين، فحكموا بصحته عملاً بمقتضى آية : ﴿ وأحل الله البيع﴾ وهذا مردود، لأن الظاهر إنما يعمل به إذا لم تقم قرينة تفيد غيره، وههنا قرينة العرف المعهود، وغلبة قصد الناس إلى المحرم ، والشيء المتعارف ينزل منزلة الشرط المنصوص، فكان ذلك من أقوى القرائن التي يجب العمل بها؛ لأنها تجعل الظاهر من أمر البائعين هو التذرع إلى المحرم، فإبطال بيعهما هو مقتضى الظاهر(١). ٧ - بيع العنب لعاصر الخمر : ويتفرع أيضاً على القاعدة السابقة في أوائل بحث البيع السابق : الخلاف في بيع العنب لمن يعرف أنه يعصره خمراً، كما قلنا . ونذكر هنا خلاف العلماء فيه . فقال أبو حنيفة والشافعي : يصح في الظاهر مع الكراهة بيع العنب لعاصر الخمر، وبيع السلاح لمن يقاتل به المسلمين، لعدم تحققنا أنه يتمكن من اتخاذه خمراً أو يقاتل بالسلاح المسلمين، ويؤاخذ الإنسان على مقاصده. أما الوسائل فقد يحال بين الإنسان وبينها، والمحرم في البيع هو الاعتقاد الفاسد، دون العقد نفسه، فلم يمنع صحة العقد، كما لو دلس العيب(٢) أي أن الحكم على العقد بظاهره شيء، والدافع إليه شيء آخر. وقال المالكية والحنابلة : بيع العصير ممن يتخذه خمراً باطل، وكذا بيع السلاح لأهل الحرب أو لأهل الفتنة، أو لقطاع الطرق، سداً للذرائع ؛ لأن ما يتوصل به إلى الحرام فهو حرام، ولو بالقصد، ولقوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ أصول البيوع الممنوعة : ص ١٠٥ . (١) (٢) المهذب : ٢٦٧/١، تكملة فتح القدير: ١٢٧/٨، مختصر الطحاوي ص ٢٨٠: ٦٧/٢ . - ٤٧٠ - وهذا نهي يقتضي التحريم، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل(١). ٨- البيعتان في بيعة أو الشرطان في بيع واحد : لقد ثبت عن النبي ګ النهي عن بيعتین وعن شرطن في بيع ، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((نهى النبي ◌ُ ◌ّ عن بيعتين في بيعة)) وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله عَ لّم: (( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بیع ، ولا ربح مالم يَضْن ، ولا بیع مالیس عندك )»(٢). : واختلف في تفسير البيعتين في بيعة: فقال الشافعي: ((له تأويلان: أحدهما. أن يقول: بعتك بألفين نسيئة، وبألف نقداً، فأيهما شئت أخذت به، على أن البيع قد لزم في أحدهما وهذا بيع فاسد ((أي باطل )) لأنه إبهام وتعليق . والثاني - أن يقول: ((بعتك منزلي على أن تبيعني فرسك )). وحكمة منع صورة الصفقة الأولى هو اشتمالها على غرر بسبب الجهل بمقدار الثمن، فإن المشتري لا يدري وقت تمام العقد هل الثمن عشرة مثلاً أو خمسة عشر. ومن الحكمة في تحريم العقد الثاني منع استغلال حاجات الآخرين ، وذلك في حالة كون المشتري مضطراً إلى شراء شيء، فيكون اشتراط البائع عليه في شراء شيء منه من قبيل الاستغلال مما يؤدي إلى فوات حقيقة الرضا في هذا العقد، ثم إن فيه غرراً أيضاً لا يدري البائع هل يتم البيع الثاني أولا . واختلف في تفسير الشرطين في بيع : فقيل : هو أن يقول : بعت هذا نقداً بكذا، (٢) المغني: ٢٢٢/٤ وما بعدها، الموافقات للشاطبي: ٣٦١/٢ . (١) أخرجه أصحاب السنن إلا ابن ماجه ، ورواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( عبد الله بن عمرو بن العاص) قال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)) واختصره ابن ماجه، فذكر منه: ((ربح مالم يضمن ، وبيع ماليس عندك)) فقط. والمراد بربح مالم يضمن : أنه لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها ، مثل : أن يشتري سلعة ويبيعها إلى آخر قبل قبضها من البائع الأول ، فهذا البيع باطل ، وربحه لا يجوز ، لأن المبيع في ضمان البائع الأول ، وليس في ضمان المشتري ( انظر نصب الراية: ١٨/٤ ، نيل الأوطار: ١٧٩/٥ ) . - ٤٧١ _. وبكذا نسيئة. وقيل : هو أن يشترط البائع على المشتري ألا يبيع السلعة ولا يهبها. وقيل: هو أن يقول: ((بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بکذا )»(١). وبهذا يظهر أن البيعتين في بيعة والشرطين في بيع واحد بمعنى واحد. وقد اختلف العلماء في حكمه . فقال الحنفية : البيع فاسد؛ لأن الثمن مجهول ، لما فيه من تعليق وإبهام دون أن يستقر الثمن على شيء: هل حالاً أو مؤجلاً. فلو رفع الإبهام وقبل على إحدى الصورتين، صح العقد(٢). وقال الشافعية والحنابلة : إن هذا العقد باطل ؛ لأنه من بيوع الغرر بسبب الجهالة ، لأنه لم يجزم البائع ببيع واحد، فأشبه مالوقال: بعتك هذا أو هذا، ولأن الثمن مجهول، فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول، ولأن أحد العوضين غير معين ولا معلوم، فلم يصح كما لو قال : بعتك أحد منازلي(٣). وقال مالك : يصح هذا البيع، ويكون من باب الخيار، فيذهب العقد على إحدى الحالتين، وهو محمول على أنه جرى بينهما بعدئذ ما يجري في العقد، فكأن المشتري قال : أنا آخذه بالنسيئة بكذا ، فقال : خذه ، أوقد رضيت ، ونحو ذلك فيكون عقداً كافياً(٤) . المنتقى على الموطأ : ٣٦/٥، نيل الأوطار: ١٥١/٥ وما بعدها ، سبل السلام: ١٦/٣ وما بعدها . (١) البدائع : ١٥٨/٥، رد المحتار: ٣٠/٤. (٢) (٣) المهذب: ٢٦٧/١، مغني المحتاج: ٣١/٢، المغني : ٢٣٤/٤. بداية المجتهد: ١٥٣/٢، المنتقى على الموطأ: ٣٧/٥. قال ابن جزي في القوانين: ص٢٥٧: ((البيعتان في (٤) بيعة: هو أن يبيع مثموناً واحداً بأحد ثمنين مختلفين، أو يبيع أحد مثونين بثمن واحد ، فالأول أن يقول : بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً أو بعشرين إلى أجل على أن البيع قد لزم في أحدهما . والثاني : أن يقول : بعتك أحد هذين الثوبين بكذا على أن البيع قد لزم في أحدهما )» وقد عدَّ ابن جزي هذا النوع من أنواع بيوع الغرر العشرة الممنوعة . - ٤٧٢ - ٩ - بيع الأتباع والأوصاف مقصوداً: إذا كان الشيء تبعاً لغيره، فبيع مستقلاً عنه كبيع الآلية من الشاة الحية والذراع والرأس ونحوهما، وكبيع ذراع من ثوب ، فقال الحنفية: إن بيع اللحم في الشاة الحية، أو الشحم الذي فيها، أو أليتها، أو أكارعها، أو رأسها: كل هذا باطل لا ينعقد؛ لأنه بيع لمعدوم؛ لأن اللحم لا يصير لحماً إلا بالذبح والسلخ . ومثله بيع ياقوتة فإذا هي زجاج، أو بيع قطعة جوخ، فإذا هي قطن ، لا ينعقد البيع لأن المبيع معدوم . وأما بيع ذراع من ثوب : فإن كان يضره التبعيض، كالثوب المهيأ للبس ، نحو القميص : كان العقد فاسداً، لأن المبيع تبع لغيره، ولا يمكن تسليمه إلا بضرر لم يوجبه العقد يلحق بالبائع ، وهو قطع الثوب. وكذا بيع جذع من سقف أو آجر من حائط يكون العقد فاسداً. فإن قطع البائع الذراع من الثوب أو قلع الجذع قبل أن يفسخ المشتري العقد، وسلمه إلى المشتري : يعود العقد صحيحاً، لزوال المفسد قبل نقض البيع، فلو فعل ذلك بعد الفسخ : لا يجوز. وإن كان المبيع لا يضره التبعيض مثل بيع قفيز من صبرة أو بيع عشرة دراهم من نُقرة(١) ونحوها، جاز البيع، لأنه ليس في التبعيض ضرر، وليس المبيع تبعاً لغيره أيضاً(٢). ١٠ - بيع الشيء المملوك قبل قبضه من مالك آخر : قال الحنفية: لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض؛ لأن النبي مُ له نهى النقرة : هي القطعة المذابة من الذهب أو الفضة . (١) (٢) فتح القدير: ١٩٣/٤، البدائع: ١٣٩/٥ وما بعدها ، رد المحتار : ١١٤/٤. - ٤٧٣ - ٦ عن بيع مالم يقبض(١) والنهي يوجب فساد المنهي عنه، ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، أي أنه يحتمل الهلاك فلا يدري المشتري هل يبقى المبيع أو بهلك قبل القبض، فيبطل البيع الأول وينفسخ الثاني، وقد نهى رسول الله مَ المه عن بيع فيه غرر(٢) . وأما العقار، كالأراضي والدور، فيجوز بيعه قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحساناً ، استدلالاً بعمومات البيع من غير تخصيص ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر واحد، ولا غرر في العقار إذ لا يتوهم هلاك العقار، ولا يخاف تغيره غالباً بعد وقوع البيع ، وقبل القبض ، أي أن تلف العقار غير محتمل فلا يتقرر الغرر(١). والخلاصة : أن العلة عند الحنفية في عدم جواز بيع الشيء قبل قبضه هي الغرر. وقال المالكية : لا يجوز بيع الطعام(٤) قبل القبض ربوياً كان أو غير ربوي، لحديث ابن عباس وابن عمر أن رسول الله ◌َ اتّ قال: (( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه)»(٥) وأما ما سوى ذلك أو بيع الطعام جزافاً فيجوز بيعه قبل قبضه لغلبة تغير الطعام، بخلاف ما سواه، وأخذاً بمفهوم الحديث السابق(٦). والعلة في منع بيع الطعام قبل قبضه عند المالكية: هي أنه قد يتخذ البيع ذريعة للتوصل إلى ربا النسيئة، فهو شبيه ببيع الطعام بالطعام نساء، فيحرم سداً للذرائع . فيه أحاديث منها ما أخرجه أبو داود عن ابن عمر أن زيد بن ثابت قال له : إن رسول الله تع نهى أن تباع (١) السلع حيث تبتاع ، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ( وقد سبق ذكر بعض رواياته ) . (٢) رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن الأربعة ، وقد سبق تخريجه . المبسوط: ٨/١٣ وما بعدها، البدائع: ٢٣٤/٥، فتح القدير: ٢٦٤/٥، مختصر الطحاوي: ص ٨٤ . (٣) الطعام عندهم يشمل كل ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والأدم بجميع أنواعها كالزيت والعسل ونحوها . (٤) حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، وحديث ابن عمر رواه أحمد وأصحاب (٥) الكتب الستة إلا الترمذي ( انظر جامع الأصول: ٣٨٣/١، مجمع الزوائد: ٩٨/٤، نيل الأوطار: ١٥٨/٥). ٠ بداية المجتهد : ١٤٢/٢ وما بعدها ، المنتقى على الموطأ : ٢٧٩/٤، القوانين الفقهية: ص٢٥٨ ، ط فاس. (٦) - ٤٧٤ - وقال الحنابلة: لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه إذا كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً ( أي المقدرات )، لسهولة قبض المكيل والموزون والمعدود عادة، فلا يتعذر عليه القبض ، واستدلالاً بمفهوم حديث الطعام السابق، فإن تخصيصه الطعام بالنهي عن بيعه قبل قبضه يدل على إباحة البيع فيما سواه، ولم يصح غيره من الأحاديث. واشتراط الكيل أو الوزن أو العدد، لأن المكيل والموزون والمعدود لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن أو العدد، وقد نهى الرسول عليه السلام عن بيع مالم يضمن ، فالعلة في منع هذا البيع عند الحنابلة هي الغرر كالحنفية . وأما ما عدا المكيل والموزون والمعدود أي غير المقدرات، فيصح بيعه قبل قبضه(١) . وقال الشافعي ومحمد بن الحسن وزفر: لا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه مطلقاً قبل قبضه، عقاراً كان أو منقولاً، لعموم النهي عن بيع مالم يقبض ، روى أحمد عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلت: « يا رسول الله ، إني أشتري بيوعاً، فما يحل لي منها وما يحرم علي ؟ قال : إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه)) وقال مَ اقل: ((لا يحل سلف وبيع، ولا ربح ما لم يضمن(٢) ولا بيع ماليس عندك )) وهذا من باب بيع ما لم يضن . واستدلوا من طريق المعقول : وهو أنه بيع باطل لعدم القدرة على تسليم المبيع ، ولأن ملكه عليه غير مستقر، لأنه ربما هلك، فانفسخ العقد، وفيه غرر من غير حاجة، فلم يجز(٣) . فالعلة في منع البيع عند الشافعية هي الغرر كالحنفية . ونحن نرجح أن الحكمة في النهي أصلاً عن بيع ما لم يقبض : هي أن هذا البيع (١) المغني : ١١٠/٤، ١١٣ وما بعدها . قيل : معناه مالم يقبض ، لأن السلعة قبل تلفها ليست في ضمان المشتري ، إذا تلفت ، من مال البائع ، وقد (٢) سبق تخريج هذا الحديث وشرح ((مالم يضن)). المهذب: ٢٦٤/١، الميزان: ٦٦/٢، مغني المحتاج : ٦٨/٢ . (٣) - ٤٧٥ - يشبه الربا إِذ أن المشتري إذا دفع دراهمه إلى البائع في سلعة ، ثم عمد إليها ، فباعها قبل أن يقبضها ، فكأنما دفع دراهمه واستفاد بها ربحاً بمجرد دفعها إلى البائع دون القيام بعمل ما ، وهذا شبيه بالربا (١)، ثم إن في هذا البيع غرراً ناشئاً عن عدم القدرة على التسليم . وبه تكون علة النهي عن بيع الشيء قبل قبضه هو مجموع ماذكره فقهاء المذاهب . ١١ - اشتراط الأجل في المبيع المعين والثمن المعين: إذا اشترط الأجل لتسليم المبيع المعين أو الثمن المعين، كان البيع فاسداً عند الحنفية؛ لأن الأصل وجوب التسليم حال العقد، بسبب أن البيع عقد معاوضة: تمليك بتمليك وتسليم بتسليم ، والتأجيل ينفي وجوب التسليم للحال، فكان مغيراً مقتضى العقد، فیوجب فساد العقد . ولكن يجوز التأجيل في المبيع المؤجل وهو السلم، بل لا يجوز بدون الأجل عند الحنفية، وكذا يجوز التأجيل في الثمن الثابت ديناً في الذمة إن كان الأجل معلوماً، لأن التأجيل يلائم الديون، ولا يلائم الأعيان لمساس حاجة الناس إليه في الديون، لا في الأعيان ، وذلك لتمكين صاحب الأجل من اكتساب الثمن في المدة المعينة، ولا حاجة لهذا في الأعيان(٢). ١٢ - البيع بشرط فاسد : لإيضاحه نبين أنواع الشروط في البيوع: الشروط في المبايعات ثلاثة أنواع : شرط صحيح ، وشرط فاسد، وشرط لغو باطل (٢). (١) أصول البيوع الممنوعة : ص ٦٤ . (٢) البدائع : ١٧٤/٥، رد المحتار: ٢٣/٥. انظر البدائع: ١٦٨/٥ - ١٧٢، المبسوط: ١٣/١٣ - ١٨، فتح القدير: ٢١٤/٥ وما بعدها، رد المحتار: ١٢٦/٤ وما بعدها ، عقد البيع للأستاذ مصطفى الزرقاء : ص ٢٧ . (٣) - ٤٧٦ - آ- الشرط الصحيح: أي ((المعتبر الملزم للمتعاقدين)) أربعة أقسام: ١ - ما يقتضيه العقد: كأن يشتري شخص شيئاً بشرط أن يسلم البائع المبيع، أو يسلم المشتري الثمن، أو بشرط أن يملك المبيع أو الثمن، أو بشرط أن يحبس البائع المبيع حتى أداء جميع الثمن ، فهذه شروط تبين مقتضى العقد، لأن ثبوت الملك، والتسليم والتسلم، وحبس المبيع من مقتضى المعاوضات(١). ٢ - ما ورد الشرع بجوازه: كشرط الأجل والخيار لأحد المتعاقدين، فقد أثبت الشرع في وقائع عن النبي عليه الصلاة والسلام جواز التأجيل لمدة معلومة لحاجة الناس إليه ، لما فيه من المصلحة، كما ثبت في الشرع جواز خيار الشرط في إمضاء البيع أو رده خلال مدة معلومة، وهو قوله عليه السلام لحبَّان بن مُنْقِذ: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام))(٢) على ما سيأتي في الخيارات، وهذا مقتضى الاستحسان. وأما مقتضى القياس فالشرط فاسد، لكونه مخالفاً لمقتضى العقد: وهو ثبوت الملك في العوضين معاً في الحال . ٣ - ما يلائم مقتضى العقد، كالبيع بثمن مؤجل على شرط أن يقدم المشتري كفيلاً أو رهناً معينين بالثمن ، فإن الكفالة والرهن : استيشاق بالثمن ، فيلائم البيع ويؤيد التسليم . وهذا الشرط يحتاج إلى تفصيل(٣) لأن الكفيل أو الرهن إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً، ثم هل الحوالة مثل الكفالة والرهن ؟ (١) البدائع ، المرجع السابق : ص ١٧١ . هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عمر بلفظ ((بع، وقل: لا خلابة)) وفي لفظ عند البيهقي ((إذا (٢) بايعت فقل : لا خلابة ، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد)) ورواه أيضاً البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والموطأ بلفظ ((من بايعت فقل: لا خلابة)) أي لا خديعة أي لا يحل لك خديعتي أو لا تلزمني خديعتك ( انظر نصب الراية : ٦/٤ ، جامع الأصول : ٤١٤/١ ، تخريج أحاديث تحفة الفقهاء: ٨٢/٢) . البدائع ، المرجع السابق: ص ١٧١ وما بعدها ، المبسوط : ١٨/١٣ . (٣) - ٤٧٧ - إذا كان الرهن والكفيل مجهولين فسد البيع، كأن يقول البائع: «أبيعك بشرط أن تعطيني رهناً بالثمن)) ولم يسم شيئاً ولا أشار إليه أو يقول: ((بشرط أن تعطيني كفيلاً بالثمن)) ولم يسم إنساناً ولا أشار إلى إنسان ؛ لأن هذه جهالة تفضي إلى منازعة مانعة من التسليم والتسلم ؛ إذ أن معنى التوثق والتأكد بالحصول على الثمن بالرهن أو الكفالة لا يحصل إلا بالتسليم ، وذلك لا يتحقق في المجهول. فإن اتفق المتعاقدان على تعيين رهن في مجلس البيع، جاز البيع، لأن المانع هو جهالة الرهن ، وقد زال ، فكأنه كان معلوماً معيناً من ابتداء الأمر؛ لأن المجلس له حكم حالة واحدة . وكذا إذا لم يتفقا على تعيين الرهن ، ولكن المشتري نقد الثمن ، جاز البيع أيضاً، لأن المقصود من الرهن ، هو الوصول إلى الثمن، وقد حصل ، فسقط اعتبار الوثيقة . وإن افترق المتعاقدان عن المجلس تقرر الفساد ؛ لأن تمام القبول توقف على الرهن المشروط في العقد، فإذا لم يوجد الرهن لم يوجد القبول معنى . وأما إذا كان الرهن والكفالة معلومين بالإشارة أو بالتسمية، فالقياس : ألا يجوز البيع، وبه أخذ زفر؛ لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل، وشرط الرهن والكفالة مما يخالف مقتضى العقد فكان مفسداً . وفي الاستحسان : يجوز وهو الصحيح عند جمهور الحنفية؛ لأن هذا الشرط لو كان مخالفاً مقتضى العقد صورة، فهو موافق له معنى، لأن الرهن والكفالة شرعاً توثيق للثمن ، فإن حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة ، فكان كل واحد منهما مقرراً لمقتضى العقد معنى، فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن . ويلاحظ أن جواز البيع استحساناً حالة اشتراط الكفالة مقيد بما إذا كان الكفيل حاضراً في المجلس وقبل، أو كان غائباً ثم حضر في المجلس وقبل، فكان كما لو قبل عند العقد، لأن لمجلس العقد حكم العقد . - ٤٧٨ - ٠ فأما إذا كان الكفيل غائباً، أو حاضراً ولم يقبل، أو قبل وهو غائب، لم تصح الكفالة؛ لأنه لم يحصل معنى التوثيق، فبقي الحكم على أصل القياس ؛ لأن وجوب الثمن في ذمة الكفيل كان بسبب البيع، فيصير الكفيل بمنزلة المشتري إذا اشترطت الكفالة في البيع، ووجود المشتري في مجلس البيع شرط لصحة الايجاب من البائع ، فكذلك وجود الكفيل . هذا بخلاف الرهن، فلا يشترط وجود المرهون في مجلس البيع ؛ لأن تقديم الرهن يكون من المشتري، والمشتري حاضر وقد التزم الرهن ، فالرهن صحيح . وحينئذ إذا لم يسلم المشتري الرهن إلى البائع لا يثبت حكم الرهن ؛ لأن ثبوت حكم الرهن متوقف على القبض ، كما هو معروف في باب الرهن، فإن سلم الرهن تم العقد . وإن امتنع المشتري عن تسليم الرهن يجبر عند زفر؛ لأن الرهن إذا شرط في البيع فقد صار حقاً من حقوقه، والجبر على التسليم من حقوق عقد البيع ، فيجبر عليه . تعا ولا يجبر عند جمهور الحنفية على التسليم؛ لأن الرهن عقد تبرع في الأصل، واشتراطه في البيع لا يخرجه عن أن يكون تبرعاً، والجبر على التبرع ليس بمشروع ، فلا يجبر عليه، وحينئذ يقال للمشتري: ((إما أن تدفع الرهن أوقيته، أو تدفع الثمن أو تفسخ البيع)) لأن البائع ما رضي بوجوب الثمن في ذمة المشتري، إلا بوثيقة الرهن ، فإن لم يفعل المشتري شيئاً من المذكور، فللبائع أن يفسخ البيع، لأنه فات غرضه . الحوالة : شرط الحوالة إما من البائع أو من المشتري : فإن شرط البائع في البيع أن يحيله المشتري بالثمن على غريم من غرمائه ((أي مدين له)) فهذا على حالتين : - ٤٧٩ _ الفقه الإسلامي جـ٤ (٣١) أ- إن أحال بجميع الثمن: فالبيع فاسد، لأنه يصير بائعاً بشرط أن يكون الثمن على غير المشتري، وهو باطل ، لمخالفته لمقتضى العقد . ب- وإن شرط عليه أن يحيل نصف الثمن على فلان، فالبيع جائز إذا كان المحال عليه حاضراً وقبل الحوالة ، كما إذا باع شيئاً بألف ليرة على أن يكون نصفه على فلان وهو حاضر فقبل، جاز، أو كان المحال عليه غائباً، ثم حضر في المجلس وقبل، لأن لمجلس العقد حكم العقد . وإن شرط المشتري في البيع شرطاً هو ((أن يحيل البائع على غريم من غرمائه بالثمن ليدفع له)) أو باع البائع شيئاً بشرط ((أن يضمن المشتري لغريم - دائن - من غرماء البائع الثمن)) فالبيع فاسد (١) لأن شرط الحوالة والضمان شرط لا يقتضيه العقد، بل هو شرط فيه منفعة العاقد، والشرط الذي لا يقتضيه العقد مفسد في الأصل ، إلا إذا كان فيه تقرير موجَب العقد وتأكيده، والحوالة إبراء عن الثمن ، وإسقاط له، فلم يكن ملائماً للعقد، بخلاف الكفالة والرهن، والضمان ليس بصفة للثمن ، بل هو شرط فيه منفعة العاقد . ٤ - من الشروط الصحيحة: ما جرى به العرف: كشراء القفل على أن يسمّره البائع في الباب أو الحذاء على أن يخرزه البائع أو يضع له نعلاً، وكشراء الساعة أو الغسالة أو الثلاجة أو المذياع بشرط أن يصلحها البائع لمدة سنة مثلاً إذا أصابها خلل، فیجوز البیع استحسانا ، والقیاس ألا يجوز وهو قول زفر. وجه القياس: أن هذا شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين، وأنه مفسد، كما إذا اشترى قماشاً بشرط أن يخيطه البائع له قميصاً ، ونحوه . ووجه الاستحسان : أن الناس تعاملوا هذا الشرط في البيع، كما تعاملوا الاستصناع، فسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع. (١) البدائع : ١٧٢/٥ . - ٤٨٠ -