النص المفهرس
صفحات 441-460
تختفي في قشرها كالجوز واللوز والفستق والباقلاء(١) الأخضر، والأرز والسمسم في قشرها الأعلى، والحنطة في سنبلها ، والبطيخ والرمان على أن يكون للمشتري خيار الرؤية كما سيأتي بيانه في بحث هذا الخيار. أما المالكية والحنابلة فقد أجازوا مطلقاً كل مافيه غرر يسير، أو التي تدعو إليه الضرورة، كهذه الأشياء التي ذكرناها . وأما الشافعية: فإنهم أجازوا بيع هذه الأشياء في قشرها الأسفل . أما بيعها بقشرها الأعلى فاختلفوا فيه على رأيين مشهورين في المذهب، رجح النووي والبغوي والشيرازي عدم الصحة. وقال إمام الحرمين والغزالي: الأصح صحته؛ لأن الشافعي رضي الله عنه أمر أن يشترى له الباقلاء الرطب، ولتعارف ذلك في جميع البلدان من غير إنكار(٢). ونحن نرجح جواز بيع هذه الأشياء مطلقاً كما رأى المالكية والحنابلة لتعارف الناس هذه البيوع، فإذا وجد فيها عيب أمكن فسخ العقد بمقتضى خيار العيب. حكم التأمين مع شركات التأمين في الإسلام التأمين حديث النشأة ، فقد ظهر بمعناه الحقيقي في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا في صورة التأمين البحري. والتأمين (أو السوكرة) نوعان: تأمين تعاوني هو الفول الأخضر أي ونحوه . (١) راجع مذاهب الفقهاء في الغرر: المبسوط: ١٢ ص ١٩٤ وما بعدها، تبيين الحقائق: ٤ ص ٤٥ وما بعدها، فتح (٢) القدير: ٥ص ١٠٦، ١٩١ وما بعدها، البدائع: ٥ ص ١٤٧ وما بعدها، ٢٩٤، رد المحتار والدر المختار: ٤ ص ١١١ - ١١٤، المنتقى على الموطأ: ٥ ص ٤١، بداية المجتهد: ٢ ص ١٥١، ١٥٦، ١٥٨، الشرح الكبير للدردير: ٣ ص ٥٥ - ٦٠، القوانين الفقهية: ص ٢٥٦ وما بعدها، الفروق للقرافي: ١ ص ١٥٠ ومابعدها، مغني المحتاج: ٢ ص ٣١، ٩٠، ٩٣، المهذب: ١ ص ٢٦٣ وما بعدها، المجموع: ٩ ص ٢٨١، ٣٧٤، ٣٣٥، المغني: ٤ ص ٥٦، ٩٢، ٢٠١، تنوير الحوالك شرح الموطأ: ٢ ص ١٢٥ وما بعدها، نيل الأوطار: ٥ص ١٤٧، ٢٠٠ وما بعدها، سبل السلام: ٣ ص ١٥. - ٤٤١ - وتأمين بقسط ثابت(١). أما التأمين التعاوني : فهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كل منهم اشتراكاً معيناً، لتعويض الأضرار التي قد تصيب أحدهم إذا تحقق خطر معين . وهو قليل التطبيق في الحياة العملية . وأما التأمين بقسط ثابت : فهو أن يلتزم المؤمَّن له بدفع قسط محدد إلى المؤمِّن : وهو شركة التأمين المكونة من أفراد مساهمين، يتعهد (أي المؤمن ) بمقتضاه دفع أداء معين عند تحقق خطر معين. وهو النوع السائد الآن. ويدفع العوض إما إلى مستفيد معين أو إلى شخص المؤمن أو إلى ورثته، فهو عقد معاوضة ملزم للطرفين . والفرق بين النوعين : أن الذي يتولى التأمين التعاوني ليس هيئة مستقلة عن المؤمن لهم ، ولا يسعى أعضاؤه إلى تحقيق ربح، وإنما يسعون إلى تخفيف الخسائر التي تلحق بعض الأعضاء. أما التأمين بقسط ثابت فيتولاه المؤمن (أي الشركة المساهمة) الذي يهدف إلى تحقيق ربح، على حساب المشتركين المؤمن لهم. و کون المؤمن له قد لا يأخذ شيئاً في بعض الأحيان لا يخرج التأمين من عقود المعاوضات، لأن من طبيعة العقد الاحتمالي ألا يحصل فيه أحد العاقدين على العوض أحياناً . التأمين التعاوني : لاشك في جواز التأمين التعاوني في الإسلام، لأنه يدخل في عقود التبرعات ، ومن قبيل التعاون على البر؛ لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس لتخفيف آثار المخاطر وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين ، أياً كان نوع الضرر، سواء في التأمين على الحياة، أو الحوادث الجسمانية، أو على الأشياء (بسبب الحريق أو السرقة أو موت الحيوان) أوضد المسؤولية من حوادث السير، أو حوادث العمل(٣)، ويجوز أيضاً للمؤمن له التأمين الإلزامي كالتأمين المفروض على السيارات ضد الغير، وتجوز التأمينات الاجتماعية ضد العجز والشيخوخة والمرض والتقاعد. التأمين في القانون المصري والمقارن للدكتور عبد المنعم البدراوي: ص ٣٦ وما بعدها (١) (٢) انظر الغرر وأثره في العقود للدكتور الصديق محمد الأمين الضرير: ص ٥٢١ وما بعدها. - ٤٤٢ - التأمين بقسط ثابت - فتوى ابن عابدين : أفتى ابن عابدين بحرمة التأمين البحري(١)، لضمان ماقد يهنك من البضائع المستوردة بطريق النقل البحري، بالمراكب، فلا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من مال المؤمن لأسباب ثلاثة : ١ - إن هذا العقد التزام مالا يلزم، لعدم وجود سبب شرعي من أسباب الضمان الأربعة وهي العدوان من قتل وهدم وإحراق ونحوها ، وتسبب الإتلاف کحفر بئر بدون ترخيص في الطريق العام، ووضع اليد غير المؤتمنة كالغصب والسرقة وبقاء المبيع في يد البائع، والكفالة. وليس المؤمن متعدياً، ولا متسبباً في الإتلاف، ولا واضع يد على المؤمن عليه، وليس في التأمين مكفول معين . ٢ - ليس التأمين من قبيل تضمين الوديع إذا أخذ أجراً على الوديعة إذا هلكت ؛ لأن المال ليس في يد المؤمن ، بل في يد صاحب المركب، ولو كان صاحب المركب هو المؤمن، فإنه يكون أجيراً مشتركاً، لا وديعاً، وكل من الوديع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، كالموت والغرق والحرق الغالب. ٣ - ليس التأمين من قبيل تضمين التغرير: لأن الغارّ لا بد من أن يكون عالماً بالخطر، وأن يكون المغرور جاهلاً به غير عالم. والمؤمن (شركة التأمين أو الضمان ) لا يقصد تغرير التجار (المؤمن لهم)، ولا يعلم بحصول الخطر - الغرق مثلاً، هل يكون أم لا ، أي لا يعلم : هل تغرق المركب أم لا ؟ أما في حال العلم بالخطر من المؤمن والتاجر كالخطر من اللصوص وقطاع الطرق، فيجوز الضمان، ولكن ليس التأمين منطبقاً عليها. فلو قال شخص لآخر: اسلك هذا الطريق، فإن كان مخوفاً وأخذ مالك، فأنا ضامن : ضمن. وأضاف ابن عابدين : أنه إن جرى عقد التأمين الفاسد في بلاد الحرب بين المؤمن (١) رد المحتار: ٢٧٣/٣ وما بعدها - فصل في استئمان الكافر الحربي. - ٤٤٣ - وشریك حربي غير مسلم للمؤمن له، أو بین التاجر المؤمن له الموجود في دار الحرب وبين المؤمن، وأخذ بدل الهالك، وأرسله في الحالة الأولى إلى التاجر المسلم، أو قبض التاجر البدل في بلادنا في الحالة الثانية، فالظاهر أنه يحل للتاجر أخذه؛ لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إلى التاجر مالهم برضاه، فلا مانع من أخذه. أما إن كان العقد في بلادنا ، والقبض في بلاد الحرب ، فلا يحل أخذ البدل، ولو برضا الحربي، لانبنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام. ولا يصح اعتبار التأمين من قبيل شركة المضاربة التي هي مال من طرف وعمل من طرف آخر، لسببين: أولهما - أن الأقساط التي يدفعها المؤمن له تدخل في ملك شركة التأمين (المؤمن)، وهي مطلقة اليد في أن تتصرف بها كيفما تشاء. ويخسرها المؤمن له إن لم يقع الحادث. ثانيهما - أن شرط صحة المضاربة أن يكون الربح بين صاحب المال والقائم بالعمل شائعاً بالنسبة كالربع أو الثلث ، وفي التأمين يشترط للمشترك المؤمن له قدر معين في الربح ٣٪ أو ٤٪ فتكون هذه المضاربة غير صحيحة. ولو تجاوز العاقد هذا السبب، يظل السبب الأول، كما أنه في حال موت المؤمن له قد لا يذهب المبلغ المؤمن عليه للورثة مطلقاً وإنما للمستفيد، بخلاف حال موت رب المال في المضاربة . ولا يصح اعتبار التأمين من قبيل الضمان أو الكفالة، لأنه ليس واحداً من أسباب الضمان الأربعة المشروعة المتقدمة، كما أنه في كثير من صور عقد التأمين لا يوجد فيه ما يمكن أن يعتبر مكفولاً ، وإن وجد المكفول كما في التأمين من حوادث السيارات ، فهو مجهول . والحقيقة أن عقد التأمين من عقود الغرر - العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه، وقد نهى الرسول القلم عن بيع الغرر. ويقاس عليه عقود المعاوضات المالية، فيؤثر الغرر فيها كما يؤثر في عقد البيع . - ٤٤٤ - وعقد التأمين مع الشركات من عقود المعاوضات المالية، فيؤثر فيه الغرر، كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات المالية. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان «عقود الغرر»؛ لأن التأمين لا يكون إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، أو غير معروف وقوعه ، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين . والغرر في التأمين كثير، لا يسير، ولا متوسط، لأن من أركان التأمين: ((الخطر)) والخطر هو حادث محتمل لا يتوقف على إرادة العاقدين(١). والحاجة التي من أجلها يجوز العقد المشتمل على الغرر ولو كان كثيراً : (وهي أن يصل المرء إلى حالة بحيث لو لم يتناول الممنوع يكون في جهد ومشقة، ولكنه لا يهلك)(٣) يشترط فيها أن تكون عامة، أو خاصة، وأن تكون متعينة. والحاجة العامة: هي ما يكون الاحتياج فيها شاملاً لجميع الناس . والحاجة الخاصة: هي ما يكون الاحتياج فيها خاصاً بطائفة من الناس كأهل بلد، أو حرفة. ومعنى كون الحاجة متعينة : أن تسد جميع الطرق المشروعة للوصول للغرض، سوى ذلك العقد الذي فيه الغرر. ـعالـ ولو سلمنا بوجود حاجة عامة للتأمين في الوقت الحاضر، فإن الحاجة إليه غير متعينة، إذ يمكن تحقيق الهدف منه بطريق التأمين التعاوني القائم على التبرع، وإلغاء الوسيط المستغل لحاجة الناس الذي يسعى إلى الربح، وهو شركة الضمان . فيكون التأمين عقد معاوضة مشتملاً على غرر كثير من غير حاجة، فينع في الإسلام. وبناء عليه لايحل للتاجر وغيره من المؤمنين أخذ بدل الهالك من مال السوكرة؛ لأنه مال لا يلزم من التزم به، ولأن اشتراط الضمان على الأمين باطل . انظر الغرر وأثره في العقود للدكتور الصديق محمد الأمين الضرير: ص ٦٥٦، ٦٦١. (١) (٢) الأشباه والنظائر للسيوطي : ص ٧٧، القاعدة الرابعة . - ٤٤٥ - ٤ - بيع النجس والمتنجس : قال الحنفية : لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة والدم ؛ لأنها ليست بمال أصلاً . ويكره بيع العَذِرة، ولا بأس ببيع السرقين أو السرجين: وهو (الزبل ) وبيع البعر ، لأنه منتفع به، لأنه يلقى في الأرض لاستكثار الريع، فكان مالاً ، والمال محل للبيع بخلاف العذرة، لأنه لا ينتفع بها إلا مخلوطة ويجوز بيع المخلوط كالزيت الذي خالطته النجاسة . ويصح عندهم بيع كل ذي ناب من السباع، كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والهر ونحوها؛ لأن الكلب ونحوه مال، بدليل أنه منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعاً على الإطلاق كالحراسة والاصطياد، فكان مالاً. ويصح بيع الحشرات والهوام کالحيات والعقارب إذا كان ينتفع به . ويصح بيع المتنجس والانتفاع به في غير الأكل كالدبغ والدهان والاستضاءة به في غير المسجد، ما عدا دهن الميتة، فإنه لا يحل الانتفاع به . والضابط عندهم: أن كل ما فيه منفعة تحل شرعاً، فإن بيعه يجوز(١)، لأن الأعيان خلقت لمنفعة الإنسان بدليل قوله تعالى: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾. وقال المالكية : لا ينعقد بيع الخمر والخنزير والميتة لحديث جابر، قال: قال رسول الله ◌ُ له: «إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله مُ اللّ: قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه - أذابوه - ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) (٣) وقال في البدائع: ٥ ص ١٤٢ وما بعدها، فتح القدير: ٥ ص ١٨٨، ٨ ص ١٢٢، الفقه على المذاهب الأربعة : ٢ ص (١) ٢٣١ وما بعدها . (٢) رواه أصحاب الكتب الستة وأحمد والموطأ عن جابر بن عبد الله ( انظر جامع الأصول: ١ ص ٣٧٥ ، سبل السلام : ٣ ص ٥ ) . - ٤٤٦ - الخمر: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها))(١). ولا ينعقد بيع الكلب مع كونه طاهراً ، سواء أكان كلب صيد أم حراسة ، لأنه نهي عن بيعه، ففي الحديث: ((نهى النبي ◌ُ ◌ّ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن)»(٢). وقال سحنون : أبیعه وأحج بثمنه . ولا ينعقد بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، كزيت وعسل وسمن وقعت فيه نجاسة . أما المتنجس الذي يمكن تطهيره، کثوب ، فإنه يجوز بيعه . ولا ينعقد أيضاً بيع ما نجاسته أصلية كزبل ما لا يؤكل لحمه، وكعذرة وعظم ميتة، وجلدها، ويصح بيع روث البقر وبعر الغنم والإبل ونحوها للحاجة إليها لتسميد الأرض وغيره من ضروب الانتفاع(٣). وقال الشافعية والحنابلة : لا يجوز بيع الخنزير والميتة والدم والخمر، وما أشبه ذلك من النجاسات، لقول الرسول مُ له: ((إن الله ورسوله حرم(٤) بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) ولأنه يجب اجتناب النجس وعدم الاقتراب، والبيع وسيلة إلى (٥) الاقتراب(٥) . ولا يجوز بيع الكلب ولو كان معلماً للنهي الوارد فيه في الحديث السابق: ((نهى النبي ◌ُ ◌ّ عن ثمن الكلب .. )). رواه مسلم والموطأ والنسائي عن عبد الرحمن بن وعلة رحمه الله أن ابن عباس روى له هذا الحديث ( انظر (١) جامع الأصول: ١ ص ٣٧٧ ). رواه أصحاب الكتب الستة وأحمد عن أبي مسعود الأنصاري - عقبة بن عمرو ( انظر نيل الأوطار: ٥ ص (٢) ١٤٣، نصب الراية : ٤ ص ٥٢ ) . حاشية الدسوقي : ٣ ص ١٠ وما بعدها ، الحطاب على متن خليل: ٤ ص ٢٥٨ وما بعدها ، بداية المجتهد : ٢ (٣) ص ١٢٥ وما بعدها، القوانين الفقهية: ص ٢٤٦ . رواية الصحيحين هكذا بإفراد الضمير، وفي بعض الطرق ((إن الله حرم)) وفي رواية سبق ذكرها ((إن الله (٤) ورسوله حرما )» . وهناك طريقة عند الشافعية لمبادلة النجاسات المنتفع بها وهي طريقة ((رفع اليد)» بأن يقول البائع: رفعت (٥). يدي عن هذا الشيء بكذا . الفقه الإسلامي جـ ٤ (٢٩) - ٤٤٧ - / ولا يصح بيع ما لا منفعة فيه كالحشرات وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد، كالأسد والذئب، والطيور التي لا تؤكل، ولا تصطاد، كالرخمة والحدأة والغراب؛ لأن مالا منفعة فيه لاقيمة له، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل، وبذل العوض فيه من السفه . ولا يجوز بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره من النجاسة كالخل والدبس، ولكن يصح بيع المتنجس الذي يمكن تطهيره كالثوب ونحوه . ولا يجوز بيع السرجين ونحوه من النجاسات(١)، إلا أن الحنابلة أجازوا بيع السرجین الطاهر کروث الحمام وکل ما يؤكل لحمه . والخلاصة : أن فقهاء الحنفية والظاهرية يجيزون بيع النجاسات للانتفاع بها إلا ما ورد النهي عن بيعه منها؛ لأن جواز البيع يتبع الانتفاع ، فكل ما كان منتفعا به جاز بيعه عندهم. وأما فقهاء المالكية والشافعية والمشهور عند الحنابلة : فلا يجيزون بيع النجاسات؛ لأن جواز البيع يتبع الطهارة، فكل ما كان طاهراً أي مالا يباح الانتفاع به شرعاً يجوز بيعه عندهم . ٥ - بيع العربون : في العربون ست لغات أفصحها فتح العين والراء، وضم العين وإسكان الراء. وعربان بالضم والإسكان، وهو أعجمي معرب، وأصله في اللغة : التسليف والتقديم. وبيع العربون : هو أن يشتري الرجل شيئاً، فيدفع إلى البائع من ثمن المبيع درهماً، أو غيره مثلاً، على أنه إن نفذ البيع بينهما احتسب المدفوع من الثمن ، وإن لم ينفذ، يجعل هبة من المشتري للبائع(٣). فهو بيع يثبت فيه الخيار للمشتري: إن أمضى المهذب: ١ ص ٢٦١ ، مغني المحتاج: ٢ ص ١١، المغني: ٤ ص ٢٥١، ٢٥٥ وما بعدها ، غاية المنتهى : ٢ ص (١) ٦ وما بعدها ، أصول البيوع الممنوعة: ص ٤١ . يلاحظ أن هذا البيع وإن كان فاسداً بحسب قواعد الحنفية ، لأن الفساد يرجع للثمن ، إلا أنا ذكرناه في أنواع (٢) البيع الباطل ، لأن الغالب بقاؤه على الفساد فيصبح باطلاً ، ولأن فيه غرراً . - ٤٤٨ _ ٨ البيع كان العربون جزءاً من الثمن، وإن رد البيع فقد العربون ، ومدة الخيار غير محددة بزمن ، وأما البائع فإن البيع لازم له . وقال بعض الحنابلة(١): لا بد أن تقيد فترة الانتظار بزمن محدد وإلا فإلى متى ينتظر البائع ؟ وقد اختلف فيه العلماء، فقال الجمهور: إنه بيع ممنوع غیر صحیح، فاسد عند الحنفية، باطل عند غيرهم؛ لأن النبي ◌ُ ◌ّ نهى عن بيع العربان(٢) ولأنه من باب الغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، ولأن فيه شرطين فاسدين: أحدهما - شرط الهبة ، والثاني - شرط الرد على تقدير ألا يرضى ، ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي، ولأنه بمنزلة الخيار المجهول، فإنه اشترط أن یکون له رد المبيع من غير ذکر مدة، فلم يصح، كما لو قال : ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهماً. وهذا هو مقتضى القياس(٣). وقال أحمد بن حنبل : لا بأس به ودليله ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه من حديث زيد بن أسلم أنه ((سئل رسول الله ع زائم عن العربان في البيع فأحله))(٤) وما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث: «أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر، كان البيع نافذا، وإن لم يرض فلصفوان أربعمئة (١) غاية المنتهي : ٢ ص ٢٦ . هذا حديث منقطع رواه أحمد والنسائي وأبو داود وهو لمالك في الموطأ ، وفيه راو لم يسم ، وسمي في رواية ، (٢) فإذا هو ضعيف ، وفيه طرق لا تخلو عن مقال ، وهو مروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وفسر الإمام مالك بيع العربان، فقال: ((هو أن يشتري الرجل العبد أو الأمة أو يكتري ، ثم يقول للذي اشترى منه أو اكترى منه: أعطيتك ديناراً أو درهماً على أني إن أخذت السلعة فهو من ثمنها وإلا فهو لك)) ( انظر سبل السلام : ٣ ص ١٧ ، نيل الأوطار: ٥ ص ١٥٣، الموطأ : ٢ ص ١٥١). (٣) بداية المجتهد : ٢ ص ١٦١، الشرح الكبير للدردير: ٣ ص ٦٣، القوانين الفقهية: ص ٢٥٨ ، مغني المحتاج : ٢ ص ٣٩ ، نيل الأوطار: ٥ ص ١٥٣ ، المنتقى على الموطأ: ٤ ص ١٥٧ ، شرح المجموع للإمام النووي : ٩ ص ٣٦٨. (٤) حديث مرسل وفي اسناده ابراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف ( نيل الأوطار، المكان السابق). - ٤٤٩ _ درهم)). وضعف أحمد الحديث المروي في بيع العربان ، وقد أصبحت طريقة البيع بالعربون في عصرنا الحاضر أساساً للارتباط في التعامل التجاري الذي يتضمن التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والانتظار(١). وفي تقديري أنه يصح ويحل بيع العربون وأخذه عملاً بالعرف؛ لأن الأحاديث الواردة في شأنه عند الفريقين لم تصح . ٦ - بيع الماء : عرفنا سابقاً أنه يشترط في المعقود عليه كونه مالاً محرزاً أي مملوكاً لواحد من الناس ، فلا ينعقد بيع شيء غير محرز كالماء والهواء والتراب، فما هو المقصود بالماء، وما هي مذاهب العلماء في تملكه وبيعه ؟ قال الحنفية: المياه أربعة أنواع(٢) الأول - ماء البحار: وهو مشاع لجميع الناس، ولكل إنسان حق الانتفاع به على أي وجه شاء كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء، فله أن ينتفع به لحوائجه الخاصة ولسقاية أراضيه أي أن له ما يسمى بحق الشفة وحق الشرب(٣) أو سقي الأراضي الزراعية والأشجار. الثاني - ماء الأودية العظام، مثل أنهار دجلة والفرات والنيل وبردى والعاصي وسيحون وجيحون ونحوها من الأنهار العامة. وللناس فيها حق الشفة مطلقاً، وحق سقي الأراضي إن لم يضر السقي بمصلحة الجماعة، فإن أضر بهم فلا يجوز السقي ؛ لأن المغني : ٤ ص ٢٣٢ ، انظر مصادر الحق السنهوري: ٢ ص ٩٦ وما بعدها ، المدخل الفقهي للأستاذ مصطفى (١) الزرقاء : ف ٢٣٤. وكذلك صحح الحنابلة الإجارة بالعربون (راجع غاية المنتهى: ٢ ص ٢٦). (٢) راجع تكملة فتح القدير والهداية: ٨ ص .١٤٤، رد المحتار على الدر المختار: ٥ ص ٣١١. الشفة - بفتحتين : وحق الشفة : هو الشرب بالشفاه بأن يتناول الإنسان بفمه ما شاء منه ، ويسقي بهائمه (٣) لدفع العطش ، ويغسل به حوائجه ونحو ذلك . والشرب بكسر الشين : هو لغة النصيب من الماء ، وشرعاً: نوبة الانتفاع بالماء ( أي وقته وزمنه ) لسقي الزراعة والدواب . - ٤٥٠ - دفع الضرر العام واجب، ويجوز أيضاً تركيب المطاحن المائية على هذه الأنهار إن لم یکن هناك ضرر عام. الثالث - الماء المملوك لجماعة مخصوصة كأهل قرية تختص بنهر صغير أو عين ماء أو بئر. ومنه الماء المأخوذ من الأنهار العامة الذي يجري في المقاسم أي المجاري المملوكة بشق الجداول ونحوها . ويثبت فيه لكل إنسان حق الشفة فقط للضرورة المقتضية إباحته لاحتياج الناس إليه، ولعدم امكان استصحاب الماء إلى كل مكان . الرابع - الماء المحرز في الأواني، وهو مملوك لمن أحرزه، ولا حق فيه لأحد غير صاحبه، ولا يجوز الانتفاع به إلا یاذن مالكه. وبهذا يظهر أن الماء بالنسبة للتملك والبيع إما مباح، أو غير مباح، والمباح حق للجميع لقوله مج اله: ((المسلمون شركاء في ثلاث: الماء، والكلاً، والنار))(١) والمقصود بالمباح : ما يشمل النوعين الأولين ، وهو ما لا يختص به أحد من الناس . وغير المباح أو المملوك: هو ما يدخل تحت الملكية سواء أكانت لفرد أم لجماعة، ويشمل النوعين الآخرين . وهذا هو المعنى المقصود أيضاً عند المالكية والشافعية والحنابلة(٢) وقد يسمى هذان النوعان: الماء الخاص والماء العام. فالأول: هو الماء المتلك في الأرض المملوكة كالبئر والعين . والثاني: هو غير المتلك في أرض غير مملوكة كالأنهار والعيون . حكم بيع الماء : اتفق العلماء على أنه يستحب بذل الماء بغير ثمن حتى ولو كان مملوكاً ولا يجبر المالك على بذل الماء، إلا في حال الضرورة بأن يكون قوم اشتد بهم العطش ، فخافوا الموت ، فيجب عليه سقيهم ، فإن منعهم ، فلهم أن يقاتلوه عليه . (١) أخرجه أبو داود في سننه، وأحمد في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه من حديث رجل من الصحابة. وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس، ورواه الطبراني عن ابن عمر (نصب الراية: ٤ ص٢٩٤). (٢) راجع القوانين الفقهية: ص ٣٣٩، المهذب: ١ ص٤٢٧ ومابعدها، المغني: ٤ ص ٧٨ ومابعدها . - ٤٥١ - ولكن الحنفية فصلوا فيما يباح به القتال فقالوا : يجوز للمضطر أن يقاتل بالسلاح مالك الماء في الحوض أو البئر أو النهر الذي في ملكه لأنه قصد اتلافه بمنع حقه وهو الشفة، والماء في البئر مباح غير مملوك . أما إن كان الماء محرزاً في الأواني، فيقاتل المضطر بغير السلاح، ويضمن له ما أخذ كما في حال أخذ الطعام عند المخمصة، لأن حل الأخذ للاضطرار لا ينافي الضمان . هذا ااذا كان الماء فاضلاً عن حاجة مالكه بأن کان یکفي لدفع الرمق لکل منھا، وإلا وجب تر که لمالكه(١). أما بيع الماء فللعلماء فيه رأيان مشهوران : رأي الجمهور، ورأي الظاهرية . أولاً - قال جمهور العلماء(٢): يجوز بيع غير المباح للناس جميعاً كماء البئر والعين والمحرز في الأواني ونحوها، ولصاحبه أن ينتفع به لنفسه، ويمنع غيره من الانتفاع. فله أن يمنع صاحب الحق في الشفة من الدخول في ملكه إذا كان يجد ماء بقربه، فإن لم يجد، يقال لصاحب البئر ونحوه: إما أن تخرج الماء إليه، أو تتركه ليأخذ الماء. واستدلوا على الجواز بدليلين : ١ - ثبت في الحديث الصحيح أن عثمان بن عفان رضي الله عنه اشترى بئر رومة من اليهودي في المدينة، وسبّلها أو حبسها على المسلمين، وذلك بعد أن سمع النبي صَ لّل يقول: ((من يشتري بئر رومة، فيوسع بها على المسلمين وله الجنة)) وكان اليهودي يبيع ماءها للناس. فهذا الحديث كما يدل على جواز بيع البئر نفسها ، وكذلك العين بالقياس عليها، يدل على جواز بيع الماء، لتقريره من الز لليهودي على البيع. ونوقش هذا بأنه كان في صدر الإسلام وكانت شوكة اليهود في ذلك الوقت قوية، والنبي معدل اته صالحهم في مبدأ الأمر على ما كانوا عليه، ثم استقرت أحكام الشريعة، التي شرع فيها رد المحتار والدر المختار: ٥ ص ٣١٣، تكملة فتح القدير: ٨ص ١٤٥ . (١) (٢) البدائع: ٥ص ١٤٦، رد المحتار: ٥ص٣١١ - ٣١٢، ٤ ص ٦، القوانين الفقهية: ص ٣٣٩، المهذب، المكان السابق، المجموع: ٩ ص ٢٧٨، المغني: ٤ ص ٧٩، غاية المنتهى: ٢ ص٩، ٢٧٧ . - ٤٥٢ - للأمة تحريم بيع الماء. ثم إن الماء هنا داخل في البيع تبعاً لبيع البئر، وهذا لاخلاف فیه(١) . ٢ - يقاس بيع الماء المباح على بيع الحطب بعد إحرازه، فإن النبي طاقم أقر بيعه بقوله: ((لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يغدو إلى الجبل، فيحتطب، فيبيع، فيأكل، ويتصدق، خيرله من أن يسأل الناس))(٢) ونوقش ذلك بأن تخصيص النص بالقياس مختلف فيه بين علماء الأصول، وبأن هذا القياس يقتضي جواز بيع الماء المحرز فقط ، دون ماء البئر ونحوه . ثانياً - قال الظاهرية (٣) : لا يحل بيع الماء مطلقاً، لا في ساقية ولا في نهر، ولا في عين، ولا في بئر، ولا في صهريج، ولا مجموعاً في قربة ولا في إناء، إلا أن تباع البئر كلها أو جزء مسمى منها، فيجوز البيع حينئذ، ويدخل الماء تبعاً للمبيع الأصلي. وقال أحمد في رواية عنه : لا يعجبني بيع الماء ألبتة . واحتج هؤلاء على المنع بما يأتي : ١ - ثبت أن النبي ◌ٍَّ قال: ((لا يباع فضل الماء ليباع به الكلا))(٤) فهذا النفي يدل على النهي عن بيع الماء الزائد عن الحاجة . ونوقش ذلك بأن النهي قد ورد على حالة خاصة : وهي ماقصد ببيع الماء حماية الكلا الذي حوله ويحتاج إليه الرعاء لرعي مواشيهم له . (١) نيل الأوطار: ٥ ص ١٤٦ . (٢) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة (نيل الأوطار: ٤ ص ١٦٢ ، الجامع الصغير: ٢ ص ١٢٢). (٣) المحلى : ٩ ص٨. أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وأخرجه البخاري وأحمد أيضاً بلفظ آخر (نيل الأوطار: ٥ص ٣٠٣). (٤) - ٤٥٣ - ٢ - صح أن النبي ◌ُ ◌ّ ((نهى عن بيع فضل الماء)) (١) فهذا الحديث صريح بتحريم بيع فضل الماء وهو الفاضل عن كفاية صاحبه ، سواء أكان في أرض مباحة ، أم في أرض مملوكة ، وسواء أكان للشرب أم لغيره . ونوقش ذلك بأنه معارض بحديث بئر رومة السابق ذكره، أو بأنه محمول على حالة خاصة كما ذكرنا . ونحن نرى أن النهي عن بيع فضل الماء يقصد به الماء الكثير كماء الآبار والعيون والأمطار التي تجتمع في أرض مملوكة، ويكون منعها عبثاً لامعنى له (٢). المطلب الثاني - أنواع البيع الفاسد البيع الفاسد في اصطلاح الحنفية كما قدمنا: ما كان مشروعاً بأصله لابوصفه ويفيد الملك بالقبض. وعند غير الحنفية: البيع إما صحيح أو باطل، وغير الصحيح لا يفيد الملك أصلاً. وسنذكرهنا نموذجاً من أنواع البيوع الفاسدة عند الحنفية، مع الإشارة إلى حكمها عند غيرهم . ١ - بيع المجهول : قال الحنفية : إذا كان المبيع أو الثمن مجهولاً جهالة فاحشة وهي التي تفضي إلى المنازعة ، فسد البيع؛ لأن هذه الجهالة مانعة من التسليم والتسلم ، فلا يحصل مقصود البيع . فإن كان مجهولاً جهالة يسيرة وهي التي لا تؤدي إلى المنازعة، لا يفسد البيع؛ لأن هذه الجهالة لا تمنع من التسليم والتسلم، فيحصل مقصود البيع. رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن اياس بن عبد (نيل الأوطار: ٥ص ١٤٥). (١) (٢) راجع أصول البيوع الممنوعة: ص ٤٦ ومابعدها . - ٤٥٤ - والعرف هو الحكم في بيان نوع الجهالة: يسيرة أو فاحشة. فإذا لم يبين مثلاً جنس الحيوان أو لم يبين ((ماركة)) المذياع أو آلة التصوير، يعتبر المبيع مجهولاً جهالة فاحشة تمنع من صحة العقد على بيعه، إذ تؤدي حتماً إلى نزاع شديد بين .(١) المتعاقدين(١). ومن الجهالة اليسيرة : أن يبيع شخص قفيزاً(٢) من صبرة معينة بدراهم، أو عدلاً من الثياب بكذا، ولا يعرف عددها ، أو هذه الصبرة بكذا، ولا يعلم عدد القفزان: جاز البيع(٣) لزوال الغرر، ولأن الجهالة مغتفرة لاتفضي إلى المنازعة عادة. ومثله أن يبيع أحد الشيئين أو الثلاثة دون مازاد عليها، مع اشتراط المشتري الخيار لنفسه بين أن يأخذ واحداً ويرد الباقي، وهو المعروف بخيار التعيين فيصح البيع استحساناً، والقياس أن يفسد البيع وهو قول زفر. وجه القياس : هو أن المبيع مجهول، لأنه باع أحد الشيئين، وهو غير معلوم، فكان المبيع مجهولاً ، فيمنع صحة البيع، كما لو باع أحد الأثواب الأربعة، وذكر الخيار، وعليه فلا یجیز زفر خیار التعيين . وأما وجه الاستحسان فهو أولاً - القياس على مشروعية خيار الشرط، والجامع بينهما مساس الحاجة إلى دفع الغبن ، وكل واحد من الخيارين طريق إلى دفع الغبن ، فورود الشرع في خيار الشرط يكون وروداً ههنا، والحاجة تتحقق بالتحري في ثلاثة أشياء، لاقتصار الأشياء في العادة على الجيد والوسط والرديء، فيبقى الحكم في الزيادة مردوداً إلى أصل القياس وهو أن يكون المبيع معلوماً، وعليه يكون بيع (١) الأموال ونظرية العقد: ص ٣١٢. القفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي تقريباً، (٢) والرطل مائة وثلاثون درهماً، والدرهم (٢,٩٧٥ غم). البدائع: ٥ ص ١٥٧ وما بعدها، المهذب: ١ ص٢٦٣٣ . (٣) - ٤٥٥ _ واحد من أربعة مثلاً مع الخيار فاسداً لعدم حاجة الناس إلى تشريعه باعتبار أن أصناف الأشياء إجمالاً تتراوح بين جید ووسط ورديء . وثانياً - لأن الناس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم إليه، فإن كل أحد لا يمكنه أن يدخل السوق ، فيشتري ما يحتاج إليه، وعلى التخصيص الأكابر (أي كبار السن) والنساء، فيحتاج الواحد من هؤلاء إلى أن يكلف غيره بشراء شيء، ولا تتحقق حاجته بشراء شيء واحد معين من جنس ما؛ لأنه قد لا يوافق حاجته أو رغبته، فيحتاج إلى أن يشتري أحد اثنين من الجنس، فيحملهما الشخص إلى من كلفه بالشراء، فيختار أيها شاء، بالثمن المذكور، ويرد الباقي، فجاز الشراء لتعامل الناس، ولا تعامل فيما زاد على الأشياء الثلاثة، فيبقى الحكم فيه على أصل القياس(١). ويلاحظ أن الأصح عند الحنفية في هذه الحالة عدم اشتراط تعيين مدة للخيار، كما في المدة المشترطة في خيار الشرط وهي : (ثلاثة أيام فما دونها عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: ثلاثة أيام ومازاد عليها بعد أن يكون الوقت معلوماً) فيصح البيع من غير ذكر المدة . وقال بعض الحنفية : لا يجوز هذا البيع إلا بذكر مدة خيار الشرط ؛ لأن المبيع لو كان شيئاً واحداً معيناً، وفيه خيار شرط، فإن بيان المدة شرط لصحة البيع، فكذا إذا كان واحداً غير معين . والجامع بينهما : أن ترك التوقيت تجهيل لمدة الخيار، وأنه مفسد للبيع . واستدل الأولون : بأن هناك فرقاً بين خيار الشرط وخيار التعيين: وهو أن خيار الشرط يمنع ثبوت حكم البيع، وهو نقل الملكية في مدة الخيار، فكان توقيت المدة أمراً ضرورياً في حدود الحاجة إلى دفع الغبن بالتأمل في صلاحية المبيع . أما (١) البدائع: ١٥٧/٥، فتح القدير: ١٣٠/٥، ١٩٧ . - ٤٥٦ - خيار التعيين فلا يمنع ثبوت حكم البيع بل يثبت الحكم في أحد الشیئین غير معين ، وإنما يمنع تعين المبيع فقط ، فلا يشترط له بيان المدة . ومن الجهالة الفاحشة أن يبيع إنسان أحد الأشياء الأربعة، أو شاة من قطيع على أنه بالخيار بين أن يأخذ واحداً منها ويرد الباقي، وكذا إذا اشترى أحد الأشياء الثلاثة أو أحد الشيئين، ولم يذكر فيه الخيار، فلا يجوز بيع ثوب من ثوبين ، أو من أثواب ثلاثة مثلاً، ويكون البيع فاسداً لجهالة المبيع، وهي جهالة تفضي إلى المنازعة ؛ لأن البائع يريد إعطاء الرديء، والمشتري يريد أخذ الجيد بحجة عدم التعيين(١) . وفي الجملة : إن الجهالة الفاحشة ترجع غالباً إلى أربع جهات (٢) أشرنا إليها سابقاً : الأولى - جهالة المبيع : جنساً أو نوعاً أو قدراً بالنسبة إلى المشتري ، وقد ذكرنا بعض الأمثلة عليها . الثانية - جهالة الثمن : كما إذا باع الفرس بمائة شاة من هذا القطيع ونحوه فيكون العقد فاسداً لجهالة الثمن . وكذا إذا باع هذا الثوب بقيمته، يكون البيع فاسداً، لأنه جعل ثمنه قيمته، والقيمة تختلف باختلاف تقويم المقومين ، فكان الثمن مجهولاً . وكذا لو اشترى شخص بحكم البائع أو المشتري أو بحكم فلان، يكون البيع فاسداً ، لأنه لا يدري بماذا يحكم فلان ، فكان الثمن مجهولاً . وإذا قال: ((بعتك هذا بقفيز حنطة أو بقفيزي شعير» يكون البيع فاسداً؛ لأن الثمن مجهول. وقيل: إنه البيعان في بيع، وقد نهى الرسول مَ ◌ّةٍ عن البيعتين في (١) المرجعان السابقان، الدر المختار بهامش رد المحتار لابن عابدين: ١١٥/٤. (٢) عقد البيع للأستاذ الزرقاء: ص ٢٦. - ٤٥٧ - بيعة (١). وإذا قال: ((إن أخذته حالاً بخمسة وإن أخذته مؤجلاً بسبعة)) فالبيع فاسد، لأنه لم يستقر الثمن على شيء، هل حالاً أو مؤجلاً؟ فلو رفع الإبهام وقبل على إحدى الصورتين ، صح . وكذا البيع برأس المال المجهول أو بالرقم(٢) (بسكون القاف) دون أن يعلم المشتري رقمه ولا رأس ماله فالبيع فاسد، فإن علم المشتري رأس ماله أو رقمه في مجلس البيع، فإنه يعود جائزاً استحساناً؛ لأن المانع من الجواز هو الجهالة عند العقد وقد زالت في المجلس، ولما كان للمجلس حكم حالة العقد، فقد صار كأنه كان معلوماً عند العقد ، فإذا لم يعلم حتى تفرقا تقرر الفساد(٣). وقال زفر: إذا وقع العقد فاسداً من حين وجوده لايحتمل الجواز بحال، لاستحالة انقلاب الفاسد جائزاً عنده(٤). وهذا متفق عليه بين المذاهب لجهالة الثمن ، فإن علم الثمن فقد اتفقوا على أنه لا بأس أن يبيع بالرقم ، بمعنى أن يقول : بعتك هذا الثوب برقمه، وهو الثمن المكتوب رواه الموطأ والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي معدّ نهى عن بيعتين في بيعة (انظر جامع (١) الأصول: ٤٤٦/١). (٢) وهو أن يعلم البائع على الثوب بعلامة كالكتابة يعلم بها الدلال أو غيره ثمن الثوب ولا يعلم المشتري ذلك المقدار (العناية: ١١٣/٥) ففي هذا البيع جهالة بذات المبيع ووصفه. وصورته: أن يكون هناك سلع متعددة تتفاوت أجناسها وقيها، وكل سلعة منها ذات رقم خَاص يختلف عن أرقام سواها، فيدفع المشتري قدراً من المال، ويأخذ ورقة تحمل رقماً خاصاً، فما وافق رقمه من السلع كان هو المبيع الذي يستحقه في نظير مبلغه، قل أو كثر، فيؤدي ذلك إلى فقد عنصر الاختيار والإرادة، وهذا يشبه بيع الحصاة الذي كان سائداً في الجاهلية (انظر أصول البيوع الممنوعة للأستاذ عبد السميع: ص ٧٢، ٧٥) والخلاصة: أن الرقم : هو الكتاب، ورقم الثوب كتابه، ومعنى بيع السلعة برقمها: هو أن يبيعها بما هو مكتوب فيها من الثمن، ولا يعلم به المشتري حتى ينظره بعد العقد، ومنه قوله تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾ (هامش المهذب: ٢٦٦/١)، وقد اتفقت المذاهب الأربعة والظاهرية على عدم جواز بيع شيء بما رقم أي كتب عليه من الثمن المجهول القدر. (٣) البدائع: ١٥٨/٥، رد المحتار: ٣٠/٤، فتح القدير مع العناية: ١١٣/٥، المبسوط: ٤٩/١٣. (٤) البدائع : ١٢٤/٦. - ٤٥٨ - ے عليه، إذا كان معلوماً لهما حال العقد ؛ لأنه بيع بثمن معلوم(١). ولا يجوز البيع عند الفقهاء بما ينقطع عليه السعر في السوق، أو بما يبيع الناس أو بما يقول فلان لجهالة الثمن ، وقد نقل عن الإمام أحمد جواز البيع بما ينقطع عليه السعر في المستقبل بتاريخ معين من غير تقدير الثمن أو تحديده وقت العقد، لتعارف الناس وتعاملهم به في كل زمان ومكان، وقد رجح جوازه ابن تيمية وابن القيم . والمراد به سعر السوق وقت البيع لا أي سعر في المستقبل(٣). الثالثة - جهالة الأجل: كما إذا باع إلى أجل كذا أو كذا، فيفسد البيع لأن الأجل مجهول. وكذا الجهالة في مدة خيار الشرط تفسد البيع، ودليل الفساد : هو أن النبي ◌َ ◌ّه ((نهى عن بيع حبل الحبلة)) وذلك بحسب المعنى الذي فسره ابن عمر راوي الحديث: وهو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة مافي بطنها، ثم تلد التي ولدتها . فالنهي ورد على التأجيل إلى أجل مجهول . ولو باع إلى قدوم الحاج والحصاد والدياس أو الدراس (دوس الحب بالقدم ونحوها) والقطاف (قطاف العنب) والجزاز (جز صوف الغنم) فالبيع فاسد؛ لأن هذه الجهالة مفضية إلى النزاع بسبب تقدم هذه الأوقات وتأخرها . فلو باع شخص إلى هذه الآجال، ثم تراضى الطرفان على إسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناس في الحصاد والدياس وقبل قدوم الحاج ، جاز البيع؛ لأن الفساد للمنازعة ، وقد ارتفع قبل تقرره، وهذه الجهالة ليست في صلب العقد، وإنما هي في أمر خارج: وهو الأجل(٣). (١) مغني المحتاج: ١٧/٢، المغني: ١٨٧/٤ . (٢) راجع مغني المحتاج: ١٧/٢، المهذب: ٢٦٦/١، القوانين الفقهية: ص ٢٥٧، الشرح الكبير للدردير: ١٥/٣، غاية المنتهى: ١٤/٢، أعلام الموقعين: ٥/٤ وما بعدها، المحلى: ١٩/٩، نظرية الضروة الشرعية للمؤلف: ص ١٧٨ ومابعدها . فتح القدير: ٢٢٢/٥ وما بعدها، المبسوط: ٢٦/١٣، رد المحتار: ١٢٥/٤. ويلاحظ أن البيع إلى هذه الآجال (٣) فاسد ، وأما تأجيل ثمن البيع إلى هذه الآجال فهو صحيح . - ٤٥٩ - ٠٠ الرابعة - الجهالة في وسائل التوثيق : كما لو اشترط البائع تقديم كفيل أو رهن بالثمن المؤجل فيجب أن يكونا معينين ، وإلا فسد البيع . هذا هو تفصيل مذهب الحنفية في بيع المجهول . وقال المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية : لا يجوز بيع عين مجهولة کسیارة من سیارات أو ثوب من ثوبین أو أثواب ، ولا بيع بثمن مجهول ولا بثمن مؤجل إلى أجل مجهول ونحو ذلك ، ويكون البيع حينئذ باطلاً ، لوجود الغرر بسبب جهالة المبيع، وقد نهى الرسول مع الله عن بيع الغرر. ومن هنا قرروا في شروط صحة البيع أن يكون المبيع معلوماً للمتعاقدين، لا من كل وجه، بل عيناً في المعين وقدراً وصفة فيا في الذمة ، وأن يكون الثمن معلوم الصفة والقدر والأجل ، فلا يجوز تعليق البيع على شرط مستقبل كمجيء الشهر وقدوم الحاج، لأنه بيع غرر(١). إلا أن المالكية أجازوا البيع إلى الحصاد أو الجداد أو العصير أو خروج الحاج أو النيروز والمهرجان والميلاد لأنها آجال معروفة، وأجازوا أيضاً البيع مع خيار التعيين ، وسموه بيع الاختيار، لكنهم اشترطوا اتحاد جنس المبيعين وصنفهما واتحاد الثمن، فلو وجد اختلاف لم یصح البيع(٢). الفرق بين الغرر والجهالة : الغرر أعم من الجهالة، فکل مجهول غرر، ولیس کل غرر مجهولاً ، فقد يوجد الغرر بدون الجهالة كما في شراء الآبق المعلوم الصفة، ولكن لا توجد الجهالة بدون الغرر(٣). حاشية الدسوقي: ١٥/٣، المهذب: ٢٦٣/١، ٢٦٦، مغني المحتاج: ١٦/٢، المغني: ٢٠٩/٤، ٢٣٤ ، غاية (١) المنتهى : ١١/٢ ، المحلى: ٤٩٧/٨ وما بعدها . (٢) الدسوقي على الشرح الكبير: ١٠٦/٣، القوانين الفقهية: ص ٢٦٩ ، المنتقى على الموطأ: ٢٩٨/٤، وأجاز الظاهرية تأجيل الثمن إلى الميسرة ( المحلى : ٤٧٧/٨ وما بعدها ) . الغرر وأثره في العقود: ص٣٩، الفروق للقرافي المالكي: ٢٦٥/٣، تهذيب الفروق بهامشه: ٢٧٠/٣ وما بعدها . (٣) - ٤٦٠ -